تقدير موقف

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. بين التصعيد المحدود واحتمالات الحرب الشاملة

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

يُعد انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران نقطة تحول جديدة في مسار الصراع، إذ يكشف أن التفاهمات المؤقتة لم تنجح في معالجة أسباب الأزمة، بقدر ما أسهمت في تأجيل انفجارها. وقد أعاد تجدد التصعيد العسكري طرح التساؤلات حول حدود المواجهة المقبلة، وإمكانات احتوائها، ومدى قدرة الأطراف على الموازنة بين استخدام القوة العسكرية والحفاظ على مسار التفاوض للحيلولة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

في هذا الإطار، يتناول تقدير الموقف الحالي أسباب انهيار الهدنة، والدلالات والمؤشرات التي كشفتها عودة التصعيد العسكري، ومواقف طرفي الصراع: الولايات المتحدة وإيران. كما يناقش السيناريوهات المحتملة لمستقبل الصراع، وينتهي بترجيح السيناريو الأكثر ترجيحًا، على ضوء المعطيات العسكرية والسياسية الراهنة.

أولًا: خرق الهدنة والتصعيد العسكري

خرقت الولايات المتحدة، في أواخر النصف الأول من يوليو 2026م، الهدنة القائمة بينها وبين إيران منذ توقيع مذكرة التفاهم بين البلدين، بعد أن أعادت فرض الحصار البحري على السواحل الإيرانية، وشنَّت سلسلة ضربات عسكرية ضد أهداف إيرانية كثيرة، بهدف تقويض قدرات الإيرانيين على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

لم تستهدف الولايات المتحدة المواقع العسكرية الإيرانية فقط، وإنما استهدفت أيضًا السكك الحديدية والجسور وبعض مرافق البنية التحتية. وكذلك كثفت هجماتها على الساحل الجنوبي لإيران، وهو المنطقة المطلة على مضيق هرمز والجزر الإيرانية.

ربط البعض بين تكثيف الضربات على الساحل الجنوبي وضرب البنية التحتية وإمكانية وجود تمهيد أمريكي لعمليات برية، أو التمهيد لوجود عسكري طويل الأمد في الجنوب الإيراني، بما يسمح بإضعاف السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.

في المقابل، ردت إيران على الضربات الأمريكية، في إطار عملية “الردع الانتقامي”، حيث ركزت ضرباتها المباشرة والدقيقة على مراكز الدعم والرادارات والقواعد الأمريكية في المنطقة.

كذلك قامت إيران باستهداف مواقع في دول الخليج، قالت إنها “مرتبطة بواشنطن”، غير أن الأهداف طالت مرافق للطاقة والمياه والنفط والنقل والاتصالات، في إطار معادلة “الأمن للجميع”.

وعلى الصعيد الإقليمي، اتسعت دائرة الصراع لتمتد إلى باب المندب، والتواجد العسكري الأمريكي في الأردن. ونتج عن هذه التطورات تداعيات اقتصادية وأمنية فورية، تمثلت في ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الملاحة البحرية.

دفع المستوى العالي للتصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران إلى الاعتقاد بأن الصراع قد يشهد انزلاقًا إلى حرب شاملة.

ثانيًا: أسباب التصعيد العسكري

لم يكن انهيار الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران وعودة التصعيد العسكري أمرًا مستبعدًا أو مفاجئًا لكثير من المتابعين؛ لأن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تضمَّنت بنودًا تحتمل تفسيرات متباينة، وهو ما أدَّى إلى نشوء خلافات، سرعان ما صارت مبررًا للتصعيد العسكري.

1 – خلافات البند الخامس:

نصَّت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، في 18 يونيو 2026م، على أن إيران سوف تلتزم بضمان المرور الآمن للسفن التجارية بين الخليج العربي وبحر عُمان، من دون فرض أي رسوم، لمدة ستين يومًا من تاريخ توقيعها. وأن تبدأ حركة الملاحة التجارية فورًا، مع مراعاة استكمال إزالة العوائق التقنية والعسكرية وعمليات إزالة الألغام التي تنفذها إيران. وفي موازاة ذلك، تجري طهران حوارًا مع سلطنة عُمان، وبالتشاور مع الدول الأخرى المطلة على الخليج العربي، لوضع آليَّات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق.

التفسير الإيراني لهذا البند هو أن مسؤولية إدارة الحركة في المضيق بقيت حصرًا بيد إيران، وأن أي تنسيق مع سلطنة عُمان أو دول الخليج يظل خيارًا سياديًّا لطهران، وأن الولايات المتحدة ليس لها دور في تنظيم المرور الآمن.

ويزداد التمسُّك الإيراني بهذا التفسير في ظِل إدراك طهران أن التحكُّم في المضيق أصبح مسألة وجودية، وأنه يمثل أهم أدواتها الفاعلة في موازنة الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية، فضلًا عن كونه ورقة ردع استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير في أمن الطاقة العالمي وخطوط التجارة الدولية.

في المقابل، رأت واشنطن أن البند الخامس يتيح إعادة فتح المضيق واستئناف التجارة البحرية، ودعمت وجود ممر ملاحي آمن بمحاذاة السواحل العُمانية، وهو ما اعتبرته طهران تجاوزًا للاتفاق ومحاولة أمريكية لتقليص السيطرة الإيرانية على المضيق.

لم تتجاهل طهران التطور الجديد المتمثل في الممر الجنوبي، واعتبرته انتهاكًا أمريكيًّا لبنود مذكرة التفاهم، وردت باستهداف السفن التي تستخدم ذلك الممر، الأمر الذي أدَّى إلى خرق الهدنة من جانب الولايات المتحدة، التي قامت بسلسلة من الضربات العسكرية ضد إيران بحجة حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز.

2 – دلالات ومؤشرات:

لعل أهم دلالة يمكن استخلاصها من الموقف الإيراني هي أن طهران تخشى من أن يؤدي عدم الرد إلى السماح لواشنطن بتغيير قواعد السيطرة على مضيق هرمز، وانتزاع أحد أهم المكاسب الاستراتيجية التي حققتها في الحرب الأخيرة، وهو فرض السيطرة على المضيق. ولهذا فإن إيران لن تتخلَّى عن سيطرتها على هذا الممر مهما بلغت كلفة هذا القرار؛ لأن أي تراجع في هذا الشأن سوف يقوض قدرتها على الردع خلال الحرب وبعدها.

في المقابل حاولت الولايات المتحدة الانتقال من مواجهة إيران عسكريًّا إلى إعادة تشكيل الوضع الأمني لمضيق هرمز، عبر تقليص الاحتكار الإيراني لإدارة المضيق، بفتح الممر العُماني، مما يقلل من قدرة طهران على استخدام المضيق كورقة ضغط.  

وهذا يشير إلى تراجع الثقة المتبادل بين الطرفين، وغياب التوافق الحقيقي، وهشاشة الهدنة التي يمكن خرقها مع أي تباين أو خلاف في تفسير بنود مذكرة التفاهم التي صارت منطلقًا لتجدد الصراع وليس أداة لاحتوائه، واستمرار الصراع على تعريف السيادة في مضيق هرمز.

ثالثًا: إرجاء خطط توسيع الهجوم الأمريكي

في 26 يوليو، وبعد قرابة أسبوعين من عودة التصعيد العسكري الأمريكي، وفي ظِل ضغوط دولية لمنع انزلاق منطقة الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع، أعلنت واشنطن تعليق الضربات العسكرية ضد إيران “مؤقتًا”، وإرجاء خططها لتوسيع الحملة العسكرية عليها.

1 – أسباب إرجاء توسيع الهجوم:

تعددت أسباب إرجاء خطط توسيع الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران، وتنوعت ما بين لوجيستية وسياسية ودبلوماسية، وهي على النحو الآتي:

  • تحذيرات هيئة الأركان الأمريكية المشتركة للرئيس ترامب من أن “استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق قد يؤدي إلى تراجع خطير في مخزونات الصواريخ الاعتراضية اللازمة لحماية القوات الأمريكية في الشرق الأوسط”.
  • رفض غالبية المقربين من الرئيس ترامب خطة التصعيد؛ لأن الضربات الواسعة قد تأتي بنتائج عكسية، عبر تعزيز تماسك القيادة الإيرانية وتركيز الرأي العام الداخلي على مواجهة التهديد الخارجي.
  • وجود تقييمات استخباراتية أمريكية تفيد بأن الموجة الجديدة من الهجمات على مواقع إيرانية لن تفعل الكثير لتغيير سلوك إيران.
  • وجود رغبة أمريكية في إتاحة مساحات أكبر للدبلوماسية، خاصَّة أن الضربات الأمريكية الحالية بلغت الحد الأقصى من فعاليتها.

2 – دلالات ومؤشرات:

ثمَّة دلالات يمكن استخلاصها من الأسباب المذكورة بشأن تعليق الهجمات الأمريكية، منها تراجع أولوية الخيار العسكري الشامل، ووجود قيود عسكرية على القدرة الأمريكية، وتزايد تأثير المؤسسة العسكرية والاستخباراتية في صنع القرار، والإقرار بمحدودية القدرة العسكرية في تغيير السلوك الإيراني، واستمرار الرهان على المسار الدبلوماسي، والخوف من أن يؤدي التصعيد الخارجي إلى تقوية النظام الإيراني بدلًا من إضعافه.

 وهذا يشير إلى انخفاض احتمالات شن حملة عسكرية واسعة في المدى القريب، في ظِل التركيز الأمريكي على إدارة الصراع – الذي يصعب حسمه سريعًا وبشكل كامل – من خلال استمرار الضغوط العسكرية المحدودة، والمحافظة على حالة الجهوزية في الشرق الأوسط، والحصار الاقتصادي والدبلوماسي، والإبقاء على خيار توسيع العمليات العسكرية والعودة إلى الحرب الشاملة قائمًا والتهديد به للضغط على إيران.

رابعًا: التفاوض على فتح مضيق هرمز

بالتزامن مع قرار الولايات المتحدة بتعليق هجماتها على إيران، كشفت الخارجية الإيرانية عن استمرار تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن، عبر وسطاء، من بينهم باكستان وعُمان ومصر.

وعلى الطرف الآخر، أعلنت الولايات المتحدة أن الرئيس ترامب منح الدبلوماسية فرصة جديدة، ولكنها “محدودة”، للتوصُّل إلى تفاهمات تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز.

1 – التفاوض بشأن مضيق هرمز:

ينصب تركيز طرفي الصراع والوسطاء على إيجاد توافق بشأن فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه. ووفقًا لما أوردته وسائل الإعلام، فإن مسؤولًا إقليميًّا مطلعًا على جهود الوساطة قد أكد أن الولايات المتحدة وإيران ترغبان في العودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، وأن هناك حلًّا وسطًا يجري التفاوض عليه حاليًا ويتمحور حول السماح لإيران بتسيير حركة السفن عبر مضيق هرمز مع تخفيف القيود المفروضة على الملاحة.

في هذا السياق، جرت مفاوضات بين إيران وسلطنة عمان، بشأن إدارة مضيق هرمز، الذي تتشارك الدولتان الإشراف على ضفتيه، حيث اقترحت السلطنة تشكيل تحالف إقليمي لتقديم الخدمات في المضيق، بما يتيح تعاونًا بين دول المنطقة في مجالات دعم الملاحة والخدمات اللوجستية، فيما تصر إيران على ضرورة أن يراعي أي اتفاق بشأن المضيق الحقوق السيادية للدولتين، وترى أن الولايات المتحدة ليست جزءًا من أي اتفاق بهذا الشأن.

2 – دلالات ومؤشرات:

تدل رغبة الطرفين في خفض التصعيد والوصول إلى اتفاق حول مضيق هرمز على أن قنوات إدارة الأزمة لا تزال مفتوحة رغم التصعيد العسكري وتوقف المفاوضات، وأن أمريكا تبني استراتيجيتها على التفاوض تحت ضغط التهديد باستخدام القوة، وتزايد دور الوسطاء وتعدد مسارات الوساطة، وتحول الاهتمام من العمليات العسكرية إلى وضع ترتيبات أمنية تضمن استقرار الملاحة بمضيق هرمز، الذي صار محور التسوية وأحد مفاتيح التفاهم الإيراني الأمريكي المستقبلي.

وهذا يشير إلى ارتفاع احتمالات التوصُّل إلى تفاهمات جزئية في حال تعذر الاتفاق الشامل بين الولايات المتحدة وإيران، وإمكانية تثبيت وقف إطلاق النار المؤقت، ودخول الصراع بين البلدين إلى مرحلة التفاوض تحت مظلة الردع، حيث يسعى الطرفان إلى تجنب استئناف الحرب الشاملة مع الحفاظ على أدوات الضغط المتبادل، متمثلة في التهديد العسكري من جانب أمريكا في مقابل التهديد بإغلاق المضيق من جانب إيران.

خامسًا: إمكانية اندلاع حرب شاملة

مع ظهور الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران حول تفسير بنود مذكرة التفاهم، ووصول الخلاف إلى حد خرق الهدنة والتصعيد العسكري، صار الانزلاق إلى حرب شاملة أحد الاحتمالات القائمة، خاصَّة إذا استمر كل طرف في تفسير بنود المذكرة وفقًا لمصالحه الاستراتيجية، وأصر على فرض الوقائع الميدانية بالقوة، مع غياب آليَّة ملزمة لحسم الخلافات أو منع تحولها إلى صدام عسكري.

ولكن الانزلاق إلى حرب شاملة يظل مرتبطًا بوضع طرفي الصراع وحساباتهما، وتقدير كل طرف للمكاسب والخسائر، ومدى استعداده لتحمُّل الكلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

1 – وضع الولايات المتحدة:

رغم عودة الغارات الجوية الأمريكية على إيران إلا أن الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين في إدارته لم يعلنوا عودة الحرب الشاملة. ويمكن إرجاع ذلك إلى عوامل عديدة، تتعلق بالوضع الميداني، والوضع السياسي في الداخل الأمريكي.

فعلى المستوى الميداني، تبدو الولايات المتحدة حتى الآن غير قادرة على حسم الصراع عسكريًّا، وأن قرارها العسكري مقيد بالخوف من زيادة الخسائر البشرية، وتناقص المخزون من الأسلحة الاعتراضية. في المقابل، تبدو إيران قادرة على امتصاص الضربات، وليس هناك ما يشير إلى تغيُّر في السلوك الإيراني تحت ضغط الضربات العسكرية.

وعلى المستوى الداخلي، تواجه الإدراة الأمريكية صعوبة في اتخاذ قرار التوسُّع في الحرب، في ظِل تراجع نسبة التأييد الشعبي للحرب إلى 40 بالمئة، وبعد أن أصبحت كلفة العمليات العسكرية وارتفاع الإنفاق الدفاعي والضغوط على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة عوامل مؤثرة في المنافسة على انتخابات مجلسي النواب والشيوخ القادمة.

لذلك، تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى توجيه ضربات عسكرية محدودة ومدروسة، تهدف من خلالها إلى إعادة بناء قوة الردع والضغط على إيران، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز كلفتها مكاسبها الاستراتيجية. 

لكن في ظِل وجود شخصية مثل ترامب، لا يمكن التنبؤ بما قد يُقدِم عليه، فقد يُقدِم على عمل خارج حدود الحسابات التقليدية إذا رأى أنه يحقق مكاسب سياسية أو يعزز صورة الردع الأمريكي، حتى وإن انطوى هذا العمل على مخاطر كبيرة أو دفع الصراع إلى مستويات أعلى.

2 – وضع إيران:

لا شك أن إيران لا ترغب في استئناف الحرب، وتدرك جيدًا فرق القوة بينها وبين الولايات المتحدة، ولكنها تدرك في الوقت نفسه أن التعرُّض للقصف كثمن للتمسُّك بالسيطرة على مضيق هرمز أقل بكثير من الثمن الذي يمكن أن تدفعه في حالة التراجع أمام الضغوط الأمريكية؛ لأن ورقة المضيق يمكن استخدامها في الردع المتبادل، وقد تستخدم هذه الورقة أيضًا في تخفيف ضغوط التفاصيل الصعبة في الملفات الأخرى التي تخضع للتفاوض، وقد يكون أي تراجع “محدود” في ملف المضيق ثمنًا لتراجع أمريكي في ملفات أخرى مهمة، كالملف النووي.

لهذا فإن إيران تبدو أكثر استعدادًا لتحمُّل كلفة التصعيد العسكري المحدود، في إطار معركة طويلة تستهدف استنزاف العدو. ومِن ثمَّ، فإن المُرجَّح هو أن تواصل الرد على أي هجمات أو إجراءات أمريكية تمسُّ نفوذها في المضيق، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء المواجهة ضمن حدود لا تؤدي إلى حرب شاملة، ما لم تُفرَض عليها هذه الحرب أو تتعرَّض مصالحها الحيوية لتهديد مباشر.

الرغبة الإيرانية في عدم الانزلاق إلى حرب شاملة لا تتعارض مع قناعة إيران بأن وقف إطلاق النار لم يكن سوى فرصة أرادتها الولايات المتحدة من أجل إعادة ترتيب الأوراق والعودة إلى الضغط من موقع أقوى، وأن الحرب الحالية مفتوحة وطويلة الأمد.

سادسًا: السيناريوهات المحتملة

يمكن بناء أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، على ضوء الوضع الميداني ومواقف طرفي الصراع. وهذه السيناريوهات على النحو الآتي:

السيناريو الأول: استمرار التصعيد المنضبط

وصف السيناريو: يستمر تبادل الضربات العسكرية المحدودة بين أمريكا وإيران، مع امتناع الطرفين عن الانتقال إلى حرب شاملة، بالتزامن مع استمرار الضغوط الاقتصادية والجهود الدبلوماسية للوسطاء.

عوامل التحقق: استمرار رغبة واشنطن في تجنُّب حرب استنزاف جديدة، وإدراك إيران اختلال ميزان القوى العسكري، واستمرار الوساطات الإقليمية، وارتفاع تكلفة الحرب على الطرفين، وبقاء الخلاف محصورًا في ملف مضيق هرمز.

مظاهر التحقق: ضربات أمريكية محدودة ومتقطعة، وردود إيرانية محسوبة، واستمرار التهديد بإغلاق المضيق دون إغلاق كامل، واستمرار تبادل الرسائل عبر الوسطاء، وعدم إعلان أي طرف الحرب الشاملة.

موانع التحقق: وقوع هجوم يؤدي إلى خسائر أمريكية كبيرة، واستهداف منشآت نفطية خليجية بصورة واسعة، وانهيار قنوات الوساطة.

احتمالية التحقق: احتمالية هذا السيناريو مرتفعة؛ لأن المعطيات الحالية تشير إلى أن أيًّا من طرفي الصراع لا يمتلك مصلحة حقيقية في الانزلاق إلى حرب شاملة.

السيناريو الثاني: التفاهم الجزئي وتثبيت وقف إطلاق النار

وصف السيناريو: تنجح الوساطات في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار من خلال اتفاق محدود يركز على أمن الملاحة في مضيق هرمز، دون معالجة بقية الملفات الخلافية، بما يحول دون استئناف الحرب الشاملة.

عوامل التحقق: نجاح وساطة القوى الإقليمية، واقتناع واشنطن بأن التصعيد العسكري بلغ حدوده ولم تعد هناك مصلحة من استمراره، ورغبة إيران في تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية، وتوافق الطرفين على إدارة الأزمة بدلًا من حسمها.

مظاهر التحقق: وقف الضربات العسكرية الأمريكية، وتوقف الرد الإيراني، واستئناف المفاوضات، والتوصُّل إلى اتفاق جديد لتنظيم الملاحة، وتخفيف جزئي للقيود البحرية، واستمرار الخلاف في الملفات الأخرى.

موانع التحقق: تمسُّك كل طرف بتفسيره للبند الخامس من مذكرة التفاهم، وضغوط إسرائيل لإفشال التفاهم، ووقوع حادث عسكري مفاجئ.

احتمالية التحقق: احتمالية هذا السيناريو متوسطة إلى مرتفعة؛ لأن هذا السيناريو ينسجم مع إدراك الولايات المتحدة وإيران أن كلفة استئناف الحرب الشاملة ستكون أعلى من المكاسب المتوقعة منها، وهو ما يعزز فرص العودة إلى مسار التفاوض.

السيناريو الثالث: توسع المواجهة إلى حرب إقليمية محدودة

وصف السيناريو: يتجاوز التصعيد حدود الضربات المحدودة ليشمل نطاقًا أوسع من العمليات العسكرية، مع انخراط أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، دون الوصول إلى غزو أمريكي بري لإيران.

عوامل التحقق: استمرار استهداف الملاحة، وارتفاع وتيرة الضربات المتبادلة، وتدخل أطراف إقليمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وحدوث سوء تقدير عسكري من أحد الأطراف.

مظاهر التحقق: رفع مستويات الجاهزية العسكرية، واتساع نطاق الضربات، واستهداف قواعد ومصالح أمريكية بالمنطقة، ورد إيران على الضربات، واضطراب أكبر في الملاحة وأسواق الطاقة، واتساع رقعة المواجهة لتشمل ساحات إقليمية أخرى عبر الحلفاء والوكلاء.

موانع التحقق: الخشية الأمريكية من حرب استنزاف طويلة الأمد، والضغوط الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد، ورفض دول إقليمية اتساع نطاق الحرب، واستمرار قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران.

احتمالية التحقق: احتمالية هذا السيناريو متوسطة؛ لأنه يجمع بين عاملين متعارضين: تصاعد دوافع توسيع العمليات العسكرية، في مقابل حرص الأطراف الرئيسة على تجنُّب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد يصعب احتواء تداعياتها.

السيناريو الرابع: استئناف الحرب الشاملة

وصف السيناريو: ينهار مسار التهدئة بالكامل، وتعود الولايات المتحدة وإسرائيل إلى شن حملة عسكرية واسعة تستهدف البنية العسكرية والمدنية الإيرانية، مع رد إيراني واسع يشمل مضيق هرمز والقواعد الأمريكية، بما يحول الصراع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

عوامل التحقق: وقوع هجوم كبير من أحد الطرفين على الطرف الآخر، وحدوث خسائر واسعة النطاق، وانهيار المفاوضات بصورة كاملة، وقرار أمريكي بتغيير قواعد الاشتباك، ونجاح إسرائيل في دفع واشنطن نحو الحرب، وفشل الوسطاء في احتواء التصعيد.

مظاهر التحقق: شن حملة جوية وصاروخية واسعة النطاق، وإغلاق أو تعطيل واسع لمضيق هرمز، واستهداف القواعد الأمريكية، واضطراب شديد في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، ودخول أطراف إقليمية في المواجهة.

موانع التحقق: الكلفة الاقتصادية والعسكرية والبشرية الباهظة، ومحدودية القدرة الأمريكية على حسم الحرب سريعًا، والمعارضة السياسية والشعبية للحرب داخل الولايات المتحدة، واستمرار جهود الوساطة.

احتمالية التحقق: احتمالية هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة؛ لأن أطراف الصراع تدرك أن كلفة الحرب الشاملة تفوق مكاسبها الاستراتيجية، وهو ما يدفعها إلى تفضيل إدارة الصراع واحتواء التصعيد.

السيناريو المُرجَّح

يُعد السيناريو الأول الأكثر ترجيحًا؛ لأنه يُبنى على حسابات أطراف الصراع في المرحلة الحالية؛ إذ لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في خوض حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط، في ظِل القيود العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تواجهها، كما تدرك إيران اختلال ميزان القوى العسكري، وتسعى إلى الحفاظ على أوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تهدد استقرارها الداخلي ومستقبل نظامها الحاكم.

وفي الوقت نفسه، لا تزال قنوات الوساطة الإقليمية والدولية قائمة، وهو ما يوفر فرصًا لاستمرار الاتصالات غير المباشرة حتى في ظِل التصعيد العسكري.

ولا يعني ترجيح هذا السيناريو استبعاد السيناريوهات الأخرى، وإنما يعني أن الصراع خلال المدى المنظور سيظل محكومًا بحسابات الردع التي تدفع إلى انتهاج سياسة التصعيد المنضبط، مع بقاء احتمالات الانتقال إلى سيناريو الحرب الشاملة قائمةً إذا انهارت الوساطات، أو وقع خطأ في التقدير العسكري، أو تغيرت الحسابات السياسية والاستراتيجية لأطراف الصراع.

التقدير العام

تشير معطيات الصراع الحالية إلى أن الولايات المتحدة وإيران يتجهان نحو إدارة التصعيد أكثر من الاتجاه إلى الحسم العسكري؛ إذ يسعى الطرفان إلى توظيف الضغوط العسكرية والاقتصادية لتحسين مواقفهما التفاوضية، مع تجنُّب الانزلاق إلى حرب شاملة. ومع ذلك، يظل ضعف التفاهمات، وإمكانية انهيار المفاوضات، واحتمالات سوء التقدير، وتعقيدات ملف مضيق هرمز، عوامل كفيلة بإعادة دفع الأزمة نحو الحرب الشاملة.

خاتمة

تكشف تطورات التصعيد العسكري أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها الخلاف مقتصرًا على الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، وإنما امتد إلى إعادة تعريف قواعد الأمن الإقليمي والسيطرة على مضيق هرمز، الذي أصبح محورًا رئيسًا في معادلة الردع والتفاوض بين البلدين.

وقد أظهرت الأحداث أن مذكرة التفاهم لم تؤسِّس لتسوية مستقرة، بقدر ما وفرت هدنة مؤقتة سرعان ما انهارت بفعل التباين في تفسير بنودها، خاصَّة ما يتعلق بإدارة الملاحة في المضيق، الأمر الذي أعاد الصراع إلى الواجهة العسكرية.

وفي المقابل، كشفت مواقف طرفي الصراع أن كلاًّ منهما يسعى إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر استخدام القوة المحدودة، دون تحمُّل كلفة حرب شاملة يصعب حسمها، وقد تترتب عليها تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة. كما أبرزت الأزمة استمرار فاعلية الوساطات الإقليمية، وتزايد أهمية التفاهمات الجزئية في إدارة الصراع، حتى مع غياب اتفاق شامل بين الطرفين.

وبناءً على ذلك، فإن المرحلة المقبلة تبدو مرشحة لاستمرار نمط التصعيد المنضبط الذي يجمع بين الضغوط العسكرية المحدودة، والردع المتبادل، والانخراط في مفاوضات غير مباشرة، مع بقاء احتمال الانتقال إلى مستويات أعلى من المواجهة العسكرية قائمًا إذا انهارت الوساطات، أو تعذر التوصُّل إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز، أو حدث تحول جوهري في الحسابات الاستراتيجية لأطراف الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى