تقدير موقف

مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.. المؤشرات، والمواقف، والتبعات، والسيناريوهات المحتملة

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

بعد ما يقرب من أربعة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبيَّن لطرفي الصراع أن الحسم العسكري الكامل يظل هدفًا صعب المنال، وأن كلفة استمرار المواجهة تتجاوز المكاسب المتوقعة منها، في ظِل اتساع دائرة الاستنزاف العسكري والاقتصادي وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.

في هذا السياق، جاءت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية بوصفها إطارًا مرجعيًّا لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران.

ويسعى هذا التقدير إلى تحليل بنود المذكرة ومؤشراتها الاستراتيجية، واستعراض مواقف الأطراف الرئيسة منها، واستشراف تبعاتها الإقليمية والدولية، وطرح السيناريوهات المحتملة لمستقبل الاتفاق النهائي الذي يمكن أن يترتب عليها.

أولًا: مذكرة التفاهم والمفاوضات النهائية

في 18 يونيو 2026م، وقع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلكترونيًّا وعن بُعْد، مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، بعد أن وقع عليها نظيره الأمريكي دونالد ترامب.

تُعَد مذكرة التفاهم – التي تشتمل على 14 بندًا – إطارًا مرجعيًّا لمفاوضات الاتفاق النهائي، التي تقرر أن تُجرَى بهدف التوصُّل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران.

1 – بنود مذكرة التفاهم:

يمكن تصنيف البنود الواردة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تصنيفًا مضمونيًّا في 6 مجموعات رئيسة، هي على النحو الآتي:

  • البنود العسكرية والأمنية: وتشمل البنود المتعلقة بوقف الأعمال العسكرية، والترتيبات والضمانات الأمنية، وانتشار القوات. وتهدف إلى احتواء التصعيد العسكري وإرساء حالة من التهدئة الدائمة.

وتَنصُّ هذه البنود على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها مستقبلًا، مع سحب القوات الأمريكية من محيط إيران خلال ثلاثين يومًا، وعدم نشر قوات إضافية خلال الفترة الانتقالية، والتأكيد على وحدة أراضي لبنان وسيادته ضمن ترتيبات التهدئة الإقليمية.

  • البنود السياسية والسيادية: وتشمل البنود المرتبطة بالسيادة الوطنية، وعدم التدخل، والإطار القانوني والسياسي للاتفاق. وتهدف إلى إرساء إطار دائم لإدارة العلاقات بين الطرفين، يختلف عن الإطار الموجود قبل الحرب.

وتَنصُّ هذه البنود على احترام الولايات المتحدة وإيران لسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والتوصُّل إلى اتفاق نهائي لإيقاف الحرب، على أن يُعتمَد بقرار مُلزِم من مجلس الأمن، مع إنشاء آليَّة مشتركة لمتابعة التنفيذ وضمان الالتزام واستدامة الاتفاق.

  • البنود البحرية والملاحة الدولية: وتشمل البنود المتعلقة بحرية الملاحة، وأمن المضائق البحرية، وحركة السفن. وتهدف إلى استعادة أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، من أجل استعادة استقرار أسواق الطاقة.

وتَنصُّ هذه البنود على رفع الحصار البحري عن إيران وإنهائه خلال ثلاثين يومًا مع استئناف حركة السفن تدريجيًّا، والتزام إيران بتأمين الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز وإزالة العوائق والألغام البحرية، إلى جانب إطلاق حوار مع سلطنة عُمان ودول الخليج لوضع ترتيبات مستقبلية لإدارة المضيق وخدماته وفق القانون الدولي.

  • البنود الاقتصادية والمالية: وتشمل البنود المتعلقة بإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، والتجارة، والأصول المالية. وتهدف إلى إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي وإنهاء عزلتها الاقتصادية ومنحها مزايا مشجعة على الوصول إلى اتفاق.

وتَنصُّ هذه البنود على إطلاق خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وإنهاء جميع العقوبات الدولية والأمريكية المفروضة عليها، وإصدار إعفاءات تسمح بتصدير النفط الإيراني والخدمات المرتبطة به، فضلًا عن الإفراج الكامل عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، بما يمهد لعودة إيران التدريجية إلى النظامين المالي والتجاري الدوليين.

  • البنود النووية: وتشمل البنود الخاصَّة بالبرنامج النووي، واليورانيوم المُخصَّب، وآليَّات الرقابة. وتهدف إلى ضبط البرنامج النووي ومنع انزلاقه نحو الاستخدام العسكري.

وتَنصُّ هذه البنود على التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك أو تطوير أسلحة نووية، ومعالجة وضع مخزون المواد المُخصَّبة، وخفض مستويات التخصيب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومناقشة قضايا التخصيب والاحتياجات النووية الإيرانية ضمن إطار يُحدَّد في الاتفاق النهائي، مع الحفاظ على الوضع القائم للبرنامج النووي وعدم فرض عقوبات أمريكية جديدة خلال فترة التفاهم.

  • البنود الإجرائية والتنفيذية: وتشمل البنود المتعلقة بآليَّات التفاوض، والجداول الزمنية، والرقابة على التنفيذ. وتهدف إلى ضمان الانتقال التدريجي من مرحلة التفاهم الأوَّلي إلى الاتفاق النهائي الدائم.

وتَنصُّ هذه البنود على البدء الفوري في تنفيذ عدد من البنود الأساسية، منها وقف العمليات العسكرية ورفع الحصار وتسهيل الملاحة وتفعيل إعفاءات النفط والإفراج عن الأموال المجمدة، يعقبها إطلاق مفاوضات الاتفاق النهائي وفق جدول زمني محدد، مع إنشاء آليَّة مشتركة لمتابعة التنفيذ ومعالجة أي إشكالات قد تطرأ خلال مراحل التطبيق.

إجمالًا، تكشف بنود مذكرة التفاهم عن تحوُّلات استراتيجية كبيرة في طبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية، في حال الوصول إلى اتفاق نهائي، إذ تتجاوز مجرد تسوية الملف النووي إلى صفقة شاملة، تعيد هندسة العلاقة والنظام الأمني الإقليمي.

2 – مؤشرات استراتيجية:

لا تقتصر أهمية مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على ما تتضمنه من ترتيبات إجرائية وفنية تؤطر للاتفاق النهائي، بل تكمن أيضًا في المؤشرات الاستراتيجية التي تعكسها بشأن طبيعة العلاقة بين الطرفين ومستقبل التفاعلات الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، تكشف بنود المذكرة عن مجموعة من المؤشرات التي توضح اتجاهات التسوية وحدودها وآفاقها المحتملة، ومنها ما يأتي:

  • أولوية احتواء التصعيد وإرساء تهدئة إقليمية، حيث تعكس المذكرة قناعة مشتركة لدى واشنطن وطهران بأن كلفة التصعيد العسكري أصبحت مرتفعة، وأن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تثبيت تهدئة تشمل جبهات متعددة، ولا سيما لبنان، والانتقال إلى إدارة التنافس ضمن قواعد متفق عليها، تَحدُّ من أدوات الضغط المباشر وغير المباشر.
  • التحوُّل من سياسة الضغط إلى التسوية، حيث تكشف البنود الاقتصادية والمالية عن تحوُّل كبير في المقاربة الأمريكية من الاحتواء والعقوبات إلى التسوية، من خلال الاستعداد لاستثمارات ضخمة في الاقتصاد الإيراني، ومعالجة أحد أهم المطالب الاستراتيجية لطهران، وهو رفع العقوبات، وتهيئة الظروف لإعادة دمج إيران تدريجيًّا في النظام الاقتصادي العالمي باعتبار الاستقرار الاقتصادي جزءًا من التسوية الأمنية.
  • مقايضة البرنامج النووي بالحوافز الاقتصادية والأمنية، حيث تؤشر الترتيبات النووية إلى تثبيت مبدأ منع التسلح النووي مقابل الاعتراف بحق إيران في برنامج نووي سلمي، وتبني مقاربة تقوم على “القيود مقابل الحوافز”، في إطار سعي متبادل إلى بناء الثقة ومنع التصعيد؛ إذ تمتنع إيران عن توسيع برنامجها النووي، مقابل التزام الولايات المتحدة بعدم فرض عقوبات جديدة أو تعزيز وجودها العسكري بالمنطقة وقريبًا من إيران.
  • بناء الثقة عبر المكاسب المتبادلة والتدرج في التنفيذ؛ حيث تكشف المذكرة عن إدراك متبادل لعمق أزمة الثقة بين الطرفين؛ إذ أصرت إيران على الحصول على مكاسب عملية وفورية، مثل الإفراج عن الأموال المجمدة وتسهيل تصدير النفط، قبل تقديم تنازلات نهائية، بما يعكس تبني مبدأ “التنفيذ مقابل التنفيذ”، واستخدام الحوافز الاقتصادية لتعزيز فرص نجاح المفاوضات.
  • إضفاء الطابع المؤسسي والدولي على التسوية، حيث تعكس آليَّات التنفيذ والرقابة، إلى جانب السعي لاعتماد الاتفاق بقرار مُلزِم من مجلس الأمن الدولي، إدراك الطرفين لضرورة تقليل احتمالات الخلاف حول التفسير والتنفيذ، وتحصين الاتفاق من التغيرات السياسية الداخلية، ولا سيما تبدل الإدارات الأمريكية، عبر تدويله ومنحه شرعية قانونية وضمانات دولية.

3 – مفاوضات الاتفاق النهائي:

على ضوء البنود الواردة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، فإن الاتفاق النهائي المنتظر لن يكون مجرد اتفاق نووي تقني، بل المُستهدَف هو الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي ودائم، يُمثل إطارًا لإعادة تنظيم العلاقات بين واشنطن وطهران، سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.

لذلك، فإن المفاوضات – التي بدأت في جنيف، في 21 يونيو 2026م – سوف تتسم بالتشعُّب والتعقيد؛ لكثرة التحديات التي تكمن في التفاصيل، حتى وإن كانت هناك فرص حقيقية تتيحها بنود مذكرة التفاهم.

من المُنتظَر أن تتناول مفاوضات الاتفاق النهائي تفاصيل كثيرة شائكة في جميع الملفات المطروحة للتفاوض، ومنها ما يأتي:

  • الملف النووي: تحديد سقف ومستويات تخصيب اليورانيوم، وحجم المخزون المسموح به لإيران من المواد المُخصَّبة، وآليَّات الرقابة والتفتيش، ومستقبل أجهزة الطرد المركزي والمنشآت النووية، وحدود الأنشطة البحثية والتطويرية، والضمانات المطلوبة لمنع تحويل البرنامج النووي إلى أغراض عسكرية.
  • ملف رفع العقوبات: وضع جدول زمني متدرج لرفع العقوبات الأمريكية والأوروبية والأممية، وتحديد العقوبات المشمولة بالرفع الفوري أو التدريجي، وآليَّات التحقق من التنفيذ، وشروط إعادة فرض العقوبات في حال الإخلال بالاتفاق.
  • ملف الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية: تحديد حجم الأموال والأصول المشمولة بالإفراج، وآليَّات الإفراج عنها وتحويلها واستخدامها، والجهات المخولة بإدارتها، والضمانات القانونية والمصرفية المتعلقة بها.
  • ملف الترتيبات الاقتصادية: تحديد جهات وآليَّات تمويل خطة إعادة إعمار إيران وتأهيل اقتصادها، وتنظيم عودة إيران إلى الأسواق المالية وأسواق الطاقة العالمية، وتحديد مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري وآليَّات تمويلها.
  • ملف الترتيبات الأمنية والإقليمية: وضع ضوابط لخفض الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وترتيبات أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وآليَّات منع التصعيد وإدارة الأزمات، وتحديد طبيعة التهدئة في الساحات الإقليمية المرتبطة بالنزاع.
  • آليَّات التنفيذ والضمانات: إنشاء آليَّات رقابة ومتابعة مشتركة، وتحديد إجراءات تسوية الخلافات، وآليَّات التحقق والامتثال، والضمانات الدولية والقانونية التي تكفل استمرار الاتفاق.

هذه التفاصيل وغيرها تنطوي على تحديات قد تعرقل المفاوضات أو تنسفها تمامًا، ومن هذه التحديات ما يأتي:

  • تراكم خبرات سابقة من الإخلال بالالتزامات المتبادلة، ولا سيما الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي السابق، بما يثير شكوكًا متبادلة بشأن جدية الالتزام واستدامته.
  • تعارض بعض المتطلبات الأمنية الأمريكية والإسرائيلية مع رغبة إيران في الحصول على مكاسب اقتصادية سريعة وكاملة ورفع شامل للعقوبات.
  • الطبيعة الفنية والسياسية شديدة التعقيد للبرنامج النووي الإيراني، وصعوبة التوصُّل إلى صيغة تحقق متطلبات عدم الانتشار وتحافظ في الوقت ذاته على الحقوق النووية الإيرانية.
  • احتمال معارضة قوى سياسية ومؤسسات نافذة داخل الولايات المتحدة وإيران لأي تنازلات جوهرية، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط تحد من مرونة المفاوضين.
  • تخوُّف بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل وبعض الدول العربية، من أن يؤدي الاتفاق إلى تعزيز النفوذ الإيراني وإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة.

وعلى الرغم من كثرة التفاصيل الشائكة والتحديات، إلا أن الفرص المتاحة قد تساعد طرفي الصراع في التوصُّل إلى اتفاق، ومن أبرزها ما يأتي:

  • إدراك الطرفين أن استمرار المواجهة العسكرية والتصعيد المتبادل يفرض كلفًا أمنية واقتصادية وسياسية مرتفعة يصعب تحملها على المدى الطويل.
  • حاجة إيران إلى رفع العقوبات واستعادة الاندماج الاقتصادي، ورغبة الولايات المتحدة في منع الانتشار النووي وخفض التوترات الإقليمية وتجنب الانخراط في صراع طويل.
  • البدء بتنفيذ إجراءات عملية مبكرة، مثل الإفراج عن الأموال المجمدة وتسهيل صادرات النفط ووقف التصعيد العسكري، بما يُعزز الثقة تدريجيًّا بين الطرفين.
  • إمكانية إضفاء شرعية قانونية ودولية على الاتفاق من خلال قرار مُلزِم من مجلس الأمن، وإنشاء آليَّات رقابية وتنفيذية متعددة الأطراف تقلل احتمالات انهياره مستقبلًا.

ثانيًا: مواقف أطراف الصراع

أعادت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية رسم مواقف الأطراف المنخرطة في الصراع، وأفرزت تباينًا واضحًا في تقدير المكاسب والخسائر السياسية والاستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ودول الخليج؛ إذ إن افتراض تنفيذها بصيغتها الحالية وتبلورها في اتفاق نهائي يجعل ميزان الربح والخسارة يميل بوضوح لصالح إيران، تليها الولايات المتحدة، في حين تبدو إسرائيل الخاسر النسبي الأكبر، تليها دول الخليج.

1 – موقف الولايات المتحدة:

على الرغم من أن الولايات المتحدة قد بدأت الحرب مطالبةً بـ”استسلام غير مشروط” من جانب إيران، إلا أنها أنهت النزاع بمذكرة تفاهم لا تتناسب بنودها مع الأهداف الكبرى التي كان الرئيس الأمريكي ترامب قد أعلنها قبل اندلاع الحرب.

ومع ذلك، يَرى ترامب أن الولايات المتحدة “هزمت إيران عسكريًّا بشكل كامل”، وأن مذكرة التفاهم بين البلدين تمثل “نوعًا من الاستسلام غير المشروط”.

غير أن الانتقادات الموجهة لمذكرة التفاهم تتصاعد داخل الولايات المتحدة، من جانب الديمقراطيين وقطاع من الجمهوريين ومراكز بحثية وشخصيات محافظة ومنظمات داعمة لإسرائيل، بسبب غموض الاتفاق والامتيازات الواسعة التي يمنحها لإيران.

ولكن بحسابات الربح والخسارة، يمكن القول إن مكاسب الولايات المتحدة تتمثل في نجاحها في وقف الحرب وتجنُّب الانخراط في صراع طويل ومكلف في الشرق الأوسط، ومنع إيران من تطوير سلاح نووي من خلال إخضاع برنامجها النووي لقيود ورقابة دولية، فضلًا عن ضمان أمن الملاحة في الخليج واستقرار أسواق الطاقة العالمية. كما يتيح الاتفاق لواشنطن خفض وجودها العسكري في المنطقة وتقديم إنجاز دبلوماسي يقوم على إدارة التنافس مع إيران عبر التفاوض والضمانات الدولية بدلًا من المواجهة المباشرة.

في المقابل، تتكبد الولايات المتحدة خسائر استراتيجية تتمثل في التراجع عن سياسة “الضغوط القصوى” والقبول برفع العقوبات والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية، بما يعيد دمج إيران في الاقتصاد العالمي ويمنحها موارد مالية كبيرة. كما اضطرت واشنطن إلى الاعتراف الضمني بحق إيران في برنامج نووي سلمي، وبمكانتها بوصفها طرفًا إقليميًّا لا يمكن تجاوزه.

2 – موقف إيران:

بالمثل، اعتبرت إيران مذكرة التفاهم انتصارًا سياسيًّا واستراتيجيًّا، مبررةً ذلك بأن الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين والدوليين فشلوا في تحقيق الأهداف التي أعلنوها قبل الحرب، وأهمها القضاء على البرنامجين النووي والصاروخي وإخضاع الجمهورية الإسلامية لشروطهم.

وقد حرصت الأصوات المحافظة في إيران على تأكيد أن التفاهم لم يأتِ نتيجة تنازل إيراني، بل بفعل قدرة طهران على فرض معادلة جديدة في الميدان، وصعوبة كسر إيران عسكريًّا. وأن التفاهم صُمِّم على أساس انعدام الثقة بأمريكا، ولذلك يقوم على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”. 

ومع ذلك، هناك تيار من الإيرانيين، خاصَّة من الأصوليين، ينظر بارتياب إلى الاتفاق، ويَعترِض على تهميش دور البرلمان، ويُحذر من تكرار تجربة الاتفاق النووي السابق الذي انسحبت منه الولايات المتحدة، ويرفض أي تراجع في الملف النووي أو السماح بعودة عمليات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

تُعَد إيران الرابح الأكبر من الاتفاق؛ إذ تحصل على وقف العمليات العسكرية وإنهاء التهديد الأمريكي المباشر، ورفع العقوبات الدولية والأمريكية، والإفراج عن الأموال والأصول المجمدة، واستعادة صادرات النفط، وعودتها التدريجية إلى النظامين المالي والتجاري الدوليين. كما تستفيد من خطة إعادة إعمار ضخمة ومن خفض الوجود العسكري الأمريكي في محيطها، وتحصل على اعتراف دولي ضمني بحقها في برنامج نووي سلمي وبكونها فاعلًا إقليميًّا رئيسًا، إلى جانب ضمانات قانونية ودولية تُعزز استقرار الاتفاق واستدامته.

أما خسائر إيران، فتتمثل أساسًا في قبولها قيودًا على برنامجها النووي والتزامها بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وخضوع أنشطتها النووية لرقابة دولية مشددة وآليَّات تحقق مستمرة، فضلًا عن احتمال اضطرارها إلى إبداء قدر أكبر من الانضباط في بعض سياساتها الإقليمية وتقديم ضمانات أمنية تتعلق بأمن الملاحة ومنع التصعيد، وهي تنازلات قد تحد من هامش حركتها الاستراتيجية مقارنةً بما كانت تسعى إليه سابقًا.

3 – موقف إسرائيل:

جاء توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية بمثابة صدمة سياسية واستراتيجية لإسرائيل، بعد أن رأت في بنودها تقويضًا لما يَصِفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”النصر المطلق”، وإجهاضًا لحرية حركة جيش الاحتلال في مواجهة حزب الله على الجبهة اللبنانية. وقد نُقِل عن مستشار نتنياهو أن إسرائيل لا تعد نفسها ملزمة بالشق اللبناني في مذكرة التفاهم.

وقد كشف الاتفاق عن تباينات ملحوظة بين إسرائيل والولايات المتحدة؛ إذ كانت تل أبيب تُفضِّل استمرار سياسة الضغوط القصوى والعزلة الاقتصادية وربما إبقاء الخيار العسكري مطروحًا، بينما فضَّلت واشنطن تسوية تفاوضية تقوم على تقييد البرنامج النووي مقابل تقديم حوافز اقتصادية وسياسية لإيران. ومِن ثمَّ، يُعَد الاتفاق مؤشرًا على تراجع درجة التوافق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع إيران، وهو ما ظهر في الخلافات العلنية بين البلدين.

سوف تحقق إسرائيل بعض المكاسب من الاتفاق، وفي مقدمتها منع إيران من التحوُّل إلى قوة نووية عسكرية، وإخضاع برنامجها النووي لقيود وآليَّات رقابة دولية، فضلًا عن تقليص احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تفرض على إسرائيل كلفة عسكرية واقتصادية وأمنية مرتفعة. كما أن تثبيت ترتيبات أمنية إقليمية وضمان أمن الملاحة يحدان من مخاطر عدم الاستقرار التي يمكن أن تنعكس على البيئة الأمنية المحيطة بها.

غير أن إسرائيل تبدو الخاسر الأكبر من الناحية الاستراتيجية؛ إذ يُفضِي الاتفاق إلى رفع العقوبات عن إيران وإعادة تأهيل اقتصادها وتدفق موارد مالية كبيرة إليها، بما يُعزز قدراتها الشاملة ونفوذها الإقليمي. كذلك، يعني الاتفاق قبول الولايات المتحدة ببقاء برنامج نووي إيراني سلمي وبإعادة دمج إيران دوليًّا بدلًا من استمرار عزلها، إلى جانب تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وهي تطورات قد تُفسَّر إسرائيليًّا بوصفها إعادة صياغة لموازين القوى الإقليمية بصورة تمنح إيران وضعًا أكثر قوة وتأثيرًا على المدى البعيد.

4 – موقف دول الخليج:

رَحَّبت دول الخليج – التي تُعدُّ طرفًا في الصراع، حتى وإن اختارت استراتيجية الدفاع في مواجهة هجوم إيران عليها – بمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، بوصفها خطوة أولى نحو بناء قواعد استقرار إقليمي على أسس دائمة.

غير أن الدول الخليجية تنظر بحذر وقلق إلى المذكرة التي لا تلبي طموحاتها؛ لأنها ترسخ لمكانة إيران كقوة إقليمية، ولا تعالج المخاوف الأمنية الجوهرية المتعلقة بالقدرات العسكرية الهجومية الإيرانية، لاسيما الصواريخ والطائرات المُسيَّرة وشبكة الميليشيات الإقليمية.

تُعَد مكاسب دول الخليج من مذكرة التفاهم محدودة وغير مباشرة بالقياس إلى خسائرها، وتتمثل في تراجع احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، وما يترتب على ذلك من خفض المخاطر الأمنية والاقتصادية التي تهددها، فضلًا عن استئناف الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وتقليص احتمالات استهداف المنشآت الحيوية الخليجية، بما يُسهِم في استقرار أسواق الطاقة والتجارة الإقليمية.

في المقابل، هناك خسائر استراتيجية سوف تتحملها الدول الخليجية؛ لأن المذكرة تجاهلت الهجمات الإيرانية عليها، ولم تراعِ مطالبها الأمنية، خاصَّة بعد أن تغيَّرت قواعد الاشتباك في المنطقة، وأصبح استهداف المنشآت الحيوية الخليجية ورقة ضغط جديدة في يد إيران. كما يؤدي رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة إلى تعزيز القدرات الاقتصادية والإقليمية لإيران، بما يزيد من نفوذها في المنطقة، في وقتٍ يتراجع فيه الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية وتتعاظم المخاوف الخليجية من الاضطرار إلى تحمُّل أعباء أمنية أكبر ومواجهة التهديدات الإيرانية بقدرات ذاتية.

ثالثًا: التبعات الإقليمية والدولية

لن تقتصر تداعيات مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية – إذا نُفذت بصيغتها الحالية، وتبلورت في اتفاق نهائي – على إنهاء حالة الحرب، بل قد تُفضِي إلى تحوُّلات إقليمية ودولية أوسع، تتصل بإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع الأدوار الإقليمية، وإحداث تغييرات ملموسة في أنماط إدارة الأزمات الدولية والنظام الدولي.

1 – التبعات الإقليمية:

  • تراجع خطر المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وانخفاض احتمالات انجرار المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، في ضوء إعلان مذكرة التفاهم النهاية الفورية والدائمة للحرب، والتعهد بعدم استخدام القوة أو التهديد بها، والتأكيد على عدم تعزيز القوات الأمريكية في المنطقة.
  • إعادة هندسة الترتيبات الأمنية في الخليج، من خلال انتقال تدريجي من نظام أمني يقوم على الردع الأمريكي المباشر إلى ترتيبات أكثر اعتمادًا على التوازنات الإقليمية ودور القوى الإقليمية الفاعلة. ويُعزز ذلك رفع الحصار البحري عن إيران، وتكليف الأخيرة بضمان استئناف الملاحة وتأمينها، وسحب القوات الأمريكية من المناطق المحيطة.
  • تراجع مركزية الوجود العسكري الأمريكي، وانخفاض الاعتماد الإقليمي على القوة العسكرية الأمريكية، واحتمال توجُّه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الأمنية، وذلك بعد أن نصَّت المذكرة على الالتزام بسحب القوات الأمريكية ووقف التعزيزات العسكرية.
  • زيادة احتمالات سباق التسلح في المنطقة وتعزيز القدرات الدفاعية الخليجية، في ظِل بقاء البرنامج الصاروخي الإيراني والميليشيات الموالية لطهران خارج إطار الاتفاق ومن دون ترتيبات للردع أو الاحتواء.
  • تعزيز مكانة إيران الإقليمية باعتبارها أحد الأقطاب الرئيسة في معادلات الأمن الإقليمي، وذلك بعد أن تُرفَع عنها العقوبات، خاصَّة أنها تحظى الآن بالاعتراف العملي بامتلاك دور في أمن الملاحة، ويتم التعامل معها بوصفها شريكًا تفاوضيًّا.
  • إعادة تقييم الدول الإقليمية لسياساتها تجاه إيران والولايات المتحدة، مع تزايد الميل إلى الدبلوماسية والحوار وإدارة الخلافات عبر التسويات السياسية، بدلًا من سياسات الاستقطاب والمواجهة. خاصَّة بعد انتقال واشنطن من استراتيجية الاحتواء والمواجهة إلى استراتيجية التسوية السياسية.
  • تراجع حدة الاستقطاب الإقليمي والانقسام بين المحاور الإقليمية المتصارعة، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتسويات السياسية في عدد من الأزمات الإقليمية.
  • استعادة إيران لجزء كبير من قدراتها الاقتصادية والمالية، وعودتها مجددًا بوصفها فاعلًا اقتصاديًّا مؤثرًا في المنطقة، في ظِل رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، واستئناف تصدير النفط، وتنفيذ خطة التنمية وإعادة الإعمار.
  • زيادة دور القوى الإقليمية الكبرى في الترتيبات الأمنية الجديدة، مع تراجع مركزية الدور الأمريكي المباشر، بما يفتح المجال أمام قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان والهند للاضطلاع بأدوار أمنية أكبر، والمشاركة في آليَّات إدارة الأزمات الإقليمية، وتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط.
  • إعادة تقييم مسار التطبيع والتحالفات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل؛ إذ قد يؤدي تراجع التهديد العسكري الإيراني المباشر وانتقال واشنطن إلى سياسة التسوية مع طهران إلى انخفاض الزخم الذي استندت إليه بعض ترتيبات التطبيع والتحالفات الأمنية المناهضة لإيران. ومِن ثمَّ، قد يتحوَّل التطبيع بالنسبة لبعض الدول من أولوية استراتيجية مُلحَّة إلى خيار أقل إلحاحًا، مع تزايد الميل إلى تبني سياسات أكثر توازنًا بين إسرائيل وإيران.
  • إمكانية تنشيط مسارات التسوية في بعض الأزمات الإقليمية، ولا سيما في لبنان واليمن، نتيجة تراجع منسوب التوتر الأمريكي الإيراني وتزايد الحوافز لتسوية الملفات الخلافية عبر التفاوض.

2 – التبعات الدولية:

  • عودة الدبلوماسية بوصفها أداة رئيسة لإدارة الأزمات، وتعزيز فكرة أن الأزمات الدولية الكبرى يمكن احتواؤها عبر التفاوض والضمانات المتبادلة بدلًا من الحسم العسكري.
  • استعادة جزء من الدور التنظيمي والقانوني للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في إدارة النزاعات الدولية، وهو ما يُعزز دور الأمم المتحدة جزئيًّا، بعد أن تضمَّنت مذكرة التفاهم بندًا يَنصُّ على أن الاتفاق النهائي سوف يُعتمَد بقرار مُلزِم من مجلس الأمن.
  • التحوُّل في الاستراتيجية الأمريكية، بانتقال واشنطن من استراتيجية الاحتواء والمواجهة إلى استراتيجية إدارة التوازنات وتقليل الانخراط في المواجهات العسكرية المباشرة.  
  • إعادة توجيه القدر الأكبر من الموارد العسكرية والدبلوماسية الأمريكية نحو أولويات استراتيجية أخرى خارج الشرق الأوسط، في مقدمتها المنافسة مع الصين والحرب في أوكرانيا، بعد إنهاء الحرب وخفض الالتزامات العسكرية في المنطقة.
  • عودة إيران إلى النظام الدولي بوصفها دولة مندمجة اقتصاديًّا وسياسيًّا بعد سنوات من العقوبات والعزلة والصدامات الإقليمية والدولية، وزيادة الوزن الاقتصادي والسياسي الإيراني على المستوى الدولي، في ظِل تحسُّن قدراتها الاقتصادية وتزايد حضورها في المؤسسات والأسواق الدولية.
  • استقرار أسواق الطاقة العالمية، بعد تأمين الممرات البحرية وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإمدادات الطاقة، وزيادة المعروض النفطي العالمي، باستئناف صادرات النفط الإيرانية.
  • استقرار التجارة الدولية، وخفض تكاليف النقل والتأمين وتقليل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، بعد رفع الحصار البحري واستئناف حركة السفن في الخليج.
  • تراجع فاعلية العقوبات كأداة ضغط طويلة الأمد، بعد إلغاء العقوبات الأمريكية والأوروبية والأممية المفروضة على إيران منذ عقود، وبروز انطباع دولي بأن العقوبات ليست غاية في حد ذاتها، بل أداة قابلة للتفاوض والرفع مقابل ترتيبات سياسية وأمنية.
  • تكريس معادلة الاحتفاظ بالبرنامج النووي السلمي المتقدم شريطة الالتزام بعدم إنتاج سلاح نووي والخضوع لترتيبات رقابية. فمذكرة التفاهم لم تَنصُّ على تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وإنما نصَّت على تعهد إيراني بعدم إنتاج سلاح نووي.
  • تسريع الانتقال نحو نظام دولي أكثر تعددية، أو أقل أحادية، وذلك من خلال الاتجاه نحو نظام أقل اعتمادًا على الهيمنة العسكرية الأمريكية المباشرة، وأكثر اعتمادًا على التوازنات والتفاهمات متعددة الأطراف.
  • تعزيز مكانة القوى الإقليمية المتوسطة في النظام الدولي، وإبراز قدرتها على فرض نفسها كأطراف لا يمكن تجاوزها في ترتيبات الأمن والاستقرار، بما يمنحها هامشًا أكبر للمناورة والتأثير في القضايا الدولية.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة

يمكن بناء أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاتفاق الأمريكي الإيراني، على ضوء الوضع الميداني، وما يملكه كل طرف من طرفي الصراع من نقاط قوة وضعف، وما وَرَد في مذكرة التفاهم، وما يَنتظِر الطرفين من تحديات وفرص في مفاوضات الاتفاق النهائي. وهذه السيناريوهات على النحو الآتي:

السيناريو الأول: (التسوية الشاملة الدائمة)

وصف السيناريو: نجاح المفاوضات خلال الـ60 يومًا المقررة، والتوصُّل إلى اتفاق نهائي ودائم، يتم تنفيذه تدريجيًّا.

عوامل التحقق: اقتناع واشنطن وطهران بارتفاع كلفة استمرار العمل العسكري، وقناعة كل طرف بأنه منتصر في الحرب، وحاجة إيران إلى انفراجة اقتصادية عبر رفع العقوبات، ورغبة الولايات المتحدة في تقليص انخراطها العسكري في الشرق الأوسط، ونجاح إجراءات بناء الثقة، متمثلة في رفع الحصار، وفتح مضيق هرمز، وتكثيف الدعم الإقليمي والدولي لإنجاح التسوية.

مظاهر التحقق: انتهاء العمل العسكري، وتسوية الملف النووي، ورفع العقوبات تدريجيًّا، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني في الاقتصاد الدولي، وإنشاء آليَّات رقابية وتنفيذية دولية دائمة، واستقرار الترتيبات الأمنية في الخليج والمنطقة.

موانع التحقق: الخلافات الداخلية في الولايات المتحدة وإيران، واعتراضات إسرائيل ومساعيها لمنع الاتفاق وتقويض فرصة التفاهم، وتحفظات قوى إقليمية تخشى من إيران، والخلاف حول التفاصيل الفنية للبرنامج النووي، وضعف الثقة المتبادلة، خاصَّة من جانب إيران.

احتمالية التحقق: احتمالية تحقق هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة؛ لأن حجم التحوُّلات التي يتطلبها الاتفاق الاستراتيجي الشامل كبير جدًّا، وقد لا يتمكن الطرفان من التوافق حولها، خاصَّة أنها تتجاوز حدود الخلاف على الملف النووي إلى إعادة صياغة العلاقات الثنائية بالكامل.

السيناريو الثاني: (التسوية الجزئية المرحلية)

وصف السيناريو: اكتفاء طرفا الصراع بالتوصُّل إلى اتفاق جزئي يتسم بمرحلية التنفيذ، يضمن تنفيذ البنود ذات الطابع الاقتصادي والأمني العاجل، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا.

عوامل التحقق: صعوبة التوصُّل إلى اتفاق شامل وفوري حول القضايا الخلافية، ورغبة طرفي الصراع في تجنُّب انهيار المفاوضات وعدم العودة للحرب، وإمكانية تحقيق مكاسب متبادلة وسريعة للطرفين، ووجود مصالح تدفع نحو الحفاظ على الحد الأدنى للتفاهم.

مظاهر التحقق: استمرار وقف التصعيد العسكري، وطول فترة التفاوض، وتأجيل الحسم في القضايا المعقدة، مثل التسوية النهائية للملف النووي والترتيبات الأمنية بعيدة المدى، والرفع الجزئي والمتدرج للعقوبات، واستئناف صادرات النفط، وضمان أمن الملاحة، والاكتفاء مؤقتًا باتفاق مرحلي بشأن التخصيب والرقابة النووية.

موانع التحقق: التصعيد العسكري المفاجئ في المنطقة، والخلاف حول تفاصيل المفاوضات، من قبيل وتيرة رفع العقوبات وآليَّات الرقابة النووية، والضغوط السياسية على طرفي الصراع، واستغلال إسرائيل لملف لبنان في تقويض مسار التفاهم، عبر افتعال أزمات أمنية أو ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية تحول دون تثبيت ترتيبات التهدئة الإقليمية.

احتمالية التحقق: هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، واحتماليته مرتفعة نسبيًّا؛ لأنه يحقق مكاسب متبادلة للطرفين، دون أن يفرض عليهما تنازلات استراتيجية كاملة، يمكن أن تُعدُّ هزيمةً لهما.

السيناريو الثالث: (تعثر المفاوضات)

وصف السيناريو: تعثر مفاوضات الاتفاق النهائي، بسبب القضايا الجوهرية، واستمرار وضع لا حرب ولا سلم، وتجميد الاتفاق النهائي بين طرفي الصراع.

عوامل تحقق السيناريو: استمرار انعدام الثقة بين طرفي الصراع، وكثرة التعقيدات التقنية للملف النووي، خاصَّة فيما يرتبط بتخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، والتباين في تفسير البنود الواردة في مذكرة التفاهم، وصعوبة تقديم تنازلات نهائية كبرى، واستمرار الضغوط الإسرائيلية والإقليمية.

مظاهر التحقق: طول أمد المفاوضات، واستمرار التفاهمات المؤقتة، وتكرار تمديد الفترة المحددة للتفاوض، وتنفيذ جزئي لبعض البنود الواردة في مذكرة التفاهم، وبقاء الملفات الكبرى معلقة.

موانع التحقق: نجاح المفاوضات بصورة غير متوقعة، والضغوط الدولية لإنجاز اتفاق، وحاجة طرفي الصراع إلى إغلاق ملف الحرب ووقف الاستنزاف العسكري والاقتصادي، أو حدوث انهيار سريع وحاد في المفاوضات يُفضِي إلى عودة المواجهة العسكرية.

احتمالية التحقق: احتمالية تحقق هذا السيناريو منخفضة إلى متوسطة؛ لأن هذا النمط هو الغالب على جولات عديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

السيناريو الرابع: (انهيار المفاوضات)

وصف السيناريو: انهيار مفاوضات الاتفاق النهائي، وانتهاء مرحلة الهدنة، والعودة إلى التصعيد والمواجهة العسكرية مرة أخرى.

عوامل تحقق السيناريو: فشل تنفيذ الالتزامات الأوليَّة، وعدم التزام كلا الطرفين أو أحدهما ببنود مذكرة التفاهم، وفشل بناء الثقة المتبادلة، ورفض تقديم تنازلات كبرى، خاصَّة فيما يرتبط بالملف النووي، وظهور اعتراضات داخلية في الولايات المتحدة وإيران ضد الاتفاق، وتدخل أطراف إقليمية معارضة للاتفاق.

مظاهر التحقق: توقف المفاوضات أو تعليقها رسميًّا، أو انسحاب أحد طرفي الصراع، واستئناف المواجهة العسكرية، وإعادة تشديد العقوبات الاقتصادية ووقف الإعفاءات النفطية، وعودة التوتر في الممرات الملاحية، واضطراب أسواق الطاقة.

موانع التحقق: ارتفاع كلفة الحرب على الطرفين، والضغوط الدولية لتجنب العودة للحرب، ووجود مصالح سياسية واقتصادية تدفع للحفاظ على التهدئة.

احتمالية التحقق: احتمالية تحقق السيناريو منخفضة؛ لأن مذكرة التفاهم تتضمن حوافز سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة تجعل للطرفين مصلحة في تجنُّب الانهيار الكامل لمسار المفاوضات.

تقدير عام

تمثل مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية تحوُّلًا مهمًّا من منطق المواجهة العسكرية وسياسة الضغوط القصوى إلى منطق التسوية وإدارة التوازنات. وعلى الرغم من أن فرص التوصُّل إلى اتفاق شامل ونهائي ما تزال محدودة بسبب تعقيدات الملف النووي واعتبارات الأمن الإقليمي وأزمة الثقة المتبادلة، فإن المذكرة تكشف عن وجود إرادة سياسية مشتركة لمنع العودة إلى الحرب. ويبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في التوصُّل إلى تسوية جزئية مرحلية تضمن استمرار التهدئة وتحقيق مكاسب متبادلة، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى مراحل تفاوضية لاحقة.

خاتمة

تكشف مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية عن بداية مرحلة انتقالية في طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران، عنوانها الرئيس البحث عن ترتيبات جديدة لإدارة التنافس بدلًا من السعي إلى الحسم العسكري.

فالمذكرة لا تقتصر على وقف الحرب أو معالجة الملف النووي فحسب، بل تنطوي على إمكانات أوسع لإعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع الأدوار الإقليمية والدولية.

ومع ذلك، فإن الطريق إلى اتفاق نهائي يظل محفوفًا بعقبات معقدة، تتصل بعمق أزمة الثقة بين الطرفين، وحساسية الملفات المطروحة للتفاوض، واعتراضات قوى داخلية وإقليمية على بعض مخرجات التسوية. ومِن ثمَّ، فإن مستقبل المذكرة سيبقى رهين قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات الأولية إلى التزامات متبادلة ودائمة، ومدى نجاحهما في بناء توازن جديد يحقق الحد الأدنى من مصالحهما ويَحول دون تجدد المواجهة والانزلاق إلى دورة صراع جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى