تقدير موقف

صراع الوصول إلى البحر الأحمر.. مستجدات التنافس المصري–الإثيوبي في القرن الإفريقي

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

تشهد منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر منذ مطلع عام 2024م تحوُّلات متسارعة أعادت تشكيل طبيعة التنافس الإقليمي بين مصر وإثيوبيا، بعدما تجاوزت الخلافات الثنائية الإطار التقليدي المرتبط بأزمة سد النهضة إلى مجال أوسع يتصل بالموانئ والممرات البحرية وترتيبات الأمن الإقليمي وإعادة توزيع النفوذ في القرن الإفريقي.

​جاء توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال” (صومالي لاند) في 1 يناير 2024م، والتي منحت أديس أبابا إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء “بربرة” الاستراتيجي وخليج عدن، ليشكل نقطة تحوُّل استراتيجية في معادلة التوازنات الإقليمية، ليس فقط بسبب أبعاده الاقتصادية والتجارية، بل لما يحمله من تداعيات سياسية وأمنية تمسُّ وحدة الصومال واستقرار القرن الإفريقي وتوازنات البحر الأحمر.

في المقابل، كثفت القاهرة تحركاتها السياسية والأمنية في كل من الصومال وإريتريا، وعملت على تعزيز حضورها في ملفات القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتُوِّج ذلك بتوقيع بروتوكول تعاون عسكري دفاعي بين مصر والصومال في 14 أغسطس 2024م، تلاه إرسال أولى شحنات الأسلحة والمعدات العسكرية المصرية والمستشارين إلى مقديشو في 27 أغسطس 2024م، والتي اكتملت دفعاتها في 22 سبتمبر 2024م، بالتوازي مع تنامي الاصطفافات الإقليمية والدولية المرتبطة بالموانئ وخطوط التجارة والطاقة، وفي ظِل انخراط قوى إقليمية ودولية متعددة، أبرزها تركيا والإمارات والسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة.

هذا التقدير للموقف يُقدِّم تحليلًا لأبعاد التحوُّل الجاري في طبيعة الصراع المصري–الإثيوبي، ومدى ارتباطه بأزمة سد النهضة، إضافةً إلى قراءة دوافع الأطراف المختلفة، وتقييم تأثير التحركات الحالية على مستقبل التوازنات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة.

​أولًا: دوافع التحوُّل من أزمة سد النهضة إلى التنافس البحري والإقليمي

​1 – أهمية القرن الإفريقي والبحر الأحمر في التوازنات الإقليمية والدولية:

​يمثل البحر الأحمر واحدًا من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، نظرًا لارتباطه المباشر بحركة التجارة العالمية وقناة السويس وخطوط نقل الطاقة بين آسيا وأوروبا، حيث يمر عبره نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية المنقولة بحرًا.

كما تحوَّل القرن الإفريقي خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة تنافس جيوسياسي متصاعد بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري والاقتصادي والأمني.

​وتزداد أهمية المنطقة مع استمرار الاضطرابات في السودان منذ اندلاع الصراع في 15 أبريل 2023م، وبدء هجمات جماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن على السفن التجارية بمضيق باب المندب منذ أواخر عام 2023م، وتصاعد التعاون التركي مع دول المنطقة، وعودة الاهتمام الأمريكي والغربي بالممرات البحرية عبر تحالف “حارس الازدهار” الذي تقوده واشنطن، فضلًا عن الحضور الإسرائيلي المتزايد في بعض ملفات القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

​2 – تطوُّر الخلاف المصري–الإثيوبي حول سد النهضة:

​ظل سد النهضة طوال العقد الماضي محور التوتر الرئيس بين القاهرة وأديس أبابا، في ظِل فشل جولات التفاوض المتعددة في التوصُّل إلى اتفاق قانوني مُلزِم ينظم عمليات ملء وتشغيل السد، والتي كان آخرها انهيار المسار التفاوضي في 19 ديسمبر 2023م، بعد جولات برعاية الاتحاد الإفريقي.

​ومع اكتمال مراحل متقدمة من المشروع الإثيوبي وإعلان أديس أبابا عن إتمام الملء الخامس للسد في 26 أغسطس 2024م وبدء تشغيل توربينات إضافية، وتراجع احتمالات استخدام أدوات الضغط التقليدية، بدأ الصراع يتخذ أبعادًا أوسع تتجاوز الملف المائي إلى إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي.

​3 – هل انتقل الصراع فعلًا من سد النهضة إلى البحر الأحمر؟

​لا يمكن النظر إلى التحركات المصرية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر باعتبارها انتقالًا كاملًا من أزمة سد النهضة إلى ملف جديد مُنفصِل، بل يبدو أن القاهرة تعمل على توسيع نطاق إدارة الصراع مع إثيوبيا عبر بناء أوراق ضغط استراتيجية جديدة بعد تراجع فاعلية المسارات السابقة.

​ففي ظِل تعقيد الخيار العسكري المباشر ضد سد النهضة، وصعوبة تحقيق اختراق دبلوماسي حاسم، اتجهت مصر إلى تعزيز حضورها الإقليمي في الدوائر المحيطة بإثيوبيا، خاصَّةً في الصومال وإريتريا والبحر الأحمر، بما يسمح بإعادة موازنة النفوذ الإثيوبي واحتواء طموحات أديس أبابا الإقليمية.

وتسعى مصر لتثبيت واقع أمني جديد يمنع إثيوبيا من استخدام نفوذها المائي لفرض الهيمنة السياسية على شرق إفريقيا.

​وبالتالي، فإن ملف البحر الأحمر لا يمثل بديلًا عن أزمة السد، بل امتدادًا استراتيجيًّا لها، ضمن مقاربة أوسع تتعلق بالأمن القومي المصري وإدارة التوازنات الإقليمية من وجهة النظر المصرية.

4 – التحوُّل من الصراع المائي إلى التنافس على النفوذ الإقليمي:

​أدَّت التحولات الجيوسياسية في المنطقة إلى توسُّع طبيعة التنافس بين البلدين، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على قضية المياه، بل أصبح مرتبطًا بصراع النفوذ البحري، والتحالفات الإقليمية، والوصول إلى الموانئ، والممرات التجارية، والوجود العسكري.

​وفي هذا السياق، تنظر القاهرة إلى أي تمدد إثيوبي نحو البحر الأحمر باعتباره تحوُّلًا استراتيجيًّا قد يغير موازين القوى في الإقليم ويهدد أمن الملاحة المتجهة لقناة السويس، بينما ترى أديس أبابا أن الحصول على منفذ بحري يمثل ضرورة اقتصادية وسيادية لدولة يتجاوز عدد سكانها 125 مليون نسمة، وتُعَد أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان.

​ثانيًا: أرض الصومال ومعضلة المنفذ البحري الإثيوبي

​1 – الجذور التاريخية لفقدان إثيوبيا منفذها البحري:

​فقدت إثيوبيا منفذها البحري الرسمي عقب استقلال إريتريا رسميًّا في 24 مايو 1993م، بعد استفتاء شعبي، واندلاع الحرب الإريترية-الإثيوبية (1998-2000م) التي تسببت في إغلاق ميناء “عصب” وميناء “مصوع” في وجه التجارة الإثيوبية، لتتحوَّل إثيوبيا إلى دولة حبيسة تعتمد بصورة رئيسة وبنسبة تتجاوز 95% على ميناء جيبوتي ومجمع موانئ “دوراليه” في تجارتها الخارجية، وهو ما شكَّل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية للدولة الإثيوبية خلال العقود الثلاثة الماضية.

​ومنذ سنوات، تطرح النخبة الإثيوبية فكرة “الحق الطبيعي” في الوصول إلى البحر الأحمر، مستشهدةً بمقولات تاريخية للإمبراطور “هايلي سيلاسي” حول الجغرافيا السياسية لإثيوبيا باعتبارها قضية مرتبطة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية والسيادة الإثيوبية.

​2 – دوافع إثيوبيا للبحث عن منفذ على البحر الأحمر:

​تستند الرؤية الإثيوبية إلى عدة اعتبارات:

  1. ​تخفيض الاعتماد المفرط على ميناء جيبوتي الذي يُكلِّف خزينة أديس‌ أبابا رسومًا جمركية وتعريفات استخدام تقدر بنحو 1.5 إلى 2 مليار دولار سنويًّا.
  2. ​تقليل تكلفة النقل والتجارة الخارجية.
  3. ​تعزيز مكانة إثيوبيا الإقليمية.
  4. ​بناء قوات بحرية حديثة مستقبلًا (إعادة إحياء القوات البحرية الإثيوبية التي تفكَّكت عام 1996م)، وتتخذ حاليًا من بحيرة “تانا” مقرًّا مؤقتًا لها.
  5. تأمين خطوط التجارة والطاقة.

​كما يوظف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد هذا الملف ضمن خطاب قومي داخلي يرتبط بفكرة “استعادة المكانة التاريخية” لإثيوبيا، خاصَّةً بعد خطابه الشهير أمام البرلمان، في 13 أكتوبر 2023م، الذي اعتبر فيه أن النيل والبحر الأحمر هما الوجود الطبيعي لإثيوبيا.

3 – اتفاق إثيوبيا مع أرض الصومال وأبعاده السياسية والعسكرية:

​مثلت مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال” الانفصالي (صومالي لاند)، في 1 يناير 2024م، تطوُّرًا بالغ الحساسية، إذ تضمَّنت منح أديس‌ أبابا حق استخدام جزء من الساحل بطول 20 كيلومترًا بالقرب من ميناء “بربرة”، ولمدة 50 عامًا، لإقامة منشآت بحرية وميناء تجاري وقاعدة عسكرية، مقابل ترتيبات سياسية واقتصادية تتعلق بإعطاء إقليم أرض الصومال حصة في شركة الخطوط الجوية الإثيوبية، ودراسة الاعتراف الرسمي بـ “أرض الصومال” كدولة مستقلة مستقبلًا.

​ويَحمِل الاتفاق أبعادًا تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يفتح الباب أمام:

  1. ​وجود بحري عسكري إثيوبي دائم على خليج عدن والبحر الأحمر.
  2. ​إعادة رسم التوازنات في القرن الإفريقي.
  3. تصاعد النزعة الانفصالية داخل الصومال وتهديد وحدة أراضيه.
  4. توسيع نطاق التنافس الإقليمي والتدخل الدولي في المنطقة.

4 – ردود الفعل الإقليمية والدولية على الاتفاق:

​قوبل الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال برفض حاد من الحكومة الصومالية في مقديشو، التي اعتبرته انتهاكًا لسيادتها ووحدة أراضيها، وقامت بإلغاء الاتفاق قانونيًّا عبر البرلمان الفيدرالي، في 6 يناير 2024م.

 كما أبدت مصر تحفظًا ورفضًا قاطعًا، وأعلن عبد الفتاح السيسي خلال زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود للقاهرة، في 21 يناير 2024م، أن مصر لن تسمح بأي تهديد لأمن ووحدة الصومال.

​في المقابل، حافظت بعض القوى الإقليمية على مواقف أكثر براجماتية، خاصَّةً في ظِل وجود مصالح اقتصادية واستثمارية مرتبطة بموانئ المنطقة، وعلى رأسها الإمارات، حيث تمتلك شركة “موانئ دبي العالمية” حصة 51% في إدارة ميناء بربرة بأرض الصومال.

​كما دخلت تركيا على خط الوساطة عبر “محادثات أنقرة” التي انطلقت بين مقديشو وأديس أبابا في محاولة لمنع انفجار مواجهة إقليمية جديدة في القرن الإفريقي.

​5 – تداعيات الاتفاق على استقرار القرن الإفريقي:

​أعاد الاتفاق إحياء المخاوف من:

  1. ​تفكك الدولة الصومالية.
  2. ​عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن.
  3. ​تصاعد التنافس على الموانئ.
  4. ​احتمال اندلاع مواجهات غير مباشرة بين المحاور الإقليمية.
  5. ​زيادة هشاشة البيئة الأمنية في شرق إفريقيا.

​ثالثًا: التحركات المصرية في إريتريا والصومال وإعادة تشكيل مناطق النفوذ

​1 – تطوُّر العلاقات المصرية مع الصومال:

​شهدت العلاقات المصرية–الصومالية تطوُّرًا ملحوظًا خلال عامي 2024 و2025م، في ظِل التقارب السياسي بين القاهرة ومقديشو بشأن رفض الترتيبات الإثيوبية مع أرض الصومال.

​وتُوِّج هذا التقارب بتوقيع “معاهدة الدفاع المشترك”، في 14 أغسطس 2024م، وبدء إرسال مصر مساعدات عسكرية إلى مقديشو، والاستعداد لإحلال قوات مصرية بديلة للقوات الإثيوبية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة لدعم الاستقرار في الصومال.

وتسعى مصر من خلال ذلك إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني داخل الصومال باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لاحتواء التمدد الإثيوبي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

2 – التعاون المصري–الإريتري وأبعاده الاستراتيجية:

​تزايد التنسيق المصري–الإريتري بصورة واضحة، وتجسد ذلك في القمة التاريخية التي عُقِدت في العاصمة “أسمرة”، في 10 أكتوبر 2024م، بين عبد الفتاح السيسي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، حيث تمَّ الإعلان عن تأسيس تحالف ثلاثي وتنسيق أمني مشترك لحماية أمن البحر الأحمر. وجاء هذا اللقاء في وقتٍ كانت تشهد فيه العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا فتورًا وتوترًا كبيرًا بعد اتفاق “بريتوريا” للسلام، في 2 نوفمبر 2022م، بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، الذي أنهى حرب تيغراي دون إشراك كامل لإريتريا في الترتيبات الأمنية اللاحقة.

​ويمثل التقارب مع إريتريا أحد أهم أدوات مصر في بناء شبكة توازن إقليمي مضادة للطموحات الإثيوبية، نظرًا للموقع الاستراتيجي الإريتري المُتحكِّم في مضيق باب المندب عبر ساحل يمتد لأكثر من 1000 كم، يضم مينائي “عصب” و”مصوع”، حيث يعكس هذا التعاون والتنسيق بين البلدين اتجاهًا نحو تأسيس شراكة استراتيجية طويلة المدى.

3 – التحركات الدبلوماسية والأمنية المصرية في القرن الإفريقي:

​كثفت القاهرة تحركاتها السياسية والأمنية في الإقليم عبر:

  1. ​تعزيز الاتصالات مع دول القرن الإفريقي ودول حوض النيل، مثل جيبوتي وكينيا وأوغندا.
  2. ​دعم وحدة الصومال في المحافل الدولية (جامعة الدول العربية، الاتحاد الإفريقي، الأمم المتحدة).
  3. توسيع التعاون الأمني والعسكري وتبادل المعلومات.
  4. ​الانخراط في ترتيبات البحر الأحمر عبر مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
  5. ​بناء شراكات اقتصادية ولوجيستية وتسيير خطوط طيران مباشرة بين القاهرة ومقديشو في يوليو 2024م.

​من خلال هذه التحركات تسعى القاهرة إلى بناء “عمق استراتيجي” جديد في شرق إفريقيا يسمح بإعادة موازنة الاستقطاب الإثيوبي.

4 – مواقف القوى الإقليمية الفاعلة:

تركيا: تسعى أنقرة للحفاظ على نفوذها الاقتصادي والعسكري المتنامي في المنطقة، خاصَّةً بعد توقيعها “اتفاقية إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي البحري” مع الصومال، في 8 فبراير 2024م، والتي تتيح للبحرية التركية تأمين المياه الإقليمية وتطوير الموانئ الصومالية لمدة 10 سنوات.

الإمارات: تمتلك أبوظبي حضورًا اقتصاديًّا وعسكريًّا واسعًا في موانئ القرن الإفريقي والبحر الأحمر، خاصَّةً عبر استثمارات “موانئ دبي العالمية” في ميناء “بربرة” بأرض الصومال، وميناء “بوصاصو” في إقليم بونتلاند (أرض البنط)، إلى جانب علاقتها الاستراتيجية القوية مع نظام آبي أحمد في إثيوبيا، مما يمنحها تأثيرًا متزايدًا في التوازنات الإقليمية.

السعودية: تركز الرياض على حماية أمن البحر الأحمر ومنع تحوُّل المنطقة إلى بؤرة صراع مفتوح قد يُهدِّد مشاريعها العملاقة على ساحل البحر الأحمر، مثل مشروع “نيوم”، مع تعزيز تعاونها الأمني عبر مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر الذي تقوده المملكة ومقره الرياض.

إسرائيل: أثار بناء علاقات دبلوماسية بين إسرائيل و”أرض الصومال” مخاوف إقليمية من اتساع النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لاسيما مع رغبة تل أبيب في إيجاد موطئ قدم في أرض الصومال لتأمين مساراتها الملاحية في ظِل التهديدات الحوثية.

​5 – أثر التحركات الحالية على موازين القوى:

​أدَّت التحركات المتبادلة إلى تشكُّل حالة استقطاب إقليمي متزايدة، حيث برز محور (مصر – الصومال – إريتريا) في مواجهة الطموحات الإثيوبية المدعومة ببعض التفاهمات الضمنية مع أرض الصومال والإمارات وإسرائيل.

​لذلك، اتجهت هذه الأطراف نحو بناء تحالفات مرتبطة بالموانئ والأمن البحري والنفوذ السياسي والاقتصادي، وبدأت المنطقة تشهد ملامح إعادة تشكيل للتوازنات التقليدية في القرن الإفريقي، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا مستقبلًا.

​رابعًا: السيناريوهات المستقبلية المحتملة لانعكاسات الصراع على القرن الإفريقي والبحر الأحمر

​السيناريو الأول: الاحتواء المتبادل والتنافس المنضبط

وصف السيناريو: استمرار التنافس المصري–الإثيوبي ضمن حدود الضغوط السياسية والتحركات الإقليمية دون التوجُّه نحو مواجهة عسكرية مباشرة.

عوامل تحقق السيناريو:

  1. ​رغبة جميع الأطراف الإقليمية في تجنُّب تكلفة الحرب المباشرة.
  2. ​الضغوط الدولية والأمريكية للحفاظ على استقرار البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية.
  3. ​الأوضاع الداخلية المعقدة في كلا البلدين (الأزمات الاقتصادية في مصر، والتوترات العرقية المستمرة في إثيوبيا، مثل أزمة إقليم أمهرة وفاشا)
  4. ​استمرار الوساطات الإقليمية والدولية (مثل الوساطة التركية)

تبعات تحقق السيناريو: استمرار الاستقطاب السياسي، وتصاعد سباق النفوذ على الموانئ، وتوسيع التحالفات الإقليمية، واستمرار هشاشة الاستقرار الإقليمي.

موانع تحقق السيناريو: حدوث تصعيد مفاجئ أو أحادي في ملف سد النهضة (مثل الإقدام على خطوة تضر بحصة مصر المائية دون أي تنسيق)، وانفجار الأوضاع الأمنية بشكل كامل داخل الصومال أو على الحدود الإريترية-الإثيوبية.

تقدير احتمالية التحقق: مرتفعة جدًا.

​السيناريو الثاني: تصاعد التوترات نحو صراع إقليمي غير مباشر (حرب الوكلاء)

وصف السيناريو: تحوُّل التنافس إلى صراع إقليمي عبر الوكلاء والتحالفات المحلية، دون مواجهة عسكرية مصرية–إثيوبية مباشرة.

عوامل تحقق السيناريو:

  1. ​تعمُّق الانقسامات الإقليمية وإصرار إثيوبيا على تفعيل اتفاقها مع “أرض الصومال” وبدء بناء قاعدة بحرية وتواجد عسكري مؤثر.
  2. ​عسكرة خليج عدن والبحر الأحمر بصورة أكبر.
  3. ​انهيار التفاهمات السياسية والوساطة التركية.
  4. ​تصاعد النزاعات الداخلية في القرن الإفريقي وتوظيف أديس أبابا لورقة الحركات المتمردة أو الأقاليم الفيدرالية الصومالية الرافضة لسياسات مقديشو.

تبعات تحقق السيناريو: تهديد مباشر لأمن الملاحة البحرية، وزيادة التدخلات الخارجية، وتصاعد النزاعات المسلحة المحلية، وتراجع الاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة.

موانع تحقق السيناريو: التدخلات الدولية العاجلة (من الولايات المتحدة والصين وتركيا والاتحاد الأوروبي) لاحتواء التصعيد، التكلفة الاقتصادية العالية جدًا للصراع، وخشية الأطراف من فقدان السيطرة على الأوضاع المحلية القابلة للانفجار واشتعال الحروب الأهلية.

تقدير احتمالية التحقق: متوسطة.

​السيناريو الثالث: انفراج سياسي وإعادة ترتيب التوازنات (تسوية شاملة)

وصف السيناريو: نجاح الوساطات الإقليمية والدولية في تخفيف التوترات وفتح مسارات تفاهم شاملة بين إثيوبيا والصومال ومصر، تضمن المصالح الاستراتيجية لجميع الأطراف.

عوامل تحقق السيناريو:

  1. ​نجاح الوساطة التركية في صياغة اتفاق بديل يمنح إثيوبيا منفذًا تجاريًّا في ميناء صومالي مُعترَف به دوليًّا (مثل ميناء هوبيو أو ميناء مقديشو) دون المساس بسيادة الصومال أو الاعتراف بأرض الصومال.
  2. ​حدوث تفاهمات بحرية ومائية جديدة تشمل ملف سد النهضة.
  3. ​ضغوط أمريكية وخليجية مكثفة وتقديم حوافز اقتصادية لأديس أبابا.

تبعات تحقق السيناريو: خفض التوتر الإقليمي، واستقرار نسبي في البحر الأحمر، وعودة التركيز على التعاون الاقتصادي والتنسيق البحري.

موانع تحقق السيناريو: تعارض المصالح الاستراتيجية الصفرية، وغياب الثقة الكامل بين الأطراف، واستمرار أزمة سد النهضة دون حل قانوني مُلزِم.

تقدير احتمالية التحقق: ضعيفة إلى متوسطة.

​السيناريو المرجح

​يبدو أن السيناريو الأول (الاحتواء المتبادل والتنافس المنضبط) بين مصر وإثيوبيا هو الأقرب للتحقق خلال المرحلة المقبلة، في ظِل إدراك الأطراف الإقليمية والدولية أن التوجُّه نحو مواجهة مفتوحة في القرن الإفريقي ستكون لها تداعيات كارثية على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية وحركة المرور بقناة السويس، لاسيما في ظِل الأزمات العالمية القائمة.

​كما أن تعقيد البيئة الجيوسياسية وتشابك المصالح الدولية في المنطقة يدفع دوليًّا نحو إدارة الصراع وليس حسمه، بما يعني استمرار التنافس المصري–الإثيوبي ضمن مساحات الضغط السياسي وبناء التحالفات وتوسيع النفوذ، مع بقاء احتمالات التصعيد محصورة في “حرب الوكلاء” أو تزايد الضغوط السياسية دون تحوُّلها إلى حرب مباشرة على المدى القريب.

خاتمة

​تعكس التحوُّلات الجارية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، حيث لم يعد الصراع المصري–الإثيوبي مقتصرًا على ملف سد النهضة التقليدي، بل أصبح جزءًا من تنافس أوسع يتعلق بالنفوذ البحري والأمن الإقليمي والتحالفات الجيوسياسية والموانئ الاستراتيجية.

​وفي هذا السياق، تبدو التحركات المصرية الأخيرة في الصومال وإريتريا جزءًا من استراتيجية احتواء وتطويق للطموحات الإثيوبية، بينما تواصل أديس أبابا البحث عن كسر عزلتها الجغرافية كدولة حبيسة باعتبار هذا أولوية استراتيجية مرتبطة بمكانتها الإقليمية ومستقبلها الاقتصادي وأمنها القومي.

​ومع استمرار هشاشة الأوضاع الداخلية في دول القرن الإفريقي، وتصاعد التنافس الدولي والإقليمي على البحر الأحمر، فإن المنطقة مرشحة لمزيدٍ من الاستقطاب وإعادة التموضع، بما يجعل احتمالات الاستقرار الكامل محدودة، ويكرس واقع التنافس طويل الأمد باعتباره السمة الأبرز للمشهد الإقليمي الراهن في القرن الإفريقي.

المصادر

بي بي سي عربي، النفاذ إلى البحر الأحمر: فصل جديد في صراع مصر وإثيوبيا، 3 يونيو 2026م.

بي بي سي عربي، إثيوبيا تتهم مصر بزعزعة الاستقرار في القرن الإفريقي، 3 ديسمبر 2025م.

الرئيس للأخبار، أسمرة تطرق باب القاهرة من أجل توازن إقليمي في ظل تصاعد طموحات إثيوبيا بشأن البحر الأحمر، 10 يونيو 2026م.

الجزيرة نت، اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال، 11 يناير 2024م.

صحيفة عكاظ، تحرك مصري إريتري مشترك وسط تصاعد مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر، 10 يونيو 2026م.

الجزيرة نت، تداعيات اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال، 9 مارس 2024م.

سي إن إن بالعربية، الصومال: مذكرة التفاهم بشأن حصول إثيوبيا على منفذ بحري في أرض الصومال “غير مشروعة”، 2 يناير 2024م

Reuters, why is Somaliland strategically important? 6 January 2026

Reuters, African Union summit clouded by Saudi-UAE rivalry in Horn of Africa, 14 February 2026

Reuters, Somaliland opens new Taiwan office, 12 June 2026

Egypt Today, Egypt, Eritrea affirm Red Sea security remains exclusive responsibility of littoral states, 16 May 2026

Al Majalla, Ethiopia’s psychological campaign for Red Sea access, 4 June 2026

SETIT, Egypt–Eritrea Cairo Summit, 10 June 2026

Xinhua, Egypt, Eritrea vow to deepen ties, coordinate on Horn of Africa, Red Sea security, 8 June 2026

Reuters, Somaliland says it has a right to choose its relationships as it opens new Taiwan office, 12 June 2026

Daily News Egypt, Al-Sisi, Afwerki discuss Red Sea security, Sudan crisis, and Horn of Africa developments, 8 June 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى