تقدير موقف

اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك: بين تطوير التعاون وإمكانية التفعيل الدفاعي

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

ملخص تنفيذي

  • تهدف اتفاقية مكَّة إلى تعزيز الردع والدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وتعتبر الاعتداء على أي طرف هجومًا على الجميع، وتؤكد على تطوير التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية. ووفقًا لتصريحات الدول الموقعة فإن الاتفاقية دفاعية ولا تستهدف طرفًا بعينه، ولا تلغي التحالفات والمظلات الأمنية القائمة، ومفتوحة لانضمام دول أخرى.
  • جاء توقيع اتفاقية مكَّة في ظِل تصاعد التهديدات الأمنية وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وتزايد الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وتراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، بما دفع الدول الثلاث إلى محاولة تعزيز قدراتها الذاتية والردع الجماعي.
  • يكشف توقيت الاتفاقية عن رغبة الدول الثلاث في استثمار التحولات الإقليمية لبناء ردع استباقي، والانتقال من رد الفعل إلى التحوُّط الاستراتيجي، وتعويض قصور القدرات الدفاعية المنفردة عبر تجميع الإمكانات والخبرات. كما يكشف عن رغبة في رفع كلفة استهداف أي طرف، وتنويع الشراكات الأمنية السعودية، ومواجهة الهجمات الإيرانية، والتحسب لاحتمال تشكُّل محور إقليمي تقوده إسرائيل ويضم الهند والإمارات.
  • اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك هي استجابة للحاجة السعودية إلى تعزيز أمنها وردع التهديدات التي تواجهها، إلا أن انضمام تركيا وباكستان للاتفاقية يقوم أيضًا على مصالح استراتيجية خاصَّة، وهو ما دفع كلًّا منهما إلى الانضمام إليها.
  • تسعى السعودية إلى تنويع ضماناتها الأمنية، والاستفادة من القدرات التركية والباكستانية، بينما تهدف تركيا إلى توسيع دورها الإقليمي وتعزيز شراكاتها وصناعاتها الدفاعية. أما باكستان فتستهدف الحصول على الدعم والتمويل لتطوير قدراتها الدفاعية، وتعزيز الردع في مواجهة خصومها، وتوسيع نفوذها وشراكاتها نحو الخليج والشرق الأوسط.
  • راقبت القوى الإقليمية والدولية اتفاقية مكَّة باهتمام، باعتبارها تطورًا مهمًّا في بنية الأمن الإقليمي، ولما يمكن أن يترتب عليها من آثار في موازين القوى وعملية تشكيل التحالفات الأمنية الجديدة. وتباينت مواقف هذه القوى بين الترحيب الحذر والتحفظ والقلق.
  • تباينت مواقف القوى الإقليمية والدولية من الاتفاقية؛ فإيران أكدت على ضرورة الترتيبات الجماعية التي لا تستثني أي دولة بالمنطقة، بينما رفضت مصر الالتزام بالدفاع الجماعي، وتحفظت الإمارات على اللجوء لدول من خارج الخليج، وراقبت الهند الاتفاقية بحذر خشية تعزيز قدرات باكستان، في حين أبدت إسرائيل قلقًا من تحولها إلى تكتل أمني أوسع. أما الولايات المتحدة والدول الغربية فتتعامل معها بوصفها ترتيبًا دفاعيًّا مكملًا للترتيبات القائمة، مع مراقبة احتمال تحولها إلى منظومة أمنية إقليمية مستقلة.
  • لا يعني توقيع اتفاقية مكَّة بالضرورة تفعيل الدفاع المشترك، في ظل اختلاف تعريف العدو، وتباين الأولويات الأمنية، وارتباط الدول الثلاث بتحالفات خارجية قد تحد من التزاماتها المشتركة.
  • تنقسم إمكانية تنفيذ الاتفاقية إلى مستويين: يتمثل المستوى الأول في تطوير التعاون الدفاعي غير الهجومي، عبر التصنيع العسكري والتدريب وتبادل الخبرات، وتعزيز الدفاع الجوي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات. ويُعد الأكثر قابلية للتنفيذ، مع تحديات أبرزها الضغوط الأمريكية والغربية وإمكانية تراجع السعودية عن تطويره لمستويات متقدمة. أما المستوى الثاني فيتمثل في تفعيل الدفاع المشترك، ويتطلب توافقًا مرتفعًا حول العدو والتهديد وطبيعة الاعتداء، مع مراعاة كلفة التدخل وتداعياته على المصالح والتحالفات. وتزداد صعوبة التفعيل بسبب اختلاف خصوم الدول الثلاث، واحتمال دخولها حروبًا لا تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
  • تتراوح السيناريوهات المحتملة لمستقبل الاتفاقية بين عدم تفعيل الدفاع المشترك مع استمرار التعاون في التصنيع والتدريب والدفاع الجوي وتبادل المعلومات، وهو السيناريو الأكثر احتمالًا؛ والتفعيل الدفاعي المحدود لحماية الدولة المعتدى عليها، وهو سيناريو متوسط إلى مرتفع؛ ثم الرد المحدود على مصادر الهجوم، وهو سيناريو متوسط الاحتمال؛ وصولًا إلى التفعيل الكامل وخوض حرب مشتركة، وهو السيناريو الأقل احتمالًا بسبب اختلاف التهديدات والأولويات وارتفاع كلفة الحرب واستمرار الارتباط بالولايات المتحدة والغرب.
  • تمثل اتفاقية مكَّة خطوة مهمة نحو بناء إطار أمني ودفاعي أكثر تكاملًا بين السعودية وتركيا وباكستان، ومن المُرجَّح أن تحقق تقدمًا ملموسًا في مجالات التصنيع العسكري والتدريب وتبادل الخبرات والمعلومات. إلا أن الانتقال من التعاون الدفاعي إلى تفعيل الدفاع المشترك والرد على مصادر الاعتداء يظل أكثر صعوبة وتعقيدًا، بسبب اختلاف التهديدات والأولويات والمصالح والتحالفات الدولية للدول الثلاث. وعليه، يُرجَّح أن تتطور الاتفاقية نحو ردع دفاعي مشترك متدرج، دون تحولها قريبًا إلى تحالف عسكري يخوض حروبًا مشتركة بصورة كاملة.

مقدمة

تكتسب اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك أهمية خاصَّة، باعتبارها تطورًا لافتًا في مسار الترتيبات الأمنية الإقليمية، وتعبيرًا عن اتجاه متزايد نحو تعزيز التعاون الدفاعي وبناء أطر جماعية للردع والأمن. وتنبع أهمية الاتفاقية كذلك من طبيعة الأطراف الموقعة عليها، وما يمكن أن يترتب على اجتماع قدراتها وإمكاناتها من فرص لتطوير نموذج جديد للتعاون العسكري والأمني بين الدول العربية والإسلامية.

وفي المقابل، تطرح الاتفاقية تساؤلات حول مدى قدرتها على الانتقال من إطار للتنسيق والتعاون إلى التزام فعلي بالدفاع المشترك عند تعرُّض إحدى الدول الموقعة عليها لاعتداء، في ظِل اختلاف التهديدات والأولويات والمصالح بين هذه الدول.

ومن هذا المنطلق، يتناول تقدير الموقف الراهن مضمون الاتفاقية ومرتكزاتها، وتوقيت توقيعها ودلالاته، ودوافع الدول الموقعة وأهدافها، ومواقف القوى الإقليمية والدولية منها، وإمكانية تنفيذ التزاماتها الدفاعية، وصولًا إلى استشراف مستقبل الاتفاقية، من خلال رسم السيناريوهات المحتملة لتنفيذها وتحديد المسار الأكثر ترجيحًا.

أولًا: اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك

شهدت العاصمة السعودية، الرياض، في 7 أغسطس 2026م، توقيع اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك، بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.

1 – مضمون الاتفاق ومرتكزاته:

تهدف الاتفاقية – التي وقع عليها وليُّ العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف – إلى تعزيز الردع المشترك بين الدول الثلاث في مواجهة جميع أشكال العدوان، وتنصُّ على أن أي هجوم مسلح على أي من هذه الدول هو هجوم على الجميع. وتُعنى بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي، وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجال الصناعات الدفاعية.  

تعكس اتفاقية مكَّة التزام الدول الثلاث بتطوير قدراتها الدفاعية والردع الاستراتيجي، وتعزيز أمنها الجماعي، ودعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة وخارجها.

الاتفاقية لا تلغي الاتفاقيات الدفاعية القائمة للدول الثلاث، سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف، كاتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية، أو عضوية تركيا في حلف الناتو، أو الشراكات الأمنية التقليدية للسعودية مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

وقد شدَّد الرئيس التركي أردوغان، ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، على أن الاتفاقية “دفاعية بحتة”، وتستند إلى مبدأ الحق في الدفاع عن النفس، المنصوص عليه في المادة (51) “من ميثاق الأمم المتحدة. كما أوضح مسؤولون بالدول الثلاث أن الاتفاقية لا تستهدف أي طرف، وإنما ترمي إلى تحقيق السلام والأمن والاستقرار والرفاه في المنطقة.

غابت عن الاتفاقية دول مركزية وفاعلة في المنطقة، على رأسها مصر والإمارات، ولكن الرئيس التركي ووزير خارجيته أكَّدا أن الاتفاقية مفتوحة أمام انضمام الدول الراغبة في المشاركة.

2 – مؤشرات الاتفاق:

ثمَّة مؤشرات يمكن استخلاصها من البيان الذي أعقب التوقيع على اتفاقية مكَّة، ومن التصريحات الصادرة عن الأطراف الموقعة على الاتفاقية، تكشف عن اتجاهات جديدة في إعادة تشكيل المشهد الأمني الإقليمي، منها ما يأتي:

  • الانتقال من التعاون الدفاعي الثنائي إلى إطار ثلاثي قابل للتوسُّع، يتجاوز الترتيبات التقليدية، ويمكن أن يمثل نواة لتكتل أمني إقليمي جماعي جديد.
  • صعود مفهوم الردع الجماعي، من خلال النصِّ على الردع المشترك، بما يرفع كلفة استهداف أي طرف من أطراف الاتفاق.
  • السعي إلى بناء اعتماد دفاعي متبادل وطويل الأمد، وليس مجرد صفقات تسليح، من خلال الإشارة إلى مشاريع الصناعات الدفاعية، وبما يعني الانتقال من شراء السلاح إلى مرحلة التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا.
  • الاهتمام بإضفاء الشرعية القانونية الدولية على الاتفاقية، بالإحالة إلى ميثاق الأمم المتحدة، وتقديمها باعتبارها ترتيبًا دفاعيًّا مشروعًا وليس تحالفًا هجوميًّا أو عدوانيًّا.
  • محاولة طمأنة القوى الإقليمية والدولية و تقليل مخاوفها من تحوُّل الاتفاقية إلى تحالف موجَّه ضد دولة بعينها، من خلال التأكيد على عدم استهداف طرف بعينه.
  • توسيع مفهوم “العدوان” الذي سوف يواجّه بالردع المشترك، باستخدام عبارة “جميع أنواع العدوان”، بما يفتح المجال أمام تفسير أوسع للتهديدات، بحيث يمكن أن تشمل أبعادًا عسكرية وأمنية وتقنية غير تقليدية، أو صادرة عن كيانات وكيلة لقوى إقليمية.
  • الاتفاقية لا تعد صيغة نهائية، وهناك انفتاح على توسيع نطاق التحالف، ليضم دولًا أخرى من المنطقة.
  • بقاء الاعتماد السعودي على المظلة الأمنية الأمريكية في الخليج، من خلال تأكيد أطراف اتفاقية مكَّة أن الاتفاق لا يَعني تخلي الدول الموقعة عن تحالفاتها الأخرى.

ثانيًا: توقيت الاتفاقية ودلالاته

ذكر وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة حراج، أن مسودة اتفاقية مكَّة الدفاعية قد تمَّ إعدادها بعد مفاوضات استمرت نحو عام، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الدافع وراء إعلانها في هذا التوقيت، لاستخلاص الدلالات.

1 – توقيت إعلان الاتفاقية:

جاء توقيع اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك في توقيت بالغ الحساسية، تتزايد فيه التهديدات الأمنية وتتسارع فيه عملية إعادة صياغة موازين القوة وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط.

فقد فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران معادلات اشتباك جديدة في منطقة الشرق الأوسط عامَّة، وفي منطقة الخليج خاصَّة، بعد أن قررت طهران رفع كلفة الحرب إقليميًّا ودوليًّا، من خلال استهداف دول الخليج، في محاولةٍ منها لردع الحكومات الخليجية عن المشاركة في الحرب أو السماح باستخدام أراضيها وقواعدها العسكرية في الهجوم عليها، مستندةً إلى مبدأ “الأمن للجميع أو لا أمن لأحد”.

كشفت هذه التطورات عجز الدول الخليجية عن الدفاع الذاتي عن نفسها في مواجهة إيران وحلفائها بالمنطقة، ما دفعها إلى عدم الرد على الهجمات الإيرانية، بالتزامن مع تنامي الشكوك بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن حلفائها وشركائها في المنطقة، وتراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية باعتبارها الضامن الوحيد لأمن الخليج.

ويعكس اختيار هذا التوقيت إدراك الدول الثلاث للحاجة المتزايدة إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مواجهة بيئة أمنية مضطربة وتتسم بتعدد مصادر التهديد، وتراجع اليقين بشأن فاعلية الترتيبات الأمنية التقليدية وحدها، ممثلة في المظلة الأمنية الأمريكية.

كما يأتي الاتفاق في ظِل تنامي الخطر الذي باتت تشعر به دول المنطقة من امتلاك بعض الدول وما دون الدول لقدرات صاروخية وطائرات مُسيَّرة يمكن استخدامها في خوض حروب غير تقليدية، واتساع نطاق التهديدات العابرة للحدود.

2 – دلالات توقيت الإعلان:

توقيع الاتفاقية في هذا التوقيت يحمل دلالات مهمة، تعكس محاولة استثمار فرصة التحولات الأمنية التي أفرزتها الحروب التي شهدتها المنطقة، وآخرها الحرب على إيران، أهمها ما يأتي:

  • الرغبة في الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة التحوُّط الاستراتيجي، ومن التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة ردع مستعدة للتعامل مع الأزمات المستقبلية.
  • تنامي الإدراك بقصور القدرات الدفاعية المنفردة في مواجهة هجمات صاروخية وأسراب مُسيَّرات واسعة النطاق، وهو ما يفرض تبادل الخبرات وتجميع القدرات والإمكانيات.
  • استثمار لحظة إعادة تشكيل موازين القوى بالمنطقة، وعدم تفويت فرصة المشاركة المبكرة في صياغة الترتيبات الأمنية قبل أن تقوم قوى أخرى بفرض تصوُّرها لهذه الترتيبات.
  • إرسال رسالة إلى الخصوم والأعداء بأن كلفة استهداف أي من الدول الثلاث سوف تكون مرتفعة، وأن هذا الاستهداف سوف يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة.
  • إدراك السعودية أن الاعتماد على المظلة الأمريكية الأمنية وحدها لم يعد كافيًّا، وينطوي على مخاطر، وأنه صار من الضروري البدء في تنويع الشراكات الأمنية وبناء طبقات إضافية من الردع.
  • رغبة السعودية في وقف الهجمات الإيرانية على أراضيها، عبر بناء مظلة ردع جماعي ترفع كلفة أي هجوم مستقبلي، وتُرسخ معادلة مفادها أن استهداف المملكة لن يظل مواجهة ثنائية، وإنما سوف يستدعي استجابة مشتركة من الدول الثلاث.
  • وجود مخاوف لدى تركيا وباكستان من بوادر تشكُّل محور معاد، تقوده إسرائيل، ويضم الهند والإمارات، وربما يتسع ليضم اليونان وقبرص.

ثالثًا: الدوافع والأهداف

لا شك أن اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك هي استجابة للحاجة السعودية إلى تعزيز أمنها وردع التهديدات التي تواجهها، إلا أن انضمام تركيا وباكستان للاتفاقية يقوم أيضًا على مصالح استراتيجية خاصَّة، وهو ما دفع كلًّا منهما إلى الانضمام إليها.

1 – دوافع السعودية وأهدافها:

  • الحصول على التزام دفاعي جماعي، يرفع كلفة استهدافها من جانب أعدائها، خاصَّة إيران وحلفائها في المنطقة، في ظِل استراتيجية إيران الجديدة في التعامل مع دول الخليج.
  • تنويع الضمانات الأمنية، بإضافة مظلة أمنية جديدة إلى المظلة الأمنية الأمريكية التي تراجع مستوى الثقة فيها منذ الغارة الإسرائيلية على قطر (2025م)، وبعد أن عجزت المظلة الأمنية الغربية عن ردع إيران ومنعها من مهاجمة دول الخليج.
  • التحالف مع شريكين عسكريين يمتلكان قدرات عسكرية كبيرة، للاستفادة من إمكانياتهما في التصنيع العسكري وخبراتهما في المواجهات المسلحة، وهو ما قد يفيد السعودية في بناء قدرة ذاتية على الردع والدفاع عن النفس.
  • التحوُّط السعودي من تغيُّر البيئة الأمنية، وخوف الرياض من تغيُّر مستوى الالتزام الأمريكي بالأمن الخليجي على المدى البعيد.
  • الاستفادة من امتلاك باكستان للسلاح النووي، وهو ما يُدخِل السعودية تحت مظلة الردع النووي الباكستاني، ويوفر لها ردعًا إستراتيجيًّا لا يوجد في الدول الإسلامية إلَّا في باكستان.
  • التعاون مع دول بعيدة عن صراعات التنافس على زعامة المنطقة العربية، وتعترف للسعودية بالزعامة في العالم الإسلامي بفضل الأماكن المقدسة.

2 – دوافع تركيا وأهدافها:

  • تعزيز الموقع التركي في هندسة الأمن الإقليمي، من خلال الدور المباشر الذي تتيحه الاتفاقية لتركيا، وهو ما يتسق مع رغبتها في توسيع حضورها في الشرق الأوسط.
  • الحصول على عمق استراتيجي خليجي وآسيوي، يربط المجالات الجيوسياسية للشرق الأوسط والخليج وجنوب آسيا، وهو ما يوفر لها شبكة أوسع للتعاون وقت الأزمات.
  • الاستفادة من طبقة جديدة من الردع الإقليمي، تتيح تعزيز الردع التركي في مواجهة التهديدات، إضافة إلى قدراتها الوطنية وعضويتها في حلف الناتو.
  • توسيع الصناعات العسكرية التركية، وتطوير مشاريع التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا، من خلال ربط قدرات تركيا التكنولوجية بقدرات السعودية المالية والخبرة الباكستانية.
  • توسيع سوق الصناعات الدفاعية التركية، وفتح المجال أمام زيادة صادراتها العسكرية إلى السعودية وباكستان، ومِن ثمَّ إلى باقي دول المنطقة.
  • تعميق الشراكة الاستراتيجية مع السعودية، وتحويل التعاون المتنامي إلى ترتيبات مؤسسية، تتويجًا لسياسة تصفير المشاكل والتقارب مع دول الخليج التي تتبعها تركيا منذ سنوات.
  • تعزيز مكانة تركيا داخل العالم الإسلامي، من خلال اختيار مكة لتوقيع الاتفاقية، والظهور في مظهر الدولة الساعية لضمان أمن واستقرار بلد الحرمين الشريفين، وتثبيت دورها كإحدى القوى الرئيسة المشاركة في الترتيبات الأمنية.
  • تطوير التعاون التركي الباكستاني ليمتد إلى مجالات عسكرية وصناعية، وهو ما يمنح تركيا شريكًا قويًّا في جنوب آسيا.

3 – دوافع باكستان وأهدافها:

  • الرغبة في الاستفادة من الإمكانيات المالية السعودية في الخروج من أزمتها الاقتصادية، عبر الأموال التي سوف تحصل عليها بواسطة هذه الشراكة الاستراتيجية.
  • الاعتماد على الإمكانيات المالية السعودية في تمويل المشاريع الدفاعية وتطوير الصناعات العسكرية الباكستانية التي سوف تزيد من قوة الجيش الباكستاني.
  • ضمان وجود حليف قوي مثل السعودية وتركيا في حالة تعرضها لهجوم من جانب الهند التي تحكمها نخبة سياسية يمينية متطرفة، وتصاعد احتمالات الحرب الشاملة بين البلدين.
  • إيجاد تحالف إقليمي يزيد من قوة الردع الاستراتيجي الباكستاني في مواجهة إسرائيل التي يمكن أن تهاجم باكستان كهدف مُحتمَل بعد مهاجمة إيران.
  • تعزيز مكانة باكستان في العالم الإسلامي، كدولة تشارك في حماية الأماكن المقدسة في السعودية، خاصَّة مع ارتباط الاتفاقية بمكة المكرمة.
  • تعزيز مكانة باكستان في العالم، بعد أن تشارك في الترتيبات الأمنية في منطقة حساسة كالخليج العربي، إلى جانب أكبر قوة في العالم، وهي الولايات المتحدة.
  • توسيع دائرة النفوذ الباكستاني من جنوب آسيا إلى الخليج والشرق الأوسط، وهو ما يضمن لباكستان حضورًا أوسع ويفتح أمامها مجالات للتعاون مع دول أخرى.
  • تعميق الشراكة العسكرية والصناعية مع تركيا، لتعزيز جاهزية الجيش الباكستاني، وتحويل المشروعات الثنائية القائمة بين البلدين إلى مشروعات ثلاثية بتمويل سعودي.

رابعًا: مواقف القوى الإقليمية والدولية

راقبت القوى الإقليمية والدولية اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك باهتمام، باعتبارها تطورًا مهمًّا في بنية الأمن الإقليمي، ولما يمكن أن يترتب عليها من آثار في موازين القوى وعملية تشكيل التحالفات الأمنية الجديدة. وتباينت مواقف هذه القوى بين الترحيب الحذر والتحفظ والقلق.

1 – موقف القوى الإقليمية:

إيران: على الرغم من التصريحات الباكستانية والتركية التي تؤكد أن اتفاقية مكَّة لا تستهدف دولة بعينها، إلا أن توقيت الاتفاق الذي تقوده السعودية وسياقه الإقليمي يجعلان من إيران الطرف المُستهدَف، حتى وإن كانت هناك أطراف أخرى قد تستهدفها الاتفاقية، وهم أعداء وخصوم باكستان وتركيا.

على الرغم من إدراك إيران أنها المُستهدَف الأول باتفاقية مكَّة، إلا أنها استبعدت ذلك، واعتبرت الاتفاقية دليلًا على أن دول المنطقة لم تعد قادرة على الاعتماد على الادعاءات الأمريكية بتوفير الأمن لها، وأن هذه الدول صارت تدرك أن “الأمن ليس سلعة قابلة للشراء”. وأكدت الخارجية الإيرانية أن طهران لا تشعر بالقلق من جانب جيرانها الثلاثة الذين تربطهم بها علاقات عميقة.

ولكن الترحيب الإيراني بالاتفاقية لم يكن مطلقًا، حيث ربطت الخارجية الإيرانية قبول الاتفاقية بمدى استقلالها عن الولايات المتحدة، وألمحت إلى ضرورة استيعاب جميع دول المنطقة وعدم استبعاد أيّ منها في اتخاذ أفضل مسار لتحقيق الأمن الجماعي.

سوف تضع إيران اتفاقية مكَّة في اختبار حقيقي إذا عادت الولايات المتحدة لمهاجمتها؛ لأنها سوف ترد على الهجوم الأمريكي من خلال استهداف دول الخليج، ومنها السعودية، الأمر الذي سوف يضع الاتفاقية أمام اختبار لمدى فاعلية مبدأ الردع والدفاع المشترك.

مصر: لم تنضم مصر لاتفاقية مكَّة، رغم وجودها ضمن الرباعية المعنية بمتابعة التطورات الإقليمية، والتي تضم إلى جانبها دول الاتفاقية الثلاث، وكانت مثار تكهنات بتحولها إلى تحالف رباعي. ولكن الباب مفتوح لانضمام مصر، بحسب تصريح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الذي قال إن بلاده تتوقع انضمام مصر في المرحلة المقبلة، ولكن بعد إنجاز بعض الترتيبات واستكمال المسائل الفنية لإزالة العوائق أمام مشاركة القاهرة.

وكان مصدر باكستاني قد صرح بأن مصر عُرِض عليها الانضمام إلى التحالف ولكنها رفضت، الأمر الذي فسره مراقبون بتحفظ القاهرة على الدخول في التزام قد يفرض عليها التدخل العسكري في نزاع لا يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ورغبتها في عدم الانخراط في محور أمني جديد يحرمها من هامش المناورة المستقل في علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية. هذا بالإضافة إلى رغبة القاهرة في المحافظة على التوازن في العلاقات مع السعودية من ناحية والإمارات من ناحيةٍ أخرى. كما أن هناك حسابات مصرية تتعلق بإمكانية توتر العلاقات مع إسرائيل في حالة تحوُّل الاتفاق إلى أداة ردع في مواجهة تل أبيب، أو تحويل الاتفاق إلى اصطفاف إقليمي ضد إيران، في وقتٍ تحافظ فيه القاهرة على قنوات اتصال مع طهران.

كذلك هناك أولويات استراتيجية مصرية، تتمثل في أمن الحدود، والبحر الأحمر، وقناة السويس، وشرق المتوسط. وتوقيع القاهرة على اتفاق دفاع جماعي قد يعني، من الناحية النظرية، التزامها بالتعامل عسكريًّا مع أزمات لا تقع بالضرورة ضمن دائرة تهديداتها المباشرة.

ولكن يظل الرفض المصري أقرب إلى رفض صيغة الالتزام الجماعي التي تفرضها اتفاقية مكَّة منه إلى رفض التعاون مع الدول الثلاث؛ لأن التعاون مع الدول الثلاث قائم بالفعل، وفي تطور مستمر في الفترة الأخيرة.

ثمَّة نقطة أخرى لا بد من الإشارة إليها، وهي مدى جدية السعودية في ضم مصر للاتفاقية، فالرياض يمكن أن تضغط على مصر بشكل أو بآخر للانضمام، ولكن تجاربها مع القاهرة تدل على انعدام الثقة في التعهد المصري بأمن الخليج، منذ أن رفضت مصر المشاركة إلى جانب السعودية في محاربة الحوثيين في اليمن.

الإمارات: غابت الإمارات عن اتفاقية مكَّة، على الرغم من تعرضها لنفس التهديدات التي تتعرَّض لها السعودية، وهو ما يدل على استمرار الخلافات الخليجية، وتباين الرؤى بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة.

شكَّكت الإمارات – التي وثقت علاقاتها الدفاعية مع الهند وإسرائيل، وهما تهديدان صريحان لباكستان وتركيا – في جدوى اتفاقية مكَّة من خلال رجال مقربين من الحكومة، مثل الأكاديمي عبدالخالق عبدالله، الذي انتقد ذهاب السعودية إلى دول من خارج البيت الخليجي، واندفاعها نحو تأسيس محاور سياسية وتحالفات عسكرية إقليمية على حساب التعاون الخليجي، واستثمارها في تعاون مع دول لا تحظى بالقدر الكافي من المصداقية والقدرة على مواجهة الخطر الإيراني والإسرائيلي.

موقف الإمارات يدل على أنها ماضية في بناء ترتيبات أمنية مختلفة عن الترتيبات السعودية، وربما يظهر تحالف أمني جديد برعاية إماراتية، ينافس التحالف القائم على اتفاقية مكَّة.

الهند: تابعت الهند اتفاقية مكَّة عن كثب، بحسب تصريح الخارجية الهندية، وهي صياغة دبلوماسية على قدر كبير من الحذر، وأقرب إلى التحوُّط والمراقبة منها إلى المواجهة والرفض؛ لأن نيودلهي تدرك أن الاتفاق يُعزِّز قوة عدوتها، باكستان، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لها، ولكنها في الوقت نفسه لا تريد الإضرار بعلاقاتها ومصالحها المتنامية مع السعودية.

يعكس هذا الموقف إدراك الهند أن الاتفاقية – رغم طابعها الدفاعي المُعلَن وعدم توجيهها رسميًّا ضد دولةٍ بعينها – تضم باكستان، عدوها الإقليمي الرئيس، إلى جانب تركيا التي تمتلك علاقات دفاعية وثيقة مع إسلام آباد، وتمنح الطرفين إطارًا أوسع للتعاون العسكري. ومِن ثمَّ، فإن مصدر القلق الهندي لا يتمثل بالضرورة في تحوُّل الاتفاقية إلى تحالف موجَّه ضدها، وإنما في احتمال أن تؤدي إلى زيادة القدرات الدفاعية الباكستانية، أو توفير دعم عسكري وتقني ومالي أوسع لها، أو إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الخليج والشرق الأوسط على نحو يُعزِّز موقع باكستان الإقليمي.

 إسرائيل: لا تنظر إسرائيل إلى اتفاقية مكَّة، في صورتها الحالية، باعتبارها تهديدًا عسكريًّا مباشرًا، لكنها تتعامل معها بقلق استراتيجي؛ لاحتمالية تطور هذه الاتفاقية إلى كتلة أمنية “سُنيَّة” أوسع وأكثر تكاملًا، ولا سيما إذا انضمت إليها دول عربية أخرى، مثل مصر، أو تحوَّلت إلى ترتيبات عسكرية وصناعية واستخبارية دائمة.

كذلك ترى إسرائيل في الاتفاقية مؤشرًا على سعي السعودية إلى تنويع مظلاتها الأمنية وتقليل اعتمادها على المظلة الأمريكية، وتوسيع شراكاتها بعيدًا عن تل أبيب التي كانت تروج للتطبيع مع دول الخليج من باب الشراكة الأمنية وهندسة الأمن الإقليمي، وهو ما قد يؤدي بالتبعية إلى تراجع ملف التطبيع، بسبب تراجع حاجة السعودية إلى الترتيبات الأمنية الإسرائيلية التي تعد جزءًا أصيلًا من صفقة التطبيع.

لهذا يرى مسؤولون إسرائيليون ضرورة بناء تحالفات بديلة، خاصَّة مع المحور الهيليني، أي اليونان وقبرص، إلى جانب الهند والإمارات.

2 – موقف القوى الدولية:

لا تتعامل الولايات المتحدة والدول الغربية – حتى الآن – مع اتفاقية مكَّة باعتبارها بديلًا كاملًا عن شبكة التحالفات الأمنية في الشرق الأوسط،  ولا تثير الاتفاقية في حد ذاتها قلق الولايات المتحدة والدول الغربية؛ لأنها دفاعية، ومكملة للتحالفات القائمة، وغير موجهة رسميًّا ضد إسرائيل، ولا تتضمن ترتيبات عسكرية تضر بمصالح الغرب.

كما أن الظرف الإقليمي الراهن يدفع الولايات المتحدة والغرب إلى القبول بهذه الاتفاقية والدفع نحو تفعيلها في هذه المرحلة؛ لأن هذا التفعيل سوف يوجَّه إلى إيران التي تهاجم دول الخليج، ولم يمنعها الردع الأمريكي عن مواصلة هذا الهجوم وتكراره كلما تعرَّضت لهجمات من جانب القوات الأمريكية.

الاتفاقية في المرحلة الراهنة تمثل نوعًا من الشراكة غير المباشرة بين الولايات المتحدة والدول الثلاث في حماية الأمن الإقليمي، ولا سيما حماية السعودية ومنشآتها الحيوية وممرات الملاحة والطاقة، مع انتقال جزء من أعباء الردع والدفاع إلى الدول الإقليمية نفسها، وهو ما ينسجم مع توجُّه أمريكي أوسع نحو تقاسم أعباء الأمن مع الحلفاء والشركاء، دون أن يعني ذلك تخلي واشنطن عن دورها الأمني في المنطقة أو استغناء السعودية عن هذا الدور.

ولكنها قد تثير قلق الولايات المتحدة والدول الغربية إذا سارت في مسار تتحوَّل من خلاله إلى منظومة أمنية إقليمية مستقلة ومكتفية ذاتيًّا، وذات قيادة عسكرية مشتركة، وقدرات دفاعية وتصنيعية متكاملة، وقواعد وانتشار عسكري واسع؛ لأن ذلك يعني الانتقال من تنويع الشراكات الأمنية إلى محاولة بناء بديل إقليمي للمظلة الغربية.

خامسًا: إمكانية تنفيذ الاتفاقية

لا يعني توقيع اتفاقيات الدفاع المشترك ضرورة تنفيذ التزاماتها بشكل كامل أو تفعيلها عند وقوع اعتداء على أحد الأطراف الموقعة عليها.

فقد أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة فشل اتفاقيات الدفاع المشترك وعدم تفعيلها عند الحاجة، ومنها “اتفاقية الدفاع العربي المشترك” التي لم تُفعَّل منذ توقيعها في 1950م، واتفاقية الدفاع المشترك لدول الخليج، التي أنشأت قوات “درع الجزيرة”.

وثمَّة أسباب تدفع الدول الموقعة على اتفاقيات الدفاع المشترك إلى عدم الالتزام بها عند الحاجة إليها، من أهمها ما يأتي:

  • عدم وجود تعريف مشترك للعدو، فالتحالفات العسكرية تقوم على عدو مشترك، كالشيوعية بالنسبة لحلف الناتو في فترة سابقة، ثم الإرهاب والتمدد الصيني بعد ذلك.
  • الارتباط باتفاقيات وتحالفات تحول دون اتخاذ قرارات سياسية وعسكرية مشتركة، خوفًا من تعرُّض المصالح للخطر في حال تعارض الدفاع المشترك مع هذه الاتفاقيات والتحالفات.
  • اختلاف الأولويات الأمنية، بسبب اختلاف الجغرافيا وتهديدات الأمن القومي والخصوم والمصالح الاستراتيجية لكل دولة، وهو ما قد يجعل استجابة بعض الدول في حالة المواجهة العسكرية محل تردد أو تحفظ.
  • الاختلاف حول تعريف “الاعتداء”، وما هي طبيعة الهجوم الذي يستوجب تفعيل الدفاع المشترك: هل هو الهجوم العسكري المباشر فقط، أم يشمل الهجمات غير المباشرة أيضًا، بواسطة الوكلاء والفاعلين ما دون الدولة؟

هذه الأسباب لا بد من أخذها في الاعتبار عند الحديث عن إمكانية تنفيذ اتفاقية مكَّة، التي تنقسم إلى مستويين من الشراكة العسكرية، أولهما تطوير التعاون المشترك، وثانيهما تفعيل الدفاع المشترك والرد على مصادر الهجوم.

وبناءً عليه فإن السؤال عن إمكانية تنفيذ الاتفاقية لا بد أن يُراعي وجود هذين المستويين واختلاف الفرص والتحديات التي تواجه كلًّا منهما على حدة.

1 – تطوير التعاون المشترك:

يتمثل المستوى الأول في تطوير التعاون الثلاثي أو الجماعي في مجالات غير هجومية، مثل التصنيع العسكري، والتدريب، وتبادل الخبرات.

يضاف إلى ذلك تطوير التعاون الدفاعي “السلبي”، لصد الهجمات أو الحد من تأثيرها، من خلال نشر منظومات الدفاع الجوي وأنظمة التعامل مع المُسيَّرات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والإنذار المبكر. وكلها أمور غير هجومية، ولا تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين دول الاتفاقية ودول أخرى بالمنطقة، مثل إيران.

هذا المستوى هو الأسهل من حيث إمكانية التنفيذ؛ لأنه لا يفرض التزامات عسكرية كبيرة على الدول الثلاث، ولا يتطلب بالضرورة وجود عدو مشترك أو توافق كامل على الأولويات الأمنية ومصادر التهديد.

ولكن هذا المستوى، بما يحتوي عليه من فرص كبيرة، تتمثل في التمويل السعودي والخبرة الباكستانية والتكنولوجيا التركية، لا يخلو من تحديات، أهمها امتلاك إرادة سياسية لمواجهة أي ضغوط أو تدخلات من جانب الولايات المتحدة والغرب من أجل تقييد مستوى هذا التعاون أو الحيلولة دون تحويله إلى تحالف عسكري متكامل ومستقل نسبيًّا.

فقد تُغيِّر السعودية، وهي محور الاتفاقية والممول الرئيس لمشاريعها الدفاعية، حساباتها تحت ضغط الولايات المتحدة، خاصَّة إذا رأت أن الاستمرار في تطوير هذا التعاون للوصول به إلى مستوى متقدم سوف يُعرِّض علاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا للخطر.

2 – تفعيل الدفاع المشترك:

يمثل المستوى الثاني، وهو الرد المشترك على أي هجوم تتعرَّض له دولة من دول اتفاقية مكَّة، الجانب الأكثر تعقيدًا وخطورةً؛ لأنه يحوِّل الاتفاقية من إطار للتعاون الدفاعي إلى التزام فعلي باستخدام القوة دفاعًا عن أحد الأطراف.

هذا المستوى يحتاج إلى قدر مرتفع من التوافق حول العدو المشترك، ومصادر التهديد، وطبيعة الاعتداء المستوجب لتفعيل الدفاع المشترك، ومستوى التدخل العسكري. كما أنه يخضع أيضًا لحسابات المصالح والخسائر وتقدير كلفة التدخل وتداعياته على الأمن القومي لكل دولة، ومدى توافق الدخول في الحرب مع مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها وتحالفاتها القائمة. وهنا يمكن ذكر الأمثلة الثلاثة الآتية للتدليل على صعوبة تفعيل الدفاع المشترك في اتفاقية مكَّة:

  • في حال تعرضت السعودية لهجوم من جانب إيران، من المفترض أن تبادر تركيا وباكستان إلى الرد على مصدر الهجوم، في حين أن إيران ليست عدوًّا لكلا البلدين، ولا تمثل لهما تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر بهجومها على السعودية. ثم إن رد تركيا وباكستان على إيران سيؤدي إلى حرب مباشرة مع دولة جارة، وهو ما يهدد الأمن القومي لكلا البلدين ويُضعِف موقفهما أمام تهديدات أخرى حقيقية ومباشرة وتتمتع بالأولوية في الاستراتيجية الدفاعية لكليهما، مثل الهند وإسرائيل والجماعات المسلحة المناهضة للدولة. فضلًا عن الخسائر الاقتصادية التي سوف تتعرض لها الدولتان.
  • في حال تعرضت تركيا لهجوم من جانب إسرائيل التي يَرى البعضُ فيها أن الدور قادم عليها بعد إيران، من المفترض أن تبادر السعودية وباكستان إلى الرد على مصدر الهجوم. عندئذ سوف تجد السعودية نفسها في مواجهة مع إسرائيل التي لا تعتبرها عدوًّا وسارت معها في مسار تطبيعي. وسوف تجد باكستان نفسها في حرب مع قوة إقليمية كبرى كإسرائيل، وهو ما يُهدِّد أمنها القومي ويُضعِف موقفها أمام عدوها التقليدي، وهو الهند. ثم إن دخول السعودية وباكستان في حرب مع إسرائيل يعني الصدام مع الولايات المتحدة، التي لن تقبل بمهاجمة حليفتها، وتمتلك من أدوات الضغط على الرياض وإسلام آباد ما يمكنها من تغيير قراراتهما ومنعهما من أي تحرك مستقل. هذا بالإضافة إلى أن تركيا مُعرَّضة لهجمات من جانب جماعات كردية مسلحة في العراق وسوريا، وهو ما يستوجب تدخل السعودية لضرب مصادر الهجوم، بما يعني الاعتداء على سيادة دول عربية.
  • في حال تعرضت باكستان لهجوم من الهند، من المفترض أن تبادر السعودية وتركيا إلى الرد على مصدر الهجوم، في حين أن السعودية ترتبط بعلاقات طيبة ومتنامية مع الهند، ولا تعدها عدوًا أو مصدر تهديد، وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا. فضلًا عن أن التدخل سوف يُقحِم البلدين في صراع هندي باكستاني تاريخي وطويل ولا يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنهما القومي، ويُعرِّض مصالحهما الاقتصادية والسياسية في جنوب آسيا للخطر.

سادسًا: السيناريوهات المحتملة

يمكن رسم أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل اتفاقية مكَّة وإمكانية تفعيل مبدأ الدفاع المشترك في حالة تعرُّض إحدى الدول للهجوم. وهذه السيناريوهات على النحو الآتي:

السيناريو الأول: عدم تفعيل الدفاع المشترك

وصف السيناريو: تطور الاتفاقية بصورة ملموسة في جميع مجالات التعاون، دون الوصول إلى مرحلة تفعيل الدفاع المشترك.

عوامل التحقق: توفر التمويل السعودي والخبرة الباكستانية والتكنولوجيا التركية، ووجود مصالح اقتصادية وعسكرية مشتركة، وسهولة التعاون في التصنيع والتدريب مقارنةً بخوض الحرب، واختلاف أعداء وتهديدات ومصالح الدول الثلاث، واستمرار ارتباط الدول الثلاث بشراكات وتحالفات خارجية.

مظاهر التحقق: إنشاء مشاريع تصنيع دفاعي مشتركة، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وزيادة المناورات والتدريب المشترك، وتبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتطوير التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، وعدم مهاجمة الدولة المعتدية عند تعرُّض أحد الأطراف لهجوم.

موانع التحقق: الضغوط الأمريكية والغربية على مشاريع نقل التكنولوجيا والتصنيع، وتغيُّر الإرادة السياسية لإحدى الدول، وتراجع التهديدات التي دفعت إلى عقد الاتفاقية.

احتمالية التحقق: مرتفعة؛ لأن هذا المسار يحقق قدرًا كبيرًا من المكاسب العسكرية والاستراتيجية للدول الثلاث، دون أن يلزمها بخوض حروب قد تتعارض مع مصالحها الوطنية.

السيناريو الثاني: تفعيل الدفاع المشترك دفاعيًّا

وصف السيناريو: تجاوز التعاون المشترك إلى بناء قدرات دفاعية مشتركة، وتفعيل الاتفاقية عند تعرُّض إحدى الدول للهجوم، دون مهاجمة الدولة المعتدية، واقتصار المشاركة على حماية الدولة المُستهدَفة واعتراض الهجمات، من خلال تبادل المعلومات والدعم اللوجيستي والعسكري.

عوامل التحقق: نجاح التعاون العسكري، وإنشاء شبكات اتصال وقيادة وتنسيق مشتركة، ووجود هجوم واضح ومحدود على إحدى الدول، وإمكانية تقديم دعم دفاعي دون الدخول في حرب مع المعتدي، ورغبة الدول الثلاث في إثبات مصداقية الاتفاقية دون تجاوز الخطوط الحمراء.

مظاهر التحقق: نشر أو تشغيل منظومات دفاع جوي مشتركة، واعتراض الصواريخ والمُسيَّرات، وتقديم الدعم الاستخباراتي والإنذار المبكر، ومشاركة الطائرات أو القوات في مهام دفاعية، وتفعيل آليَّات التنسيق السياسي والعسكري، واستمرار مشاريع التصنيع والتدريب والمناورات.

موانع التحقق: صعوبة نقل القوات والأنظمة بين المسارح الجغرافية المختلفة، وعدم وجود قيادة عسكرية مشتركة، واختلاف تقدير الدول الثلاث لطبيعة الهجوم، والخشية من أن يؤدي التدخل الدفاعي إلى رد انتقامي.

احتمالية التحقق: متوسطة إلى مرتفعة؛ لأن الدفاع عن الدولة المُعتدَى عليها أقل تكلفة ومخاطرة من مهاجمة المُعتدِي، وهو التطبيق الأكثر واقعية لمبدأ الدفاع المشترك.

السيناريو الثالث: الرد المحدود على مصادر الهجوم

وصف السيناريو: تطوُّر الاتفاقية إلى مستوى مرتفع من التكامل العسكري، بما يسمح بتنفيذ عمليات مشتركة، تتمثل في الرد بصورة محدودة ومحسوبة على مصادر الهجوم، دون الدخول في حرب شاملة مع الدولة المعتدية.

عوامل التحقق: نجاح مشروعات التصنيع والتدريب والتكامل العسكري، وإنشاء آليَّات قيادة وتنسيق مشتركة، ووقوع هجوم مباشر واسع يمكن تحديد مصدره بوضوح، وتوافر توافق سياسي على ضرورة الرد، ووجود قدرة عسكرية مشتركة على تنفيذ ضربات محدودة، ورغبة الدول الثلاث في الحفاظ على مصداقية الردع.

مظاهر التحقق: إعلان تفعيل الدفاع المشترك، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة، وتنفيذ ضربات جوية أو صاروخية محدودة، واستهداف مصادر الهجوم بدل استهداف الدولة المعتدية بصورة شاملة، واستمرار مظاهر الاستعداد والجاهزية المشتركة بعد انتهاء الأزمة.

موانع التحقق: الخوف من تحوُّل الضربة المحدودة إلى حرب شاملة، والضغوط الأمريكية والغربية، واختلاف الدول الثلاث حول حجم الرد وأهدافه، وعدم امتلاكها في المرحلة الأولى بنية قيادة وسيطرة مشتركة، واحتمال تعرُّض الدول المتدخلة لهجمات انتقامية.

احتمالية التحقق: متوسطة؛ لأن هذا السيناريو يمثل مرحلة وسطى بين عدم تفعيل الدفاع المشترك وبين الدخول في حرب شاملة.

السيناريو الرابع: التفعيل الكامل للدفاع المشترك

وصف السيناريو: تحوُّل الاتفاقية إلى تحالف عسكري متكامل، وقيام الدول الثلاث بتفعيل الدفاع المشترك ومهاجمة الدولة المعتدية أو مصادر الهجوم بصورة مباشرة وواسعة.

عوامل التحقق: استمرار التهديدات الإقليمية وتصاعدها، ونجاح التعاون الصناعي والعسكري، وإنشاء قيادة أو آليَّة عمليات مشتركة، وتوافق الدول الثلاث على وجود عدو أو تهديد مشترك، وتراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، وتوافر إرادة سياسية لتحمُّل تكاليف الحرب.

مظاهر التحقق: إعلان تفعيل بند الدفاع المشترك، ومشاركة القوات المسلحة للدول الثلاث في الحرب، ومهاجمة القواعد والمنشآت العسكرية للدولة المعتدية، وتنفيذ عمليات جوية وبحرية وصاروخية مشتركة، واستخدام القدرات التي طورتها الدول الثلاث بصورة جماعية، وتحوُّل الاتفاقية إلى محور أمني وعسكري إقليمي.

موانع التحقق: غياب عدو مشترك تتفق عليه الدول الثلاث بصورة دائمة، وتباين الأولويات الأمنية، وتضارب المصالح في بعض الأزمات، وارتفاع التكلفة الاقتصادية للحرب، واحتمال اتساع الحرب إلى دول أخرى.

احتمالية التحقق: منخفضة؛ لأن الانتقال إلى حرب مشتركة يتطلب درجة استثنائية من التوافق السياسي والاستراتيجي.

السيناريو المُرجَّح

السيناريو المُرجَّح هو السيناريو الثاني (تفعيل الدفاع المشترك دفاعيًّا)، مع إمكانية تطوُّره إلى السيناريو الثالث (الرد المحدود على مصادر الهجوم)، وهو ما يرتبط بحدوث تقدم كبير في التعاون العسكري والصناعات الدفاعية والتدريب وتبادل الخبرات، يتبعه – عند وقوع اعتداء كبير – تفعيل للدفاع المشترك في صورته الدفاعية، مع احتمال محدود للانتقال إلى ضرب مصادر الهجوم، كمنصات الصواريخ والمُسيَّرات، دون استهداف الدولة المعتدية في حرب شاملة.

ويعود ترجيح هذا السيناريو إلى أن التصنيع والتدريب وتبادل الخبرات لا تتطلب تطابقًا كاملًا في تعريف الأعداء، والمصالح، بينما مهاجمة الدولة المعتدية تتطلب هذا التطابق وتفرض على الدول الثلاث تحمُّل مخاطر الحرب وتبعاتها الإقليمية والدولية.

التقدير العام

تمثل اتفاقية مكَّة خطوة مهمة نحو بناء إطار أمني ودفاعي أكثر تكاملًا بين السعودية وتركيا وباكستان، ومن المُرجَّح أن تحقق تقدمًا ملموسًا في مجالات التصنيع العسكري والتدريب وتبادل الخبرات والمعلومات. إلا أن الانتقال من التعاون الدفاعي إلى تفعيل الدفاع المشترك ومهاجمة مصادر الاعتداء يظل أكثر تعقيدًا، بسبب اختلاف التهديدات والأولويات والمصالح والتحالفات الدولية للدول الثلاث. وعليه، يُرجَّح أن تتطور الاتفاقية نحو ردع دفاعي مشترك متدرج، دون تحوُّلها قريبًا إلى تحالف عسكري يخوض حروبًا مشتركة بصورة كاملة.

خاتمة

تمثل اتفاقية مكَّة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تطورًا مهمًّا في مسار إعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية، فهي لا تقتصر على تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وإنما تفتح المجال أمام بناء إطار أوسع للردع الجماعي والتعاون العسكري والصناعات الدفاعية المشتركة. ويعكس توقيعها إدراكًا متزايدًا للحاجة إلى تنويع الشراكات الأمنية وتعزيز القدرات الذاتية، مع استمرار ارتباط الدول الثلاث بترتيبات وتحالفات دفاعية أخرى.

ومع ذلك، فإن أهمية الاتفاقية لا تعني بالضرورة سهولة تفعيلها؛ إذ يظل الانتقال من التعاون الدفاعي إلى الالتزام الفعلي بالدفاع المشترك أكثر تعقيدًا، بسبب اختلاف مصادر التهديد والأولويات الاستراتيجية والمصالح والتحالفات الخارجية للدول الثلاث. كما أن غياب تعريف موحد للعدو، واختلاف تقدير مفهوم الاعتداء، وارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأي تدخل، كلها عوامل قد تحد من قدرة الاتفاقية على التحوُّل إلى تحالف عسكري متكامل.

وعليه، يُرجَّح أن تحقق الاتفاقية تقدمًا ملموسًا في مجالات التصنيع العسكري والتدريب وتبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي، مع إمكانية تفعيل الدفاع المشترك في صورته الدفاعية عند وقوع اعتداء كبير. أما الانتقال إلى تنفيذ عمليات هجومية مشتركة أو خوض حرب شاملة، فيظل أقل احتمالًا في المدى المنظور، ما لم تتغير البيئة الأمنية والسياسية بصورة جوهرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى