تقدير موقف

التصعيد العسكري في اليمن: التوقيت، ومواقف القوى الفاعلة، والسيناريوهات المحتملة

مقدمة

يواجه الصراع في اليمن تحوُّلًا جديدًا مع تجدد المواجهات العسكرية بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، بما يمثل تراجعًا واضحًا لمسار التهدئة ويُعيد طرح احتمالات اتساع نطاق الصراع وانعكاساته على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

يناقش هذا التقدير طبيعة التصعيد وتطوراته الميدانية ودلالات توقيته، ثم يستعرض مواقف أطراف النزاع وخريطة النفوذ والتحركات العسكرية، إلى جانب مواقف القوى الإقليمية والدولية ومصالحها المرتبطة بالأزمة.

كما يرسم التقدير خمسة سيناريوهات محتملة لمسار المواجهة، وصولًا إلى تحديد السيناريو المُرجَّح والتقدير العام للموقف، وانتهاءً بجملة من التوصيات التي تستند إلى المعطيات السياسية والعسكرية والإنسانية القائمة.

أولًا: تجدد الاشتباكات والواقع الميداني

1 – تجدد الاشتباكات:

يشهد اليمن، منذ بداية سبتمبر 2026م، تصعيدًا عسسكريًّا غير مسبوق، بين قوات الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية من جهةٍ وجماعة أنصار الله (الحوثيين) من جهةٍ أخرى، بعد أن خُرِقت الهدنة القائمة منذ عام 2022م.

جاء التصعيد الأخير بعد أن شنَّ الحوثيون هجومًا واسعًا على جبهات الساحل الغربي للبحر الأحمر ومحيط مدينة (تعز)، في محاولة للتقدم نحو مناطق استراتيجية متاخمة لمضيق باب المندب، تقع تحت سيطرة قوات الحكومة اليمنية.

ولكن يمكن الرجوع بتاريخ خرق الهدنة إلى يونيو 2026م، حينما أعلن الحوثيون “النفير العام” لإنهاء ما وصفوه بالحصار على المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم، مهددين باستكمال السيطرة الكاملة على البلاد في حالة استمرار هذا الحصار. هذا التهديد قوبل بتوعُّد الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية بردع أي تصعيد من جانب الحوثيين، ورافق ذلك تحشيدات عسكرية من الطرفين على خطوط التماس، ومناوشات في بعض الجبهات.

زاد من حدة التصعيد قيام السعودية بمحاولة فرض حظر طيران على المناطق الخاضعة للحوثيين، لمنعهم من استقبال طائرات إيرانية، وهو ما اعتبره الحوثيون محاولة لفرض حصار جوي على المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ووصفوه بأنه “الطلقة الأخيرة” في مرحلة خفض التصعيد ووقف إطلاق النار الهش.

الاشتباكات الأخيرة هي انهيار عملي لمسار التهدئة وخفض التصعيد، وتدل على صعوبة التسوية السياسية الدائمة، في ظِل تمسُّك كل طرف من طرفي الصراع بتحسين وضعه الميداني على حساب الطرف الآخر.

2 – التطورات الميدانية:

تحوَّلت طبيعة الاشتباكات بشكل مفاجئ في نهاية الأسبوع الأول من سبتمبر الحالي، بعد أن هاجم الحوثيون مواقع القوات الحكومية بموجات بشرية متتالية، على جبهات الساحل الغربي بمحافظتي (تعز) و(الحديدة)، وحققوا بعض الاختراقات في بعض المواقع.

في المقابل، قامت الحكومة اليمنية بشن هجمات معاكسة لاستعادة المواقع التي سيطر عليها الحوثيون، وأطلقت عمليات لاستعادة مواقع أخرى، في ظِل عملية تعزيز لوحداتها بقوات من ألوية العمالقة (موجودة بالجنوب، ويغلب على قياداتها الطابع السلفي) ودرع الوطن (قوات احتياط خاضعة للجيش، ونشأت في ظِل الحرب الأهلية).

اللافت هو أن القوات الحكومية غيَّرت من استراتيجيتها في التعامل مع الهجمات الحوثية، وانتقلت من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم.

لا تزال المعارك محتدمة بين الطرفين على أكثر من محور، في محاولة من كليهما لتغيير خريطة السيطرة في البلاد، خاصَّة على الجبهات في غرب (تعز) وجنوب (الحديدة)، حيث يدفع الحوثيون بتعزيزات لتحقيق تقدُّم ميداني يساعدهم في طرد القوات الحكومية من المناطق الواقعة على ساحل البحر الأحمر وفرض سيطرة كاملة عليها، في حين تقوم القوات الحكومية بمحاولات لاستعادة المواقع التي يستولى عليها الحوثيون، مستفيدةً من الهجمات الجوية المكثفة التي يقوم به الطيران الحربي السعودي ضد المواقع الحوثية.

ولعل التطوُّر الميداني الأبرز – حتى كتابة هذه التقدير – هو إعلان الحوثيين سيطرتهم على مدينة (المخا) المطلة على البحر الأحمر، ومدينة (حيس) في الريف الجنوبي لمحافظة (الحديدة) الساحلية، في أعقاب انسحاب القوات الحكومية وإعادة تموضعها. بالإضافة إلى وصول مسلحي الجماعة إلى جزيرتي (حنيش الكبرى) و(حنيش الصغرى) في البحر الأحمر.

السيطرة على (المخا) بعد السيطرة على (حيس)، حدث عسكري يتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية؛ لأن موقع المدينة الجغرافي استراتيجي، ويمنح القوات المتمركزة فيها قدرة على مراقبة وتأمين جزء مهم من خطوط الملاحة الدولية التي تعبر من خليج عدن والمحيط الهندي نحو البحر الأحمر وقناة السويس.

أما جزر حنيش، الواقعة شمال مضيق باب المندب وعلى التماس المباشر مع السواحل الإريترية، فإنها منصة ارتكاز حاكمة لتهديد سواحل البحر الأحمر وتضييق الخناق على الممر الدولي.

3 – توقيت الاشتباك ودلالاته:

جاء تجدُّد الاشتباكات بين الحوثيين وقوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في ظِل متغيرات إقليمية تدفع في اتجاه إعادة تشكيل موازين القوى والأمن في المنطقة، وهو ما يحفز القوى الفاعلة من الدول وما دونها إلى استغلال هذه المتغيرات في تقوية أوضاعها وحماية مصالحها وتعزيز مواقعها.

في هذا السياق، يمكن رصد دلالات التوقيت الذي اختاره الحوثيون لتجديد الاشتباكات، وهي على النحو التالي:

  • استغلال الانشغال الإقليمي، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، من أجل إعادة ترتيب موازين القوى وفرض واقع ميداني جديد في اليمن.
  • السعي لامتلاك ورقة ضغط على أحد الممرات البحرية العالمية في ظِل اضطراب الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما يَصبُّ في مصلحتهم أولًا، وفي مصلحة إيران ثانيًا.
  • تغيير الوضع الميداني، من خلال توسيع السيطرة على المناطق الخاضعة لقوات الحكومة اليمنية، لتحسين موقع الحوثيين التفاوضي قبل أي تسوية نهائية.
  • التحسُّب لأي تغييرات إقليمية محتملة، قد تؤدي إلى تراجع نفوذ الحوثيين ومكاسبهم الميدانية، وهو ما يدفعهم إلى تعزيز مواقعهم وأوراق قوتهم.
  • إسناد إيران في الحرب، من خلال فرض معادلة جديدة قد تساعدها في فك الحصار الأمريكي عليها، هي: “الحصار في مقابل الحصار”، بتهديد الملاحة في البحر الأحمر.

هذا فيما يخص الحوثيين، إذا اعتبرنا أنهم سَعوا إلى تجديد الاشتباكات. أما الحكومة اليمنية ومن ورائها السعودية فيمكن رصد دلالات توقيت انخراطهما في تجديد هذه الاشتباكات على النحو الآتي:

  • الاعتقاد بأن استمرار وضع اللاحرب واللاسلم الحالي لم يعد يخدم مصالحهما، خاصَّة مع ازدياد قوة الحوثيين وتنامي قدرتم على تهديد الملاحة السعودية. ومِن ثمَّ فإن دعم الرياض للقوات الحكومية قد يمثل محاولة لتحسين ميزان القوى قبل أي مفاوضات مقبلة.
  • وجود إملاءات أمريكية على السعودية من أجل إشغال الحوثيين واستنزاف قدراتهم، لمنعهم من مساعد إيران في فك الحصار الأمريكي عبر توظيف ورقة باب المندب.
  • التحرك الاستباقي لمنع فرض واقع جغرافي جديد، يتمثل في سيطرة كاملة للحوثيين على باب المندب، ومن ثم امتلاكهم ورقة ضغط استراتيجية على حركة الملاحة الدولية وتعزيز قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر وموازين القوى الإقليمية.
  •  التأكيد على أن أي توسُّع للحوثيين نحو مناطق استراتيجيية لن يمر دون رد، وأن الرياض مستعدة لاستخدام القوة إذا تعرَّض أمنها ومصالحها للخطر.

ثانيًا: مواقف أطراف النزاع وخريطة النفوذ والتحركات العسكرية

1 – روايتان متعارضتان:

تختلف أولويات الأطراف المتداخلة بشكل مباشر في الصراع العسكري المتجدد في اليمن. غير أن فهم هذه الأولويات يتطلب محاولة استيعاب مَن سَعَى لتجديد الاشتباكات واستئناف العمليات العسكرية بعد سنوات من الهدنة وتوقف المواجهات بين تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية والحوثيين.

في هذا السياق ثمَّة روايتان؛ إذ تنطلق الرواية الأولى من أن الحوثيين هم الذين أشعلوا الصراع من جديد حين هبطت طائرة إيرانية، نهاية يونيو الماضي، في مطار (صنعاء)، ثم حاولت طائرة إيرانية أخرى الهبوط في المطار نفسه، لكن القوات الحكومية/السعودية قامت بقصف مدرج المطار فاضطرت الطائرة للهبوط في مطار (الحديدة)، وردًّا على ذلك قصف الحوثيون مطار (أبها) السعودي. ثم تصاعد الموقف أكثر حينما حظر الحوثيون الملاحة البحرية على السعودية وأعلنوا استهدافهم السفن التجارية السعودية، كما قصفوا عددًا من المدن السعودية وشركة أرامكو. وفي المقابل قام تحالف دعم الشرعية بقصف أهداف في محافظة (الحديدة) قال إنها مواقع عسكرية حوثية.

وتقول الرواية الأخرى إن الحوثيين أرادوا التخلص من الحصار الجوي والبحري المفروض على المناطق التي يسيطرون عليها، فضلًا عن أن الحكومة لا توفي بالتزاماتها المالية تجاه الموظفين الذين يعملون في المناطق الخاضعة للحوثيين، وهو موضوع فيه تفاصيل كثيرة يتهم فيه كل طرف الآخر بالتسبب في الأزمة.

2 – الأجندة السعودية:

غير أن ثمَّة أبعادًا أخرى أكثر عمقًا مما سبق؛ فمن ناحيةٍ ترى الحكومة السعودية التي تدعم القوات الحكومة اليمنية، أن انشغال إيران بحربها مع الولايات المتحدة والحصار المفروض عليها من شأنه تعقيد عملية تقديم أي إسناد عسكري للحوثيين، ومِن ثمَّ يجعل الفرصة مناسبة لتحرير العاصمة صنعاء وتقليص مساحة المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وبالتالي القضاء على ذراع إيرانية تهدد الأمن القومي السعودي.

وهنا تحديدًا تُفهَم تحركات قوات الحكومة اليمنية بوصفها تنفيذًا لأجندة سعودية بالأساس، في ظِل ما عكسته تجربة الحكومة اليمنية في الأعوام الماضية من تبعية كاملة للسعوديين، الذين يريدون ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

ومن ناحيةٍ أخرى، هناك مستويان فيما يخص الحوثيين، إذ تعتبر تحركاتهم في حقيقتها محاولة لتجنُّب الترتيبات التي تجري في المنطقة بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل بهدف التخلُّص من سيطرتهم على اليمن. وفي المستوى الأعمق، فهم جزء من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي هذا السياق يمثل أي تحرك عسكري ضدهم محاولة لإفقاد إيران ورقة ضغط تتمثل في قدرة الحوثيين على غلق مضيق باب المندب وممارسة مزيدٍ من الضغوط على الولايات المتحدة، وهو ما عبَّر عنه فعليًّا مسؤولون إيرانيون. ولذلك فإن قدرة الحوثيين على مقاومة هذه الحملة، أو توسيع نفوذهم على الساحل ليصبحوا أقرب إلى باب المندب تصبح مكسبًا إيرانيًّا.

ما سبق يعني أن الحرب التي تجري بين القوات الحكومية والحوثيين حاليًا، وإن كانت في ظاهرها صراعًا بين اليمنيين، هي في حقيقتها حرب بين السعودية وإيران، وفي مستوى آخر، هي حرب تمثل فيها القوات الحكومية أداةً في يد السعودية، وتخدم بطريقةٍ أو بأخرى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، ويمثل فيها الحوثيون أداة إيرانية. ويقود هذا التصوُّر إلى صعوبة أن نحدد على وجه الدقة الطرف الذي استهدف التصعيد من أجل تحقيق أهدافه الاستراتيجية الكبرى: هل كان الحوثيون، بدفع من إيران، هم مَن أراد تحقيق مكاسب استراتيجية عبر الوصول إلى المناطق الساحلية القريبة من باب المندب، أم القوات الحكومية، بدفع من السعودية وغيرها، للقضاء على إحدى الأذرع الإيرانية المهددة للأمن القومي السعودي؟ خاصَّة أن ما بدا من جاهزية الطرفين وسرعة الفعل والفعل المضاد تفتح الباب على كافة الاحتمالات.

3 – مكاسب الحوثيين وموقف الحكومة:

خلال الأيام الماضية؛ كان الحوثيون قد شنوا هجومًا واسعًا باتجاه المناطق الساحلية في محافظة (تعز) للسيطرة على أقرب النقاط لباب المندب، مقابل هجوم القوات الحكومية على جهة الشرق من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون وتحديدًا في محافظات (الجوف) و(مأرب) و(الضالع)، وحول محافظة (البيضاء) الواقعة في وسط اليمن، والتي لها أهمية استراتيجية لدى الحوثيين وتمثل خط إمداد لهم، علاوة على امتلاكهم منصات إطلاق صاروخية فيها. ما يعني أن القوات الحكومية اختارت توسيع خطوط الهجوم على مساحة جغرافية واسعة بهدف تشتيت جهود الحوثيين في الدفاع عن هذه المحافظات، معتمدةً على دعم جوي سعودي، وهو ما حقق لها مكاسب تكتيكية على الأرض؛ حيث تقول إنها تحرز تقدمًا في محافظة (الجوف) شمال (صنعاء) بهدف الوصول للعاصمة من هناك، لكنها لا تدخل ضمن المكاسب الاستراتيجية، خصوصًا وأن هذه المكاسب تبدو أقرب للكر والفر، حسب ما توفر من معلومات وقت كتابة التقدير.

وفي المقابل، حقق الحوثيون مكسبًا استراتيجيًّا، وصفه محللون بالدراماتيكي، فبعد سيطرتهم على مدينة (حيس) تمكنوا من السيطرة على مدينة (المخا) الساحلية التي تعد البوابة الاستراتيجية لمضيق باب المندب، والتي كانت أحد أهم أهداف تحركاتهم العسكرية على الساحل الغربي، والذي يعيطهم القدرة أكثر على تهديد الملاحة في جنوب البحر الأحمر، علاوة على اقترابهم من فرض سيطرتهم الكاملة على مدن ساحلية بالقرب من مضيق باب المندب بعد انهيار القوات الحكومية هناك التي يقودها نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، وبالتالي السيطرة على كامل الساحل اليمني المُطِل على البحر الأحمر.

يضاف إلى ذلك أن الحوثيين يدافعون عن المناطق التي يسيطرون عليها في الشرق، في المحافظات المذكورة سابقًا، في نفس الوقت الذي يهاجمون فيه السعودية أيضًا، وهو ما يَعني أنهم لا يتبنون استراتيجية دفاعية فحسب، بل هجومية أيضًا، ويَعني كذلك أنهم، إذا ما تمكنوا من تثبيت سيطرتهم على المدينة، فإن هذا يعني تغير ميزان القوى لصالحهم بشكل مؤثر، وربما بداية مرحلة جديدة من الحرب في اليمن.

ويعتقد الحوثيون أن ما يخدمهم في هذا الصراع أمران: أولهما أن كثيرا من مقاتلي القوات الحكومية ليسوا من أصحاب الخبرات القتالية. والآخر، وهو الأهم، يتعلق بوجود خلافات بين القوات والتشكيلات العسكرية التي يواجهونها، وأنها ليست صاحبة أيديولوجيا واحدة، ولها مصالح مختلفة.

ويبرهن على ذلك أن هيكل القوات التابعة للحكومة يتألف من الجيش الوطني باعتباره الإطار الرسمي لوزارة الدفاع اليمنية، وتشكيلات ذات قيادات مستقلة مثل ألوية العمالقة، والمقاومة التهامية، وقوات المقاومة الوطنية/حرس الجمهورية بقيادة طارق صالح في (المخا) وما حولها في الغرب، الذين كانوا يتلقون الدعم في السابق من الإمارات، وقوات الطوارئ المكلفة بالسيطرة على المعسكرات في حضرموت والمحافظات الجنوبية، إضافة إلى آلاف المقاتلين الذين كانوا يتبعون المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًّا قبل هزيمته، والذين تمَّ دمجهم في الهياكل الحكومية.

ولا يقتصر الاختلاف بين القوات الحكومية على ذلك فحسب، بل يمتد إلى الأيديولوجيات أيضًا؛ إذ تضم هذه القوات خليطًا يضم الإخوان المسلمين متمثلين في حزب الإصلاح، وسلفيين يتفرقون بين ألوية العمالقة وبقايا قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الذين تمَّ دمجهم ضمن القوات الحكومية، وقوميين من مكونات دولة على عبد الله صالح، إضافة إلى قبليّين.

وإلى جانب ما سبق، فمن المحتمل أن يلعب التوزيع السكاني لصالح الحوثيين، حيث تضم المناطق التي يسيطرون عليها ما يقدر بنحو 60 إلى 65% من إجمالي سكان اليمن.

ثالثًا: مواقف القوى الإقليمية والدولية

1 – القوى الإقليمية:

تمثل اليمن بالنسبة إلى إيران إحدى أكثر ساحات النفوذ أهمية وفاعلية، فبعد الاستنزاف الذي تعرضت له القدرات الإيرانية في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ازدادت قيمة الأدوات غير المباشرة. ولهذا تنظر طهران إلى الحوثيين باعتبارهم عنصرًا محوريًّا في شبكة مقاومة أكثر لامركزية، بما يسمح بمد الضغط الاستراتيجي من هرمز إلى باب المندب.

وتخشى طهران من تشكُّل تحالف إقليمي دولي شامل يزيد الضغط على جبهتها الداخلية المأزومة. وتعتمد على تدفق الدعم التقني والاستخباراتي والتوجيه لغرفة عمليات الحوثيين. مع الاحتفاظ بدرجة من الإنكار بشأن التحكُّم المباشر بقرارات الحوثيين. وتتيح لها عمليات الحوثيين ضد الملاحة والمنشآت السعودية رفع تكلفة الضغط الأمريكي عليها، وتشتيت موارد خصومها، والمساهمة في إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة.

غير أنه كلما أصبح الارتباط بين أمن مضيقي هرمز وباب المندب أوضح، ازدادت احتمالات تقارب خصوم إيران وبناء ترتيبات ردع إقليمية مضادة. ولذلك تبدو السياسة الإيرانية متسقة مع تعظيم النفوذ بأقل تكلفة مباشرة، لكنها متخبطة على المستوى الاستراتيجي، إذ أدَّت إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان وقوى أخرى في مواجهة أدوات الضغط الإيرانية.

تواصل طهران تزويد الحوثيين بالقدرات النوعية مع الحفاظ على الإنكار الدبلوماسي. هذا السلوك ينسجم مع أهداف عقيدة الردع غير المتماثل الإيرانية عبر تصدير الضغوط خارج حدودها الوطنية.

وإذا انتقلنا إلى أطراف اتفاق مكَّة للدفاع المشترك (تركيا وباكستان)، سنجد أن الاتفاق يعتبر الهجوم المسلح على أحد أعضائه هجومًا على الجميع. لكن التصعيد الحوثي كشف أيضًا حدود التحالف. فقد أدانت تركيا هجمات الحوثيين وأكدت دعم سيادة السعودية، في حين استخدمت باكستان قنواتها مع طهران لنقل مطالبة سعودية بكبح الحوثيين. وفي الوقت نفسه أوضحت إسلام آباد أنه لم يُتخذ قرار برد عسكري في إطار الاتفاق، وأنها لا تتجه إلى المشاركة في حرب برية داخل اليمن.

وبذلك يتوافق سلوك البلدين حاليًا مع منطق “الردع دون التورط”، من خلال دعم السعودية وزيادة تكلفة مهاجمتها مع إبقاء باب الوساطة مفتوحًا وتجنُّب حرب مباشرة مع إيران أو الحوثيين. وهذا يحافظ على المصالح التركية والباكستانية، لكنه يجعل القيمة العسكرية الفورية لاتفاق مكَّة أقل من قيمته السياسية والردعية.

أما إسرائيل فإنها تنظر إلى الحوثيين من خلال شبكة النفوذ الإيرانية، وليس من زاوية الصراع اليمني الداخلي. فالتهديد الحوثي لم يعد بالنسبة لها جبهة ثانوية بعد تعطيل ميناء إيلات واستهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ فرط صوتية ومُسيَّرات بعيدة المدى من جانب الحوثي. وتشمل مصالحها منع الهجمات الصاروخية والُمسيَّرة عليها، وحماية ميناء إيلات والملاحة في البحر الأحمر، ومنع ظهور قدرة إيرانية غير مباشرة تتحكَّم بالممر البحري الجنوبي لإسرائيل.

ولهذا فإن من مصلحة تل أبيب أن تستمر الاشتباكات في اليمن، وأن يتصاعد التدخل السعودي للقضاء على قدرات الحوثيين التي تعتبر تهديدًا بالنسبة لها.

2 – الولايات المتحدة:

تتمثل المصلحة الأمريكية في حرية الملاحة، وحماية الشركاء الخليجيين (مصادر النفظ)، ومنع إيران من امتلاك قدرة مزدوجة على تعطيل مضيقي هرمز وباب المندب، مع تجنب الانزلاق إلى حملة عسكرية طويلة في اليمن.

لكن السلوك الأمريكي يكشف عن قيد واضح، فالولايات المتحدة لم تنضم إلى التحالف البحري السعودي الجديد، وتواصل عملياتها البحرية عبر ترتيبات منفصلة، بينما انصب جانب مهم من التصعيد الأمريكي في سبتمبر الحالي على إيران نفسِها، بما في ذلك استهداف ناقلات نفط مرتبطة بالحرس الثوري.

الحملات الجوية الأمريكية وحدها لم تمنع الحوثيين من إعادة تكوين قدراتهم، ولهذا ثمة أصوات أمريكية ترى أن البديل الأكثر استدامة يتمثل في دعم الشركاء اليمنيّين بالمعلومات والتدريب والقدرات بدل نشر قوات أمريكية برية أو الانخراط في حرب مباشرة مع الحوثيين.

ولا شك أن الاشتباكات الحالية في اليمن تصب في مصلحة الولايات المتحدة من جهات عديدة، فهي تشغل الحوثيين عن التفرغ لإسناد إيران في حربها مع أمريكا، وتقلل من قدرتهم على استهداف إسرائيل أو تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة

يمكن رسم خمسة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاشتباكات الحالية في اليمن. وهذه السيناريوهات على النحو الآتي:

السيناريو الأول: احتواء التصعيد والعودة إلى الهدنة

وصف السيناريو: تحوُّل التصعيد العسكري الحالي إلى مواجهة محدودة زمنيًّا، تتوقف بعدها العمليات الهجومية، ويعود الطرفان إلى ترتيبات خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، مع تثبيت خطوط التماس الجديدة، واستخدام المكاسب الميدانية التي حققها كل طرف كورقة تفاوضية في أي تسوية لاحقة.

عوامل التحقق: ارتفاع تكلفة استمرار القتال على الطرفين، وعدم قدرة أي منهما على تحقيق حسم عسكري سريع وواضح، وتزايد الضغوط الخارجية لاحتواء التصعيد، وتصاعد المخاوف من تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وإدراك الحوثيين أن التوسُّع العسكري قد يستجلب تدخلًا سعوديًّا ودوليًّا أوسع وأخطر.

مظاهر التحقق: انخفاض وتيرة العمليات البرية والغارات الجوية، وتوقف العمليات الهجومية، وتثبيت خطوط التماس، وبدء اتصالات أو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بين الأطراف، وطرح مبادرات جديدة لوقف إطلاق النار، وعودة الحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية.

موانع التحقق: التمسُّك بالمكاسب الميدانية، وإصرار الحكومة بدعم سعودي على استعادة المناطق التي فقدتها، واستمرار التوتر الإقليمي، وارتباط الصراع اليمني بالمواجهة الأمريكية الإيرانية، واعتقاد كل طرف بأن مواصلة العمليات ستؤدي إلى تحسين موقعه التفاوضي بصورة أكبر.

احتمالية التحقق: متوسطة إلى مرتفعة؛ لأن استمرار الحرب يفرض تكاليف متزايدة على جميع الأطراف، ولأن السعودية والقوى الدولية قد تفضل احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى تهديد واسع لأمن الملاحة.

السيناريو الثاني: استمرار التصعيد وتحوُّله إلى حرب استنزاف

وصف السيناريو: استمرار العمليات العسكرية دون تمكُّن أي طرف من تحقيق حسم عسكري، وتحوُّل المواجهة إلى حرب استنزاف تتخللها عمليات هجومية محدودة وتبادل للسيطرة على بعض المواقع، مع بقاء الساحل الغربي ومحيط باب المندب محورًا رئيسيًّا للصراع.

عوامل التحقق: تمسُّك طرفي الصراع بتحسين مواقعهما الميدانية قبل أي عودة للتهدئة، واستمرار الدعم العسكري والجوي السعودي للقوات الحكومية، وقدرة الحوثيين على مواصلة المواجهة العسكرية، وصعوبة تحقيق اختراق عسكري حاسم، واستمرار المتغيرات الإقليمية التي توفر حوافز لمواصلة القتال.

مظاهر التحقق: استمرار المعارك، وتبادل الهجمات والضربات، ودفع الطرفين بتعزيزات عسكرية إلى خطوط التماس، وتكرار عمليات الكر والفر، وعدم حدوث تغير جوهري ومستدام في خريطة السيطرة، واستمرار استهداف خطوط الإمداد والمواقع العسكرية.

موانع التحقق: تعرُّض أحد الطرفين لخسائر كبيرة، أو نجاح القوات الحكومية في استعادة المناطق الساحلية بصورة واسعة، أو تمكُّن الحوثيين من تحقيق تقدم سريع يغير طبيعة المعركة، أو تصاعد الضغوط الدولية لإجبار الأطراف على وقف القتال، أو التوصُّل إلى تفاهم سعودي حوثي جديد.

احتمالية التحقق: مرتفعة؛ لأن ميزان القوى الحالي لا يشير إلى قدرة أي طرف على تحقيق حسم سريع وكامل، بينما يمتلك الطرفان دوافع للاستمرار في تحسين مواقعهما قبل العودة إلى التهدئة.

السيناريو الثالث: استعادة القوات الحكومية زمام المبادرة

وصف السيناريو: تتمكن القوات الحكومية، بدعم عسكري سعودي، من وقف التقدم الحوثي ثم الانتقال إلى هجوم مضاد واسع، يؤدي إلى استعادة مواقعها على الساحل الغربي، وحرمان الحوثيين من تحقيق هدفهم في الوصول إلى المناطق المتاخمة لباب المندب.

عوامل التحقق: حدوث تفوق للقوات الحكومية بدعم جوي سعودي، وتعزيزها بقوات يمنية عديدة، ونجاحها في توحيد جهودها العملياتية، وتوافر دعم عسكري واستخباراتي إضافي، وارتفاع مستوى القلق السعودي والدولي من اقتراب الحوثيين من باب المندب، وتراجع قدرة الحوثيين على الحفاظ على خطوط إمدادهم في الساحل الغربي.

مظاهر التحقق: استعادة القوات الحكومية للمواقع التي انسحبت منها، وانتقالها بصورة واضحة من الدفاع إلى الهجوم، وتكثيف الغارات السعودية على مواقع الحوثيين وخطوط إمدادهم، ودفع تعزيزات حكومية إضافية نحو الساحل الغربي، وتراجع الحوثيين إلى مواقعهم السابقة أو خسارتهم بعض المكاسب التي حققوها.

موانع التحقق: قدرة الحوثيين على امتصاص الضربات الجوية، واستخدام تكتيكات حرب الاستنزاف، وصعوبة تحقيق تقدم بري سريع، وارتفاع الخسائر في صفوف القوات الحكومية، واحتمال توسيع الحوثيين عملياتهم ضد السعودية أو الملاحة البحرية ردًا على الهجوم.

احتمالية التحقق: متوسطة؛ لأن الدعم الجوي السعودي يمنح القوات الحكومية قدرة أكبر على استعادة المبادرة، إلا أن تحقيق مكاسب برية واسعة يظل مرتبطًا بقدرتها على الحفاظ على تماسكها وتجاوز قدرات الحوثيين الدفاعية على الأرض.

السيناريو الرابع: توسُّع الحوثيين على الساحل الغربي

وصف السيناريو: نجاح الحوثيين في تثبيت سيطرتهم على (المخا) و(حيس)، ومواصلة التقدم باتجاه المناطق المتاخمة لباب المندب، بما يؤدي إلى تغيير جوهري في خريطة السيطرة.

عوامل التحقق: استمرار تراجع القوات الحكومية أو إعادة تموضعها على الساحل الغربي، ونجاح الحوثيين في الدفع بتعزيزات إضافية، وضعف قدرة القوات الحكومية على شن هجوم مضاد، وانشغال السعودية بملفات إقليمية أخرى، ونجاح الحوثيين في توظيف المكاسب الميدانية ضمن معادلة “الحصار في مقابل الحصار”.

مظاهر التحقق: ثبيت الحوثيين سيطرتهم على (المخا) و(حيس)، والاستيلاء على مواقع جديدة باتجاه الجنوب والغرب، واقترابهم من المناطق المتاخمة لباب المندب، وتهديدهم باستخدام الملاحة البحرية كورقة ضغط، وتصاعد التحركات العسكرية الأمريكية والدولية في البحر الأحمر.

موانع التحقق: التدخل الجوي السعودي المكثف، وقدرة القوات الحكومية على إعادة تنظيم صفوفها وشن هجوم مضاد، والتدخل الأمريكي أو الدولي لمنع تغيير الوضع القائم حول باب المندب، وارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالمناطق الساحلية، واحتمال تعرض الحوثيين لضربات واسعة.

احتمالية التحقق: منخفضة إلى متوسطة؛ لأن الحوثيين أظهروا قدرة على تحقيق اختراقات ميدانية، إلا أن اقترابهم من باب المندب يمثل خطًّا أحمر بالنسبة إلى السعودية والقوى الدولية المعنية بأمن الملاحة، ما قد يؤدي إلى رد عسكري واسع.

السيناريو الخامس: تحوُّل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية مباشرة

وصف السيناريو: انتقال الصراع في اليمن من مواجهة داخلية مدعومة إقليميًّا إلى ساحة مباشرة للمواجهة بين الحوثيين من جهةٍ، والسعودية والولايات المتحدة وحلفائهما من جهةٍ أخرى.

عوامل التحقق: استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية واتساع نطاقها، واستمرار الحوثيين في دعم إيران من خلال تهديد الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، وتكرار استهداف السفن أو المصالح الأمريكية والسعودية، وارتفاع مستوى التدخل العسكري الأمريكي والسعودي، وتحوُّل البحر الأحمر إلى جبهة رئيسية في المواجهة الإقليمية.

مظاهر التحقق: تنفيذ الحوثيين هجمات واسعة ضد السفن أو المصالح الأمريكية والسعودية، وقيام الولايات المتحدة بضربات مباشرة ومكثفة ضد المواقع الحوثية، وتوسيع السعودية عملياتها العسكرية داخل اليمن، وتصاعد الوجود البحري الأمريكي والدولي في البحر الأحمر.

موانع التحقق: حرص الأطراف على عدم الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وارتفاع التكلفة الاقتصادية والأمنية لاستهداف الملاحة الدولية، والضغوط الدولية لاحتواء التصعيد، وخشية الحوثيين من التعرُّض لحملة عسكرية واسعة قد تهدد بنيتهم العسكرية.

احتمالية التحقق: منخفضة؛ لأن الانتقال إلى مواجهة إقليمية مباشرة يتطلب تداخلًا أكبر بين الساحة اليمنية والصراع الإقليمي، كما أن الأطراف الرئيسة قد تفضل استخدام أدوات الضغط غير المباشر وتجنُّب تحمُّل تكاليف حرب واسعة النطاق.

السيناريو المُرجَّح

السيناريو المُرجَّح هو السيناريو الثاني (استمرار التصعيد وتحوُّله إلى حرب استنزاف طويلة)، مع إمكانية تطوُّره إلى السيناريو الرابع (توسُّع الحوثيين على الساحل الغربي واقترابهم من مضيق باب المندب)، إذا تمكن الحوثيون من تثبيت مكاسبهم الميدانية الحالية ومواصلة التقدُّم نحو المناطق المتاخمة للمضيق، بما قد يستدعي تصعيدًا سعوديًّا وأمريكيًّا أكبر.

ويعود ترجيح هذا السيناريو إلى أن المعطيات الميدانية والسياسية لا تشير إلى قدرة أي من طرفي الصراع على تحقيق حسم عسكري سريع وكامل، في ظِل استمرار تمسُّك الحوثيين بتحسين مواقعهم الميدانية، ومواصلة السعودية دعم القوات الحكومية لمنع تغيير خريطة السيطرة والوصول إلى باب المندب، بما يُرجِّح استمرار المواجهة في صورة عمليات عسكرية متقطعة وحرب استنزاف، إلى حين تبلور موازين قوى جديدة تسمح بالعودة إلى مسار تفاوضي أكثر ملاءمة لأحد الطرفين أو مسار عسكري يسمح بالحسم لأحدهما.

التقدير العام

تشير المعطيات إلى أن تجدد الاشتباكات في اليمن يمثل انهيارًا عمليًّا لمسار التهدئة، في ظِل سعي الحوثيين إلى تحسين مواقعهم الميدانية وتعزيز أوراق قوتهم، مقابل تحرك سعودي حكومي لمنع تغيير خريطة السيطرة، ولا سيما قرب مضيق باب المندب. ويُرجَّح استمرار التصعيد في صورة حرب استنزاف محدودة الحسم، مع بقاء احتمال احتوائه والعودة إلى التفاوض قائمًا. غير أن أي تقدُّم حوثي إضافي باتجاه باب المندب قد يُفضِي إلى تصعيد سعودي وأمريكي أوسع، وقد يمنح الصراع بعدًا إقليميًّا متزايدًا.

خاتمة

لا يمثل التصعيد العسكري المتجدد في اليمن مجرد جولة جديدة من المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية، وإنما يعكس تحوُّلًا في طبيعة الصراع وتداخلًا بين أبعاده الداخلية وحسابات القوى الإقليمية والدولية. فقد أدَّى انهيار مسار التهدئة إلى إعادة تنشيط الجبهات، في ظل سعي الحوثيين إلى استثمار المتغيرات الإقليمية لتعزيز مواقعهم الميدانية، ولا سيما على الساحل الغربي، وامتلاك أوراق ضغط مرتبطة بمضيق باب المندب، مقابل مساعي السعودية والقوات الحكومية إلى وقف هذا التوسُّع وإعادة تشكيل ميزان القوى قبل أي تسوية سياسية مقبلة.

وتزداد خطورة التطورات بفعل الموقع الاستراتيجي للمناطق الساحلية، وما يمكن أن يترتب على استمرار القتال من تداعيات على أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية. كما أن تعدد القوى والتشكيلات داخل معسكر الحكومة، وتباين مصالحها وأولوياتها، يمثل عاملًا مؤثرًا في قدرتها على تحقيق حسم عسكري كبير ودائم. وفي المقابل، أظهر الحوثيون قدرة على الجمع بين الدفاع عن مناطق نفوذهم وشن عمليات هجومية، مستفيدين من تماسك بنيتهم العسكرية والدعم الإيراني الذي يحصلون عليه.

وبناءً على ذلك، يُرجَّح استمرار المواجهة خلال المرحلة المقبلة في صورة حرب استنزاف متقطعة، مع بقاء فرص احتواء التصعيد والعودة إلى التفاوض قائمة. إلا أن استمرار التقدم الحوثي على الساحل الغربي واقترابه من باب المندب قد يدفع السعودية والولايات المتحدة إلى توسيع نطاق التدخل، بما يرفع احتمالات انتقال الصراع من مواجهة يمنية ذات أبعاد إقليمية إلى ساحة أكثر مباشرة للتنافس الإقليمي والدولي. ومِن ثمَّ، فإن احتواء التصعيد ومنع تغيير المعادلة حول باب المندب، بالتوازي مع إعادة تنشيط المسار السياسي، يظل المسار الأكثر أهمية لتجنب اتساع نطاق الصراع وتفاقم تداعياته الإنسانية والأمنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى