مقدمة
خلال السنوات الأخيرة، لم يَعد الوجود العسكري المصري في إفريقيا يقتصر على أنشطة التدريب التقليدية أو التعاون الأمني المحدود مع دول القارة، بل أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة التموضع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسيةً واضطرابًا: منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ففي ظِل تعثر مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وتصاعد الحرب الأهلية السودانية، واتساع سباق النفوذ الإقليمي بين قوى عربية وإفريقية ودولية، بدأت مصر تدريجيًّا في بناء شبكة تحركات عسكرية وأمنية تمتد من البحر الأحمر إلى العمق الإفريقي، مستفيدةً من علاقاتها التاريخية مع بعض العواصم الإفريقية، ومن مخاوف متزايدة لدى دول المنطقة من الانهيار الأمني وانتشار الميليشيات المسلحة.
وفي هذا السياق، برزت التقارير المتعلقة بالوجود العسكري المصري في منطقة “جوت–باجاك” بولاية أعالي النيل، في جمهورية جنوب السودان، بوصفها أحد أكثر الملفات حساسيةً وغموضًا داخل معادلة الصراع الإقليمي؛ فالموقع الجغرافي للمنطقة القريب من الحدود الإثيوبية والسودانية ومن إقليم “بني شنقول–قمز” الذي يتواجد به سد النهضة، جعل أي نشاط عسكري مصري هناك محل مراقبة دقيقة من إثيوبيا، التي تنظر إلى أي تموضع مصري قرب حدودها باعتباره تهديدًا استراتيجيًّا محتملًا.
ورغم غياب اعترافات رسمية واضحة من القاهرة أو جوبا بطبيعة هذا الوجود العسكري، فإن التقارير المتداولة بشأن طلب جنوب السودان إخلاء القاعدة المصرية تشير إلى وجود تغيرات عميقة في توازنات القوى داخل القرن الإفريقي، وإلى تنامي مخاوف دول المنطقة من التحوُّل إلى ساحات مواجهة غير مباشرة بين مصر وإثيوبيا، في ظِل التداخل المتزايد بين ملف سد النهضة والحرب السودانية والتنافس الدولي على البحر الأحمر.
يحاول هذا التقدير قراءة أبعاد الوجود العسكري المصري في إفريقيا، انطلاقًا من الاستراتيجية المصرية الأشمل في القرن الإفريقي، ثم الانتقال إلى الحالة الخاصَّة بجنوب السودان، وتحليل دوافع التحوُّل في موقفها، وصولًا إلى استشراف مستقبل توازنات القوة والصراع الإقليمي في المنطقة.
أولًا: استراتيجية مصر العسكرية في القرن الإفريقي
شهدت التوجهات المصرية خلال السنوات الأخيرة تحوُّلًا واضحًا نحو العمق الإفريقي، خصوصًا في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بعدما انتقلت القاهرة من سياسة “إدارة الأزمة دبلوماسيًّا” إلى سياسة “بناء أوراق ضغط إقليمية متعددة”، في محاولة لاحتواء التهديدات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي وتأمين المجال الحيوي المصري جنوب البحر الأحمر.
وترجع أهمية القرن الإفريقي بالنسبة لمصر إلى عدة اعتبارات استراتيجية متشابكة، أبرزها ارتباط المنطقة المباشر بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية وقناة السويس، إضافة إلى تمركز منابع النيل الأزرق داخل الأراضي الإثيوبية، فضلًا عن تحوُّل السودان إلى ساحة صراع مفتوحة تهدد التوازنات الأمنية على الحدود الجنوبية لمصر.
وفي هذا الإطار، بدأت القاهرة منذ عام 2020م في توسيع حضورها العسكري والأمني داخل الإقليم عبر عدة مسارات متوازية.
فعلى المستوى السوداني، عززت مصر تعاونها العسكري مع الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، خصوصًا بعد اندلاع الحرب ضد ميليشيات الدعم السريع في أبريل 2023م.
ولم يقتصر الدعم المصري على الجوانب السياسية أو الاستخباراتية، بل امتد – وفق تقارير متعددة – إلى تقديم دعم لوجستي وفني عسكري وتنسيق عملياتي، انطلاقًا من إدراك مصري بأن انهيار الجيش السوداني قد يفتح المجال أمام حالة فوضى ممتدة على الحدود الجنوبية، وربما يسمح بتمدد قوى إقليمية منافسة داخل السودان.
أما في الصومال فقد اتجهت مصر إلى الحصول على موطئ قدم جديد شرق إثيوبيا، مستفيدةً من التوتر الحاد بين مقديشو وأديسأبابا عقب الاتفاق البحري المثير للجدل بين إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال” الانفصالي (صوماليلاند).
وضمن هذا السياق، وقعت مصر اتفاقيات تعاون أمني ودفاعي مع الحكومة الصومالية، كما بدأت بالمشاركة ضمن ترتيبات بعثة الاتحاد الإفريقي، وهو ما اعتبرته إثيوبيا محاولة مصرية لخلق طوق ضغط استراتيجي حولها من الجبهة الشرقية.
وفي إريتريا، حافظت القاهرة على علاقات أمنية متقدمة مع أسمرة، مستفيدةً من التقاطع السياسي بين الطرفين في مواجهة التمدد الإثيوبي داخل البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
كما ارتبطت التحركات المصرية بميناء “عصب” الإريتري، والذي تحوُّل خلال السنوات الماضية إلى مركز لوجستي تستخدمه عدة أطراف إقليمية.
كذلك عملت مصر على تعزيز تعاونها البحري مع جيبوتي، الدولة التي تستضيف بالفعل أكبر كثافة للقواعد العسكرية الأجنبية في إفريقيا، في محاولة لتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، خصوصًا مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالحرب في السودان والتوترات الإقليمية الممتدة من اليمن إلى القرن الإفريقي.
ويعكس هذا الانتشار المتدرج إدراكًا مصريًّا متزايدًا بأن أزمة سد النهضة لم تعد مجرد نزاع فني حول المياه، بل تحوَّلت إلى ملف يرتبط مباشرة بموازين القوى الإقليمية وبقدرة مصر على منع تشكُّل بيئة استراتيجية معادية جنوب حدودها.
لكن في المقابل، تواجه هذه الاستراتيجية تحديات معقدة، أبرزها التفوق الجغرافي الإثيوبي داخل حوض النيل، وامتلاك أديسأبابا شبكة نفوذ تاريخية ممتدة داخل شرق إفريقيا، إضافة إلى دخول قوى إقليمية أخرى – مثل تركيا والإمارات وإسرائيل – على خطوط التنافس داخل السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ثانيًا: خلفيات الوجود العسكري المصري في جنوب السودان
تكتسب منطقة “جوت–باجاك” الواقعة في ولاية أعالي النيل أهمية استثنائية داخل الحسابات الأمنية لدول القرن الإفريقي؛ نظرًا لقربها من المثلث الحدودي بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، فضلًا عن موقعها القريب نسبيًّا من إقليم “بني شنقول–قمز” الإثيوبي، الذي يضم سد النهضة.
وتاريخيًّا، لم تكن المنطقة مجرد موقع حدودي عادي، بل ارتبطت لفترات طويلة بالنشاط العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان، كما استخدمتها قوات رياك مشار خلال مراحل الحرب الأهلية الجنوبية، ما جعلها ذات حساسية أمنية مرتفعة بالنسبة لجوبا وأديسأبابا معًا.
ومنذ تصاعد أزمة سد النهضة، بدأت تظهر تقارير تتحدث عن اهتمام مصري بإقامة ترتيبات أمنية أو لوجستية داخل جنوب السودان، سواءً لأغراض التعاون الدفاعي والمراقبة والاستطلاع أو لبناء قدرة ردع غير مباشرة تجاه إثيوبيا.
ورغم أن الحكومتين المصرية والجنوب سودانية تجنبتا الإعلان رسميًّا عن وجود قاعدة عسكرية مصرية، فإن تعدد التقارير الإعلامية والتسريبات خلال السنوات الماضية أشار إلى وجود نشاط عسكري أو أمني مصري متدرج في المنطقة، يشمل زيارات عسكرية وأنشطة تدريبية وتعاونًا استخباراتيًّا بين البلدين.
يُفسَّر هذا التوجُّه في إطار سعي القاهرة إلى امتلاك أوراق ضغط جغرافية في مواجهة إثيوبيا، خاصَّة بعدما فقدت مصر تدريجيًّا أدوات التأثير التقليدية في ملف سد النهضة، عقب انتقال السد من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة التشغيل الفعلي.
كما أن وجود نقطة تمركز مصرية قرب الحدود الإثيوبية يمنح القاهرة مزايا استراتيجية متعددة، من بينها مراقبة التحركات العسكرية في محيط السد، وتأمين قنوات اتصال مع الجيش السوداني، ومتابعة نشاط الجماعات المسلحة والميليشيات العابرة للحدود.
لكن في المقابل، أثار هذا التواجد قلقًا إثيوبيًّا متزايدًا، إذ تنظر أديسأبابا إلى أي تحرك عسكري مصري قرب حدودها باعتباره جزءًا من سياسة “التطويق الاستراتيجي”، خصوصًا مع تزايد النشاط المصري في الصومال وإريتريا والسودان بالتوازي.
كما أن تعقيدات الحرب السودانية زادت من حساسية الوضع، بعدما تحوَّلت المناطق الحدودية بين السودان وجنوب السودان وإثيوبيا إلى مساحات رخوة تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات تهريب وممرات دعم عسكري متداخلة.
ثالثًا: أسباب التحوُّل في موقف جنوب السودان
يَعكِس التحرك الأخير المنسوب لحكومة جنوب السودان بشأن القاعدة المصرية حالة القلق المتزايدة داخل جوبا من تحول اراضيها إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
فجنوب السودان يُعد من أكثر دول المنطقة هشاشة من الناحية الأمنية والاقتصادية، إذ لا تزال الدولة الحديثة تعاني من انقسامات قبلية وصراعات داخلية وضعف مؤسسات الدولة، فضلًا عن اعتمادها الكبير على التوازنات الخارجية لضمان بقائها السياسي والاقتصادي.
ومع تصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا، بدأت القيادة الجنوب سودانية تدرك أن استمرار أي وجود عسكري أجنبي ذي طابع حساس قد يدفع البلاد تدريجيًّا إلى قلب المواجهة الإقليمية.
كما أن الحرب السودانية لعبت دورًا مهمًّا في إعادة حسابات جوبا الأمنية، خاصَّة مع تزايد المخاوف من انتقال المعارك والميليشيات إلى مناطق أعالي النيل، وتحوُّل الحدود المشتركة إلى مسارات تهريب وتحركات عسكرية معقدة.
إضافة إلى ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحسنًا نسبيًّا في العلاقات بين جنوب السودان وإثيوبيا، مدفوعًا بعوامل سياسية واقتصادية، من بينها انضمام جنوب السودان إلى اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل “عنتيبي”، وهي خطوة حملت دلالات استراتيجية مهمة؛ لأنها تعكس تراجعًا عن الاصطفاف التقليدي إلى جانب الموقف المصري التاريخي في ملف مياه النيل.
كذلك لا يمكن فصل التحولات الجنوب سودانية عن النفوذ المتزايد لقوى إقليمية أخرى داخل شرق إفريقيا، خصوصًا دولة الإمارات التي أصبحت لاعبًا رئيسًا في ملفات السودان والموانئ والاقتصاد الإقليمي، إضافة إلى الحضور التركي والإسرائيلي والخليجي المتنامي.
ومِن ثمَّ يبدو أن جنوب السودان تحاول تبني سياسة “حياد اضطراري”، تقوم على تجنب الانحياز الكامل لأي محور إقليمي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع القاهرة وأديسأبابا معًا.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة لتوازنات القوة في القرن الإفريقي
تشير التطورات الحالية إلى أن منطقة القرن الإفريقي تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا من التنافس الإقليمي، في ظِل تداخل أزمات السودان وسد النهضة والبحر الأحمر ضمن مشهد جيوسياسي واحد.
السيناريو الأول: (الصراع البارد)
يتمثل السيناريو الأول في استمرار “الصراع البارد” بين مصر وإثيوبيا، عبر توسيع التحالفات العسكرية والضغوط السياسية دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
يظل هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، نظرًا للكلفة العالية لأي صدام مفتوح بين الطرفين، وتأخر مصر عن التدخل العسكري المباشر لإيقاف بناء سد النهضة وقت أن كان ذلك ممكنًا قبل إكتمال الملء الثاني للسد.
السيناريو الثاني: (المواجهات غير المباشرة)
يقوم السيناريو الثاني على تصاعد المواجهات غير المباشرة داخل السودان والقرن الإفريقي، من خلال دعم أطراف محلية أو توظيف الميليشيات والتحالفات الإقليمية، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من عسكرة الحدود والممرات البحرية.
السيناريو الثالث: (التوافق الإقليمي)
يقوم السيناريو الثالث – وهو الأقل احتمالًا – على الاتفاق بين الأطراف والقدرة المشتركة على إيجاد حلول إقليمية للملفات العالقة والخلافات، ومِن ثمَّ القدرة على إعادة تشكيل منظومة أمن إقليمي جديدة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مدفوعةً بمخاوف دول المنطقة من الانزلاق نحو الفوضى الشاملة، خاصَّة مع تنامي التدخلات الدولية وتوسُّع القواعد العسكرية الأجنبية.
إن تحقيق هذا السيناريو يظل مرتبطًا بقدرة القوى الإقليمية على تجاوز تحالفات المحاور والصراعات الصفرية، وهو أمر لا تبدو مؤشراته متوافرة حتى الآن.
خاتمة
تكشف أزمة القاعدة المصرية في جنوب السودان عن تحوُّل في طبيعة الصراع داخل القرن الإفريقي، حيث لم تعد المنافسة الإقليمية تقتصر على الملفات السياسية التقليدية، بل تطورت لترتبط بصورة مباشرة بإعادة رسم خرائط النفوذ العسكري والأمني حول منابع النيل والبحر الأحمر.
كما تُظهِر هذه التطورات انتقال الوجود العسكري المصري في إفريقيا من مرحلة “التعاون الدفاعي المحدود” إلى محاولة بناء شبكة ردع إقليمية تهدف إلى حماية المصالح المصرية في بيئة استراتيجية شديدة الاضطراب، تتداخل فيها أزمات المياه والحروب الأهلية والمنافسة الدولية.
وفي المقابل، تبدو دول المنطقة – ومنها جنوب السودان – أكثر ميلًا إلى تبني سياسات توازن حذرة، خشية تحوُّل أراضيها إلى ساحات مواجهة مباشرة بين المحاور المتنافسة.
تشير التطورات الحالية إلى أن مصر مطالبة بتعزيز حضورها داخل القرن الإفريقي وفق رؤية أكثر شمولًا وقدرة واستدامة، تتجاوز ردود الفعل المؤقتة والتصريحات الدبلوماسية إلى تأسيس نفوذ طويل المدى قادر على حماية المصالح المصرية الاستراتيجية.
فبعد التعثر الواضح الذي واجهته مصر في ملف سد النهضة، أصبحت الحاجة ملحة لمنع تكرار خسائر استراتيجية جديدة، خاصَّة مع تصاعد التحالفات الإقليمية والدولية المتشابكة، واتضاح اتجاه بعض القوى نحو إعادة تشكيل موازين النفوذ في القرن الإفريقي بصورة تتعارض مع المصالح المصرية الوجودية المرتبطة بالمياه والبحر الأحمر والاستقرار الإقليمي.
المصادر
مدى مصر، جوبا تطلب من القاهرة إخلاء قاعدة عسكرية بالقرب من الحدود الإثيوبية، 15 مايو 2026م.
القدس العربي، هل طلب جنوب السودان إغلاق قاعدة مصرية وما علاقة إثيوبيا، 19 مايو 2026م.
الميادين، جنوب السودان يأمر بإغلاق قاعدة عسكرية مصرية قرب الحدود مع إثيوبيا، 11 مايو 2026م.
صحيفة الاستقلال، هل طلبت جوبا إغلاق قاعدة مصرية؟.. حقيقة الصراع الخفي قرب سد النهضة، 17 مايو 2026م.
جريدة القدس، تحولات القرن الإفريقي: أنباء عن طلب جوبا إغلاق قاعدة مصرية وتمدد إسرائيلي في أرض الصومال، 11 مايو 2026م.
Horn Review, Analyzing South Sudan’s Closure of the Egyptian Base at Pagak, 11 May 2026
The Sudan Times, South Sudan closes Egyptian military base near Ethiopia border, 10 May 2026
Reuters, South Sudan says its troops are guarding strategic Heglig oil field in Sudan, 11 December 2025
Associated Press, UN peacekeepers defy South Sudan military’s order to leave opposition-held town, 10 March 2026
Horn Review, Pagak, Gambella, and the New Nile Frontier, 14 May 2026
African Arguments, The Pagak Pivot: South Sudan’s Strategic Realignment, 19 May 2026. International Crisis Group, Divided Sudan, Elusive Peace, 13 April 2026




