في خضم التصعيد الأمريكي ضد إيران، وتعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وعودة الاشتباكات العسكرية في منطقة الخليج، خرج وزير الخارجية الإيراني السابق، محمد جواد ظريف، من خلال صحيفة “فورين أفيرز“، وهي مجلة أمريكية تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية، برؤية إيرانية للشرق الأوسط الجديد، احتوتها مقالته المطولة، التي حملت عنوان: “رؤية إيرانية للشرق الأوسط الجديد”، والتي يرى فيها أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق عبر الإكراه العسكري أو استبعاد إيران، بل من خلال نظام أمني إقليمي تشارك فيه جميع دول المنطقة. كما يدعو ظريف إلى تسوية أمريكية–إيرانية، والاعتراف بالمصالح الأمنية الإيرانية، والحد من الدور الإسرائيلي، وبناء تعاون اقتصادي وأمني إقليمي يضمن سلامًا مستدامًا.
وفيما يلي، يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته مجلة فورين أفيرز، لمحمد جواد ظريف، وذلك على النحو التالي:
رؤية إيرانية للشرق الأوسط الجديد
إنهاء الحرب واستدامة السلام يتطلبان نهجًا جديدًا للأمن الإقليمي
استأنفت الولايات المتحدة هجماتها على إيران، وانهارت أخيرًا مذكرة التفاهم التي أبرمتها طهران وواشنطن الشهر الماضي في سويسرا، والتي كانت معلَّقة بخيط رفيع لأسابيع. وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 يوليو: “أعتقد أن الأمر انتهى. لا أريد التعامل مع إيران بعد الآن”.
لم يكن انهيار مذكرة التفاهم أمرًا مفاجئًا؛ فقد كان لدى إيران والولايات المتحدة تفسيرات متباينة لبنود الاتفاق، تحديدًا تلك التي تحكم مضيق هرمز. ففي حين اعتقدت طهران أنها وعدت – بحسب نص المذكرة – بـ “إجراء ترتيبات مستخدمةً أفضل جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون مقابل، لمدة 60 يومًا فقط”، اعتقدت أيضًا أنها وسلطنة عمان ستعمدان إلى “تحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز”، بالاشتراك مع دول الخليج الأخرى.
ومع ذلك، اعتقدت واشنطن أن إيران قد وافقت على السماح بالمرور الحر وغير المشروط عبر المضيق، وأن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى احترام أي ترتيبات تقرها إيران. لم يكن للاتفاق أن يصمد أمام هذا القدر من التباين؛ وكان تجدد المواجهة العسكرية مسألة وقت أكثر منه مسألة احتمال.
ومع ذلك، ليس من مصلحة إيران ولا الولايات المتحدة استمرار الحرب. فعلى الرغم من أن الشعب الإيراني وقواته المسلحة دافعوا عن بلادهم في مواجهة قوتين مسلحتين نوويتين، إلا أنهم ما زالوا ينظرون إلى الصراع بوصفه مفروضًا عليهم، ومواجهة لم يكونوا حريصين على بدئها.
في الوقت نفسه، تشتت واشنطن انتباهها عن هدفها الجيوسياسي الرئيس؛ فلأكثر من عقد، تشاركت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الهدف الشامل المتمثل في تقليص العبء طويل الأمد على بلادها في غرب آسيا، من أجل التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما أطلق عليه مسؤولون مختلفون اسم “التحوُّل نحو آسيا”. وقد شكَّلت سياسات واشنطن السابقة تجاه إيران – بما في ذلك الاتفاق النووي لعام 2015م، واتفاقيات أبراهام (التي قامت بموجبها عدة دول عربية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بعد مفاوضات بوساطة أمريكية، مما أسهم في إنشاء كتلة صلبة في مواجهة إيران وأدى فعليًّا إلى إسناد جزء كبير من الدور الإقليمي للولايات المتحدة إلى إسرائيل)، والهجمات على البلاد في يونيو 2025م، والحرب التي بدأت في فبراير – كلها أدوات وظفتها واشنطن لتحقيق هذه النهاية.
لكن، كما يوضح الصراع الحالي، لا تستطيع واشنطن القضاء على الحكومة الإيرانية. وحدها الدبلوماسية، واتفاق سلام جديد، وإطار أمني جديد تصوغه دول المنطقة لخدمة مصالحها، يمكن أن تتيح للولايات المتحدة تحويل تركيزها إلى مناطق أخرى.
معضلة مضيق هرمز
لم تقتصر المواجهات العسكرية خلال العام الماضي على اختبار قدرات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل تحدت افتراضات راسخة بشأن الإكراه والردع ومستقبل غرب آسيا. فقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الصراع الأخير مع إيران على افتراض أن الضغط العسكري المستمر يمكن أن يُكره طهران إما على الخضوع أو يؤدي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية. وبدلًا من ذلك، وجدتا نفسيهما عالقتين في مستنقع استراتيجي. فلم تُجبر أي من إجراءاتهما، بما في ذلك الهجمات غير المسبوقة على القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية والأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية للبلاد، لم تُجبر طهران على تغيير مسارها. لقد صمد النظام السياسي وحافظ على سلامة أراضيه، مما يثبت مرونة الأمة الإيرانية وقدرتها على الدفاع عن سيادتها حتى في أشد الظروف قسوة.
يجب على القوى الخارجية أن تدرك هذه الحقيقة وأن تفهم تداعياتها. فقد جعلت قدرة إيران على تحمُّل الضغط العسكري المستمر من الصعب استبعاد طهران من أي هيكل أمني إقليمي مستقبلي. ويشمل ذلك، في المقام الأول، الدور المحوري لإيران في تأمين مرور إمدادات الطاقة وحركة الشحن التجاري عبر مضيق هرمز.
وقد عادت طهران فأغلقت معظم سبل الوصول إلى المضيق – وهو ما فسَّره العديد من المحللين الغربيين على أنه دليل على أن إيران قوة معادية تريد ممارسة الإكراه الاقتصادي، وتعطيل أسواق النفط العالمية، وتقييد حرية الملاحة – غير أن إيران عطَّلت أسواق الطاقة لسبب استراتيجي محدد للغاية: وهو إجبار الولايات المتحدة وشركائها على إنهاء حملتهم لتدمير إيران.
بكلمات أخرى، أجبرت الحرب إيران على النظر إلى المضيق الآن باعتباره مسألة وجودية تتعلق بأمنها الخاص. فقبل بدء التصعيد العدواني الكبير في نهاية فبراير، تسامحت إيران عمومًا مع الملاحة عبر الممر المائي دون تدخل، حتى خلال العقوبات الأمريكية – المدعومة بشركاء واشنطن – والتي كانت تعني أن إيران لا تستطيع الحصول على عديد من السلع التي تمر عبر المضيق. فقد أغلقت العقوبات الأمريكية فعليًّا مضيق هرمز أمام التجارة الإيرانية، بينما أبقته مفتوحًا تقريبًا أمام الجميع باستثناء إيران.
أنهت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية هذا التسامح، سواء لدى القادة العسكريين الإيرانيين أو – وهو الأهم – لدى الغالبية العظمى من شعبها. واليوم، يتمثل الهدف الإيراني الأسمى في المضيق في ضمان عدم تمكُّن الخصوم من استغلال هذا الممر المائي للتحضير أو تسهيل أو الاستمرار في ممارسة الإكراه ضد إيران، سواء كان هذا الإكراه ذا طبيعة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية. وقد أصبح التمييز المقبول سابقًا بين حركة الملاحة التجارية والعبور العسكري ضبابيًَا. ففي زمن السلم، تحدد القوانين البحرية الدولية الإطار الذي يحكم التوقعات؛ أما في زمن الحرب، فحتى القوانين الدولية تُعطي الأولوية لبقاء الدولة.
إذا كانت الولايات المتحدة تريد السلام، فعليها أن تنظر في دور إسرائيل.
تعمل إيران الآن تحت قناعة مفادها أن الطرق البحرية لا يمكن أن تكون محايدة سياسيًّا إذا كانت تُسهِّل نقل أنظمة الأسلحة، أو مكوِّنات الطائرات، أو الأصول الاستخباراتية، أو الدعم اللوجستي للولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. وبسبب أن الأسلحة والتقنيات التي استُخدِمت مؤخرًا لضرب الأراضي الإيرانية وبنيتها التحتية والمدنيين قد مرَّت عبر مضيق هرمز، فإن لصانعي السياسات في إيران الحق الكامل في تقييد حركة المرور طالما استمرت الحرب، وطالما استمر الإكراه الاقتصادي ضد إيران، وطالما تُبذل جهود نشطة لتقويض حقها في حماية مصالحها في المضيق.
بكل بساطة من الصعب للغاية على طهران التمييز بين السفن التي تحمل بضائع تجارية وتلك التي تنقل مواد تُهدِّد حق إيران في الوجود. لذلك، فإن الحركة البحرية في الخليج تحتاج أن تكون مفهومة وفق شروط وقوانين الصراع المسلح والنية الاستراتيجية بدلًا من الشروط والقوانين التي تحكم أوقات السلام.
ومع ذلك، بالنسبة لطهران، فإن النفوذ الذي يتيحه المضيق هش. فإذا كررت إيران تهديد حركة الملاحة البحرية، فقد تؤلب معظم العالم ضدها. كما أن الإغلاق المستمر قد يؤدي إلى تسريع الاستثمارات الدولية في خطوط الأنابيب والموانئ والممرات اللوجستية البرية التي تتجاوز هذا الممر المائي بالكامل. وإذا نجحت الأسواق العالمية في تنويع مساراتها بعيدًا عن المضيق، فلن تعود إيران قادرة على استخدام إمكانية إغلاقه كوسيلة ردع. ولذلك، يجب على طهران أن تمارس ضبط النفس، تمامًا كما ينبغي على الدول الأخرى الامتناع عن اتخاذ إجراءات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية من شأنها الإضرار بمصالح إيران في المضيق. وتشمل هذه الإجراءات فرض عقوبات من شأنها أن تمنع إيران فعليًّا من الاستفادة من حرية الملاحة، أو بناء تحالف دبلوماسي ضدها، أو شحن معدات عسكرية عبر مياه المضيق من شأنها الإضرار بأمن إيران.
إن أفضل وسيلة لتحقيق هذه المهام تتمثل في إنشاء شبكة أمن إقليمي تبني الثقة بين الدول التي تقع على ساحل الخليج من خلال الحوار والتعاون. ومن شأن هذا النهج أن يضع حدًّا للوجود العسكري المزعزع للاستقرار والمغامرات التي تقوم بها القوى الخارجية، وذلك عبر إزالة المبرر لوجودها. وكما نصَّت مذكرة التفاهم، ستعمل إيران وعُمان على “تحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج، بما يتوافق مع القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية لمضيق هرمز”.
مساومة صعبة
يبقى مضيق هرمز نقطة اشتعال محورية، لكنه من الصعب اعتباره المصدر الوحيد للتوتر بين طهران وواشنطن. لوقف القتال، تحتاج إيران والولايات المتحدة إلى إدارة خلافاتهما الأوسع نطاقًا.
ينبغي أن تكون أهداف كلٍ منهما متواضعة: فلا يمكن لطهران وواشنطن أن تكونا صديقتين. فقد عمَّقت الحروب الأخيرة – التي قتلت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الأعلى لإيران، وقادتها الكبار، وأطفالًا أبرياء في المدارس – الجراح التاريخية للبلاد. وهذه المظالم لن تُنسَى أو تُغتفَر، لكنها لا تحتاج بالضرورة إلى استمرار القتال أو التصعيد. سيكون المفتاح هو ضمان أن تُدار المشاركات الدبلوماسية المستقبلية، بخلاف السابقة، بطريقة براغماتية لإدارة الخلافات. فأحيانًا تكون النزاعات بين الولايات المتحدة وإيران ناتجة عن اختلافات جوهرية في الهُوية تتطلب حوارًا توضيحيًّا. وأحيانًا أخرى تكون نتيجة شكوك متبادلة تعيق التعاون المشترك حول المصالح التكتيكية. وفي أحيان أخرى، تكون قضايا سياسات قابلة للتفاوض ومهيأة لتسويات استراتيجية. للمضي قدمًا، سيحتاج البلدان إلى التمييز بين القيم الوجودية وبين الأهداف المتبادلة، مع تجنُّب الانخراط في مساعٍ عبثية لتعظيم أوراق الضغط والنفوذ التفاوضي.
في نهاية المطاف، سوف يتطلب أي ترتيب أمني واقعي بين الولايات المتحدة وإيران إطارًا متبادلًا لعدم الاعتداء يمنع الخلافات المرتبطة بالهُوية من التحول إلى عنف. وعندئذ يمكن لطهران وواشنطن التنسيق بشأن التحديات المشتركة بينهما، مثل تحقيق الاستقرار في أفغانستان، ومكافحة الاتجار بالمخدرات، وإدارة الهجرة. وستعترف حينها الولايات المتحدة بسلامة أراضي إيران، وتزيل تصنيفات الإرهاب عن إيران ووكلائها، وترفع جميع العقوبات بشكل دائم. كما ستلتزم واشنطن بالمساعدة في إعادة إعمار إيران بعد الدمار الذي تسبب فيه عدوانها، كما وعدت في مذكرة التفاهم من خلال إنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار للبلاد.
وفي المقابل، ستوافق إيران على ضمانات دائمة لعدم انتشار الأسلحة النووية – مثل التصديق على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح مفتشي الوكالة وصولًا إضافيًّا إلى المنشآت النووية للدولة. وربما تُقنِّن إيران الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، ضد الأسلحة النووية.
إذا كانت الولايات المتحدة تريد السلام، فعليها أن تنظر في دور إسرائيل. فإلى جانب إشعالها الحرب الأولى ضد إيران في يونيو 2025م، وإقناعها لترامب بالمشاركة في بدء الحرب الثانية، عارضت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة باستمرار المبادرات الأمريكية التي سعت إلى خفض التوتر وتحقيق الاستقرار في غرب آسيا، بما في ذلك الاتفاق النووي لعام 2015م، ومذكرة التفاهم الأخيرة. ولذلك، فإن أي جهد لمنع تجدد الصراع يجب أن يأخذ في الحسبان هذا الطرف المُعطِّل، الذي تتعارض رغبته في مواصلة القتال – بغض النظر عن التكاليف – مع مصالح الولايات المتحدة.
ولا يقتصر سلوك إسرائيل على عرقلة السلام مع إيران فحسب، بل يزعزع استقرار غرب آسيا بأسره. فمن خلال توسيع المستوطنات في الأراضي المحتلة، وحرب الإبادة في غزة، والدمار الذي ألحقته بلبنان، أظهرت إسرائيل مرارًا أنها تسعى إلى نشر الفوضى في أنحاء المنطقة للحفاظ على هيمنتها العسكرية.
سيقع على عاتق الولايات المتحدة وشركائها التعامل مع هذا المصدر المستمر لعدم الاستقرار. فقد التزم كلٌّ من ترامب ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم بـ”ضمان سلامة أراضي وسيادة لبنان”. ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، بدأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حملة نشطة لتقويض هذا البند أثناء زيارته للمنطقة الشهر الماضي، وذلك جزئيًّا، من خلال الانخراط في جهود ضاغطة لفرض اتفاق أحادي الجانب على الحكومة اللبنانية مع إسرائيل، في وقتٍ تواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء من لبنان.
يجب وضع حد لتناقضات الإدارة الأمريكية، وتجاهلها للمعاناة اليومية للشعب الفلسطيني. يجب على واشنطن بدلاً من ذلك أن تبدأ بممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل.
لا روابط ضعيفة
ليست إسرائيل الفاعل الوحيد الذي يمكن أن يؤثر في نجاح اتفاق سلام بين طهران وواشنطن. فمن الحكمة أن تعمل إيران وجيرانها المباشرون في الخليج على وضع خطة تنهي عقودًا من التوتر – التي بدأت مع الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988م)، واستمرت حتى اليوم، بما أضر بالجميع. وهذا يعني أن على غرب آسيا أن يبتعد عن نموذج أمني يعتمد على القوى الخارجية، وهو النهج الذي جلب القوات الأمريكية إلى المنطقة وأدى إلى استمرار الصراع. وعلى مدى سنوات، كان هذا النهج مدمرًا، كما أظهر غزو العراق للكويت عقب الحرب العراقية الإيرانية، وكما تؤكد ذلك أيضًا الأعمال العدائية الأخيرة. إن محاولة إسناد الأمن إلى قوى عالمية لا يمكن أن يحقق أمنًا حقيقيًّا، فضلًا عن الاستقرار اللازم للتنمية الاقتصادية المستدامة.
وبدلًا من ذلك، ينبغي لدول غرب آسيا أن تبدأ في تعزيز التكامل فيما بينها، بحيث تعزز قوة كل دولة استقرار الدول الأخرى. وقد طرح الإيرانيون بالفعل عددًا من لبنات البناء لهذا النوع من النظام. ففي عام 2024م، عندما كنتُ نائبًا للرئيس، دعوتُ إلى إنشاء حوار مؤسسي بين دول المنطقة يقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل، وفي نهاية المطاف ترتيبات عدم الاعتداء. وسيشمل ذلك تدابير لبناء الثقة، مثل برامج المساعدات الإنسانية في مناطق الصراع، ومبادرات مشتركة لمكافحة الإرهاب، والتعاون في حملات إعلامية تعزز التعايش.
كما اقترحتُ أيضًا إنشاء شبكة نووية إقليمية، تشمل اتحادًا لتخصيب اليورانيوم، مكرسًا حصريًّا للاستخدامات السلمية للعلوم النووية. وسيعمل أعضاؤه على تجميع الخبرات الإقليمية، وتعزيز التعاون العلمي، وترسيخ الثقة من خلال ترتيبات تحقق تعاونية تضمن عدم سعي أي عضو لامتلاك أسلحة نووية. ويمكن لكل من الصين وروسيا، إلى جانب الولايات المتحدة، أن تساعد في إنشاء مثل هذا الاتحاد لتخصيب الوقود مع إيران والدول المهتمة في الخليج الفارسي، على أن يصبح لاحقًا المنشأة الوحيدة لتخصيب الوقود في غرب آسيا.
ولضمان أن يسهم نجاح كل دولة في دعم الآخرين، ستسعى حكومات غرب آسيا إلى إنشاء منظومة اقتصادية إقليمية متكاملة. وقد تشمل هذه الجهود، على سبيل المثال، إنشاء صندوق تنمية لغرب آسيا يمول إعادة الإعمار بعد الصراع، والرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية الحيوية. كما يمكن أن يؤدي الربط الإقليمي السلس – من خلال خطوط السكك الحديدية العابرة للحدود، وخطوط أنابيب الطاقة، والبنية التحتية الرقمية، والطرق البحرية – إلى تسهيل حركة رؤوس الأموال والسلع. ويمكن لمؤسسات مشتركة أخرى أن تساعد دول غرب آسيا على مواجهة التهديدات الوجودية المشتركة، مثل تغير المناخ وندرة المياه.
إذا تمكنت هذه المنطقة من بناء مؤسسات مشتركة وذات مغزى، فقد تشهد تنمية غير مسبوقة. فهي تمتلك موارد طبيعية وفيرة، وحضارات عريقة، وسكانًا شبابًا متعلمين. وتقدم إيران وحدها مساحة جغرافية واسعة، وخبرة علمية متقدمة، ورأس مال بشري على مستوى عالمي.
أما الدول العربية، فتوفِّر تمويلًا لا مثيل له، واستثمارات، وقدرات إدارية، إلى جانب شبكات تجارية عالمية. وتسهم كلٌّ من باكستان وتركيا بقدرات صناعية كبيرة ووزن جيوسياسي مهم.
لن يكون أيٌّ من هذا سهلًا، نظرًا لعقود من انعدام الثقة والشكوك داخل المنطقة، بما في ذلك بين بعض الدول العربية وبين تلك الدول وإيران. ومع ذلك، ليس من الضروري أن يظل غرب آسيا أسير ماضيه العنيف. فقد أظهرت الحروب الأخيرة ليس فقط التكاليف الكارثية للمواجهة العسكرية، بل أيضًا حدود ما يمكن أن يحققه الإكراه.
يجب على كلٍّ من واشنطن والدول العربية أن تقبل بأن إيران عنصر دائم في الساحة الإقليمية، وأن المنطقة لا يمكن أن تحقق الاستقرار من خلال استبعادها. وفي الوقت نفسه، يجب على إيران أن تقرن ثقتها التي تأكدت حديثًا باستعدادٍ لمدِّ يد الصداقة إلى جيرانها، والسعي إلى تحقيق الأمن من خلال التعاون إلى جانب الردع.
كما يجب على العالم بأسره أن يدرك أن الاستقرار الدائم لا يمكن استيراده إلى غرب آسيا من الخارج أو فرضه بالقوة، بل يجب أن يُبنى بأيدي شعوب المنطقة ودولها.




