استمع
في السابع من أغسطس 2026، نشرت “بَلْس أوف أفريكا” (Pulse of Africa) – وهي منصة إعلامية رقمية عابرة للقارات وتتناول عموم إفريقيا، وتتخذ من أديس أبابا مقرًّا لها، وتهدف إلى “إبراز صور واقعية تعكس تقدم القارة وثقافتها وابتكاراتها من منظور إفريقي خالص” – مقالًا لـ “زكريا سليمان”، وهو كاتب ومعلق سياسي في المنصة الإعلامية العابرة للقارات بعنوان: “مصر ووَهْم القوة: مساعي عبثية للهيمنة الإقليمية”.
يقول الكاتب إن “القوة الحقيقية لأي جيش لا تكمن في ترسانته العسكرية أو أعداد قواته النظامية والاحتياطية، بل في قدرته على التكيُّف والعمل بفعالية ومواصلة الأنشطة العسكرية طويلة الأمد؛ وهي سمات لم تُثبِت المؤسسة العسكرية المصرية الحالية امتلاكها بشكل مقنع بعد”.
ويضيف الكاتب أنه بالنسبة للقاهرة، قد يتطلب المسار المستقبلي لسياستها الخارجية أن تكون على قدر كبير من الواقعية: يتمثل في الإقرار بحدود قوتها، والتركيز على الدبلوماسية الاستراتيجية، وإعادة بناء الاستقرار الداخلي قبل السعي للعب دور إقليمي مهيمن؛ وهي دروس أثبت التاريخ مرارًا أنها جوهرية لتحقيق نفوذ حقيقي في الإقليم، وليس مجرد أوهام”.
ويَرى الكاتب أن “الوضع العسكري الحالي لمصر يُجسِّد المفارقة بين عظمة مُتصوَّرة وواقع قاسٍ؛ فالقوات المسلحة المصرية الضخمة، رغم بريقها على الورق، تفتقر إلى الخبرة القتالية والقدرة اللوجستية والنفوذ الإقليمي اللازمين للحفاظ على بسط نفوذ موثوق في قارة إفريقيا”.
وفيما يلي يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة للمقال الذي نشره موقع “بَلْس أوف أفريكا“، لـ “زكريا سليمان”، الكاتب والمعلق سياسي في الموقع الإعلامي العابر للقارات والذي يتناول الشأن الأفريقي في عموم إفريقيا، وذلك على النحو التالي:
النظام المصري ووَهْم القوة.. مساعٍ عبثية للهيمنة الإقليمية
أدَّت الأنباء التي تكشَّفت في الثاني والعشرين من سبتمبر 2023 – والتي تتعلَّق بقبول السيناتور الأمريكي السابق بوب مينينديز وزوجته مبالغ مالية ضخمة (بمئات الآلاف من الدولارات) وسبائك ذهبية وسيارات فاخرة من مسؤولين ورجال أعمال مصريين – إلى تسليط الضوء بكل وضوح على المساعي المستمرة التي تقوم بها القاهرة لتوظيف نوع من النفوذ السري (من خلال بناء علاقات غامضة وغير معلَنة مع نافذين غربيين وشركات علاقات عامة، خاصَّة في الولايات المتحدة) بهدف تعزيز مكانتها الدولية.
فقد استغل بوب مينينديز – الذي كان يتمتع بنفوذ واسع إبَّان رئاسته للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي – منصبه (شديد الحساسية) لتمرير مساعدات عسكرية ومعلومات حساسة إلى مصر بشكل سري؛ وهي الواقعة التي أدَّت في نهاية المطاف إلى سقوطه السياسي المدوّي. ومع ذلك، فإنه لا تزال أصداء هذا النفوذ للنظام المصري والطموحات الخفية له تتردد بين المراقبين دون هوادة، كاشفةً عن مشهدٍ أوسع لنظام دولة (عربية إفريقية) تتوق إلى استعراض قوتها العسكرية بما يتجاوز بكثير قدراتها الفعلية على أرض الواقع.
وغالبًا ما يُنظَر إلى الجيش المصري باعتباره الجيش الأكبر والأكثر تطورًا في قارة إفريقيا، وكثيرًا ما يُشاد بترسانته التكنولوجية وقوامه البشري الذي يضم مئات الآلاف من الجنود، فضلًا عن امتلاكه بعضًا من أكثر الأسلحة تطورًا في القارة السمراء. ومع ذلك، تكمن خلف مظاهر القوة هذه حقيقة معقدة، مفادها أن هناك شكوكًا كبيرةً تحيط بالجاهزية القتالية الفعلية للجيش المصري، وتماسكه العملياتي، وفعاليته الاستراتيجية. فالأعداد والعتاد لا تُترجَم بالضرورة إلى هيمنة في ساحة المعركة، لا سيما في ظِل غياب الخبرة القتالية الحديثة وتفاقم التحديات اللوجستية أمام هذه القوة.
وتستند طموحات النظام المصري الرامية إلى توسيع نفوذه في شرق إفريقيا – ولا سيما في منطقة القرن الإفريقي وعلى امتداد البحر الأحمر – إلى مزيج من المصالح الاستراتيجية الذاتية، والمنافسات الإقليمية، والرغبة في تأمين أصول اقتصادية وجيوسياسية حيوية؛ غير أن هذه الأهداف كثيرًا ما تصطدم في أغلب الأحيان بالفجوة الصارخة بين الخطاب السياسي والواقع العملياتي على الأرض.
وَهْم القوة العسكرية
في الحقيقة، يُعد الجيش المصري قوة عسكرية هائلة من حيث الأرقام والمواصفات المعلَنة؛ فهو يحتل المرتبة الخامسة عشرة عالميًّا ويمتلك ترسانة ضخمة ومتطورة تشمل الدبابات والطائرات المقاتلة والسفن الحربية والأنظمة الصاروخية. وتتمتع قواته التقليدية بمستوى عالٍ من التحديث، كما تواصل الحكومة المصرية الحالية استثمار مبالغ طائلة في صفقات التسليح.
ومع ذلك، فإن الفحص الدقيق لحقيقة الأمر يكشف عن تباين بين القدرات التقنية والفعالية العملياتية للجيش المصري؛ إذ لم تخض مصر حربًا شاملة ضد خصم مكافئ منذ عقود، واقتصرت صراعاتها الأخيرة على عمليات الأمن الداخلي، ومكافحة التمرد، ودوريات تأمين الحدود فقط. ورغم أن هذه المهام تبرهن على امتلاك الجيش لقدرات لوجستية جيدة، إلا أنها لا تقدم دليلًا كافيًا على قدرة القوات المسلحة المصرية على خوض عمليات قتالية واسعة النطاق وممتدة زمنيًّا ضد خصم يتمتع بتجهيزات عسكرية متطورة.
وتكمن المشكلة الجوهرية في هذا الصدد في افتقار الجيش المصري إلى خبرة قتالية حديثة، وهو معيار أساسي لقياس الجاهزية القتالية الحقيقية؛ ففي غياب الاختبار الميداني، تظل كفاءة المعدات والأفراد غير مُثبتة فعليًّا في أتون أي حرب محتملة. ورغم تكرار التدريبات العسكرية، إلا أنها لا تغني عن مواجهة طبيعة الصراعات الحقيقية التي تتسم بالفوضى وعدم القدرة على التنبؤ بمجريات الأمور إبَّانها.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الجيش المصري يعاني أيضًا من فجوات تكنولوجية كبيرة؛ إذ غالبًا ما تقتصر عمليات تشغيل الأسلحة المتطورة وصيانتها على نخبة محدودة من المتخصصين، بينما قد تفتقر القوات الأوسع نطاقًا إلى التدريب اللازم لدمج هذه الأنظمة واستخدامها بفعالية. والنتيجة المترتبة على هذا الواقع هي قوة تبدو هائلة على الورق فقط، لكنها تظل عرضة للخطر في مواجهة خصوم عصريين محتملين يتمتعون بجاهزية عالية.
السيطرة الداخلية في مواجهة القوة الخارجية
وثمَّة وَهْمٌ آخر لدى النظام في القاهرة – قد يكون أكثر إعاقةً من مظاهر القوة العسكرية المصرية السطحية – يتمثل في طبيعة العقيدة الاستراتيجية للبلاد؛ إذ لطالما أعطت القوات المسلحة المصرية الأولوية لاستقرار النظام الحاكم على حساب استعراض القوة أو ممارستها خارج الحدود. وقد رسَّخ الجيش المصري دوره كطرفٍ فاعلٍ ومؤثرٍ في المشهد الداخلي المصري، حيث تغلغلت مؤسساته المختلفة بعمق في النسيج السياسي والاقتصادي لمصر.
فمنذ احتجاجات الطلاب عام 1968 (وهي حركة احتجاجية واسعة قادها طلاب الجامعات والمعاهد ضد نظام الرئيس جمال عبد الناصر، وشكَّلت نقطة تحوُّل بارزة في تاريخ الحركة الوطنية المصرية) وحتى ثورة 2011 (والمعروفة بـ ثورة 25 يناير، وهي انتفاضة شعبية واسعة النطاق انطلقت يوم 25 يناير 2011 واستمرت لمدة 18 يومًا حتى أدَّت إلى تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك في 11 فبراير 2011)، دأب الجيش المصري على التدخل لقمع الانتفاضات الشعبية المختلفة، وغالبًا ما كان ذلك باستخدام قوة السلاح. وتُعد عملية الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب للبلاد، عام 2013 – عبر انقلاب قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزير الدفاع آنذاك – نموذجًا صارخًا لهذا النمط الذي طالما تبنَّاه الجيش المصري؛ فقد كانت الأحداث انقلابًا صارخًا أُلبِس ثوب الاستجابة للاضطرابات الشعبية (المصطنعة)، وأعقبت هذا الانقلاب (الدموي) حملة قمع استهدفت المعارضة السياسية والحريات المدنية والأصوات المعارضة.
وتعزز الإمبراطورية الاقتصادية الواسعة للمؤسسة العسكرية في مصر هيمنتها الداخلية على الاقتصاد في البلاد؛ فهي تسيطر على قطاعات ضخمة تشمل التصنيع والبنية التحتية والسلع الاستهلاكية، مما يشكل حصنًا اقتصاديًّا متينًا يمنح سِلك الضبَّاط مصالح مالية ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببقاء النظام (وضد أي محاولات لتغيير هذا الواقع).
وقد أدَّت التعديلات الدستورية والأطر القانونية (التي تمَّت بعد انقلاب 2013) إلى إضفاء طابع مؤسسي على الرقابة العسكرية على الحكم المدني، مُرسِّخةً بذلك دور القوات المسلحة بصفتها “الحامي الأسمى للدولة في مواجهة التحديات الداخلية”. ونتيجة لذلك، لم يعد الجيش المصري مجرد جيش تقليدي مخصّص لمواجهة التهديدات الخارجية، بل تحوَّل إلى هيكل سلطة داخلي يحمي مصالحه من أي تحديات سياسية (قد تواجه النظام الحاكم).
الطموحات الإقليمية والقيود اللوجستية
وتنبع تطلعات النظام المصري لبسط نفوذه العسكري في شرق إفريقيا – ولا سيما في ظِل النزاع حول “سد النهضة” الإثيوبي الكبير (GERD) وقضايا الأمن البحري الإقليمي – في المقام الأول من شعور قومي متطرف ومشحون بالزهو والفخر، وليس من واقع الحقائق الميدانية. وفي هذا السياق، تنظر القاهرة (بهذه الخلفية) إلى المساعي التي تقوم بها دولة إثيوبيا فيما يخص بناء سد النهضة الإثيوبي باعتبارها تهديدًا وجوديًّا لأمنها المائي وهيمنتها الإقليمية على مياه النيل (دون القدرة على اتخاذ أي خطوات على أرض الواقع لمواجهة هذا التحدي).
وبدلًا من ذلك، سَعَى النظام الحاكم في مصر فقط إلى تعزيز علاقاته العسكرية والدبلوماسية مع دول الجوار لإثيوبيا، مثل الصومال وإريتريا، أملًا في تشكيل منطقة عازلة إقليمية وتأمين الممرات الاستراتيجية للقاهرة؛ ومن هنا تبرز رغبة الحكومة المصرية في استخدام دول القرن الإفريقي هذه بمثابة أدوات أو بيادق بالوكالة (دون الانخراط في أي خطوات فعلية من جانبها لمواجهة هذا التحدي بشكل مباشر).
ومع ذلك، فإن هذه الطموحات نفسها تواجه عوائق ناجمة عن تحديات لوجستية وجغرافية هائلة؛ إذ إن موقع مصر الجغرافي – الذي يفصلها عن منطقة القرن الإفريقي مئات الكيلومترات من التضاريس الوعرة ومناطق عدم الاستقرار السياسي – يجعل من الصعب للغاية ممارسة نفوذ أو تنفيذ تدخل عسكري مستدام في القرن الإفريقي.
وعلى النقيض من الدول الحبيسة ذات الحدود المتصلة، يعتمد وصول مصر إلى شرق إفريقيا على شبكة معقدة من المسارات البحرية والتحالفات وخطوط الإمداد الهشَّة. كما أن نشر قوات كبيرة – ولا سيما الوحدات الميكانيكية أو القوات البحرية – يتطلب التغلب على مسافات شاسعة ومعالجة نقاط الضعف في سلاسل الإمداد وتأمين التعاون المحلي؛ وهي عوامل حدَّت تاريخيًّا من نطاق التحركات العسكرية المصرية في المنطقة.
وتُعد منطقة البحر الأحمر وحوض النيل أيضًا ساحتين للمنافسة الإقليمية؛ فقد أدَّى تزايد الانخراط الإسرائيلي في شرق إفريقيا – الذي يركز على الأمن البحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية والروابط الدبلوماسية – إلى إضافة بُعد جديد من التعقيد. وتنظر مصر إلى هذا الحضور الإسرائيلي المتنامي باعتباره تهديدًا استراتيجيًّا يهدف إلى تقليص نفوذ القاهرة والسيطرة على طرق التجارة الحيوية.
واقع استعراض القوة
على الرغم مما تتمتع به مصر من أعداد ضخمة للقوات المسلحة ومعدات متطورة، تظل قدرتها على ممارسة نفوذ عسكري ملموس في شرق إفريقيا محدودة؛ إذ تكمن المشكلة الجوهرية في الفجوة بين القوة المتصوَّرة والقوة الفعلية على الأرض.
ومع تطور الديناميكيات الإقليمية، يؤدي اعتماد النظام المصري المفرِط على مؤشرات سطحية – مثل أعداد القوات، ومخزونات الأسلحة، والمواقف الدبلوماسية الاستعراضية – إلى التغطية على نقاط الضعف الكامنة خلف ذلك. ولهذا السبب بالتحديد، تعتمد التحركات المصرية الأخيرة بشكل كبير على تمويل الإمدادات وتوفير الأسلحة والتدريب لجيوش دول إفريقية مثل إريتريا – حيث قامت بتشكيل تحالفات غامضة معهم – فضلًا عن دعم حركات التمرد المحلية في دول أصبحت على دراية تامة بحقيقة استراتيجية مصر العدائية في شرق إفريقيا.
في الحقيقة، إنما تُختبَر القوة العسكرية الحقيقية وتُتاح لها الفرصة لإثبات جدارتها في ساحات المعارك، لا في المناورات أو على الورق فحسب؛ وقد افتقرت القوات المصرية للأسف في الآونة الأخيرة إلى الخبرة القتالية المكتسبة من مواجهة خصوم عصريين وأكفاء.
وفي غياب مثل هذا الاختبار العملي، يستحيل تقييم الجاهزية العملياتية، أو المرونة اللوجستية، أو القدرة على خوض حملات عسكرية ممتدة بعيدًا عن الوطن. وغالبًا ما تعاني التدخلات الإقليمية المصرية من العقبات اللوجستية ذاتها التي واجهت العديد من الدول الإفريقية الأخرى – كالمسافات الشاسعة، ومحدودية البنية التحتية، وتعقيد التحالفات – مما يجعل أي استعراض مستمر للقوة أمرًا ذا طابع رمزي في غالب الأحيان.
وعلى الجانب الآخر، تُمثِّل أطراف إقليمية أخرى تحديات قتالية ليست بالهيِّنة، نظرًا لامتلاك تلك الدول جيوشًا تمرست في القتال الفعلي وفي طبيعة جغرافية وعرة. وعلى سبيل المثال، فقد اكتسب الجيش الإثيوبي في هذا السياق خبرة قتالية متراكمة بفضل التقارير التي تتحدث عن مستوى الانضباط والتدريب ومهام حفظ السلام، مما جعله قوة عسكرية إقليمية.
ولكن في المقابل، يظل الجيش المصري – رغم التقارير التي تتحدث عن تفوقه التكنولوجي – غير مُختبَر فعليًّا في سيناريوهات مماثلة للقتال الفعلي. ولذلك يَرى البعض أن ما قد يمثله ذلك من تباين وتفاوت في موازين القوى بالمنطقة يُبرز بوضوح عدم جدوى أي طموحات للنظام في مصر ترمي إلى فرض هيمنة عسكرية على شرق إفريقيا في المدى القريب.
تكلفة الإفراط في الطموح
وتنطوي المساعي المستمرة للحكومة المصرية لتجاوز حدود القدرات العسكرية الفعلية – والتي غالبًا ما تحيطها هالة من المزاعم غير الصحيحة حول التفوق العسكري – على خطر الانزلاق إلى مأزق استراتيجي؛ إذ غالبًا ما تأتي الجهود التي تبذلها للتأثير في السياسة والأمن الإقليميين، من خلال الانتشار العسكري والتحالفات الدبلوماسية، بنتائج عكسية تؤجج التوترات وتثير الشكوك في المنطقة.
وتُقلِّص حالة الريبة الإقليمية تجاه النوايا التي قد يضمرها النظام المصري من فعالية مبادراته في المنطقة، حيث غالبًا ما يُنظَر إلى تدخلاته على أنها منحازة لطرف دون آخر، أو أنها إنما تهدف في حقيقة الأمر إلى بسط الهيمنة، كما أنها كذلك تنطوي على مخاطر تحويل الصراعات المحلية إلى حروب بالوكالة أوسع نطاقًا. ورغم الموافقة على مشاركة قوة مصرية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي الانتقالية في الصومال (AUSSOM)، فقد أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أنه لن يسمح بأن تكون بلاده ساحة للصراع بين الدول؛ وهو موقف قد يكشف كثيرًا ما يتم تداوله حوال النوايا المصرية المبطَّنة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن نقاط الضعف التي تكمن في الداخل المصري – بدءًا من التحديات الاقتصادية ووصولًا إلى انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد – تزيد من تفاقم مخاطر الإفراط في توسيع نطاق الانخراط الخارجي. فالدور الذي يضطلع به الجيش محليًّا باعتباره ركيزةً أساسية للحفاظ على النظام يعني أن المعارضة الداخلية، أو الأزمات الاقتصادية، أو الضغوط الخارجية قد تقوِّض قدرته على المضي قُدمًا في أي مغامرات إقليمية. ومع اتساع الصدوع الداخلية، يواجه مظهر القوة العسكرية في مصر خطر الانهيار، مما يكشف حقيقة دولة غالبًا ما تبالغ حكومتها في تقدير قدراتها الحقيقية، حسبما يرى مراقبون.
قوةٌ على الرمال
ويرى البعض أيضًا أن الوضع العسكري الحالي لدولة مثل مصر إنما يُجسِّد حالة دولة عالقة بين عظمة مُتصوَّرة وواقع قاسٍ على الأرض. فعلى الرغم من الروعة التي تبدو عليها قواتها المسلحة الضخمة (من حيث العدد والعُدَّة) على الورق، فإنها في الحقيقة تفتقر إلى الخبرة القتالية والقدرة اللوجستية والنفوذ الإقليمي اللازمين للحفاظ على بسط نفوذ موثوق في شرق إفريقيا. وتُعدُّ عمليات التأثير السرية الجارية في المنطقة، والتحالفات الإقليمية، والمواقف الدبلوماسية، في نهاية المطاف، أعراضًا لتجاوز استراتيجي، وثقة مفرطة متجذِّرة في مؤشرات سطحية بدلًا من الكفاءة العملياتية الحقيقية.
وفي نهاية المطاف، فإن مساعي النظام المصري نحو الهيمنة الإقليمية يبدو أنه مجرد سراب؛ “سرابٌ قائم على أساس واهٍ من قوة عسكرية صورية لا تعدو كونها مجرد حبر على ورق” (لم يتم اختبارها على أرض الواقع). ومع استمرار منافسين إقليميين – مثل بعض الدول في شرق إفريقيا، مثل إثيوبيا على سبيل المثال – في تطوير قدراتهم والعمل على مقاومة أي نفوذ خارجي، فإن طموحات النظام المصري تخاطر بالتحوُّل إلى مغامرة مكلفة قد تستنزف الموارد وتُنفِّر منها الجيران.
إن القوة الحقيقية لأي جيش لا تكمن في ترسانته العسكرية أو في أعداد قواته، بل في قدرته على التكيُّف والعمل بفعالية وخوض حملات عسكرية طويلة الأمد؛ وهي سمات لم تنجح المؤسسة العسكرية المصرية الحالية في إثبات امتلاكها بشكل مُقنِع حتى الآن.
وبالنسبة للقاهرة، فقد يتطلب المسار المستقبلي قدرًا من الواقعية: يتمثل في الإقرار بحدود قوتها، والتركيز على الدبلوماسية الاستراتيجية، وإعادة ترسيخ الاستقرار الداخلي قبل محاولة لعب دور مهيمن على مستوى الإقليم؛ وهي دروس أثبت التاريخ مرارًا أنها ضرورية لتحقيق نفوذ حقيقي، لا مجرد أوهام.




