استمع
في 10 أغسطس 2026م، نشرت مجلة “ذي إيكونوميست” (The Economist) – وهي مجلة بريطانية أسبوعية مطبوعة ورقمية تصدر من لندن وتهتم بالشؤون الدولية والتجارة العالمية والسياسة، حيث تأسست عام 1843م على يد رجل الأعمال الإسكتلندي جيمس ويلسون للدفاع عن مبادئ التجارة الحرة؛ وتتبنى المجلة خطًّا ليبراليًّا كلاسيكيًّا يدعم الأسواق الحرة والعولمة؛ كما تنشر المجلة مقالاتها بدون ذكر أسماء الصحفيين لتوحيد الصوت التحريري الذي تتبنَّاه – تقريرًا بعنوان: “الحرب في الخليج تؤدِّي إلى إضعاف اثنين من حلفاء أمريكا العرب: مصر والأردن”.
وكانت مصر قد وعدت، في تصريحات مشهورة للجنرال عبد الفتاح السيسي بالانخراط في القتال بالخليج حال تَعرُّض أي دولة خليجية للاعتداء، حيث عُرِف التصريح إعلاميًّا بـ “مسافة السكة” على حد التعبير الذي استخدمه السيسي في حديثه آنذاك؛ وكان الأردن قد وَعَد في تصريحات للملك عبد الله بالبقاء على الحياد حال نشوب أي نزاع بين إيران ودول الخليج، وأنه لن يكون ساحة للصراعات الإقليمية، غير أن أيًّا من الدولتين لم يَفِ بوعده.
يقول التحليل إن تلك الوعود التي أُخِلَّ بها كشفت عن حقائق مهمة؛ فقد جرى تهميش مصر بصفتها وسيطًا وقوة عسكرية إقليمية مهمة، بينما يدفع الأردن ثمن حربٍ لا ناقة له فيها ولا جمل. “لطالما قدَّم البلدان نفسيهما بوصفهما ركيزتين للنظام الإقليمي، غير أن هذا النظام الإقليمي يبدو اليوم متزعزعًا، ويبدو كلا البلدين تائهًا” وسط ما يَجري في المنطقة.
ويضيف التحليل أن نقطة الضعف الأكبر لدى مصر في الوقت الراهن تتعلق بشكل أكبر بمكانتها الدولية: ففي الوقت الذي لعبت فيه القاهرة دور الوسيط في الحرب الإسرائيلية على غزة نظرًا لعلاقاتها الخاصَّة مع قيادات حركة حماس، وجَرَت المفاوضات النهائية للتوصُّل إلى وقف إطلاق النار للحرب في مدينة شرم الشيخ المصرية في أكتوبر 2025م، فإنه في المقابل، كان دور مصر أقل أهمية بكثير في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ إذ تراجع دورها حتى كوسيطٍ لصالح باكستان وتركيا ودول الخليج. ولم يُقدِّم الجيش المصري – وهو الأكبر في العالم العربي – الكثيرَ للدفاع عن جيرانه، وذلك على الرغم من المساعدات التي تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات والتي قدمتها دول الخليج لمصر منذ استيلاء السيسي على السلطة في انقلاب عام 2013م.
وفيما يلي، يُقدِّم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته “ذي إيكونوميست” البريطانية عن آثار الحرب الإيرانية على كل من مصر والأردن، وذلك على النحو التالي:
الحرب الإيرانية تُضعِف اثنين من حلفاء أمريكا العرب.. مصر والأردن
قبل نحو عامين من الآن، كان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قد صرَّح لوزير الخارجية الإيراني عبَّاس عراقجي بأن بلاده لن تكون “ساحة لأي صراع إقليمي”. وقبل ذلك بعِقد من الزمن، كان الجنرال عبد الفتاح السيسي في مصر قد قطع على نفسِه وعدًا مغايرًا لدول الخليج العربي، وذلك خلال حملته الانتخابية لرئاسة البلاد، مفاده أنه: إذا ما تعرَّض أمنها (دول الخليج) لأي تهديد، فستكون مصر على بُعد خطوةٍ واحدةٍ منها، (فيما عُرِف إعلاميًّا بتصريح “مسافة السكة”).
لكن المملكة الأردنية الهاشمية تقع اليوم في قلب صراع إقليمي بين الولايات المتحدة الأمريكية، أقرب حلفائها، وحكومة السيد عبَّاس عراقجي (الذي قطع له الملك عبد الله الثاني الوعد بالوقوف على الحياد). أما مصر، فقد تكون على بُعد خطوةٍ واحدةٍ من تقديم الحل، لكنها لا تزال عالقة فيه. فبينما تواجه دول الخليج أكبر تهديد لها منذ 35 عامًا، لم يُقدِّم الجنرال السيسي سوى القليل من الوعود (مجرد وعود).
لكنّ الوعود الكاذبة تكشف الكثير والكثير. فقد تمَّ تهميش مصر كوسيط إقليمي وكقوة عسكرية إقليمية. أما الأردن، فإنه يدفع ثمن حرب لا يملك من أمره فيها شيئًا يُذكَر (حيث لا ناقة له فيها ولا جمل). ولطالما رَوَّجت الدولتان لنفسيهما أنهما تُعدَّان ركيزتين أساسيتين للنظام الإقليمي، لكن هذا النظام الإقليمي يبدو الآن مهتزًا، كما يبدو أن كِلا البلدين أصبح تائهًا فيه.
مصر
بالنسبة للجانب المصري، قد لا تكمن نقاط الضعف لدى القاهرة في الضغوط المترتبة على الحرب الإيرانية والتي تؤثر على الاقتصاد المصري الذي يعاني بالأساس، لكن نقطة الضعف الأكبر إنما تكمن في تدهور مكانتها. فالاقتصاد المصري يشهد في الوقت الراهن أداءً أفضل، ومن المتوقع أن ينمو بنسبة 4.6% هذا العام. وقد قام صندوق النقد الدولي مؤخرًا بصرف الشريحة الأخيرة البالغة 1.8 مليار دولار من اتفاقية قرض مدتها أربع سنوات. ولا يزال قطاع السياحة، الذي يساهم بتوفير ما يصل إلى نسبة 13% من فرص العمل في البلاد، يبدو قويًّا. فقد زار مصر أكثر من 9 ملايين شخص في النصف الأول من هذا العام، بزيادة قدرها 3% مقارنة بالفترة نفسِها من عام 2025م.
وتبدو للوهلة الأولى مصادر مصر الرئيسية الأخرى للعملات الأجنبية، كإيرادات قناة السويس والتحويلات المالية (للمصريين العاملين بالخارج)، قوية أيضًا. فقد ارتفعت إيرادات قناة السويس بنسبة 30%، من 1.8 مليار دولار إلى 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026م، بينما سجَّلت التحويلات المالية من المغتربين المصريين مستوى قياسيًّا في العام المالي المنتهي في شهر يونيو.
إلا أن كلا المصدَرين قد يكونان مؤشرًا متأخرًا، إذ إن الهجمات المدعومة من إيران على الملاحة في البحر الأحمر قد تؤثر سلبًا على إيرادات قناة السويس. أما بالنسبة للتحويلات المالية للمصريين في الخارج، فإن جزءًا كبيرًا منها يأتي من المصريين المقيمين في دول الخليج. ومن شأن أي تراجع اقتصادي مطوَّل في تلك المنطقة أن يقلل من عدد العمال القادرين على إرسال الأموال إلى بلادهم. وفي الوقت نفسه، فقد رفعت الحكومة المصرية بعض تعريفات الكهرباء بنسبة 12%.
في الحقيقة، تكمن أكبر نقاط ضعف مصر في الوقت الراهن في مكانتها الإقليمية، لا في قدرتها على سداد ديونها. فبعد الهجوم الذي شنَّته حركة حماس على المستوطنات في حدود قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م، وَجَد الجنرال السيسي نفسه مطلوبًا بشدة (من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل). إذ تربط رؤساء أجهزة استخباراته علاقة طويلة الأمد بقيادة حركة حماس في قطاع غزة، نظرًا للحدود المشتركة بينهما.
وقد زار أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، مصرَ سبع مرات في العام الذي تلا الحرب الإسرائيلية على غزة، وهو عدد يفوق زياراته لأي دولة أخرى باستثناء دولة “إسرائيل”. وجَرَت المفاوضات النهائية لوقف إطلاق النار في مدينة شرم الشيخ المصرية في شهر أكتوبر 2025م.
لكن دور القاهرة في الحرب مع إيران كان أقل أهمية من ذلك بكثير، إذ تراجع دور مصر كوسيط لصالح باكستان وتركيا ودول الخليج. كما أن الجيش المصري، صاحب أكبر عدد من القوات وأكبر قدر من العتاد في العالم العربي، لم يلعب دورًا يُذكَر في الدفاع عن جيرانه، على الرغم من أن دول الخليج قدمت لمصر عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات منذ استيلاء السيسي على السلطة من خلال انقلاب عسكري قادَه عام 2013م ضد الحكومة المنتخبَة آنذاك.
ويُجادِل مسؤولون في القاهرة بأن دول الخليج تتلقى مساعدات من حلفاء آخرين، وأن مصر تواجه تهديدات أخرى على حدودها. ومع ذلك، فقد أثار تقاعسها استياءَ أقرب حلفائها. ففي شهر مارس، اشتكى أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات العربية المتحدة، من تقاعس الدول العربية الكبرى عن التدخل في الهجوم الإيراني على دول الخليج، متسائلًا: “أين أنتم اليوم في زمن الشدة؟”.
لكن مصر نشرت بعد ذلك سربًا (مفرزةً) من طائرات رافال المقاتلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وإن لم تُعلِن ذلك إلا في شهر مايو، أي تحديدًا بعد شهر واحد من دخول وقف إطلاق النار المبدئي بين أمريكا وإيران حيز التنفيذ.
وقد غابت مصر بشكل ملحوظ في السابع من شهر أغسطس 2026م، عندما وَقَّعت المملكة العربية السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع جمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية، على الرغم من أن مسؤولين سعوديين أشاروا إلى إمكانية انضمام القاهرة للاتفاقية لاحقًا.
ومع ذلك، فإن التزامها بالحياد لم يوفر لها الحماية، بل ارتفعت تكاليف وارداتها من الطاقة من الخليج بشكل كبير. وفي الشهر الماضي، استهدفت طائرة مُسيَّرة منشأة للغاز الطبيعي في محافظة دمياط، على ساحل مصر المُطِل على البحر الأبيض المتوسط.
الأردن
في ظِل وجود جيران للأردن أقوى منه، وافتقاره إلى الموارد الطبيعية، تنظر عمَّان إلى العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها مفتاحًا وسِرًّا لبقائها. وفي المقابل، فقد جعلت الولايات المتحدة من المملكة الأردنية واحدة من أكبر متلقي مساعداتها الخارجية. وبالتالي، فإن آلاف الجنود الأمريكيين ينتشرون في قواعد جوية على الأراضي الأردنية، مثل قاعدة (موفق السلطي) الجوية في الصحراء الشرقية (وهي أكبر قاعدة جوية في الأردن، حيث تقع في منطقة الأزرق على بعد 100 كم شمال شرق عمَّان)، والتي تضمُّ أيضًا طائرات مقاتلة وطائرات تزويد بالوقود جوًّا وطائرات حربية أخرى حيوية للحرب التي أشعلها دونالد ترامب مع إيران.
وقد جعلت استضافة الأردن للقوات الأمريكية البلاد هدفًا للهجمات الإيرانية، حيث أطلقت إيران ما لا يقل عن 262 صاروخًا وطائرة مُسيَّرة باتجاه المملكة الأردنية في الشهر الأول من الحرب وحده. كما أن شعبية الحكومة الأردنية بالداخل الأردني أخذت تتلاشى، حيث وَقَّع مئات السياسيين وضبَّاط الجيش المتقاعدين وشخصيات أردنية بارزة أخرى مؤخرًا رسالةً مفتوحةً تدعو إلى انسحاب القوات الأمريكية من الردن.
إلا أن العاهل الأردني لا يستطيع الامتثال لمثل هذه المطالب، لا سيما بسبب اعتماده الكبير على المساعدات الأمريكية. ففي العام الماضي وحده، تلقى الأردن أكثر من 1.6 مليار دولار من الولايات المتحدة ( تمثل 3% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد). وفي هذا الشهر (أغسطس)، تعهدت الولايات المتحدة بتقديم 355 مليون دولار إضافية للبنية التحتية والتعليم ومجموعة متنوعة من المشاريع الأخرى في الأردن.
وفي الحقيقة، فإن الأردن يحتاج إلى هذه الأموال أكثر من أي وقتٍ مضى، إذ تُلحِق الحرب أضرارًا بالغة باقتصاده (المأزوم أصلًا). فقد أجبرت الهجمات الصاروخية الإيرانية السلطات على إلغاء الرحلات الجوية، وأدَّت إلى عزوف الزوار عن قصْد البلاد؛ كما تراجعت عائدات السياحة، والتي كانت تعاني أصلًا من ويلات الحرب الإسرائيلية على غزة، بنسبة تقارب 10% في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026م مقارنةً بالفترة نفسِها من عام 2025م.
وتعتمد المملكة الأردنية على الغاز الطبيعي الإسرائيلي لتوليد نحو نصف احتياجاتها من الكهرباء. ولكن إسرائيل قامت بتعليق صادراتها من الغاز إلى الأردن مع بداية الحرب، مخافة شن إيران لهجمات صاروخية أو بالمُسيَّرات على منصاتها لإنتاج الغاز. وهو ما أجبر شركة الكهرباء الحكومية الأردنية على التحوُّل إلى استخدام الديزل وزيت الوقود الثقيل وشحنات الغاز الطبيعي المسال الفورية، وكلها أغلى في السعر من الغاز الإسرائيلي. ورغم استئناف الصادرات من الغاز الإسرائيلي في شهر أبريل، يتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع فاتورة واردات الطاقة الأردنية بنهاية العام بنسبة 36% مقارنةً بعام 2025م.
وقد سَعَت إيران إلى تأجيج الانقسام بين الحكومة الأردنية وشعبها. فبينما يُطلِق الحرس الثوري الإيراني الصواريخ والطائرات المُسيَّرة على المملكة الهاشمية، ينشر الحرس الثوري رسائل يدَّعي فيها أنه “لا يُكنُّ أيَّ عداء” للشعب الأردني، وأن الولايات المتحدة، وليست إيران، هي مَن “انتهكت سلامة أراضيكم”. صحيح أن هذه المناشدات قد لا تلقى صدىً واسعًا بين جموع الشعب الأردني، إذ ينظر كثير من الأردنيين إلى إيران على أنها تمثل تهديدًا للأردن. ومع ذلك، فإن الحرب الإيرانية تُشكِّل معضلة كبيرة لحكومة تُعاني أصلًا من استياءٍ شعبي داخلي.
وبعد، فإن الاتفاق الثلاثي للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية يمثل لمحة عن مستقبل الشرق الأوسط. فمع خشية دول المنطقة من فقدان الاعتماد على الولايات المتحدة (في الدفاع عنها)، فإنه سوف يَتعيَّن على تلك الدول تحمُّل مسؤولية أكبر عن دفاعها الذاتي. وسوف يكون هذا بالتأكيد وضعًا غير مريح بالنسبة لمصر والأردن على حد سواء، كما يتضح من إخلالهما بوعودهما تجاه دول المنطقة.




