في الحادي والعشرين من يوليو 2026م، نشر موقع “ميدل إيست مونيتور” البريطاني، (Middle East Monitor) – وهو مؤسسة صحفيّة بريطانية لا تهدف للربح، والتي تأسست في لندن، المملكة المتحدة، في الأول من شهر يوليو 2009م، وتقدم تغطية شاملة ومركزة للأحداث في فلسطين وجيرانها الإقليميين، حيث تقوم بذلك من خلال جمع الأخبار عبر شبكة واسعة من المنظمات الشريكة والمراسلين الميدانيين؛ كما تقدم أيضًا تحليلات معمَّقة ومستندة إلى أدلة واقعية، خاصة في فلسطين، بالإضافة إلى تناول قضايا أخرى في الشرق الأوسط – نشر مقال رأي بعنوان: “السيسي يواصل المضي قدمًا في عسكرة مصر”، لـ “محمود حسن“، وهو كاتب سياسي يقدم مساهمات صحفية في مجال الرأي، كما ينشر مقالات تركز على السياسة المصرية والأمن الإقليمي والحوكمة.
يقول الكاتب إن السيسي يستهدف بناء نظام ولاء شامل لأركان حكمه، فيما أطلق عليه بعض النقاد اسم “جمهورية الضبَّاط”، وذلك من خلال ترسيخ الروح العسكرية في جميع مناحي الحياة العامة، مما يؤدي بالتالي إلى تفريخ أجيال مستقبلية موالية لنظام حكمه.
فمن خلال عملية ممنهجة، يستمر تعيين الضباط العسكريين في مناصب وزارية، ويكتسب الجنرالات نفوذًا أكبر على تعيينات المحافظين، ويتم منح جهاز “مستقبل مصر” التابع للجيش صلاحيات اقتصادية واسعة النطاق، ويرتبط تعيين القضاة والأئمة والمعلمين والموظفين المدنيين بشكل متزايد بالموافقة المسبقة على تعيينهم من الأكاديمية العسكرية المصرية بعد تلقي محاضرات وتدريبات عديدة والخضوع لاختبارات وتقييمات متنوعة.
ويقول الكاتب إنه يتم تنفيذ الخطط العسكرية التي يتبناها نظام الجنرال السيسي على جبهات متعددة في آن واحد. فعلى سبيل المثال، أعلنت السلطات المصرية قبل أيام عن افتتاح القوات المسلحة لجامعة “كيان”، وهي أول جامعة مدنية يُنشئها الجيش وتعمل تحت مظلة القوات المسلحة المصرية.
لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد يُؤجج كل ذلك جذوة غضب شعبي قد تؤدي إلى توحيد الخصوم وتنفير المؤيدين، وعندها قد يصدق على ذلك المثل العربي القائل: “انقلب السحر على الساحر”، بحيث ينقلب النظام الذي بناه السيسي ليقف ضده بحثًا عن النجاة بنفسه من عواقب الغضب الشعبي المحتمل.
وفيما يلي يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة لمقال الرأي الذي نشرته “ميدل إيست مونيتور” البريطانية لـ “محمد حسن”، الكاتب السياسي، الذي يركز على تناول السياسة المصرية والأمن الإقليمي والحوكمة في مقالاته، وذلك على النحو التالي:
السيسي يواصل المضي قدمًا في عسكرة مصر
تسارعت وتيرة التحركات التي تستهدف عسكرة الدولة المصرية بشكل ملحوظ في عهد الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي وَصَل إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري (قاده ضد الرئيس المنتخب) احتفل بذكراه الثالثة عشرة في وقت سابق من هذا الشهر (يوليو).
“يستمر على قدم وساق تعيين الضباط العسكريين في مناصب وزارية وفق عملية ممنهجة، كما يكتسب الجنرالات نفوذًا أكبر في تعيينات المحافظين، ويتم منح جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة” التابع للجيش صلاحيات اقتصادية واسعة النطاق، ويرتبط تعيين القضاة وأئمة المساجد والمعلمين والموظفين المدنيين بشكل متزايد بالموافقة المسبقة من الأكاديمية العسكرية المصرية”
في الثالث من شهر يوليو 2013م، أطاح الجنرال عبد الفتاح السيسي بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًّا للبلاد، الراحل الدكتور محمد مرسي. ومنذ ذلك الحين، كثَّف الجنرال جهوده لدمج الجيش في مؤسسات الدولة والاقتصاد.
مرحلة جديدة من العسكرة
وتشهد مصر في الوقت الراهن مرحلة غير مسبوقة في عسكرة الدولة، تتجلى في سلسلة من القرارات الرئاسية والتشريعية والتنفيذية الأخيرة.
فقد وافق مجلس النواب المصري قبل أيام على مشروع قانون لإعادة تنظيم عمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو جهاز يتبع بشكل أساسي القوات الجوية المصرية. ويتمتع الجهاز بصلاحيات واسعة تشمل التخطيط والتنظيم، وإصدار التراخيص، وإدارة الأصول، والاستثمار، والاقتراض.
ولا يزال النطاق الكامل للمشاريع التي يديرها هذا الجهاز السيادي – الذي يرفع تقاريره مباشرة إلى رئيس الجمهورية – مجهولًا. كما لا تخضع سجلات الجهاز المالية وحساباته للتدقيق العام، في حين يستمر تخصيص أراضي الدولة ومشاريع التنمية الكبرى له من خلال منحها مباشرة للجهاز بدلًا من طرحها في مناقصات تنافسية.
تحت عنوان “ممنوع الاقتراب من ’مستقبل مصر‘”، أفادت المنفذ الإخباري المستقل “مدى مصر”، وهو صحيفة رقمية ليبرالية مصرية مستقلة، أن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور مصطفى كامل السيد قد أعلن أنه أُبلِغ من قِبل رئيس تحرير صحيفة “الشروق” الخاصَّة باعتذار الأخير عن نشر مقاله حول مشروع القانون بدعوى تناوله “قضايا ذات حساسية تتعلق بدور القوات المسلحة في الاقتصاد، وهي قضايا أصبح من المفترض تجنب الإعلام الاقتراب منها” (وذلك بعد يومين من موافقة لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة).
وفي المقال، الذي نشرته لاحقًا منصة “المنصة” الإخبارية المستقلة (رابط المقال: https://manassa.news/stories/32878)، جادل الدكتور السيد بأن مشروع القانون المقدم إلى مجلس النواب بخصوص إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر “يؤدي إلى توسيع دور هذا الجهاز المملوك للدولة وامتداد سيطرته على الموارد المالية للدولة (من خلال كلٍّ من الصندوق السيادي والصندوق الخدمي المزمع إنشاؤهما) وأنه وفقًا لمشروع القانون بصيغته الجديدة، سيتولى الجهاز مهامًّا تقوم بها حاليًا الوزارات القائمة، مع منحها سلطة أكبر نظرًا لارتباطها المباشر برئيس الجمهورية”.
” أصدر السيسي في وقت سابق من هذا الشهر مرسومًا رئاسيًّا يقضي بتعيين الفريق محمد عبد الرحمن بسيوني سالم ربيع، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، رئيسًا للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ. ويعكس هذا التعيين نمطًا أوسع نطاقًا لوحظ في السنوات الأخيرة، حيث باتت المناصب العامة العليا تُسند بشكل متزايد إلى ضبَّاط عسكريين ومسؤولين أمنيين سابقين “
وقد شهدت حركة التغيير الأخيرة للمحافظين، والتي أُعلِن عنها في شهر فبراير، تعيين 14 محافظًا برتبة لواء متقاعد من أصل 27 محافظًا مصريًّا. وبالإضافة إلى ذلك، أصبح لكل محافظة مستشار عسكري بموجب القانون رقم 165 لسنة 2020م، الذي ينص على تعيين مستشار عسكري لكل محافظة (يكون لكل محافظة مستشار عسكري وعدد كاف من المساعدين يصدر بتعينهم، وتحديد شروط شغلهم الوظيفة، قرار من وزير الدفاع).
تعيينات الأئمة والمعلمين والقضاة
في نظام يرأسه وزير دفاع سابق استبدل زيه العسكري ببدلة رئاسية، قد لا يكون من المستغرب إسناد المناصب الحسَّاسة إلى حلفاء مقربين ذوي خلفيات عسكرية واستخباراتية. إلا أن الأمر اللافت للنظر – والمثير للجدل بشكل متزايد – هو امتداد برنامج العسكرة ليشمل المؤسسات المدنية والدينية والقضائية.
“أعلنت وزارة الأوقاف المصرية (في التاسع من يوليو 2026م) عن فتح باب التقديم لمجموعة ثانية من الأئمة للالتحاق ببرنامج تدريبي في الأكاديمية العسكرية المصرية (https://www.facebook.com/share/p/1KuWPyTGrX/)، وذلك وفقًا لإعلان نُشِر على الموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة. وكانت الوزارة قد احتفلت في شهر يونيو الماضي بتخريج نحو 259 إمامًا وخطيبًا من الأكاديمية العسكرية، حيث أدوا اليمين أمام الجنرال السيسي، في خطوة اعتبرها النقاد مؤشرًا على عسكرة الخطاب الديني وتحويل أئمة المساجد وخطبائها إلى متحدثين رسميين باسم الحكومة”
وبحسب تصريحات المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية، احتفلت الأكاديمية العسكرية أيضًا العام الماضي بتخريج موظفين وفنيين من وزارات النقل والمالية والري، إلى جانب مجموعتين جديدتين من المعلمين ومديري المدارس الذين أكملوا برامج تدريبية في الأكاديمية.
كما انخرط القضاة أيضًا في هذه العملية كذلك. ففي شهر يناير الماضي، أُقيم حفل رسمي لتخريج الدفعة الرابعة من القضاة بعد إتمامهم دورة تدريبية مدتها ستة أشهر في الأكاديمية العسكرية المصرية. وتضمن البرنامج محاضرات حول الأمن القومي والشؤون العسكرية، بالإضافة إلى تدريب على الأسلحة وتدريبات عسكرية أخرى، مما أثار انتقادات واسعة من أولئك الذين يرون أنه يقوض استقلال القضاء.
ومن المتوقع أن تشتد الانتقادات في أعقاب التقارير التي تفيد باستبعاد 105 من المرشحين للتعيين في سلك القضاء من إكمال عملية التعيين في الهيئات القضائية المختلفة بعد إخفاقهم في الدورات التدريبية والامتحانات التأهيلية التي أجرتها الأكاديمية العسكرية، وذلك وفقًا لمنصة التحقيقات المستقلة Matsada2sh (متصدقش).
وقال المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة (ACIJLP)، ومقره القاهرة، في بيان له (أصدره في 22 يناير 2026م) إن هذه الممارسات “تشكل انتهاكًا للهوية القضائية لأعضاء السلطة القضائية، وتؤثر بشكل مباشر على تكوينهم المهني وسلوكهم المستقبلي في مناصبهم. كما يقوض هذا النهج مصداقية وسلوك القضاة وغيرهم من المشاركين في هذه الدورات”.
كما حذّر الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري السابق والسفير المصري السابق، من أن “عسكرة جميع موظفي الدولة والمدنيين ستعمِّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وستزيد من تآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة المدنية”.
“كيان” و “الأوكتاجون”
“يتم تنفيذ خطط مصر للعسكرة على جبهات متعددة وفي آن واحد. فقد أعلنت السلطات قبل أيام عن افتتاح جامعة “كيان”، للقوات المسلحة المصرية، وهي أول جامعة مدنية تعمل تحت مظلة القوات المسلحة”
ومن المقرر افتتاح الجامعة في شهر أكتوبر القادم، بحسب تقارير إعلامية مصرية، حيث ستضم في البداية ست كليات هي: الطب، وطب الأسنان، والصيدلة، والعلاج الطبيعي، والهندسة، وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. بافتتاح وتدشين مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية في قلب العاصمة الجديدة.
وكان الجنرال السيسي قد افتتح في الرابع من يوليو 2026م مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية في قلب العاصمة الإدارية الجديدة بمصر – المعروف باسم الأوكتاجون – وكان مرتديًا الزي العسكري، في أول ظهور له بمثل هذا الزي منذ نحو ثماني سنوات. والحقيقة أن رمزية هذا الحدث قد تجاوزت كونه مناسبة احتفالية، إذ حمل دلالات سياسية محلية ودولية عديدة.
ويضم مجمع الأوكتاجون (مركز قيادة الدولة الاستراتيجي) في العاصمة الإدارية الجديدة ستة مراكز رئيسية لإدارة وتشغيل منظومات الدولة، والتي تشمل: مركز البيانات الاستراتيجي الموحد لتخزين بيانات مؤسسات الدولة (الذي يحتوي على بيانات من جميع مؤسسات الدولة)؛ ومركز التحكم في الشبكة الاستراتيجية لتنظيم العمل الإداري والتقني (الذي يشرف على الجهاز الإداري للدولة)؛ ومركز إدارة وتشغيل المرافق الحكومية، المسؤول عن إدارة البنية التحتية للدولة؛ ومركز التحكم في شبكة الاتصالات لضمان الاستقرار الوطني؛ ومركز الطوارئ والسلامة لإدارة الأزمات؛ ومركز التنبؤات الجوية.
ويقول الباحث السياسي محمد جمعة إن حفل افتتاح الأوكتاجون والتصريحات التي تمَّ الإدلاء بها خلاله تكشف عن انفصال سياسي تام بين السلطات والشعب. ويرى جمعة أن جنرالات مصر إنما ينسحبون إلى معاقل محصنة يعتقدون أنها ستحميهم من الغضب الشعبي في المستقبل وأنها قد تساعدهم على تجنب مصير نظام الرئيس السابق حسني مبارك، الذي أُطيح به عام 2011م.
وكان السيسي قد برَّر في السابق نقل مؤسسات الدولة من القاهرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، على بعد نحو 50 كيلومترًا شرق العاصمة، بحجة أن ذلك سيحميها مما وصفها بـ ”قوى الشر”، في إشارة إلى حصار المباني الحكومية والبرلمانية خلال انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011م.
تهميش المؤسسات المدنية
قد يُعطي تزايد نفوذ الجيش وهيمنته المتنامية على الحياة السياسية والاقتصادية في مصر، السلطات الحاكمة في هذه الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، شعورًا زائفًا بالسيطرة. إلا أن المحلل السياسي معتز المصري يرى أن تعميق عملية عسكرة الدولة، واستمرار القمع، وتضييق المجال السياسي، لن يؤدي إلا إلى زيادة احتمالية الانهيار والفشل. وإذا ما اقترن ذلك بتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتفاقم الفقر والبطالة، فإن هذه السياسات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تسريع عملية انهيار النظام.
وحذَّر المصري في حديثه إلى موقع “ميدل إيست مونيتور”، من أن استمرار تهميش المؤسسات المدنية، واستبعاد المدنيين، وحرمانهم من أي دور سياسي أو اقتصادي ذي مغزى، يؤدي بالضرورة إلى تغذية العداء المتزايد تجاه المؤسسة العسكرية والأمنية في مصر.
الحقيقة أن السيسي يأمل في بناء نظام ولاء شامل لما يصفه بعض النقاد بـ “جمهورية الضبَّاط”، وذلك من خلال ترسيخ الروح العسكرية في جميع مناحي الحياة العامة في مصر، مستهدفًا أن يؤدي ذلك إلى تفريخ أجيال مستقبلية موالية لنظام حكمه. إلا أنه قد يُؤدي بذلك إلى تأجيج جذوة غضب شعبي قد تُؤدي إلى تنفير مؤيديه وإلى توحيد خصومه للوقوف في وجهه. وإذا حدث ذلك، فقد يصدق على هذا الوضع المثل العربي القديم الذي يقول: “انقلب السحر على الساحر”، حيث ينقلب النظام الذي بناه هو بنفسه ليقف ضده.




