في الثامن عشر من يونيو 2026م، نشر موقع “هورن ريفيو“، وهو منصة بحثية ودار نشر مستقلة رائدة تتخذ من أديس أبابا مقرًا لها، وتتخصص في تقديم تحليلات معمقة ورؤى استراتيجية حول القضايا السياسية والدبلوماسية والأمنية الحرجة التي تؤثر على القرن الأفريقي والمشهد السياسي العالمي، مقالًا بعنوان: “إعادة البناء الهيكلي للقمع في مصر ما بعد عام 2011م” لـ “داجيم يوهانس”، الباحث في “هورن ريفيو”.
يقول الباحث إنه من غير الصواب الاكتفاء فقط بوصم أحداث عام 2011م (ثورة 25 يناير) في مصر بالفشل في تحقيق أهدافها، وأنها مجرد ثورة لم تُحقق التطلعات الديمقراطية المرجوة من ورائها، وأنها محاولة لانتقال السلطة ما لبثت أن انهارت وتحولت إلى حالة من الاستبداد المتجدد. ويستطرد الباحث بأنه بينما تجسّد هذه السردية عناصرَ مهمةً من تقييم هذا الحدث الهام قد تكون صحيحة إلى حد كبير، إلا أنه في خضم ذلك، يتم المخاطرة بتجاهل الإجراءات الأكثر تعقيدًا التي أعادت الدولة المصرية (أو منظومة الحكم إبّان مرحلة ما قبل الثورة) من خلالها بسط سيطرتها من جديد على كل شيء في ربوع البلاد.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث أنه بدلًا من مجرد استعادة أشكال الاستبداد التي كانت سائدة في البلاد في الفترة ما قبل ثورة يناير، شهدت فترة ما بعد أحداث 2011م تحولًا هيكليًا في آليات القمع الذي تمارسه السلطات الحاكمة ضد الشعب الأعزل. حيث لم يتم إعادة تنشيط هذه الآليات من جديد فحسب، بل تم إعادة تشكيلها تمامًا، بحيث تم دمج الإكراه ضمن الأطر القانونية والممارسات المؤسسية والعلاقات الاجتماعية بطرقٍ أثبتت قدرتها على التكيف والمرونة.
فقد جرى تقنين القمع البنيوي بشكل ممنهج عبر قوانين تم سنّها عن طريق برلمانات تم تشكيلها بإشراف كامل من الأجهزة الأمنية، بدلًا من الاعتماد فقط على ممارسة القوة التعسفية ضد معارضي النظام. وقد مكّن هذا النهج نظام السيسي المدعوم بشكل كامل من الجيش من تحييد المجتمع المدني وتجريم المعارضة تحت ستار استمرارية النظام القانوني والأمن القومي وفق مفهوم السلطة الخاص لهذين المصطلحين. واعتمدت إعادة بناء هذا الجهاز الاستبدادي على عدة ركائز تشريعية ومؤسسية رئيسية، شملت:
1) قانون التظاهر (رقم 107 لسنة 2013م): والذي جرّم فعليًا المظاهرات غير المرخَّصة من النظام، ومنح وزارة الداخلية صلاحيات واسعة لحظر التجمعات أو تفريقها إذا حدثت.
2) قانون مكافحة الإرهاب (رقم 94 لسنة 2015م): والذي قدّم تعريفًا موسعًا للإرهاب، ومكّن من مقاضاة الصحفيين، ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، ومنح حصانة واسعة لقوات الأمن.
3) قوانين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني: ففي هذا السياق، أجبرت سلسلة من اللوائح التقييدية أصدرتها الحكومة، لا سيما في عامي 2017 و2019م، منظمات حقوق الإنسان المستقلة على الإغلاق، نتيجة فرض رقابة مشددة على كامل أنشطتها.
4) الاعتقالات الجماعية والسجن: حيث قدّرت المنظمات الدولية أن ما بين 60,000 و100,000 سجين سياسي احتُجزوا في المعتقلات وغياهب السجون في منتصف العقد الثاني من الألفية الثانية، ما يعكس نطاقًا غير مسبوق من عمليات الاعتقال التي تمَّت بعد عام 2013م.
5) التعديلات الدستورية (2019م): والتي وسّعت اختصاص المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين، وعزّزت دور الجيش بوصفه “حامي” الدولة، ما يضمن له حق النقض المطلق على الحكم المدني.
ويقول الباحث إنه بينما كانت محاكمة حسني مبارك ترمز إلى إظهار القطيعة مع الماضي الأليم، في إشارة إلى إمكانية إخضاع عنف الدولة للتدقيق القانوني، إلا أن هذه العملية في نهاية المطاف لم تكن آليةً للعدالة بقدر ما كانت فقط مجرد أداةً للإدارة السياسية في هذه الفترة. حيث سمحت لها الملاحقات القضائية الانتقائية وغياب الإصلاحات الجذرية للمؤسسات الرئيسية، ولا سيما داخل الجهاز الأمني، بالاحتفاظ بسلطتها.
ويوضح الباحث أن هذه الاستمرارية في منهجية القمع قد تجلت بوضوح بعد مجزرة رابعة العدوية التي وقعت في أغسطس 2013م، حيث قتلت قوات الأمن ما لا يقل عن 800 متظاهر (على أقل تقدير) في يوم واحد، مسجلةً بذلك واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في التاريخ الحديث، ومؤكدةً استعداد الدولة (أو النظام الحاكم) لاستخدام العنف الجماعي ضد المعارضين له دون الخوف من العقاب.
لذلك، يرى الباحث أن الدرس الذي يمكن استخلاصه من أحداث يناير 2011م “ليس أن الاستبداد في مصر مرنٌ بمعنى مُطلق، بل إن استمراريته مشروطة ومُشيَّدة سياسيًا. فصلابته الظاهرية تستند إلى أسس مُتغيرة تتطلب تعزيزًا مُستمرًا من خلال سياسة الإكراه المقنَّن”.
ويستنتج الباحث أن “فهم مسار مصر بعد عام 2011م يعني تجاوز روايات الثورة الفاشلة أو مجرد إعادة البناء، إلى مواجهة حقيقة أكثر إثارة للقلق، وهي: وجود نظام استبدادي متجذر بعمق وغير مستقر هيكليًا في آن واحد، نظام لا يستمر لأنه حل التناقضات التي يواجهها، بل لأنه تعلم كيفية الحكم من خلالها”.
وفيما يلي يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة للمقال الذي نشره موقع “هورن ريفيو” لـ “داجيم يوهانس”، الباحث في “هورن ريفيو”، وذلك على النحو التالي:
إعادة البناء الهيكلي للقمع في مصر ما بعد عام 2011م
كثيرًا ما يتم تصوير الأحداث التي وقعت عام 2011م في مصر بلغة الفشل، على أنها: ثورة لم تُحقق التطلعات الديمقراطية المرجوة من ورائها، وانتقالٌ للسلطة ما لبث أن انهار ليتحول إلى حالة من الاستبداد المُتجدد. وبينما تُجسّد هذه السردية عناصرَ مهمةً من المسار التي انتهجته مصر في هذه الحقبة، فإنه يُخاطر بالتغطية على العمليات الأكثر تعقيدًا والتي أعادت الدولة المصرية (أو منظومة الحكم المصرية القديمة التي توهم البعض أنها أصبحت من الماضي البائد) من خلالها بسط سيطرتها على كامل ربوع البلاد.
فبدلًا من مجرد استعادة أشكال الاستبداد التي كانت سائدة في فترة ما قبل الثورة، شهدت فترة ما بعد أحداث يناير 2011م تحولًا هيكليًا في آليات القمع التي يمارسها النظام. حيث لم يتم إعادة تنشيط هذه الآليات فحسب، بل تم إعادة تشكيلها بشكل تام، بحيث تم دمج الإكراه ضمن الأطر القانونية والممارسات المؤسسية والعلاقات الاجتماعية بطرقٍ أثبتت قدرتها على التكيف والمرونة مع مرور الوقت.
ففي أعقاب انتفاضة يناير (2011م) مباشرةً، بدت عملية العدالة الانتقالية ظاهريًا وكأنها تُقدم سبيلًا نحو المساءلة والإصلاح. وكانت محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك ترمز إلى القطيعة مع الماضي، مُشيرةً إلى إمكانية إخضاع العنف الذي كانت تمارسه الدولة في فترة ما قبل الثورة للتدقيق القانوني. إلا أن هذه العملية في نهاية المطاف لم تكن آليةً للعدالة بقدر ما كانت أداةً للإدارة السياسية للبلاد. فقد سمحت الملاحقات القضائية الانتقائية وغياب الإصلاحات الجذرية للمؤسسات الرئيسية، ولا سيما داخل الجهاز الأمني، لهذه الجهات بالاحتفاظ بكامل سلطتها.
وقد تجلى هذا الاستمرار بوضوح بعد مجزرة رابعة العدوية التي وقعت في الرابع عشر من شهر أغسطس 2013م، حيث قتلت قوات الأمن ما لا يقل عن 800 متظاهر (على أدنى تقدير) في يوم واحد، مسجلةً بذلك واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في التاريخ الحديث، ومؤكدةً استعداد الدولة لاستخدام العنف الجماعي ضد المعارضين دون الخوف من التعرض لأي عقاب.
لم يكن القمع في مصر ما بعد عام 2011م مجرد عودة إلى الممارسات السابقة، بل كان إعادة تشكيل لكيفية ممارسة الإكراه. فبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، قدّرت منظمات حقوق الإنسان، مثل “منظمة العفو الدولية” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”، أن ما بين 60 ألفًا و100 ألف سجين سياسي محتجزون في سجون ومعتقلات مصر، مما يعكس النطاق غير المسبوق للقمع الذي تمارسه السلطات في الفترة التي أعقبت عام 2013م.
وقد حدثت هذه الزيادة في ممارسة القمع بفضل بنية قانونية متطورة أسسها النظام الجديد حولت القمع إلى نظام مدَّون وإجرائي. حيث جرّم قانون الاحتجاج رقم 107 لسنة 2013م، على سبيل المثال، المظاهرات غير المصرح بها فعليًا من الأجهزة الأمنية، مانحًا السلطات صلاحيات واسعة لحظر التجمعات أو تفريقها حال حدوثها.
وبالمثل، قدم قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015م تعريفًا موسعًا للإرهاب، مما مكّن من مقاضاة المعارضة السلمية، وتقييد التغطية الإعلامية، وتوفير حصانة شاملة لقوات الأمن تحول دون إمكانية مساءلتهم. ومن خلال هذه التدابير، لم يكن القمع تعسفيًا في ظاهره فقط؛ لقد تم إضفاء الطابع المؤسسي عليه ضمن إطار الشرعية نفسها، مما أدى إلى إنتاج ما يمكن فهمه على أنه حالة استثنائية طبيعية.
وقد تعزّز هذا التحول القانوني بشن حملات أمنية أوسع نطاقًا، حيث تم تصوير المعارضة بشكل ممنهج على أنها تهديد وجودي للاستقرار الوطني بمفهوم السلطة. وفي أعقاب الانقلاب العسكري الذي حدث عام 2013م، أدى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية إلى ترسيخ سردية تجاوزت بكثير نطاق الفاعلين الإسلاميين. فقد تم إدراج الصحفيين والناشطين والمعارضين السياسيين بشكل متزايد تحت فئة الإرهاب، بغض النظر عن مواقفهم الأيديولوجية.
وتُظهر قضايا بارزة، مثل الاحتجاز المطول للمصور الصحفي محمود أبو زيد (المعروف بـ “شوكان”)، الذي سُجن لأكثر من خمس سنوات لتوثيقه الاحتجاجات، كيف عمل هذا الإطار على أرض الواقع. فمن خلال دمج القمع في كل من خطاب الأمن القومي ونماذج مكافحة الإرهاب الدولية، تمكنت الدولة من إضفاء الشرعية على أفعالها مع تقليل الانتقادات الخارجية. وقد عزَّزت إعادة الهيكلة المؤسسية هذا النظام من جديد. حيث وسعت الأجهزة الأمنية سلطتها واستقلاليتها وحصانتها، في الوقت الذي تم فيه إضعاف آليات الرقابة أو إزالتها.
وفي الوقت نفسه، أعادت الدولة تأكيد سيطرتها على الفضاء المادي، لا سيما في المراكز الحضرية مثل مدينة القاهرة، عاصمة البلاد. حيث أدى تطبيق قوانين الاحتجاج بصرامة، إلى جانب زيادة المراقبة وتأمين الأماكن العامة، إلى تغيير ديناميكيات المعارضة المكانية. فلم تعد التجمعات العامة صعبة التنظيم فحسب، بل أصبحت محفوفة بالمخاطر بطبيعتها، إذ عملت البيئة القانونية والمادية معًا على إخماد أي عمل جماعي حتى قبل ظهوره للعيان.
وإلى جانب المؤسسات الرسمية، مارست الدولة القمع من خلال التفتيت المتعمد للحياة الاجتماعية والسياسية. فقد عزّز الاستخدام الواسع للمراقبة، إلى جانب التطبيق الواسع لقوانين مكافحة الإرهاب، بيئة من انعدام الثقة، حيث ازدادت عزلة الأفراد والجماعات عن بعضهم البعض.
ولم يكن هذا التفتيت عرضيًا، بل استراتيجيًا: فمن خلال إضعاف الشبكات الأفقية وتثبيط التنظيم الجماعي، قللت الدولة من احتمالية وجود معارضة منسّقة البتّة. وبهذا المعنى، امتد القمع إلى ما هو أبعد من الإكراه المباشر، حيث أعاد تشكيل النسيج الاجتماعي بطرق أدت إلى كبح المقاومة واجتثاثها من جذورها.
وقد تعرض المجتمع المدني، الذي كان قد لعب دورًا محوريًا في انتفاضة يناير 2011م، لقيود مماثلة. فقد فرض قانون المنظمات غير الحكومية رقم 70 لسنة 2017م قيودًا واسعة النطاق على التمويل والأنشطة والاستقلالية التنظيمية، مما أدى فعليًا إلى إخضاع المجتمع المدني لسيطرة الدولة المُحكمة بشكل تام. وبينما تكيفت بعض المنظمات بالتحول إلى أشكال أقل وضوحًا من المشاركة والانخراط، تضاءلت قدرتها على التعبئة أو ممارسة النفوذ السياسي بشكل كبير.
ويُبرز هذا التحول الطبيعة التكيفية للقمع: فبدلًا من القضاء على المجتمع المدني تمامًا، أعادت الدولة هيكلة الظروف التي يمكنه العمل في ظلها، مما يضمن بقاءه مجزًا ومفتّتًا وخاضعًا للمراقبة ومحدود النطاق. حيث لم تكتفِ الدولة المصرية بإعادة النظام الاستبدادي من جديد، بل أعادت ابتكار آليات جديدة للقمع.
فمن خلال دمج القانون والخطابات الأمنية وإعادة الهيكلة المؤسسية والتفتيت الاجتماعي، تحول القمع إلى نظام أكثر تطورًا ومرونة. إنه نظام لا يكتفي بالرد على المعارضة، بل يتوقعها ويستبقها، مُرسخًا السيطرة داخل هياكل الحكم نفسها.
وفي الوقت نفسه، يظل هذا النظام هشًا بطبيعته. ففعاليته لا تعتمد فقط على إدارة حالة عدم الاستقرار، بل على استمرارها من خلال بث الخوف والتفتيت والمحو الممنهج لأي مساحة قابلة للتطبيق لوجود معارضة منسَّقة. ففي عهد عبد الفتاح السيسي، لم يتم إعادة إنتاج الاستبداد فحسب، بل أُعيد تشكيله بشكل أكثر اتساعًا وتدخلًا، حيث لم يعد القمع عرضيًا بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية للنظام. حيث يعمل القانون والإعلام والمؤسسات القسرية بتناغم لإسكات المعارضة، مما يجعل النضال السياسي ليس خطيرًا فحسب، بل مستحيلًا من الناحية الهيكلية.
إن “الاستقرار” الذي يُستشهد به كثيرًا من قِبل النظام ليس شرطًا (يُستخدم كحُجة للقمع) بقدر ما هو عملية: عملية يجب تكرارها بلا هوادة من خلال المراقبة والاستثناءات القانونية والعنف المُدار. ومع ذلك، فإن هذا الاعتماد تحديدًا على السيطرة الدائمة هو ما يكشف حدوده ويبرز أركانه.
فالنظام الذي لا يتسامح مع حالة “عدم اليقين” يجد نفسه مُضطرًا لقمعِه باستمرار، وبذلك يُخاطر بتضخيم الضغوط التي يسعى لاحتوائها. لذلك، فإن الضغوط الاقتصادية، وتشرذم النُّخب المصرية ، أو أشكال العمل الجماعي المُتجددة، يُمكن أن تؤدي إلى زعزعة ما يبدو، ظاهريًا، أنه حكم راسخ.
والنتيجة التي يمكن أن نستخلصها هنا هي أن درس عام 2011م ليس أن الاستبداد في مصر مرنٌ بمعنى مُطلق، بل إن استمراريته مشروطة ومُشيدة سياسيًا. وتستند صلابته الظاهرية إلى أسس مُتغيرة تتطلب تعزيزًا مُستمرًا.
إن فهم المسار الذي انتهجته مصر بعد عام 2011م يعني تجاوز سرديات الثورة الفاشلة أو مجرد إعادة البناء، ومواجهة حقيقة أكثر إثارة للقلق، وهي: وجود نظام استبدادي متجذر بعمق وغير مستقر هيكليًا في آن واحد، نظام لا يستمر لأنه حل التناقضات التي يواجهها، بل لأنه تعلم كيفية الحكم من خلالها.




