أوراق بحثية

أزمات الإعلام المصري المعارض والمستقل في ضوء التغيُّرات السياسية والاقتصادية

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

تعرَّض المشهد الإعلامي (المعارض والمستقل) لتغيُّرات وتطورات متلاحقة منذ 2013م وحتى الآن، انتقل خلالها من مشهد تعددي تنافسي حر بعد ثورة يناير 2011م، إلى مشهد أحادي مع بروز استثناءات محددة وهامشية في الداخل، كما انتقل من مشهد متسع ومتنوع في الخارج إلى مشهد محاصَر يعاني أزمات تمويلية وإدارية تكاد تعصف بما تبقى منه.

في الثلث الأخير لحكم مبارك اتسع الهامش الإعلامي ليشهد ولادة الإعلام الخاص، والذي وصفه البعض بالإعلام المستقل، كونه لا يتبع السلطة، كما هو الحال بالنسبة لما يُسمَّى الإعلام القومي (قنوات وإذاعات التلفزيون الرسمي “ماسبيرو”، والصحف والمجلات القومية)، وكونه لا يتبع أحزاب وقوى المعارضة كما هو الحال بالنسبة للصحافة الحزبية التي ظهرت منذ أواخر عهد الرئيس السادات في إطار عودة الحياة الحزبية المقيدة.. هنا ظهرت لأول مرة في مصر قنوات تلفزيونية فضائية خاصَّة وصحف ومجلات خاصَّة أيضًا، لتضخ دماء جديدة في المشهد الإعلامي المصري استعاد من خلاله الريادة الإقليمية إلى حد ما.

استثمر الإعلام المعارض والمستقل الهامش الضيق للحريات الإعلامية فلعب دورًا مهمًّا في التمهيد لثورة 25 يناير عبر انتقاد أداء السلطة، وكشف أوجه قصورها، وفضح الانتهاكات اللاإنسانية التي يواجهها المصريون على يد الأجهزة الأمنية، ناهيك عن الأزمات الاقتصادية والبطالة و… إلخ.

انتبه النظام الجديد، بعد 2013م، إلى تلك الثغرات (الهامش الضيق للحريات الإعلامية الذي مَكَّن الإعلام من لعب ذلك الدور، وإحداث ذلك التغيير)، فعمد إلى سدها عبر الهيمنة شبه التامَّة على المشهد الإعلامي، عن طريق إغلاق بعض القنوات والصحف، وحبس عشرات الصحفيين والإعلاميين المعارضين والمستقلين، وسَن تشريعات تضع المزيد من القيود على العمل الصحفي، وأخيرًا وهو الأهم، عبر وضع يده على المنظومة الإعلامية بشكل شبه تام، حيث أجبر رجال الأعمال على التخارج من قنواتهم وضمها لشركة تابعة للمخابرات العامة، هي (المتحدة للخدمات الإعلامية)، التي تمتلك أكثر من 40 شركة في مختلف المجالات الإعلامية، وتأسيس قنوات وصحف جديدة داعمة للنظام، تطبيقًا لرؤيته الخاصَّة بالاصطفاف الإعلامي.

ومع سعي بعض الأصوات الإعلامية لامتلاك مساحات في المشهد الإعلامي داخل مصر، وسعيها أيضًا لتوسيع الهامش المحدود، انتبه النظام مجددًا لهذه الثغرة التي خشى أن تتكرر من خلالها ما فعله الإعلام قبل 25 يناير، وهنا كان الصدام المباشر، بدءًا من نهاية سبتمبر 2026م، مع هذه الأصوات، ممثلةً في منصة (متصدقش) المختصة بالتدقيق الصحفي في مدى صحة الأخبار والتصريحات. واتسع الصدام ليشمل نقابة الصحفيين التي سارعت للتضامن مع صحفيي “متصدقش” انطلاقًا من واجبها النقابي والمهني.

وفي الوقت نفسه، واصلت السلطة ضغوطها على بعض الحكومات الصديقة التي ترعى أو تسمح بوجود إعلام مصري على أراضيها لتحجيم او إغلاق ذلك الإعلام، كما ساهمت الأزمات الاقتصادية المستجدة الناتجة عن الحرب الإيرانية الأمريكية في تعثر بعض وسائل الإعلام في الخارج، لنجد أنفسنا أمام مشهد إعلامي متعثر خارجيًّا، ومضيَّق عليه داخليًّا.

إشكالية الدراسة:

تتمثل إشكالية الدراسة في تراجع مساحة الإعلام المصري المعارض والمستقل، وتفاقم الأزمات السياسية والقانونية والاقتصادية والإدارية التي تواجهه منذ عام 2013م، ما أدى إلى تقلص حضوره داخل مصر، وتراجع قدرته على الاستمرار في الخارج.

وتنطلق الدراسة في تناولها لهذه الإشكالية من سؤال رئيس، هو: كيف أثرت التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر منذ عام 2013م في واقع الإعلام المعارض والمستقل؟

وتتفرع عن هذا السؤال تساؤلات فرعية، حول طبيعة الأزمات التي يواجهها الإعلام في الداخل والخارج، وطبيعة القيود الدستورية والقانونية والسياسية التي تحكم عمله، والبدائل والسيناريوهات الممكنة لضمان استمراره والحفاظ على استقلاله وقدرته على التأثير.

هدف الدراسة:

تسعى الدراسة إلى تحليل طبيعة الأزمات التي يتعرض لها الإعلام المصري المعارض والمستقل، وتحديد أسبابها وتداعياتها، ومدى تأثيرها في قدرة الإعلام المعارض والمستقل على أداء أدواره المهنية والسياسية والتوعوية، واستكشاف فرص استمراره، والبدائل المتاحة لتجاوز أزماته، والسيناريوهات المحتملة لمستقبله.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية الدراسة من تناولها أحد التحولات البارزة في المجال العام المصري، والمتمثل في تراجع التعددية الإعلامية وتقلص المساحات المتاحة للإعلام المعارض والمستقل، بالتزامن مع تغيرات سياسية واقتصادية أعادت تشكيل بنية المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها وأنماط عملها. وتكتسب الدراسة أهميتها من سعيها إلى الربط بين الضغوط السياسية والقانونية التي يتعرض لها هذا الإعلام، والأزمات الاقتصادية والإدارية التي تهدد استمراره، بدلًا من تناول كل منها بمعزل عن الآخر.

منهج الدراسة:

نعتمد في هذا الدراسة على المنهج الوصفي، والتاريخي، وكذا المنهج المقارن والقانوني في تفصيل المشهد الإعلامي، وتطوراته التاريخية والقانونية، كما تعتمد على المنهج التحليلي في فهم تفاعلات وتشابكات هذا المشهد، وتستند أيضًا إلى خبرات الكاتب المهنية والإدارية الممتدة لعقود في هذا المجال.

محاور الدراسة:

تستعرض الدراسة أبعاد الأزمة محل البحث من خلال 5 محاور نبدأها بالوضع الدستوري والقانوني، ثم برسم خارطة للإعلام المعارض والمستقل في الداخل والخارج، ثم حدود التأثير السياسي والتوعوي لهذا الإعلام، ومن ثم ندخل إلى الأزمات الأخيرة للإعلام المعارض المستقل، وضمنها الملاحقات السياسية والأمنية الداخلية والخارجية التي يتعرض لها هذا الإعلام، وأزمة التمويل وتداعياتها والبدائل الممكنة، لنصل في النهاية إلى السيناريوهات المستقبلية والتوصيات الممكنة.

المحور الأول: الوضع الدستوري والقانوني

يتضمن الدستور المصري المعدل في 2019م العديد من النصوص المتميزة، التي كانت إحدى ثمار ثورة 25 يناير في مجال الحريات الإعلامية([1])، وإن كان الواقع الحالي يسير عكسها إلى حد كبير، وهو يتضح من عرض النصوص ومقارنتها بالواقع.

1 – الضمانات الدستورية لحرية الإعلام:

لقد ضمن الدستور في المادة (70) حرية التأسيس والممارسة للصحافة ووسائل الإعلام، ونَصَّ على ما يلي: “تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني، وتضمن حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووسائط الإعلام الرقمي للمصريين (أشخاص طبيعية أو اعتبارية، عامَّة أو خاصَّة).

وتضمَّنت المادة أن الصحف تصدر بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون، وأن ينظم القانون إجراءات إنشاء وتملُّك محطات البث الإذاعي والمرئي والصحف الإلكترونية.

وحظرت المادة (71) الرقابة، والإغلاق، والمصادرة، وعقوبات الحبس في قضايا النشر، ونَصَّت على ما يلي: “يُحظَر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، ويجوز استثناءً فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامَّة، ولا توقَّع عقوبة سالبة للحرية (الحبس) في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، أو التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد”.

كما ضمنت المادة (72) استقلال المؤسسات الصحفية والإعلامية المملوكة للدولة (التليفزيون الرسمي والمؤسسات الصحفية القومية)، وجاء فيها: “تلتزم الدولة بضمان استقلال الصحافة ووسائل الإعلام المملوكة للدولة، لتؤدي رسالتها بحيادية، وتعبر عن كل الاتجاهات والآراء السياسية والاجتماعية والانتماءات الفكرية، وتكفل للمواطنين حق المعرفة والمتابعة”.

وضمن الدستور الاستقلال الإداري والتنظيمي للإعلام، عبر تأسيس هيئات إعلامية مستقلة كبديل عن الجهات الحكومية التي كانت تدير الإعلام مِن قبل، وهي وزارة الإعلام واتحاد الإذاعة والتلفزيون ومجلس الشورى وذراعه الفني المجلس الأعلى للصحافة، فالمادة (211) أنشأت المجلس الأعلى للإعلام لينظم شؤون الإعلام المسموع والمرئي، وتنظيم الصحافة المكتوبة والإلكترونية وغيرها، وهو هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري. والمادة (212) أنشأت الهيئة الوطنية للصحافة لتتولى إدارة المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة وتطويرها، والمادة (213) أنشأت الهيئة الوطنية للإعلام لتتولى إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والرقمية المملوكة للدولة وتطويرها.

ولا يقتصر الأمر على هذه المواد، بل هناك مواد أخرى تحمي الحريات العامَّة، يشترك فيها الإعلام مع غيره من الفئات والمؤسسات. وهناك كذلك نصوص أخرى توفر بيئة أفضل للتنافس الصحفي، من خلال النصِّ على قانون لحرية تداول المعلومات (لم يصدر حتى الآن) وضمانات المحاكمات العادلة، و… إلخ.

2 – الواقع المغاير:

بالمقارنة بين الوضع الدستوري والمشهد الإعلامي الحالي، يتضح أن النصوص الدستورية غير مفعلة؛ فحرية الصحافة في أدنى مستوياتها، حيث تحتل مصر المركز (169) عالميًّا على مؤشر حرية الصحافة الذي صدر مطلع العام 2026م([2]). كما ظلت مصر من أكثر الدول حبسًا للصحفيين، بالمخالفة للنص الدستوري الذي يمنع الحبس في قضايا النشر، حيث يقبع في السجون حاليًا (46) صحفيًّا وإعلاميًّا، وفقًا للمرصد العربي لحرية الإعلام([3])، وتم إغلاق العديد من الصحف والقنوات بالمخالفة للنص الدستوري الذي يحظر ذلك.

وبدلًا من الصحافة الحرة والمتنوعة، حلَّت صحافة الصوت الواحد الداعم للسلطة، مع استثناءات قليلة وهامشية (سوف يرد ذكرها لاحقًا).

وجاء قانون تنظيم الصحافة رقم (180) لسنة 2018م ليفرغ بعض المواد الدستورية من مضمونها، فهو يمنح في مادته (25) المجلسَ الأعلى للإعلام حقَّ إيقاف مطبوعات بالمخالفة للنصِّ الدستوري، وهو يمنح في المادة (73) رئيسَ الجمهورية حقَّ اختيار رئيس وأعضاء المجلس الأعلى للإعلام من بين ترشيحات تقدمها له عدة جهات، ما يفرغ فكرة الاستقلال من مضمونها([4]).

وفي الفترة الأخيرة، استحدثت الدولة وزارة دولة للإعلام، ويترأس وزيرها (ضياء رشوان) اجتماعات الهيئات الإعلامية المستقلة([5])، أما حق إصدار الصحف بالإخطار فقد أصبح انتقائيًّا، إذ يمنح المجلس التراخيص لبعض الصحف أو المواقع، في حين يرفض أو يماطل في الترخيص لغيرها دون مبررات وأسباب واضحة، حيث تقدمت العديد من الشركات الخاصَّة بطلبات لتأسيس صحف ومواقع إلكترونية، ولم يبت المجلس فيها رغم مرور سنوات على طلبها([6]).

لا يفرق الدستور في التعامل مع الإعلام القومي أو الإعلام الخاص أو الحزبي، فهو يضع فقط القواعد العامَّة للتعامل، والتي تنطبق على الجميع. ثم جاء قانون تنظيم الصحافة بمواد تفصيلية للإعلام القومي والحزبي والخاص، لكن الممارسة العملية تبدو مختلفة عمَّا تضمنته النصوص الدستورية والقانونية، خاصَّة فيما يتعلق بالإعلام الخاص والحزبي (بعضه معارض) والمستقل، والذي يتضمن أحيانًا انتقادات للسلطة أيضًا.

أما الإعلام المعارض في الخارج فلا يخضع عمليًّا للدستور والقانون المصري من الناحية التنظيمية، وإن كان الإعلاميون العاملون في هذا المجال يتعرضون لمحاكمات، وتصدر أحكام غيابية بحقهم، ويتم وضعهم على قوائم الكيانات الإرهابية كوسيلة لمعاقبتهم والضغط عليهم.

المحور الثاني: الواقع العملي وخارطة الإعلام المعارض والمستقل

تقتصر هذه الدراسة على رسم خارطة للإعلام المعارض والمستقل في اللحظة الحالية، وهي لحظة لها خصوصيتها الشديدة؛ حيث انحسر المشهد الإعلامي كثيرًا، كمًّا وكيفًا، عمَّا كان عليه قبل عام 2013م.

ورغم المطالب بفتح المجال الإعلامي، ورغم الوعود الرئاسية بذلك، إلَّا أن الواقع في الداخل المصري سيء حتى الآن؛ حيث يسود إعلام الصوت الواحد، وترفض السلطة ممثلةً في المجلس الأعلى للإعلام منح تراخيص جديدة لقنوات أو صحف تخشى أن تكون إعلامًا معارضًا، وترفض السلطة حتى الآن مطالب نقابة الصحفيين وغيرها بالإفراج عن الصحفيين المعتقلين. كما أن الإعلام المحسوب على المعارضة في الخارج يمر بأزمة حادة لأسباب سياسية ومالية دفعته إلى تخفيض سقفه، وتقليص برامجه، وهو ما يهدد بغياب القنوات الفضائية واختفاء بعض المواقع.

1 – خارطة الإعلام الحزبي والمستقل داخل مصر:

لم تعد خارطة الإعلام المعارض والمستقل في مصر كما كانت عليه قبل 25 يناير 2013م، أو حتى بعدها، وصولًا إلى المرحلة الحالية التي بدأت يوم 3 يوليو 2013م؛ فالقنوات الفضائية الخاصَّة التي تسيَّدت المشهد الإعلامي قبيل وبعد ثورة 25 يناير وحتى الانقلاب العسكري أصبحت مملوكة في معظمها للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات المصرية([7])، بعد دفع مُلَّاكها من رجال الأعمال للتخارج منها خلال السنوات الماضية، (وبعضهم كان ينتمي للمعارضة بدرجات متباينة، مثل السيد البدوي رئيس حزب الوفد، ونجيب ساويرس مؤسس حزب المصريين الأحرار). وقد أسست الشركة المزيد من القنوات والصحف ليتجاوز عدد ما تملكه حاليًا 40 شركة رائدة في مختلف المجالات والأنشطة الإعلامية، و17 قناة تلفزيونية يعمل بها أكثر من خمسة آلاف إعلامي وموظف، و12موقعًا إخباريًّا، و6 محطات إذاعية  بخلاف شركات الانتاج الدرامي([8]). ومِن ثمَّ، لم تبقَ أي قناة يمكن وصفها أنها معارضة أو حتى مستقلة.

أما الصحف الخاصَّة والحزبية فقد أصبحت في معظمها أقرب للسلطة منها إلى المعارضة، كما هو الحال مع صحف المصري اليوم، والشروق، والوفد، والأهالي (لسان حزب التجمع)، فيما حرصت صحف حزبية أخرى قديمة أو جديدة على البقاء في مساحة معارضة نسبيًّا، مثل صحيفة درب([9]) (لسان حزب التحالف الشعبي)، وليبرالي([10]) (لسان حال حزب العدل). وفي المحصلة، تبدو الصحافة الحزبية المعارضة في أضعف حالاتها، رغم أن هذه الصحافة هي التي مثلت العمود الفقري للإعلام المعارض منذ نشأتها في أواخر السبعينات وحتى ظهور الإعلام المستقل مطلع الألفية.

اقتصر مشهد الإعلام المعارض والمستقل على صفحات التواصل الاجتماعي، خاصَّة الناطقة بلسان بعض الكيانات السياسية والشخصيات المعارضة، وكذا عدد محدود من المواقع الإلكترونية المستقلة، والتي بدت صوتًا مختلفًا وسط مشهد الصوت الواحد. ويستفيد هذا الصوت من وجود تباين في وجهات النظر حول فتح نوافذ محدودة للتنفيس بين جهازي المخابرات العامة والأمن الوطني، حيث يتبنَّى الجهاز الأول هذه الفكرة، بينما يرفضها الثاني. وقد نجح الأول في فتح بعض هذه النوافذ، وسارع الثاني لإغلاقها أو محاصرتها، ومن ذلك الحوار الوطني الذي نسبه البعض للمخابرات العامة([11])، وعلى شاكلته جاءت لجنة العفو الرئاسي، ويمكن أيضًا اعتبار السماح بأصوات إعلامية مستقلة محدودة جزءًا من هذا التنفيس.

يتشكل هذا الهامش الإعلامي المستقل من مواقع مدى مصر، والمنصة، ومصر 360، والحرية، والقصة، ومتصدقش، والمشهد، وفكر تاني، وذات مصر (التي أغلقت موقعها وإن أبقت على قناة يوتيوب)، وإلى جانبها بعض المواقع الحزبية، مثل موقع درب الذي يصدر عن حزب التحالف الشعبي اليساري، وموقع ليبرالي الذي يصدر عن حزب العدل الليبرالي، بينما تصدر صحيفة الكرامة بشكل متقطع.

تعاني المواقع المستقلة من حصار متعدد الأبعاد، يبدأ بحرمانها من الترخيص القانوني رغم استيفائها لمتطلبات الترخيص كما حدث مع مدى مصر والمنصة ومصر 360، واقتحام مقارها واعتقال رؤساء تحريرها وبعض محرريها، كما حدث مع مدى والمنصة، ومن قبل مصر العربية التي تمَّ إغلاقها بشكل تام، وحجبها، وصولًا إلى المشاكل التمويلية، حيث تعتمد العديد من تلك المواقع على تمويلات من مؤسسات تعنى بدعم التعددية الإعلامية في الاتحاد الأوربي([12])، وبعض السفارات الغربية في القاهرة، لكن السلطات الرسمية – التي تغض الطرف غالبًا عن هذه التمويلات – ترصد حركتها، وتحرك بلاغات ضدها عند اللزوم، كما حدث مع منصة متصدقش مؤخرًا. وترفض منح بعضها تراخيص رسمية لغموض تلك التمويلات أحيانًا، رغم أن بعض تلك المواقع تصرح علنًا عن مشاريع تمويلها من جهات دولية مختصة بدعم الصحافة في الشرق الأوسط عمومًا (وفقًا لتقرير نشره مختبر نيمان للصحافة بجامعة هارفارد عام 2017م، يأتي نحو 80% من ميزانية “مدى مصر” من المنح والمؤسسات الخيرية، وذكر من الجهات الداعمة International Media Support الدنماركية ومؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية، بينما يأتي 20% من مصادر دخل أخرى، كالإعلانات أو بيع المنتجات المستوحاة من رسوماتها الكاريكاتورية ورسومها التوضيحية، وبيع خدمات إخبارية خاصَّة، بالإضافة إلى أن الموقع فتح مجالًا جديدًا للتمويل عبر مساهمات وتبرعات القراء)([13]).

2 – خارطة الإعلام المعارض في الخارج:

عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013م وما أعقبه من إغلاق العديد من القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية المعارضة للنظام الجديد، هاجر العديد من الإعلاميين المعارضين للانقلاب من مصر، وتمكنوا في دول المهجر التي استضافتهم، وخاصَّة تركيا وقطر وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، من تأسيس قنوات ومنصات إعلامية، وُصِفت بإعلام المهجر أو المنفى أو الشتات (كجزءٍ من إعلام الربيع العربي، والإعلام المواجه للثورات المضادة)، ولعبت دورًا كبيرًا في إسناد الحراك الميداني عقب الانقلاب، ثم واصلت نقد سياسات النظام الجديد، وكشف أخطائه. كما أنها نجحت في تدريب وتطوير عشرات الإعلاميين الجدد الذين دخلوا المهنة لأول مرة خارج مصر، ونجحت في الوصول إلى قطاعات كبيرة من الشارع المصري.

ضمَّت منظومة الإعلام المحسوب على المعارضة، خاصَّة المقيمة في تركيا، قنوات فضائية مثل الشرق ومكملين ووطن (كانت من قبل مصر الآن)، وقناة رابعة التي غيَّرت اسمها فيما بعد إلى قناة “الثورة”، ثم توقفت مبكرًا بسبب مشاكل التمويل، وقناة “التاسعة” التي تخصص مساحة كبيرة من برامجها لمصر، ويديرها مصري، وتضم عددًا من الكوادر الإعلامية المصرية. والشيء ذاته ينطبق على قناة “الحوار” التي تبث من لندن (لكنها تأسست في العام 2006م). كما ساهمت قناة “الجزيرة” بقدر كبير في تغطية الشأن المصري، واستمرت على هذا النحو حتى عودة العلاقات المصرية القطرية.

وكانت قناة “الجزيرة مباشر مصر” مختصَّة بشكل كامل بالشأن المصري، وغطت الحراك المناهض للانقلاب حتى تمَّ إغلاقها في 22 ديسمبر من العام 2024م، واستمرت قناة الجزيرة مباشر في الاهتمام بالملف المصري حتى عودة العلاقات المصرية القطرية أيضًا.

ووفقًا لتقرير شركة إبسوس العالمية للأبحاث (Ipsos)، والمعنية برصد نسبة مشاهدة الفضائيات، فإن قناة “مكملين” كانت ضمن القنوات الأكثر مشاهدة في مصر خلال شهر رمضان لعام 2016م، وهو ما أثار ضجة في أروقة الإعلام المصري. وتكرر الأمر ذاته في 2017م، مع قناة الشرق التي حصلت على المركز الرابع من بين القنوات الإخبارية الأكثر مشاهدة في مصر. وكان البرنامج الرئيسي في القناة (مع معتز) يُعد من ضمن أكثر البرامج التي يتم متابعة بثها المباشر على منصات فيسبوك ويوتيوب، ويُتداول محتواها على مواقع التواصل الاجتماعي([14]). (للتذكير: تمَّ إغلاق مكتب إبسوس في القاهرة وإلغاء العقود معها عقب تلك التقارير)

وإلى جانب تلك القنوات، هناك شبكة (رصد) التي ظهرت مع اندلاع ثورة يناير، وانتشرت بسرعة كبيرة، وأصبحت علامة إعلامية جذابة يتم تقليدها في العديد من الدول وحتى المدن دون ارتباط عضوي بالشبكة الأصلية. وقد وصل عدد متابعي الشبكة على الفيس بوك (14) مليون متابع، وعلى إكس (5,2) مليون، كما بلغ عدد متابعيها على اليوتيوب (2.52) مليون، وشاهد فيديوهاتها خلال شهر (من 19 سبتمبر إلى 19 أكتوبر 2026م) 32 مليون مشاهد([15]).

وإلى جانب شبكة رصد، هناك مواقع صحفية عربية ارتبطت بدعم الربيع العربي عمومًا، وتُخصِّص لمصر مساحات كبيرة في تغطياتها، ومنها (عربي 21) و(العربي الجديد) و(القدس العربي)، و(ساسة بوست)، و(نون بوست). بالإضافة إلى العديد من صفحات الفيس بوك التي تمثل مجموعات سياسية وحقوقية متنوعة.

ويمتلك عدد من المؤثرين حسابات على منصات إكس ويوتيوب والفيس بوك تضم ملايين المتابعين، مثل الإعلامي معتز مطر، الذي يتابعه حوالي 5 ملايين على يوتيوب، و13 مليون على فيس بوك، و2,7 مليون على إكس. وعبد الله الشريف، الذي تعرضت حساباته للحجب والحذف أكثر من مرة، ومع ذلك يتابعه حاليًا حوالي 6 ملايين على يوتيوب، و 2.6 مليون على إكس، ومثلها على فيس بوك. والإعلامي أحمد منصور، ويتابعه على اليوتيوب أكثر من مليونين، وعلى إكس 2,6 مليون. والإعلامي محمد ناصر، الذي يتابعه 1,9 مليون على يوتيوب، و1,3 مليون على إكس، و1,7 مليون على فيس بوك. وأسامة جاويش الذي يتابعه أكثر من مليون على إكس، ومثلها على يوتيوب. ويوسف حسين (جوتيوب)، الذي يتابعه 4,8 مليون على يوتيوب، و1,34 مليون على إكس. والشيخ محمد الصغير، الذي يتابعه 1,7 مليون على إكس، و400 ألف على الفيس بوك. وعماد بحيري، الذي يتابعه حوالي 600 ألف على يوتيوب. وحمزة زوبع، الذي يتابعه 570 ألف متابع على الفيس بوك، بخلاف قناة اليوتيوب. وهيثم أبو خليل، الذي يتابعه 700 ألف على إكس، و330 ألفًا على يوتيوب.

إلى جانب الإعلام المحسوب على المعارضة الإسلامية أو القريب منها، هناك الإعلام القريب من التيار المدني (غير الإسلامي) أو المحسوب عليه، ورغم أن هذا التيار لا توجد قنوات تعبر عنه باستثناء قناة الشرق التي لا تقتصر عليه وحده، والتي يصنفها النظام وحتى بعض الأصوات الليبرالية أنها قناة إخوانية! إلا أن بعض الإعلاميين المحسوبين على هذا التيار يقدمون برامج في قنوات غير مصرية، ويتعاطون من خلالها مع الشأن المصري. كما أن بعض المؤثرين المحسوبين على هذا التيار أسسوا قنوات على اليوتيوب، وبرامج بودكاست يتابعها الملايين أيضًا.

وحسب دراسة للباحث محمد مندور في معهد التحرير للدراسات، فقد “لعبت المبادرات الإعلامية التابعة للتيارات الليبرالية دورًا مهمًّا في الخارج في توفير وسائل إعلام منخفضة التكلفة ومستقلة عن ضغوط القوى الإقليمية، وأطلق عدد من الكتَّاب والصحفيين من المنفى برامج البودكاست الخاصَّة بهم، والتي تستضيف مفكرين وأكاديميين ومدافعين عن حقوق الإنسان من داخل مصر وخارجها لمناقشة التطورات السياسية في مصر وحول العالم، ومن أشهرها بودكاست 11، الذي قدمه لأول مرة الصحفي محمد أبو الغيط، وتقدمه الآن من فرنسا الصحفية سلافة مجدي، كما أطلق الصحفي البارز حافظ الميرازي بودكاست جديدًا باسم مع حافظ الميرازي، وأطلق الكاتب والسيناريست بلال فضل البودكاست الخاص به من منفاه في نيويورك.

ويمتلك هذا التيار شكلًا آخر من وسائل الإعلام المستقل، مثل موقع زاوية ثالثة، ومنصة صحيح مصر (1,1 مليون متابع)، ورصيف 22، ويتابعها حوالي مليون، وصفحة الموقف المصري التي يقوم عليها نشطاء ديمقراطيون، ويبلغ عدد متابعيها مليون ونصف المليون متابع على موقع فيسبوك، وتستخدم لغة مبسطة في التعاطي مع قرارات الرئاسة والحكومة وتحليلها وحث المواطنين على مناقشتها مع عائلاتهم، وتشبه إلى حد كبير أسلوب صفحة ” كلنا خالد سعيد” التي أثرت في التعبئة والحشد الذي سبق ثورة 25 يناير، على اختلافها الأيديولوجي ومدى مهنيتها.

وقد كسرت منصات العمل الإعلامي من الخارج هيمنة النظام الحاكم في مصر على الإعلام، سواء الموجَّه للمصريين أو الموجَّه للعالم عن مصر([16])، كما يمتلك عدد من رموز هذا التيار حسابات نشطة على منصة إكس، مثل الإعلامي باسم يوسف (حوالي عشرة ملايين) والفنان عمرو واكد (أكثر من 6 ملايين)، والدكتور محمد البرادعي (أكثر من 5 ملايين)، والفنان خالد أبو النجا (2,3 مليون)، وبلال فضل (أكثر من 3 مليون)، والدكتور أيمن نور (أكثر من 2 مليون)، والدكتور عصام حجي (أكثر من 600 ألف).

المحور الثالث: حدود التأثير السياسي والتوعوي

رغم حرص نظام الثالث من يوليو 2013م على ضبط المشهد الإعلامي ليماثل إعلام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، الذي كان في ظهره دومًا، وهو ما حلم به السيسي وعبَّر عنه علانية([17])، ورغم أنه نجح إلى حد كبير في بناء هذا النموذج الذي يُوصَف بإعلام الصوت الواحد([18])، حيث جرت عملية تأميم للقنوات الفضائية والصحف الخاصَّة التي يمتلكها رجال أعمال عبر دفعهم للتخارج منها لصالح منظومة تديرها المخابرات المصرية، إلَّا أن وجود قنوات ومواقع صحفية معارضة في الخارج تعبر عن التيارين الإسلامي والليبرالي، بالإضافة إلى المنصات الجديدة داخل مصر، مثل مدى مصر والمنصة والحرية ومصر 360 وفكر تاني، والسلطة الرابعة وليبرالي كسرت احتكار الرواية الإعلامية، وكسرت نسبيًّا الهيمنة السلطوية على الإعلام، حيث وفرت مساحة لعرض روايات وشهادات لا تجد مساحة مماثلة في وسائل الإعلام المصرية الموالية للسلطة([19]).

1 – تأثير إعلام المعارضة بالخارج:

لقد نجحت قنوات المعارضة في الخارج في دعم الحراك الميداني ضد الانقلاب في سنواته الأولى، كما نجحت في نشر سلسلة من التسريبات من داخل مكتب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي (قبل وصوله للرئاسة)، وهي التسريبات التي أثارت في حينها ضجة كبرى دفعت النظام لمحاولة إسكات هذه القنوات، وسَعَى إلى إسقاطها من الأقمار الصناعية التي تبث عبرها، كما استخدم تقنيات حديثة للتشويش على بثها وعلى بث قناة الجزيرة([20])، إلَّا أنها مع ذلك نجحت في الوصول إلى عدد كبير من المشاهدين داخل مصر.

ووفقًا لتقرير (Ipsos) الذي أشرنا إليه سابقًا، فقد كانت قناتا الشرق ومكملين من بين القنوات الإخبارية الأكثر مشاهدةً داخل مصر، وساهمت هذه القنوات في نشر الوعي بمخاطر الحكم الشمولي، وضرورة التغيير، كما نجحت في تسويق بعض الدعوات للتظاهر التي أطلقها معارضون من الخارج، ونجحت في كشف الكثير من أوجه القصور للمسئولين الرسميين، لكنها افتقدت إلى حد كبير المهنية في التناول الإعلامي، كما افتقدت إلى مصادر معلومات، واعتمدت على الصوت العالي، والرأي دون المعلومات، بل نشر شائعات غير صحيحة في بعض الأحيان([21]).

وقد خلصت دراسة نشرتها دورية (Social Sciences & Humanities Open) إلى أن هذه الاستراتيجيات تساعد في بناء جمهور ومصداقية لدى المتابعين، لكنها لا تضمن تطوير هوية مهنية بديلة أو رفع المعايير الصحفية؛ فالتغطية تركز غالبًا على نقد النظام بدلًا من تطوير نقاش عام أو مناقشة سياسات بديلة، كما أن التركيز على مصر فوَّت فرص بناء فضاء إعلامي عربي أوسع في تركيا([22]).

ورغم أن هذه القنوات والمنصات وفرت فرص عمل لعدد كبير من الإعلاميين المحترفين والمتدربين، وصنعت نجومًا إعلاميين، إلَّا أن نجاحها كان محدودًا في تخريج كفاءات إعلامية قادرة على المنافسة في سوق العمل الإعلامي التنافسي.

2 – تأثير إعلام المعارضة بالداخل:

تعاني المنصات الإعلامية المستقلة داخل مصر من محدودية الانتشار بسبب حالة الانسداد السياسي والإعلامي، وبسبب حَجْب مواقعها، إلَّا أنها نجحت في اختراق جدار الصمت، كما نجحت نسبيًّا في الوصول إلى بعض مصادر المعلومات، ونشرت تحقيقات وحوارات جريئة مع بعض الشخصيات المعارضة أو القريبة من السلطة، ونجحت منصات التحقق، مثل صحيح مصر ومتصدقش، في كشف زيف الكثير من التصريحات والبيانات والأرقام التي يذكرها المسئولون، بدءًا من السيسي وحتى بقية الوزراء وكبار المسؤولين. ولهذا السبب أقدمت السلطة على مداهمة مقر منصة متصدقش، واعتقال 6 من محرريها آخر سبتمبر 2026م.

3 – إعلام المعارضة وقضية المعتقلين:

من النجاحات المهمة لإعلام المعارضة إبراز قضية المعتقلين، وفضح الانتهاكات التي يتعرضون لها في محابسهم، والمطالبة الدائمة بالإفراج عنهم، وإحراج النظام داخليًّا وخارجيًّا، وتفنيد ادعاءاته، وتقاريره الزائفة حول المعاملة الحسنة في السجون، ونشر التقارير الحقوقية المتعقلة بالانتهاكات عمومًا في مصر.

وقد خصص الإعلام المعارض مساحة واسعة لأخبار المعتقلين السياسيين، وأسرهم، والمحاكمات، والاختفاء القسري، والقيود على الحريات. ووفر ذلك نافذة لنشر شهادات أسر يصعب عليها الوصول إلى الإعلام المصري واسع الانتشار.

4 – إشكالية تطوير الخطاب:

كان تأسيس القنوات الفضائية المعارضة في الخارج يستهدف بالأساس مواجهة الانقلاب الذي وقع يوم 3 يوليو 2013، وكان من الطبيعي أن يكون حادًّا في نقده للسلطة التي حكمت بعد هذا الانقلاب، كما كان طبيعيا أن يكون إعلامًا تعبويًّا في السنوات الأولى التي شهدت حراكًا ميدانيًّا، وكان بذلك صوتًا معبرًا عن أولئك الرافضين والمناهضين للانقلاب، لكنه لم يستطع مع الوقت وتغيُّر الظروف، وخاصَّة بعد تراجع الحراك الميداني، ووفاة الرئيس محمد مرسي تطوير خطابه ليتمكن من الوصول إلى قطاعات جديدة بخلاف ذلك الجمهور المؤدلج.

المحور الرابع: الأزمات الأخيرة للإعلام المعارض والمستقل

في توقيت متزامن، تعرَّض الإعلام المعارض والمستقل في الداخل والخارج لعدة أزمات، على رأسها الملاحقات السياسية والأمنية، والعجوزات المالية والاتهامات التمويلية.

1 – أزمات ومشاكل الداخل:

في الداخل، انفجر الصدام بين السلطة والإعلام المستقل خلال فترة استعداد الحكومة لعرض منجزاتها أمام “منتدى مصر” الذي انعقد في الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر 2026م، والذي بدأت الترتيبات له منذ سبتمبر 2026م. وكما ظهر من إحدى مداخلات السيسي في المنتدى، فإن الغرض منه كان رفع الروح المعنوية للحكومة([23]) التي تشعر بالإحباط لأن أحدًا لا يقدر منجزاتها، وكان المنتدى فرصة لعرض تلك المنجزات دون وجود منغصات من الصحافة الخبرية أو صحافة التحقق.

وفي هذا الإطار، جاءت المداهمة لمقر منصة “متصدقش” واعتقال طاقمها التحريري المكون من 6 صحفيين يوم 30 سبتمبر 2026م، وما تلا ذلك من تصعيد وتجديد حبس وتعذيب لأولئك الصحفيين. ثم كان المظهر الثاني للصدام هو ملاحقة موقع “مدى مصر”، وصولًا إلى صدور حكم قضائي يوم 27 أكتوبر 2026م بإغلاقه ومصادرة منقولاته، وفرض غرامة 3 ملايين جنيه كفالة لرئيسة تحرير الموقع لينا عطالله([24]).

جَرَت مداهمة مقر منصة “متصدقش” بالمخالفة للمادة (31) من قانون تنظيم الصحافة (180) لسنة 2018م، والتي تنصُّ على أنه “لا يجوز تفتيش مكتب الصحفي أو الإعلامي أو مسكنه بسبب جريمة من الجرائم التي تقع بواسطة الصحف أو وسائل الإعلام إلَّا في حضور أحد أعضاء النيابة العامة”، وهو مالم يتم مع المنصة وصحفييها.

تصاعدت الأزمة مع نقابة الصحفيين التي هبَّت للدفاع عن الصحفيين المقبوض عليهم، وعن حرية الصحافة بشكل عام، فأصدرت وزارة الداخلية بيانًا تتهم فيه المنصة وصحفييها بالتبعية لجماعة الإخوان المسلمين، وتلقي تمويل من الخارج، وهو ما أكدته أيضًا النيابة العامَّة في بيان لها. ولم تكتف النيابة العامَّة بالبيان، بل أمرت بحبس الصحفيين، ثم جددت لهم الحبس، واحتشد الكثير من الصحفيين في مقر نقابتهم للاحتجاج على ما حدث لزملائهم، والذي يخشون تكراره معهم أيضًا في ظِل أجواء معادية لحرية الصحافة. كذلك تحالفت 8 منصات تحقق للقيام بعمل منصة متصدقش حتى عودتها.

وفي مواجهة منصات التحقق التي أزعجت السلطة، عمدت الحكومة لتدشين منصة مشابهة تحت اسم “شات مصر”، في افتتاح منتدى مصر، يوم 19 أكتوبر 2026م، بهدف تسويق الرواية الحكومية بطريقة صحافة البيانات. وحسبما أعلن مساعد وزير الإعلام، فإن المنصة هي منصة رقمية تفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات، في ظِل السرعة الكبيرة التي تنتشر بها المعلومات المضللة وتأثيرها في المجتمع([25]).

في الوقت نفسه، كان هناك صدام آخر عبر استدعاء صحفيتين للتحقيق أمام النيابة، أولاهما رشا عزب، يوم 5 أكتوبر. وعقب التحقيق معها بتهمة نشر اخبار كاذبة والدعوة لارتكاب جرائم إرهابية تمَّ إخلاء سبيلها بكفالة مالية عشرة آلاف جنيه([26]). أما الثانية، لينا عطا الله، رئيس تحرير موقع “مدى مصر” فقد تمَّ استدعاؤها للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة يوم 21 أكتوبر في قضية برقم 9072 لسنة 2026م حصر أمن دولة عليا، وتمَّت إحالتها لمحكمة الجنح بتهم إدارة موقع بدون ترخيص، والتي أصدرت حكمًا سريعًا، يوم 27 أكتوبر، بإغلاق الموقع ومصادرة ممتلكاته، وفرض غرامة 3 ملايين جنيه على رئيسة تحرير الموقع بتهمة إدارة موقع بدون ترخيص.

كان هذا الصدام تتويجًا لسلسلة من الاستدعاءات خلال سِت سنوات([27])، لكنه بدا كأنه مشهد النهاية لموقع ظهر بقوة في مصر منذ يونيو 2013م، واستمر يعمل طيلة 13 عامًا في ظِل سياسة غض الطرف دون منحه ترخيصًا رسميًّا، رغم أنه تقدم بطلبات للترخيص مستوفيةً كل الشروط المطلوبة. وكان لافتًا أن المحكمة طبقت العقوبة القانونية في حدها الأقصى، كما رفضت طلبات هيئة الدفاع بمنحها وقتًا للاطلاع على ملف القضية قبل الترافع، ما يعني أن هناك إرادة سياسية للوصول إلى هذه النتيجة، وهي إغلاق الموقع ليكون عبرة لغيره من المواقع المشابهة، وهي الرسالة ذاتها بالنسبة لمنصة “متصدقش” التي أريد أن تكون عبرة لغيرها من منصات التحقق التي تلاحق التصريحات الرسمية تفنيدًا وتكذيبًا.

والملفت أيضًا أن يأتي هذا التصعيد ضد الصحافة في وقتٍ تستعد فيه وزارة الدولة للإعلام لعقد المؤتمر السنوي الأول (3 ديسمبر 2026م)، الذي أوصى به السيسي حول تحديات الإعلام، والذي كان يُفترض أن يكون نافذة جديدة لتعدد الآراء، خروجًا من إعلام الصوت الواحد، وهذا يعني أن هذا التصعيد وَجَّه ضربة مبكرة لذلك المؤتمر، ونسف مبكرًا أيضًا الرواية التي يحاول تسويقها عن التعددية الإعلامية.

أزمة الحرمان المتعمد من التراخيص هي إحدى الأزمات التي يواجهها إعلام المعارضة، فالسلطة الحالية ترفض منح تصاريح لتأسيس قنوات فضائية خاصَّة، كما رفضت بالفعل العديد من طلبات المنصات الصحفية للترخيص رغم استيفائها كل الشروط، ومنها مدى مصر والمنصة وزاوية ثالثة وفكر تاني، ومصر 360، والقصة، وهي بالإضافة إلى ذلك تستدعي رؤساء تحرير هذه المنصات وتعتقل بعض محرريها بتهمة إدارة موقع بدون ترخيص، رغم أن الدستور المصري في المادة (70) جعل إصدار الصحف بمجرد الإخطار فقط([28]). كما أن السلطات المصرية تحجب هذه المواقع، وبالتالي تحد من وصولها إلى الجمهور بالمخالفة للدستور أيضًا الذي يحظر ذلك في مادته (71).

وتبقى تهمة تلقي تمويلات خارجية هي السلاح المفضل للسلطة في مواجهة المنصات الإعلامية المستقلة في الداخل، حيث لا تنكر هذه المنصات تلقيها تلك التمويلات من مصادر معلومة، وهو أمر متعارف عليه دوليًّا، وتتعدد الجهات الدولية التي لديها مشروعات لتقديم دعم مالي أو فني للصحافة المستقلة، وحرية الإعلام في مصر والمنطقة العربية، وتشمل جهات أمريكية، مثل مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية (MEPI)، والصندوق الوطني للديمقراطية (NED)، الذي يعلن صراحةً دعم المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام المستقلة ومشروعات حرية المعلومات والمساءلة([29]).

وعلى المستوى الأوروبي، يبرز الاتحاد الأوروبي من خلال برامج دعم حرية الإعلام والتعددية الصحفية والشراكات الصحفية، فضلًا عن مشروعات إقليمية، مثل (OPEN Media Hub) الذي نفذته مؤسسة (Thomson Foundation)، بتمويل أوروبي لتدريب ودعم وسائل إعلام مستقلة في دول مجاورة للاتحاد، بينها مصر([30]).

كما تشمل الجهات ذات الصلة الصندوق الأوروبي للديمقراطية (EED)، ومؤسسات دولية متخصصة في تطوير الإعلام، مثل (International Media Support – IMS) و(Free Press Unlimited) و(Internews) و(DW Akademie). أما كندا، فتتيح عبر صندوق المبادرات المحلية (CFLI) منحًا لمشروعات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وقد تكون بعض المشروعات الإعلامية مؤهلة وفق أولويات الدعوات السنوية([31]).

هذه التمويلات الأجنبية والتي تعترف بعض المنصات الصحفية المستقلة بتلقيها بشكل علني، كما تفعل “مدى مصر”، يمثل إزعاجًا للسلطات المصرية؛ لأنه يوفر قدرات مالية لهذه المنصات تمكنها من مواصلة وتطوير عملها، ويوفر لها في الوقت نفسه دعمًا سياسيًّا وحقوقيًّا من الاتحاد الأوربي مصدر تلك التمويلات، يضع السلطة في حرج أحيانًا بحكم اتفاقية الشراكة المصرية الأوربية، وحتى لا تفقد الحكومة المصرية نفسها بعض المساعدات الأوربية والغربية التي تضع ضمن شروطها احترام حقوق الإنسان وحرية الصحافة. لكن السلطة لا تتورع بين الحين والآخر عن مداهمة بعض هذه المنصات الصحفية واعتقال بعض محرريها كما فعلت مع مدى مصر أكثر من مرة، وكما فعلت مع موقع المنصة، وموقع مصر العربية قبل إغلاقه نهائيًّا، وأخيرًا منصة متصدقش.

وضمن المشهد الإعلامي المعارض في الداخل، لا يمكن تجاهل سيف اعتقال الصحفيين المعارضين والمستقلين. وإذا كانت النيابة قد استدعت الصحفيتين رشا عزب، ولينا عطاالله وافرجت عنهما بكفالات مالية، فإنها لم تفعل الشيء ذاته مع صحفيين آخرين، مثل أحمد دومة، وياسر أبو العلا، وأشرف عمر، وحيدر قنديل، وصحفيي متصدقش الستة: عبد الله قدري، ومحمد أشرف أبو عميرة، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل الذين تعرضوا للاختفاء القسري والتعذيب قبل عرضهم على النيابة التي أمرت بحبسهم مع تجديد الحبس حتى الآن (ارتفع عدد الصحفيين والإعلاميين المحبوسين إلى 46 بنهاية شهر سبتمبر 2026)([32]).

2 – أزمات ومشاكل الخارج:

بينما تستمر المنصات المحسوبة على التيار الليبرالي في الخارج في عملها بسبب استقرار مصادر تمويلها، فإن القنوات والمنصات المحسوبة على المعارضة المقيمة في تركيا تعرَّضت لتضييقات سياسية من السلطات الرسمية بناء على مطالب من الحكومة المصرية، وكان من بينها منع أبرز مذيعي تلك القنوات من الظهور على الشاشة، وتخفيض سقف الانتقادات تدريجيًّا([33])، ما اضطر إحداها (قناة مكملين) لمغادرة تركيا والعمل من أوروبا، كما فعل الشيء نفسه الإعلامي معتز مطر الذي غادر تركيا إلى أوروبا ليؤسس أيضًا قناة (الشعوب) التي لم تستمر طويلًا بسبب مشاكل التمويل. وفرضت السلطات المصرية حجبًا للمواقع الإخبارية المصرية التي تبث من خارج مصر، أو التي تتعرَّض للقضايا المصرية، مثل العربي الجديد وعربي 21 وزاوية ثالثة، ناهيك عن حجب المنصات التي تعمل من داخل مصر، مثل المنصة ومدى مصر وفكر تاني و… إلخ، ضمن عملية حجب واسعة شملت حوالي (600) موقع إلكتروني إخباري وغير إخباري([34]).

واصلت السلطات المصرية قمعها العابر للحدود للإعلاميين المصريين المعارضين في الخارج، حيث وضعت العشرات منهم على قوائم الإرهاب([35])، كما اعتقلت العديد من ذويهم داخل مصر بهدف الضغط عليهم، وحرمتهم من تجديد جوازات سفرهم، أو استخراج أي أوراق ثبوتية أخرى.

وبحسب التقرير السنوي الثاني لمنتدى حقوق الإنسان المصري، بعنوان: (أينما ذهبوا.. القمع العابر للحدود، واستهداف المصريين في الخارج)، فإن مصر تُعد من أكثر الدول نشاطًا في مجال القمع العابر للحدود، حيث تقوم باعتقال الأقارب، وحَجْب وسائل الإعلام في المنفى، واستهداف الأفراد ببرامج التجسس، ورفض تقديم الخدمات القنصلية ووثائق الهوية، حتى للأطفال([36]).

الأزمة الأحدث التي يواجهها الإعلام المصري المعارض في الخارج هي أزمة تمويلية، تسببت في تأخر صرف الرواتب أولًا، ثم تقليص البرامج حتى الحدود الدنيا (برنامجين رئيسيين يوميًّا فقط في قناة مكملين، ومثلهما في قناة الشرق، مع أزمات تمويلية في بعض المنصات الإعلامية الأخرى، واحتمالات غلق بعض هذه المنصات أو القنوات أو استمرار تشغيلها بالحد الأدنى.

المحور الخامس: سيناريوهات متوقعة وتوصيات

تبدو إشارات السلطة تجاه فتح المجال الإعلامي متضاربة؛ ففي الرابع من يوليو 2026م وخلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون)، وَجَّه السيسي الحكومة بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، كما وَجَّه بعقد مؤتمر سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام المصري في 3 ديسمبر من كل عام([37])، وفي الوقت نفسه اقتحمت الشرطة مقر منصة “متصدقش” واعتقلت 6 صحفيين يعملون بها، وعرضتهم للتعذيب. كما قررت إغلاق موقع “مدى مصر” الذي ساندته حملة تضامن عالمية واسعة، مع استمرار إعلام الصوت الواحد، واستمرار أزمة الصحفيين المعتقلين، واستمرار الضغط على إعلاميي الخارج من خلال اعتقال أشقائهم وأقاربهم في مصر. وكل هذه المظاهر التصعيدية ضد حرية الصحافة تضرب مسبقًا مؤتمر الإعلام المقرر في ديسمبر، وتضرب السردية التي تحاول السلطة تسويقها عن فتح المجال الإعلامي أمام الأصوات المتعددة.

كما أن أزمة السيولة المالية التي تواجهها بعض القنوات والمنصات في الخارج تهدد استمرارها، وتنعكس سلبًا على العاملين فيها، وهذا يدعونا لاستشراف مستقبل هذا الإعلام المعارض والمستقل في الداخل والخارج.

يُعتبر الإعلام أكثر أدوات المعارضة فعالية طيلة السنوات الماضية في ظِل قصور الأداء السياسي لها، وسوف يؤثر غياب بعض القنوات والمنصات على ما تبقى من عمل معارض، لكن التأثير لن يكون ضخمًا إلا في حدود فقدان وظائف ومِن ثمَّ كوادر إعلامية، والسبب هو أن العديد من وجوه تلك القنوات، ومعهم وقبلهم أيضًا العديد من المؤثرين الإعلاميين والسياسيين والفنانين نجحوا خلال السنوات الماضية في تأسيس وتطوير قنوات يوتيوب خاصَّة بهم، تمكنهم من التعبير عن رأيهم ومناقشة الأحداث بحرية أكبر من جهةٍ، وتدر على بعضهم مداخيل مناسبة تعوضهم عن رواتب القنوات نسبيًّا من جهةٍ أخرى.

ومن الممكن لإعلاميين آخرين أن يؤسسوا قنوات على اليوتيوب أيضًا، ويعتنوا بما يقدمونه عليها حتى يحققوا من خلالها الهدف العام في نشر الوعي والدفاع عما يعتقدونه، وأيضًا توفير مصدر دخل بديل لهم.

وتستطيع القنوات الفضائية التي تتعرَّض لعُسر مالي أن تنقل عملها إلى البث الرقمي (IPTV) وإلى صفحات التواصل الاجتماعي الأقل كلفة، خاصَّة مع ارتفاع عدد مستخدمي الانترنت في مصر.

ووفقًا لأحدث البيانات، يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في مصر نحو 93 مليون مستخدم، بينما يستخدم الهاتف المحمول حوالي 90 مليون شخص، ويشارك 50% من السكان في وسائل التواصل الاجتماعي([38]). ووفقًا للبارومتر العربي الصادر في مايو 2026م، تقاسمت وسائل التواصل الاجتماعي حصة متابعة الأخبار مع التلفزيون (43% للأولى، و45% للثاني)، كما يعتمد المصريون الأصغر سِنًّا والأكثر تعليمًا بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار، بينما يستمر المصريون الأكبر سِنًّا والأقل تعليمًا في الاعتماد بشكل أساسي على التلفزيون([39])، وهذه البيانات تشي بتراجع مستمر لجمهور القنوات التلفزيونية لصالح الإعلام الرقمي، وهو ما ينبغي للمعارضة المصرية التركيز فيه باعتباره الأكثر جذبًا للأجيال الجديدة من ناحيةٍ والأقل كلفة من ناحيةٍ ثانية، والأكثر حصانة في مواجهة تدخلات السلطة من ناحيةٍ ثالثة.

ومع اتساع دور المؤثرين أصحاب الصفحات والقنوات المليونية، واتساع رقعة الحرية أمامهم، تزداد أيضًا مسؤوليتهم الأخلاقية والمهنية عمَّا يقدمونه للقراء والمشاهدين، ومن الواجب عليهم الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية في عملهم طواعية، مع العلم أنهم يعملون في دول تتشدد في تطبيق القوانين. وفي هذا الإطار أيضا، ينبغي تشجيع المزيد من الرموز السياسية والإعلامية والفنية المؤمنة بالإصلاح والتغيير لتأسيس قنوات وحسابات نشطة لهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

مع إعلان السيسي عدم نيَّته تغيير الدستور، وعدم الترشح مجددًا في 2030م، ورغم الشكوك في نواياه، ورغم الإجراءات التصعيدية الأخيرة التي أشرنا إليها، فإن الضغوط ينبغي أن تتواصل وتتصاعد لمطالبة النظام بفتح حقيقي للمجال الإعلامي، وإطلاق سراح الإعلاميين المعتقلين، والسماح بتأسيس صحف وقنوات خاصَّة كجزءٍ من عملية انتقال ديمقراطي متدرج حتى العام 2030م، وعلى الأحزاب السياسية أن تولي أهمية لامتلاك وسائل إعلام مؤثرة تعبر عن سياساتها، ومواقفها، وتكون جسر تواصل بينها وبين المواطنين، كما أن عليها أن تستخدم مهارات التواصل المباشر فهو الوسيلة الأكثر فاعلية.

يوفر الذكاء الصناعي فرصًا جيدة للإعلام عمومًا، ويمكن للإعلام المعارض والمستقل أن يبذل مزيدًا من الاهتمام بهذا المجال الذي يساعده في خفض النفقات، وتطوير المنتج الإعلامي، وتقليل أعداد الموظفين.

وأخيرًا فإن الإعلام المعارض والمستقل مدعو لتوسيع قاعدة جمهوره لتنتقل من المحلية إلى العالمية، مخاطبًا الرأي العام العالمي، فالعالم قرية صغيرة، والتضامن العالمي بين قوى التغيير يتسع مع الوقت.

خاتمة

تكشف هذه الدراسة أن أزمات الإعلام المصري المعارض والمستقل لا تنفصل عن التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر منذ عام 2013م، والتي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي، من حالة تعددية نسبية أتاحت مساحات للتنافس والنقد، إلى واقع تهيمن عليه رواية إعلامية واحدة، مع بقاء استثناءات محدودة في الداخل، ومنصات وقنوات تواجه ضغوطًا متزايدة في الخارج.

وقد أظهر تحليل الوضع الدستوري والقانوني اتساع الفجوة بين الضمانات التي ينصُّ عليها الدستور والقوانين والممارسات الفعلية، بما يشمل القيود على التراخيص، وحجب المواقع، وملاحقة الصحفيين، وتقييد حرية العمل الإعلامي. وتضع الأزمة الأخيرة المتعقلة بمنصتي “متصدقش” و”مدى مصر” الصحافة المستقلة في مصر في اختبار لمدى قدرتها على الصمود في مواجهة القمع.

كما بيَّنت الدراسة أن الإعلام المعارض، رغم نجاحه في كسر احتكار الرواية الرسمية، وإبراز قضايا المعتقلين والانتهاكات الحقوقية، وتقديم معلومات وتحليلات لا تحظى بمساحات مماثلة في الإعلام الموالي للسلطة، لا يزال يعاني أوجه قصور مهنية، ومحدودية في تطوير خطابه وتوسيع جمهوره. وتفاقمت هذه التحديات بفعل الضغوط السياسية والأمنية العابرة للحدود، وأزمات التمويل والإدارة، وتراجع قدرة بعض المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين فيها.

وفي ضوء ذلك، فإن استمرار هذا الإعلام يتطلب إعادة بناء نماذج أكثر استدامة للعمل، وتوسيع الاعتماد على المنصات الرقمية والبث منخفض التكلفة، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير المحتوى والمعايير المهنية، وتوسيع دائرة الجمهور محليًّا ودوليًّا. كما يظل فتح المجال الإعلامي، وتفعيل الضمانات الدستورية، والإفراج عن الصحفيين المحبوسين، وإتاحة تأسيس وسائل إعلام مستقلة، شروطًا أساسية لاستعادة التعددية الإعلامية.


([1]) موقع رئاسة الجمهورية: https://2u.pw/mgBUzF

([2]) مؤشر حرية الصحافة: تصنيف 2026: حرية الصحافة في أدنى مستوياتها منذ 25 عاماً، https://2u.pw/DtDrky

([3]) المرصد العربي لحرية الإعلام: https://2u.pw/ur8286

([4]) منشورات قانونية، قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018م، https://manshurat.org/node/31481

([5]) الهيئة العامة للاستعلامات https://2u.pw/Qn8Vgr

([6]) المبادرة المصرية، بيان مشترك: رفض “الأعلى للإعلام” ترخيص موقع “فكَّر تاني” يعد استمرارًا للهجمة على الصحافة المستقلة في مصر، 31 أكتوبر 2024م، https://2u.pw/zNuMcZ

([7]) GMR ، ملكية وسائل الإعلام،  https://egypt.mom-rsf.org/ar/owners

([8]) اليوم السابع، المتحدة للخدمات الإعلامية.. قصة نجاح في الدراما والإعلام والرياضة، 28 يونيو 2024م، https://2u.pw/XQXziH 

([9]) موقع صحيفة درب: https://daaarb.com/category/home

([10]) موقع ليبرالي نيوز: https://lbraly.com

([11]) مدى مصر، الحوار الوطني.. وﻻدة متعسرة ومستقبل غامض، 27 يونيو 2022م، https://2u.pw/pSH6yf

([12]) الاتحاد الأوربي، فرص التمويل من الاتحاد الأوروبي لقطاع الإعلام الإخباري،https://2u.pw/N4H0Y3

([13]) Niemanlab, https://2u.pw/B4q8gJa

([14]) مركز الجزيرة للدراسات، سوسيولوجيا إعلام الثورات العربية بالمهجر: الوظائف وسرديات الخطاب، 12 أبريل 2018م، https://2u.pw/Mwi4ye 

([15]) Socialblade, https://2u.pw/eto5Yg

([16]) مركز التحرير، مصر وطن يعيش فينا…ولا نستطيع العيش فيه: تنظيم وناشطية المصريين من المنفي، 23 مارس 2023م، https://2u.pw/W1AHKu

([17]) المصري اليوم، «إعلام عبدالناصر».. نموذج السيسى المُفضل، 3 نوفمبر 2013م، https://2u.pw/MqJwmc

([18]) عربي 21 ، صحيفة مصرية تحذر السيسي: الصوت الواحد تأميم للإعلام، 22 يونيو 2015م، https://2u.pw/BvmtWE

([19]) مركز الجزيرة للدراسات، مصدر سابق.

 ([20])Theguardian, https://2u.pw/AmoOcK

([21]) مركز الجزيرة للدراسات، مرجع سابق.

([22]) Sciencedirect, https://2u.pw/gHo8td

([23]) المصري اليوم، السيسي: “أنا عامل منتدى مصر عشان أرفع الروح المعنوية للحكومة ومحتاج الشعب كله يقف جنبنا”، 22 أكتوبر 2026م، https://h1.nu/1Bf08

([24]) الهيئة الوطنية للإعلام: https://www.maspero.eg

([25]) جريدة الشروق، إطلاق منصة شات مصر للتحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات بالذكاء الاصطناعي، 19 أكتوبر 2026م، https://2u.pw/6uF09n

 ([26])https://manassa.news/news/34264

([27]) مدى مصر، «أمن الدولة» تستدعي لينا عطا الله رئيسة تحرير «مدى مصر» للتحقيق، 19 أكتوبر 2026م، https://2u.pw/jRpd0L

([28]) موقع رئاسة الجمهورية، مصدر سابق.

 ([29])the National Endowment for Democracy (NED), https://2u.pw/kPmT1A 

 ([30])European commission , https://2u.pw/N4H0Y3

([31]) Mediahelpingmedia, https://2u.pw/uSBMQv

([32]) المرصد العربي لحرية الإعلام – التقرير الشهري عن سبتمبر 2026م.

([33]) Spectrumlocalnews, https://2u.pw/ajFZJE

([34]) مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان https://2u.pw/ZIRPRjS

([35]) عربي 21 ، 33 إعلاميا ضمن أحدث قائمة لـ “الإرهاب” في مصر ، 22 أبريل 2026م، https://2u.pw/9KZtWg

([36]) المنبر المصري، أينما ذهبوا: القمع العابر للحدود واستهداف المصريين في الخارج، 11 فبراير 2026م، https://2u.pw/ifxNvq

([37]) الشروق، الرئيس السيسي يوجه الحكومة بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي وتنشيط الحياة الحزبية، 4 يوليو 2026م، https://2u.pw/oJq173

([38]) الأهرام اليومي، مستشار وزير الاتصالات: عدد مستخدمي الإنترنت في مصر بلغ 93 مليون مستخدم، 30 نوفمبر، 2025م، https://2u.pw/a6ZFlH

([39]) البارومتر العربي، صحيفة حقيقة الرأي العام المصري، 20 مايو 2026م، https://2u.pw/sMZSjf

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى