للتحميل والقراءة بصيغة PDF
مقدمة
تُعد العلاقات المدنية العسكرية فرعًا علميًّا هامًّا من فروع العلوم السياسية، ويعدها البعض حجر الزاوية في فهم كثيرٍ من التجارب السياسية، وبالأخص تلك التي مرت بدول الربيع العربي، وفي مقدمتها مصر ما بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013م. وأصبحت أي محاولة فهم للأمور رهينة الإجابة عن أسئلة: أين يتموضع العسكري؟ وما تأثيره؟ وحجم صلاحياته؟ وعمق سلطاته؟ ومدي تمدده في الرقعة المدنية؟
بات مصطلح “العسكرة” معيارًا يُقاس به مدي وعمق العلاقات المدنية العسكرية، ومقدار النفوذ الذي تمارسه المؤسسة العسكرية داخل الدولة ومؤسساتها المختلفة، في حال السلم أو الحرب، وتراتبية وطرق اتخاذ القرار داخل مؤسسات الحكم والأمن القومي العليا، ومِن ثمَّ انطباع ذلك على الحياة اليومية للمواطن.
المتتبع لتاريخ المؤسسة العسكرية المصرية، خاصَّة في عهدها الجمهوري، يسهل عليه رصد تدخلات المؤسسة العسكرية في الشأن المدني، والكم الكبير والمتنوع للمزايا الممنوحة لها، وأول ما يمكن رصده هنا، تعمد المؤسسة العسكرية “تركيم” تلك المزايا بشكلٍ ذكي يُحدِث تكاملًا وتشبيكًا فيما بينها، عبر ضم ميزة إلى أخرى في مدى طويل، وإطار مدروس، مستغلًا المستويات الإدارية والفنية والسياسية التي أتاحتها المراحل التاريخية المختلفة، بهدف تعظيم قيمة وأهمية ما تحصله القوات المسلحة واتصاله بشكل وثيق بما سبق تحصيله في ذات السياق.
ويُعد مشروع إنشاء الأوكتاجون دليلًا جليًّا يقدم عدة شواهد على ما يمكن تسميته “التركيم التكاملي للمزايا”([1]).
تتناول هذه الورقة أوجه تعزيز الهيمنة العسكرية على الحياة المدنية المصرية، وتتناول مقر القيادة الاستراتيجي (الأوكتاجون) كنموذج معبر عن تلك العلاقة، عبر مبحثين:
نتناول في المبحث الأول حدود العلاقة بين المدني والعسكري في الدولة الحديثة، وكيف تحوَّلت الأمور من حماية الدولة المصرية إلى إدارتها، وموقع ومركزية المؤسسة العسكرية المصرية في قيادة الجمهورية الجديدة، وكيف تآكلت الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وأهم النماذج الدالة على الخبرة العسكرية في “تركيم” المزايا في المساحات المدنية المتاحة.
في المبحث الثاني، نتناول شواهد الهيمنة الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية في مشروع الأوكتاجون، وكيف نشأ المشروع، وأهم دوافع تشييده، ومفهوم القيادة الاستراتيجية للدولة وفق نموذج الأوكتاجون، وما علاقة اختيار الموقع بثورة يناير، وحقيقة الأوكتاجون، وهل هو مؤسسة عسكرية أم مجمع إداري للدولة.
إشكالية الدراسة:
تتمثل إشكالية الدراسة في بحث حدود العلاقة بين المدني والعسكري في الدولة المصرية، في ظِل اتساع الأدوار المنسوبة إلى المؤسسة العسكرية وتداخلها مع مجالات إدارية واقتصادية وخدمية ذات طبيعة مدنية.
ويدور السؤال الرئيس للدراسة حول “كيف يُعبِّر مشروع مقر القيادة الاستراتيجي “الأوكتاجون” عن أوجه تعزيز الهيمنة العسكرية على الحياة المدنية المصرية، وما هي حدود العلاقة بين المدني والعسكري في ضوء مفهوم “تركيم المزايا”.
تساؤلات الدراسة:
يتفرع السؤال الرئيس للدراسة مجموعة من الأسئلة الفرعية التي تُسهِم في إيضاح الإجابة عليه، وهي على النحو التالي:
- ما حدود التداخل بين المدني والعسكري في مصر، وكيف تحوَّلت الأمور من حماية الدولة المصرية إلى إدارتها على المستويات الدستورية، والظرفية، والتراكمية؟
- ما موقع ومركزية دور المؤسسة العسكرية وأجهزتها المختلفة في قيادة “الجمهورية الجديدة”، وكيف تآكلت الحدود الفاصلة بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية؟
- ما هي حقيقة مشروع “الأوكتاجون”، وأهدافه المُعلَنة، وما مدى ملاءمة موقعه ومساحته الشاسعة على مقياس العداء والخطورة الاستراتيجية مقارنةً بالمباني المثيلة في العالم؟
- ما طبيعة الارتباط المباشر بين اختيار موقع الأوكتاجون والعاصمة الإدارية وبين توقي حدوث ثورة شعبية أو تكرار سيناريو “ثورة يناير”؟
- كيف تُمثِّل مراكز الأوكتاجون ومجالات عمله حضورًا للمهام المدنية تحت قيادة عسكرية تُدار بأدوات استثمارية و”بيزنس” عسكري؟
- ما هي التداعيات والمآلات المترتبة على خلق “إدارة سيادية” للمهام المدنية بمعزل عن الرقابة المحاسبية والبرلمانية والمالية؟
حدود الدراسة ونطاقها:
تتمثل الحدود الموضوعية للدراسة في بحث العلاقات المدنية العسكرية وظاهرة “العسكرة” من خلال التركيز على نموذج مشروع القيادة الاستراتيجية “الأوكتاجون”، وما يتصل به من تداخل في المهام الإدارية واللوجستية والاستثمارية.
أما حدودها المكانية فتتمثل في جمهورية مصر العربية مع التركيز على العاصمة الإدارية الجديدة ومقر الأوكتاجون والمشروعات القومية المرتبطة بأجهزة وشركات المؤسسة العسكرية
وحدودها الزمنية تمتد في مدي تاريخي مختصر يتتبع إرهاصات الهيمنة منذ لحظة يوليو 1952م، وتركز بشكل خاص على مرحلة ما بعد يوليو 2013م وصولاً إلي افتتاح الأوكتاجون في سبتمبر 2026م.
منهج الدراسة:
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي القائم على “المقاربة النظرية والتأصيلية” لظاهرة العسكرة وعلم الاجتماع العسكري. واستعان الكاتب بدراسة الحالة ، بجعل مشروع “الأوكتاجون” هو النموذج التطبيقي المعبر عن أركان الهيمنة.
كما اعتمدت الدراسة على “المنهج التاريخي” لرصد تطور العلاقات وتداخلاتها عبر ثلاثة مستويات “دستورية، وظرفية، وتراكمية”، معتمدًا على شواهد الاستدلال الواقعي من خلال التصريحات الرسمية، والتقارير الحكومية، والاتفاقيات التجارية، والقرارات التشريعية والسيادية المنشورة.
المبحث الأول: حدود العلاقة بين المدني والعسكري في الدولة الحديثة
تفاوتت الآراء حول البداية الحقيقية لحدوث الهيمنة العسكرية على القرار الرسمي المصري، بين مَن يري بدايتها مع حركة الضبَّاط الأحرار، وبين مَن يري إرهاصات تلك الهيمنة في عصورٍ أقدم، لكن تظل البداية الموثقة بالشواهد لتلك الهيمنة المركَّزة بين المدني والعسكري هي لحظة يوليو 1952م، التي لم تتوقف تفاعلاتها في ترسيخ أركان “العسكرة” حتى اليوم، وشيَّدت بذكاء ودأب أركان الهيمنة بشكلٍ لا تخطئه عين، ولا يحتاج إلى اجتهاد خاص لرصد تطوراته.
يُطلِق المهتمون بحقل العلوم السياسة والعسكرية، على تلك الهيمنة مصطلح “العسكرة”، ويعتبرونه حجر الأساس في النظريات التي حاولت سبر أغوار العلاقات المدنية العسكرية، والتي آلت أغلب نتائجها إلى خطورة الاعتداء على الحكم المدني من طرف العسكريين، وعدم شرعية الانقلابات العسكرية بأي حال وتحت أي ظرف.
في دراسة نشرتها مجلة “لُبَاب للدراسات الاستراتيجية”، بعنوان: “العسكرة: مقاربة نظرية تأصيلية”، تشير إلي استحواذ “العسكرة” على جل اهتمامات الباحثين المهتمين بحقل العلاقات المدنية العسكرية، بل إنها تمثل الباعث الأساسي وراء ظهور نظرية “صمويل هنتنغتون” في العلاقات المدنية-العسكرية التي تقوم أُسُسُها المعرفية على مبدأ “سيادة السلطة المدنية على المؤسسة العسكرية”. وأشارت الدراسة إلي استحواذ “العسكرة” على اهتمامات الباحثين في علم الاجتماع العسكري، والتي تشير إلي أشكال مختلفة في توصيف تلك العلاقات، فمنهم مَن ذهب إلى أن العلاقات المدنية/العسكرية يغلب عليها الصراع، ومنهم من يَري أن التوافق هو الحاكم، وهناك آخرون يرون أنها تميل إلى التبعية ذات الطابع التعاقدي بين الجيش والقيادة السياسية المدنية المنتخبة، وعزاها آخرون إلى اقتسام المسؤولية والتعاون في إطار ما يُحدده الدستور والقانون، وأن المصدر الشرعي للسلطة السياسية هو الإرادة المدنية وليس المؤسسة العسكرية”([2]).
الآراء المختلفة في تعريف “العسكرة”، أجمعت على خطورة الهيمنة العسكرية على الحياة المدنية، ورأت أن الإدارة المدنية للدولة هي الأصل وهي المصدر الشرعي للسلطة السياسية، ووفق هذا تصبح “العسكرة” أمرًا طارئًا على منظومة الحكم، يميل إلى الأمر الواقع منه إلى النظام السياسي المقبول.
أولًا: التداخل بين المدني والعسكري والتحوُّل من الحماية إلى الإدراة
وظيفة الجيوش بحسب الأصل وظيفة دستورية، يصفها الدستور ويضع حدودها بدقة، ويرسم حدود الصلاحيات والمسؤوليات والعلاقات بين طبقات الحكم المختلفة والمؤسسة العسكرية، خاصَّة العلاقة بين مؤسستي الرئاسة والجيش، في زمن السلم أو زمن الحرب.
في تجربة “العسكرة” التي مرت بها مصر طوال سبعة عقود، تميل بوصلة الهيمنة نحو الاقتصادي في كثير من الأحيان، وتؤول معظم التوجهات والانحيازات والقرارات في النهاية إلى إحداث نتيجة اقتصادية تحقق بها مصلحة ما تتمثل في إدارة مؤسسة، أو الاستحواذ على قطاع جديد لصالح المؤسسة العسكرية. وفي الأحوال الأخرى التي تعجز المؤسسة العسكرية عن حسم شكل الاستحواذ تنتقل إلي نمط المشاركة المؤثرة، أو تكتفي بتعطيل الحركة ووضع العراقيل في الطريق حتي تحين فرصة أخري تنتقل بموجبها لمستوى أعلى، مستندةً في كل أطوارها إلى نص دستوري أو حيلة قانونية، أو قرار استثنائي في مرحلة تاريخية فارقة.
ولا يغيب السياسي والاجتماعي عن الصورة، لكنهما في المحصلة يخدمان الشأن الاقتصادي بتفاوت، ولا ينفكَّان عنه بحال، ويُعد “البيزنس العسكري” – إن جاز التعبير- في خلفية أي قرار سياسي أو تدبير اجتماعي أو تنظيم إداري في علاقة توافقية تبادلية بين المساحتين.
حتى نقترب من مفهوم “العسكرة” وتطبيقاته، وانتقال المؤسسة العسكرية من الحماية إلى الإدارة في التجربة المصرية، نلقي الضوء على نماذج عملية للأمر، ونقسمها إلى ثلاث مستويات: الأول دستوري، والثاني ظرفي، والثالث تراكمي:
1 – المستوى الدستوري:
تعد مناسبات الانتقال الدستوري من الحماية إلي الإدارة المباشرة للحكم هي الأعلى في الدلالة على العسكرة، وتوجد في تاريخ التجربة العسكرية لحكم مصر محطتان تاريخيتان بارزتان:
الأولي أطاحت بالمَلَكِية ونقلت الحكم لمجلس قيادة عسكري، انتقل من مهمة حماية مؤسسة الحكم المدنية إلى الإطاحة بها والحلول محلها، ومِن ثمَّ إصدار مرجعيات دستورية مستحدثة لترسيم شواهد السلطة الجديدة.
والمحطة الثانية تتمثل في الانقلاب على مؤسسة حكم جمهورية منتخبة من الشعب والحلول محلها في إدارة البلاد بدلًا من توفير الحماية لها كسلطة حكم في سياق دستور قائم.
وتكاد أدوات الانتقال الدستوري التي استعانت بها المؤسسة العسكرية في كلا المحطتين تكون متطابقة، من تعطيل العمل بالدستور القائم([3])، إلى صهر السلطتين البرلمانية والقضائية في بوتقة سلطة الحكم([4])، إضافة لتدابير التنكيل بطبقة الحكم، وانتهاج خطاب شعبوي حاشد تجاه تشويه الحكم “المدني” واتهامه بالفساد والإهمال وقلة الدراية بحقيقة الدولة والشعب، ومِن ثمَّ استخدام تلك التوليفة لتبرير استخدام القوة العسكرية التي منحها الدستور للمؤسسة العسكرية من أجل حماية الدولة والشعب في أعمال ضد الشعب ومنظومة الدولة نفسها واستلابها والحلول محلها.
2 – المستوى الظرفي:
يُقصَد بالظرفي هنا الاستعانة بالمؤسسة العسكرية بشكلٍ طارئ في حقبة تاريخية ما، من أجل القيام بمهام ذات طبيعة مدنية، والنموذج الواضح لذلك ما تمَّ في الأيام الأولى لثورة 25 يناير، حيث دعا “قسم” من الثوار المؤسسة العسكرية للتدخل والحلول محل السلطة القائمة، وهو ما دفع رأس تلك السلطة إلى القبول بالتنحي وترك الحكم، وقسم آخر من الثوار رضي بوجودها كأمر واقع، ومِن ثمَّ تحوَّلت لسلطة واقع وإدارة دولة في ظرف استثنائي صنعته الظروف.
نموذج آخر صنعته الأحداث أيضًا عندما دُعِيت المؤسسة العسكرية لحماية المنشآت ومعاونة الشرطة في مهمتها أثناء التجهيز للاستفتاء على الدستور والانتخابات في 2012م، بقرار أصدره الرئيس المنتخب وقتئذٍ، وهو ما تحوَّل فيما بعد لمهمة “قانونية” دائمة([5]).
3 – المستوي التراكمي:
تمتلك العسكرية المصرية خبرة كبيرة في إحداث تركيم المميزات كما ذكرنا سابقًا، وتُعد السلطة التي تمتلكها القوات المسلحة تجاه استخدام أراضي الدولة الصحراوية أو المعمورة من أكبر النماذج الدالة على ذلك، فهي إما مالكة للأرض بغرض الدفاع عن الدولة، أو حارسة لها لا يجوز لدولاب الدولة الإداري الانفراد بالقرار تجاهها إلا بالحصول على إذن من الجيش، وإما معطلة لاستخدامها عبر سلسلة من الموافقات اللازمة والإجراءات اللائحية، حتي أضحت المؤسسة العسكرية سلطة أصلية في إدارة ملف الأراضي، ما عطل إلي حد كبير الاستخدام “المدني” الأمثل للأراضي، وبات أحد الأسباب الرئيسة في انحسار مساحة العمران عند حدود متدنية بلغت 6.8% من مساحة مصر حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2022م([6]).
هذه النماذج الواردة في المستويات الثلاث: “الدستوري، والظرفي، والتراكمي”، رسمت حدود العلاقة بين المدني والعسكري وفق أسقف عالية من التداخل لصالح المؤسسة العسكرية، حتى أصبحت “العسكرة” شكلَ حكمٍ مقبولٍ شعبيًّا، واستحقاقًا ذاتيًّا ترى المؤسسة العسكرية نفسها جديرة باحتكاره وحدها، وبالتالي لا تري “المدني” جديرًا بالوصول للحكم فضلًا عن الانفراد به.
ثانيًا: مركزية دور المؤسسة العسكرية في “الجمهورية الجديدة”
“فين المدني اللي هنا”([7])، تصلح هذه الجملة عنوانًا على يًسمى “الجمهورية الجديدة”، فالسؤال الذي وجَّهه “السيسي” في إحدى جولاته الميدانية عن “المدني”، يحمل دلالة على توجهات الدولة الجديدة، التي تري المدني مُقصِّر دائمًا، ويمثل عبئًا على الحكومة، ولا يؤدي ما عليه، في مقابل “العسكري” الذي يتحمَّل المسؤوليات وتُسنَد إليه المهام الصعبة، ويُستدعَي من قِبل الشعب للمسؤولية بعدما فشل المدني في تحقيق تطلعات الناس. هذه المفارقة التي عكست وضعية الأصل والاستثناء معبرة إلى حدٍ كبيرٍ عن توجُّهات الجمهورية الجديدة في عهد السيسي.
زادت رقعة الأدوار المسندة إلى المؤسسة العسكرية في دواليب الدولة ومؤسساتها، ولم تتوقف عند كثافة التواجد، بل تخطت ذلك إلى تأصيل تلك الأدوار بشكل قانوني، وتعزيزها في صورة إجراءات حكومية واجبة النفاذ، فالمؤسسة العسكرية موكول إليها عدة مهام، تبدأ من حماية كافة منشآت الدولة – كما ذكرنا-، وصولًا لإدارة المدارس، ومتابعة المشروعات بالأحياء والمدن، يصاحب ذلك تواجد في طبقة السلطة العليا عبر مستشاري الرئاسة ومعاونيها، والوزراء ونوابهم، والمحافظين ورؤساء المؤسسات، وأعضاء اللجان وغيرها من المواقع الهامة.
تُعد الهيئة الهندسية للقوات المسلحة” المؤسسة النموذج الأبرز لهذه المعادلة؛ حيث أصبحت “القاسم المشترك في كل مشروعات الدولة، يُسنَد إليها تنفذ أغلبية المشروعات القومية الكبرى للبنية التحتية والطرق والمحاور والكباري، ومشاريع استصلاح الأراضي والمنشآت الصحية والتعليمية والقضائية، والنقل والإسكان وغيرها.
ففي عامي 2013 و2014م، تنامى دور الهيئة وتمدد بشكلٍ ملحوظ على حساب شركات القطاع العام والخاص على حدٍ سواء، حيث أُسنِد للهيئة الهندسية العديد من المشروعات الكبرى، أبرزها مشروع المليون وحدة، وتطوير 47 منطقة عشوائية بالقاهرة والجيزة، ومشروعات في مجالات النقل والطرق والخدمات العامة وغيرها، بلغت حتي مايو 2014م (437) مشروعًا استراتيجيًّا وخدميًّا، بحسب ما أعلنه رئيس الهيئة الهندسية اللواء طاهر عبدالله. وتمَّ تتويج هذا التمدد في أغسطس 2014م بإسناد الإشراف العام على مشروع قناة السويس الجديدة للهيئة([8]).
وتفيد التقارير التي يعلنها المسؤولون بالهيئة الهندسية عن إتمامها مشروعات تجاوزت 20 ألف مشروع حتي يونيو 2020م، بحسب تصريح لرئيس الهيئة([9]).
وتَعَزَز هذا التغوُّل لصالح الهيئة الهندسية عبر تعديلات تشريعية أجريت على قوانين البناء، والإدارة المحلية، رسخت شواهد التمكين المؤسسي، ويُعَد نموذج الهيئة الهندسية واحدًا من عشرات النماذج الدالة على اتساع ومركزية دور القوات المسلحة في “الجمهورية الجديدة”.
المبحث الثاني: شواهد الهيمنة العسكرية والحضور المدني في منظومة الأوكتاجون
يمثل “الأوكتاجون” أحد العلامات البارزة على تركيز المهام المدنية بيد المؤسسة العسكرية، ويزعم الباحث أنه جهاز عسكري مركزي تمَّ تصميمه من أجل تجميع خيوط التدخُل في الحياة المدنية في مسارات موحدة، وفق التخصص، أو النشاط، أو الجغرافيا، وهو ما تؤكده التصريحات الرسمية، التي أثبتت له الصفتين العسكرية والمدنية في آن واحد؛ فهو من جهةٍ “عقل الدولة الاستراتيجي”، ومن جهةٍ أخرى هو مقر وزارة الدفاع. لذا، فالأسئلة البديهية هنا ينبغي أن تدور حول المصلحة المرعية في ذلك؟ وأسباب وضع هذه المهام في يد هيئات الجيش وأجهزته؟ ولماذا تُمنَح حق إدارتها بشكل سيادي بمعزلٍ عن الوزارات والهيئات المدنية بالدولة؟
لا يكتمل فهم إجابات هذه الأسئلة بشكل مجرد، أو بمعزل عن بيان طبيعة المهام الموكولة للأوكتاجون، ومِن ثمَّ الحكم على صلاحيتها في إقامة الشواهد على الهيمنة.
أولًا: أهداف تشييد الأوكتاجون بين المدني والعسكري
“في خطوة تاريخية، تجسِّد ملامح الجمهورية الجديدة، وتواكب أحدث النظم الدفاعية والتكنولوجية الفائقة في العالم، افتتح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد بالعاصمة الجديدة. جاء هذا الصرح العملاق ليكون مركزًا مركزيًّا متكاملًا لإدارة مؤسسات الدولة والسيطرة، بما يضمن رفع كفاءة تداول البيانات وإدارة الأزمات، وتعزيز القدرات الأمنية والدفاعية لمصر وفق رؤية علمية تستشرف آفاق المستقبل وتصون مقدرات الوطن وصنع القرار القومي”. ورد هذا التعريف لمشروع الأوكتاجون ضمن تقرير موسَّع نشره الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات يوم افتتاح الأوكتاجون، في الرابع من يوليو 2026م، محددًا الملامح العامة للمشروع، متناولًا النشأة، وهوية المشروع، وأهدافه الاستراتيجية، وأبرز مكوناته، بالإضافة لبيان مساحته وتقسيماته الداخلية([10]).
أما عن الأسباب والأهداف وراء تشييد الأوكتاجون، فيشير تقرير الهيئة العامة للاستعلامات لأبرزها، وهي كما يلي:
- أولًا: المركزية الإدارية والاستراتيجية، ويتمثل ذلك حسب التقرير في القضاء على تباعد المقار وغرف العمليات السيادية، وجمعها تحت مظلة واحدة آمنة لضمان سرعة تدفق المعلومات وإصدار التوجيهات.
- ثانيًا: مواجهة التهديدات الحديثة عبر التعامل مع الجيل الرابع والخامس من الحروب والتهديدات السيبرانية التي تتطلَّب منظومات دفاعية رقمية فائقة التطوُّر.
- ثالثًا: إدارة الأزمات مركزيًّا والحاجة إلى وجود مركز عصبي موحَّد يربط كافة محافظات ووزارات مصر لمواجهة الطوارئ والكوارث بلغة تنسيقية واحدة وبأقصى سرعة ممكنة.
ويتضح من هذه الأهداف المعلنة أن الأوكتاجون أقرب لمقر سيادي لإدارة (الدولة) مركزيًّا، وليس فقط مقرًّا لإدارة وزارة الدفاع أو مقرًّا لتنسيق حركة “العمليات العسكرية”، وهو ما زاد اللغط حول الهدف من تشييده وصلاحياته المطلقة في إدارة منظومات الدولة المختلفة.
بالنظر للهدف الأول، نجده يتحدث عن مقار وغرف العمليات السيادية التي تتدفق عندها المعلومات من أجل ضمان سرعة إصدار المعلومات، وهي مهام من صميم مؤسسات “دستورية” أخري أعلى وأرفع – من حيث الوظيفة والمهام – من مؤسسة الجيش التي ينبغي أن تتلقي منها الأوامر وليس العكس، على رأس هذه المؤسسات الدستورية تأتي مؤسسة الرئاسة بالتعاون مع الحكومة، ثم “مجلس الدفاع الوطني”([11])، و”مجلس الأمن القومي”([12]).
في الهدف الثاني، ورد الحديث عن مواجهة التهديدات الحديثة مثل حروب الجيل الرابع والخامس والتهديدات السيبرانية، وهي – بحسب الأصل – مهمة الدولة في مجموعها ولا تنفرد بها المؤسسة العسكرية فتعمل حيالها جميع منظومات الدولة ومؤسساتها، كلٌ في مكانه ومهمته وتخصصه، والجهد العسكري والأمني والاستخباري -على أهميته- جزءٌ من تلك المنظومة، يشارك المناسب مع المؤسسات، ويبقي الباقي في دوائره المعنية على درجات ومستويات متفاوتة من السرية، كما يتاح بالقدر الكافي للمجالس المعنية باتخاذ القرار السيادي في حالتيه الطبيعية والطارئة، أو المؤسسات النيابية والرقابية والقضائية كما ينظم الدستور، وهذه أبرز العلامات والمحددات للدولة المدنية الحديثة.
أما الهدف الثالث حسب التقرير، فيتحدث عن الحاجة لوجود مركز عصبي موحَّد يربط محافظات ووزارات مصر لمواجهة الطوارئ والكوارث بلغة تنسيقية واحدة وبأقصى سرعة ممكنة، وهذا الهدف تحديدًا هو مهمة “الدولة”؛ ففي نظام دولة موحَّدة مركزية مثل مصر، تعمل كل وزارة في تخصصها على هذه الغاية، وتنفذ كل محافظة أو وحدة إدارية مهمتها حسب الدستور وقانون تأسيسها في ضوء هذا التكليف، ثم يوضع هذا كله في حوزة السلطة المركزية المتمثلة في الرئيس والحكومة، وهي بدورها تُحرِّك الجيش إذا استدعت الظروف ذلك، أما أن يدير الجيش هذا الجهد، ويشرف عليه مركزيًّا، فهو من جهةٍ يلغي قسطًا كبيرًا من مهام الوزارات والمحافظات، كما أنه يجعل المؤسسة العسكرية قيِّمًا على مؤسسات الدولة جميعًا، وهو بذلك عين الدلالة على وجود “العسكرة”.
1 – الموقع والمساحة وجهات التهديد:
لعل السؤال الأبرز عقب افتتاح الأوكتاجون هو: هل الموقع مناسب على مقياس العداء والخطورة الاستراتيجية؟ وهل هناك مبرر للمساحة الضخمة؟
عند عقد المقارنة بين مقر وزارة الدفاع “الأوكتاجون” بالعاصمة الإدارية، وغيره من المباني المثيلة في العالم، فالمخصص للأوكتاجون مساحة شاسعة تبلغ 22 ألف فدان (90 مليون متر مربع تقريبًا) وهو ما يقترب من760 ضعف المساحة المخصصة لمقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) البالغة 29 فدانًا.
في ذات الوقت، تتجاوز مساحة الأوكتاجون كمقر لوزارة الدفاع، جميع المساحات المخصصة للجهاز الإداري للدولة، فالحي الحكومي الذي يضم 34 وزارة، ومقر مجلسي النواب والشيوخ، ومبني الرقابة الإدارية، تبلغ مساحته فقط 560 فدانًا، وهو ما يعني أن الأوكتاجون أكبر من الحي الحكومي بـ 40 ضعفًا تقريبًا، وهو الأمر الذي سبب انقسامًا بين فريقين: يرى أحدهما أن ذلك من قبيل البذخ غير المبرَّر في التجهيز، ففي ظِل التطور التكنولوجي والأمني الذي وصل إليه العالم، فهذه الأنشطة والأغراض لا تحتاج لمبانٍ ضخمة، كما لا تحتاج لارتباط جغرافي، حيث توجَّه العالم منذ زمن لإدارة مؤسساته الاستراتيجية في المجالات السيبرانية، والرقمية، لا سيما العسكري منها، إلى المساحات الافتراضية والخوارزميات المؤمَّنة، وسحابات الإنترنت، وقد أضافت تقنيات الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة من الفضاء الإليكتروني غير المرتبط بالحيز المكاني. ومن جهةٍ أخرى فقد باتت التوجهات الحديثة في نظم الدفاع والاستخبارات تعتمد على توزيع المهمات في أماكن متفرقة، وليس جمعها في مكان واحد.
ويَري الفريق الآخر: أن تشييد الأوكتاجون يتناسب مع التحديات الإقليمية التي تواجهها مصر، وإمكانية اندلاع حرب في أي وقت، ما يبرر امتلاك تقنيات حديثة مرتبطة جغرافيًّا ومحصنة ضد العدوان، حتى لا تسقط الدولة، أو تتقطع أوصالها.
2 – الموقع والثورة:
ثارت بشأن موقع الأوكتاجون بعض التخوفات، بعضها يتعلق بوجوده في الضفة الشرقية للنيل، واقترابه من “إسرائيل” التي لم تهدأ جبهتها رغم توقيع اتفاقية السلام في 1979م، ولا زالت في دائرة التهديد الاستراتيجي لمصر، كما أثيرت تخوفات تتعلق بوجود “عقل الدولة الاستراتيجي” في مساحات فراغ سكاني بالصحراء الشرقية.
فبحسب تصريح رئيس مجلس إدارة شركة العاصمة، لم تتجاوز الكثافة السكانية بالعاصمة الإدارية عتبة الثلاثين ألف مواطن، يضاف إلى ذلك سهولة قطع خطوط التواصل الطبيعية مع القاهرة والمحافظات المصرية الأخرى([13]).
لكن رغم جدية هذه التخوفات حول الموقع، لم تهتم التصريحات الرسمية بتبديدها أو إجابة الأسئلة المثارة حولها، لكنها في المقابل، تحدثت عن أسباب أخرى لإقامة الأوكتاجون داخل العاصمة الإدارية، بل يمكن اعتبار هذه الأسباب هي الأسباب الدافعة وراء إقامة العاصمة الإدارية ذاتها، ومِن ثمَّ نقل مقار الحكومة إليها. ورد ذلك في حديث السيسي الذي ألقاه في افتتاح “الأوكتاجون” عن السبب الرئيس لوجوده بالعاصمة الإدارية، والذي تمثل في عدم تكرار ما حدث خلال “ثورة يناير” من حصار للمقار الحكومية بالقاهرة، معزيًا ذلك للرغبة في التحرُّر من الضغط، والخوف الذي تصنعه حشود المحتجين، وحديثه عن ضرورة خروج مقرات الدولة من العاصمة حتي لا يتكرر سيناريو 25 يناير مرة أخري، واصفًا مَن يقوم بذلك بـ “الأشرار والإرهابيين”، وأنهم لن يكفوا عن ذلك. وفي هذا ربط مباشر وصريح من المستوي السياسي الأعلى في الدولة بين تشييد الأوكتاجون ومن قبله العاصمة الإدارية وبين توقي حدوث ثورة شعبية([14])، وهو ذات الأمر الذي أثارته تقارير بعض الخبراء، عقب الإعلان عن مشروع العاصمة في 2014م، ورصده تقرير لموقع “مدي مصر”، عن وجود أبعاد أخري وراء تشييد مشروع العاصمة، على رأسها البُعد الأمني المتمثل في إبعاد المنشآت الحكومية عن الكتل السكنية ومناطق المظاهرات والاحتجاجات، وهو ما أكده تصريح السيسي بجلاء([15]).
واللافت هنا أن الاستمرار في اتهام ثورة يناير بالإرهاب والتخريب يتنافى مع الاحتفاء الدستوري بها في أكثر من موضع.
ثانيًا: المدني والعسكري في مهام الأوكتاجون
يتبيَّن من استعراض المهام الاستراتيجية المسندة إلى الأوكتاجون، أن مساحة حضور “المدني” أكبر بكثير من مساحات الحضور العسكري، بل يمكن القول إن حضور “العسكري” جاء في مستوى ضبط مسارات العمل المدني المتجانسة، عبر جمعها في أطر رأسية تحت قيادة عسكرية موحَّدة.
وبالنظر لأغلبية المهام التي وُضِعت تحت قيادة وزارة الدفاع، نجدها مهامًّا مدنية من صميم اختصاصات عديد الوزارات والجهات الحكومية، وعلى رأسها وزارات التخطيط، والاتصالات، والتموين، والداخلية، والإسكان، والتنمية المحلية، وغيرها، انتقل التحكُّم فيها مركزيًّا في مجاليها الطبيعي والطارئ إلى الأوكتاجون، ما قد يجعله محتكِرًا لمجالات وأنشطة ذات طابع إداري، أو لوجستي. كما يعمل في مجالات الخدمات، وإدارة المرافق، وتوفير السلع، وإدارة سلاسل الإمداد، وتوفير خدمات البيانات، وهو ما قد يؤدي في المحصلة إلى شلل في القرار، واختناق التواصلات الطبيعية، وتقييد المرونة في حصول المواطن على الخدمات اليومية.
حسب موقع رئاسة الجمهورية، يشمل الأوكتاجون ثلاثة عشرة منطقة استراتيجية تختص بإدارة مهام الدولة الرئيسة، وأهمها المراكز التالية([16]):
- مركز البيانات الاستراتيجي الموحَّد للدولة.
- مركز التحكُّم في الشبكة الاستراتيجية المغلقة للجهاز الإداري.
- مركز الإدارة والتشغيل للتحكم في مرافق الدولة.
- مراكز السيطرة على خدمات الطوارئ والسلامة.
- مخازن السلع الاستراتيجية.
- مركز التحكُّم في شبكة الاتصالات.
وتعمل هذه المراكز الاستراتيجية في ثلاث مجالات رئيسة، مجال الاتصالات والبيانات، ومجال خدمات الطوارئ والسلامة العامة، وإدارة المخازن والمستودعات في الغذاء والدواء.
ونستعرض هنا أولًا المساحات المدنية، ثم نقيم الدليل على كونها تدار بشكل استثماري، مستعينةً بأدوات “البيزنس”؛ حيث تمتلك المؤسسة العسكرية مجموعة من الشركات التجارية التي تعمل في ذات هذه المجالات المسندة للأوكتاجون، وقد حاز الجيش وضعية الاحتكار في بعضها.
١ – مجال الاتصالات والبيانات
تعمل عدة شركات تابعة للقوات المسلحة في وتُعد محتكرة لها بموجب قانون أو قرار حكومي، منها الشركات التالية:
- الشركة الوطنية لخدمات الاتصالات (NCTS) التابعة لجهاز الخدمة الوطنية، وهي الشركة الوحيدة المرخص لها بشكل حصري من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لتشغيل شبكات الأقمار الصناعية وتوفير خدمات الاتصال المتطورة للمؤسسات وتغطية المناطق النائية([17]). كما تحتكر الشركة إدارة وتشغيل القمر الصناعي “طيبة 1″، وهو القمر الصناعي الأول في مصر للاتصالات، بناءً على قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 242 لسنة 2019م([18])، ما قد يعني وجود تداخل بين الأمرين السيادي والتجاري، كما يمكن حجب الخدمات التي تقدمها الشركة بشكل تحكُّمي من المنبع بقرار من الجهة المالكة دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة المعنية بالاتصالات، ما يؤدي إلى ازدواج القرار وتضاربه من جهةٍ، وتسييسه من جهةٍ أخري.
- مجمع الإصدارات المؤمنة الذكية، وهو مركز تابع لجهاز الخدمة الوطنية، تمَّ تشييده بالعاصمة الإدارية، ويَحتكر تقديم خدمات التأمين والطباعة والتصميم لكافة المحررات الرسمية، بكافة الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية والمحليات، ويقدمها بشكل تجاري من خلال شركات تابعة، وقد تمَّ تأسيسه بقرار رئيس الجمهورية رقم 232 لسنة 2021م([19])، وتُعد كافة الخدمات التي يقدمها المجمع مدنية بطبيعتها، يختص بتقديمها السجل المدني، أو المحافظات والمراكز والأحياء، وغيرها حسب الجهة مقدمة الخدمة، ولا تحتاج لتدخل عسكري خاص، لا من حيث المهمة أو الخطورة على الأمن القومي.
- مركز البيانات والحوسبة السحابية (P1)، الذي يدمج بياناته مع الشبكة الوطنية للطوارئ الوطنية التابعة لسلاح الإشارة بالقوات المسلحة، ويُدار بالتعاون بين وزارة الاتصالات وسلاح الإشارة. والمركز هو المخوَّل بإدارة مركز البيانات الاستراتيجي الموحَّد للدولة. وباستعراض الخدمات التي يقدمها المركز تتبيَّن الطبيعة المدنية التجارية. على سبيل المثال، يقدم مركز البيانات في القطاع الصحي الخدمات التالية:
- تنفيذ ملف طبي موحَّد للمرضى.
- تحويل الأشعة من ثنائية الأبعاد إلى ثلاثية الأبعاد؛ لتسهيل أعمال التشخيص ومساعدة الفرق الطبية.
- استخدام منصة إنترنت الأشياء للسيطرة على أسِرَّة الرعايات وحضانات الأطفال.
- تقديم خدمة التقارير المميكنة.
- ميكنة سيارات الإسعاف لتحسين الخدمات الإسعافية المقدمة للمواطنين من خلال متابعة أسلوب السائقين والمسعفين باستخدام كاميرات التعرُّف على السلوك الخاطئ وإرسالها فورًا وأتوماتيكيًّا إلى غرفة العمليات المركزي.
- تسهيل دورة عمل القوافل الطبية وربطها بالمستشفيات فى ذات نطاق العمل.
وهذه المهام – بحسب الأصل – من اختصاص وزارة الصحة، كما أنها مهام مدنية لا تحتاج عناية خاصَّة ولا مساس لها بالأمن القومي أو العمل العسكري، ولا تختلف باقي المجالات التي يقدمها المركز في باقي القطاعات والمجالات عن ذلك([20]).
٢ – إدارة مراكز السيطرة على خدمات الطوارئ والسلامة العامة:
أسندت مهمة إدارة وتأسيس مراكز الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة لإدارة سلاح الإشارة بالقوات المسلحة، وقد تمَّ دمج مركز البيانات والحوسبة السحابية (P1) بخدماته الحديثة من الجيل الرابع والخامس في الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة، والتي تقدم الخدمات الحكومية على منصة واحدة، تمَّ إطلاق خدماتها خلال عام 2022م. ومنذ ذلك الحين وقعت إدارة الإشارة بالقوات المسلحة عشرات العقود وبروتوكولات التعاون التجارية مع الجهات الرسمية، والشركات التجارية للاستفادة من خدمات الشبكة بمقابل مادي، منها الاتفاقات التالية:
- بروتوكول تعاون مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، يهدف إلى رفع كفاءة التشغيل والتحكُّم وتأمين البنية التحتية والمتابعة اللحظية لكافة التطورات عبر مركز سيطرة لإدارة الأزمات والكوارث بوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة وربطها بجميع الشركات والهيئات التابعة([21]).
- بروتوكول تعاون مع شركة “أبو قير لتداول الحاويات” لتوفير جميع الاتصالات الحديثة والمؤمنة للميناء لتسهيل تداول البيانات بسرعات فائقة، مما يدعم تطوير أداء العاملين ويُسهِم فى تقديم كافة الخدمات بالكفاءة والقدرة المطلوبة([22]).
- تقدم المراكز برامج التدريب المكثفة للفرق الفنية والكوادر بمجلس الدولة للتدريب على جميع خصائص تطبيق التقاضي الإلكتروني تمهيدًا لتعميم العمل به بكافة الدوائر والمحاكم. ويخدم التطبيق جميع المتعاملين مع مجلس الدولة من قضاة ومتقاضين ومحامين وموظفين بما يضمن تحقيق عدالة ناجزة([23]).
وتضم البروتوكولات التي وقعتها المراكز خدمات لوزارات ودواوين محافظات وشركات تجارية عدة، وكلها خدمات تجارية مدنية لا علاقة لها بالطوارئ أو الأمن القومي أو العمل العسكري([24]).
3 – الإدارة الاستراتيجية في مخازن ومستودعات الدواء والغذاء:
على ذات المنوال، أسست القوات المسلحة شركة المخازن الاستراتيجية، وهي شراكة بين مشروعات أراضي القوات المسلحة وصندوق مصر السيادي. وقد أسست بدورها 6 مخازن استراتيجية عملاقة للأدوية والمستلزمات الطبية، الغرض منها تحقيق توزيع عادل متكافئ للأدوية والمستلزمات الطبية لجميع محافظات الجمهورية، عبر إنشاء نظام لوجستي متكامل، يبدأ من استلام الأدوية – بما في ذلك المستحضرات المستوردة والأجهزة الطبية – ثم ضخها من خلال شبكة متكاملة من المخازن، حيث يتم تسليمها إلى المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، وهي مهمة أصيلة من مهام وزارة الصحة، كما أنها مهمة مدنية لا تحتاج لجهد عسكري من أي نوع.
ويمتلك الجيش مجموعة كبيرة من شركات الغذاء التي تستعين بمخازن عملاقة وأحدثها شركة “سايلو فودز” بمدينة السادات التي أُسنِد إليها مشروع التغذية المدرسية([25])، لكن النموذج الأوضح في مجال الإدارة الاستراتيجية للمخازن يتمثل في جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية والذي أسندت له الحكومة استيراد القمح والسكر وبعض السلع التموينية وتتوسَّع أعماله بشكل كبير بعد إقرار قانون ينظم أعماله مؤخرًا، وأحد أعماله في مجال التخزين اللوجستي يتمثل في منظومة مخازن تبريد وصوامع حديثة لتخزين الحبوب بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 500 ألف طن([26]).
4 – الإدارة السيادية للمهام المدنية:
نستطيع الوقوف على مساحات ممتدة من التدخلات العسكرية في الشأن المدني، واستخدام الوظيفة السيادية في تحقيق هيمنة إدارية، والحصول على مكاسب تجارية جراء هذه الهيمنة، لا ضرورة عسكرية ورائها ولا يحيط بها أي ملمح من ملامح تهديد الأمن القومي، وأهم ملامح هذه التدخلات تتمثل في خلق ما يمكن تسميته “إدارة سيادية” للمهام المدنية عبر مؤسسة الأوكتاجون الذي صار رمزًا هام لتركيز المهام الاستراتيجية الرئيسية (عقل الدولة الاستراتيجي) في يد هيئات الجيش وأجهزته ومنحها بشكل سيادي الحق الكامل في إدارتها بمعزل عن الوزارات والهيئات المدنية بالدولة، وعززها بالحق في تأسيس الشركات التجارية “المحتكِرة” لتقديم الخدمات والمأذون لها بعقد شراكات واتفاقيات تجارية مع المؤسسات الحكومية والشركات التجارية بمصر والخارج، بالإضافة لتمتع هذه المؤسسات السيادية بميزة الموازنات السرية التي لا تطلع عليها أي جهةٍ باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من موازنات القوات المسلحة وإدراجها رقم واحد في موازنات الدولة وإقرارها في مجلس النواب بلا نقاش، فضلًا عن تمتعها بإعفاءات ضخمة تمنح لكافة مؤسسات القوات المسلحة في الرسوم بكافة أنواعها والضرائب المختلفة، كما تتمتع بحركة واسعة في الاستيراد والتصدير.
ولعل الميزة الأكبر هي حرية الحصول على الأراضي والمنشآت المجانية والمدعومة من موازنة الدولة لتوصيل المرافق والإمدادات، وتتم هذه الأمور في ظِل رقابة منعدمة، حيث لا تخضع هذه الأنشطة والمؤسسات لأي نوع من أنواع الرقابة البرلمانية أو المحاسبية المتمثلة في الجهاز المركزي للمحاسبات أو الرقابة الإدارية، كما لا يتم رقابتها ماليًّا عبر الأجهزة والإدارات المعنية، كغيرها من مؤسسات القوات المسلحة.
الخلاصة
في المحصلة، يمثل التركيز الإداري للمؤسسات الاستراتيجية في يد جهةٍ واحدةٍ تابعة لوزارة الدفاع تعطيلًا لدولاب الدولة الإداري، حيث تدار بشكل عسكري يبتعد عن المرونة المطلوبة في المهام الإدارية المدنية، كما يعمل وفق تعليمات وأوامر عسكرية تنفذ بلا نقاش، إضافة لعدم إنشاء إدارات خادمة لهذه المؤسسات الاستراتيجية إلا عبر مؤسسات القوات المسلحة، ما يعطل النمو الإداري لأجهزة الدولة، ويترك الجهاز الوظيفي بلا تراكم في الخبرات، أو جاهزية لتجاوز المشكلات. في المقابل، يثقل هذا التوجُّه كاهل المؤسسة العسكرية بأعمال ليست من اختصاصها، كما يمثل خطورة على جاهزيتها للقيام بمهامها الأصلية في حال وقوع عدوان أو تمَّ التهديد به.
والأهم هنا هو أن هذا التداخل يُحدِث حالة ارتباك في كافة العلاقات بالدولة، ويَنتقِص من جميع السلطات بها؛ فحضور العسكري المتكامل في الشأن المدني لا يتوقف على القيام بالعمل فقط، بل يَستصحِب منظومات عدة ليس أولها الإفلات من أي رقابة وليس آخرها استحضار منظومة الردع والتقاضي العسكري.
[1] يعني الباحث بمصطلح “التركيم” تعمد إحداث “التراكم” والجاهزية الدائمة للاستفادة من الفرص.
[2] منقول بتصرف عن: العسكرة مقاربة نظرية تأصيلية إبراهيم اسعيدي، راشد محمد عبد الله، مجلة لباب للدراسات الاستراتيجية، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، العدد 13، فبراير 2022م، https://tinyurl.com/2akruu5h
[3] المناسبة الأولي في تعطيل العمل بالدستور جاءت عقب نجاح حركة الضبَّاط الأحرار في إزاحة الملك، ووردت في الإعلان الدستوري الذي صدر في 10 ديسمبر 1952م. والمناسبة الثانية كانت في بيان الجيش في 3 يوليو 2013م، عقب إزاحة الرئيس المنتخب وقتها.
[4]( في الإعلان الدستوري الصادر في 10 فبراير 1953م، نص على انتقال السلطة التشريعية إلى مجلس الوزراء. وفي الإعلان الدستوري الصادر في 6 يوليو 2013م، تمَّ حل مجلس الشورى. وفي الإعلان الدستوري الصادر في 8 يوليو 2013م، تمَّ منح السلطة التشريعية للرئيس المؤقت وقتها.
[5]( صدر بها القانون 107 لسنة 2012م، للمشاركة في حفظ الأمن حتى إعلان نتيجة الاستفتاء على الدستور، لكنها تحوَّلت فيما بعد لإجراء دائم غير استثنائي ولا يرتبط بزمن عبر سلسلة من القوانين، آخرها القانون 3 لسنة 2024م.
[6]( “الإحصاء”: 6.8% إجمالي المساحة المأهولة بالسكان في مصر، أخبار اليوم، 2 مايو 2022م، https://tinyurl.com/27tvrq7c
[7] بالفيديو.. رئيس المقاولون العرب يجيب على سؤال «السيسي»: فين المدني اللي هنا؟، بوابة الشروق، 11 أبريل 2020م، https://tinyurl.com/27neureo
[8] من ورقة منشورة للباحث، بعنوان: مصر الهيئة الهندسية والمشروعات القومية: تحصين وتمكين، المعهد المصري للدراسات، 20 أبريل 2021م، https://tinyurl.com/2bbjrpa4
[9] رئيس الهيئة الهندسية: تنفيذ 20 ألف مشروع قومي بتكلفة 4.5 تريليون جنيه، الوطن، 29 يونيو 2020م، https://tinyurl.com/2a3s95kw
[10] مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية، الهيئة العامة للاستعلامات، 20 يوليو 2026م، https://tinyurl.com/25h9d8my
[11]( تنص المادة 203 من الدستور المصري على: “ينشأ مجلس الدفاع الوطني، برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزراء الدفاع، والخارجية، والمالية، والداخلية، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة القوات البحرية، والجوية، والدفاع الجوي، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ومدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. ويختص بالنظر في الشئون الخاصَّة بوسائل تأمين البلاد، وسلامتها، ومناقشة موازنة القوات المسلحة، وتدرج رقمًا واحدًا في الموازنة العامة للدولة، ويؤخذ رأيه في مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى. وعند مناقشة الموازنة، يُضم رئيس هيئة الشئون المالية للقوات المسلحة، ورئيسا لجنتي الخطة والموازنة، والدفاع والأمن القومي بمجلس النواب. ولرئيس الجمهورية أن يدعو مَن يَرى من المختصين والخبراء لحضور اجتماع المجلس دون أن يكون له صوت معدود.
[12] تنص المادة 205 من الدستور المصري على: “ينشأ مجلس للأمن القومي برئاسة رئيس الجمهورية، وعضوية رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ووزراء الدفاع، والداخلية، والخارجية، والمالية، والعدل، والصحة، والاتصالات، والتعليم، ورئيس المخابرات العامة، ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب. ويختص بإقرار استراتيجيات تحقيق أمن البلاد، ومواجهة حالات الكوارث، والأزمات بشتى أنواعها، واتخاذ ما يلزم لاحتوائها، وتحديد مصادر الأخطار على الأمن القومي المصري في الداخل، والخارج، والإجراءات اللازمة للتصدي لها على المستويين الرسمي والشعبي. وللمجلس أن يدعو مَن يَرى مِن ذوي الخبرة والاختصاص لحضور اجتماعه، دون أن يكون لهم صوت معدود. ويحدد القانون اختصاصاته الأخرى، ونظام عمله.
[13] خالد عباس يكشف عن آخر إحصائية لعدد سكان العاصمة الإدارية، العقارية، 6 سبتمبر 2025م، https://tinyurl.com/22q9xyhk
[14] كلمة الرئيس السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة “الأوكتاجون”، القناة الأولي المصرية باليوتيوب، 4 يوليو 2026م، https://tinyurl.com/27r2saje
[15] العاصمة الإدارية.. حل لمشاكل القاهرة أم هروب منها؟، موقع مدي مصر، 18 أغسطس 2014م، https://tinyurl.com/29pegr3d
[16] افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة، موقع رئاسة الجمهورية المصرية، يوليو 2026م، https://tinyurl.com/2d37ubzp
[17] إي آند مصر توقع عقد اتفاق لتقديم خدمات اتصالات متطورة عبر القمر الصناعي طيبة 1، القاهرة 24، 22 سبتمبر 2024م، https://tinyurl.com/284ycedn
[18] قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 242 لسنة 2019م، نشر بالجريدة الرسمية، العدد 7، في 14 فبراير 2019م.
[19] نشر القرار بالجريدة الرسمية، العدد 22 مكرر، في 6 يونية 2021م.
[20] مصر المؤمنَّة| صدى البلد في جولة داخل مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية “P1”.. تأمين بيانات المصريين.. واستخدام الذكاء الاصطناعي في التعاملات، صدي البلد، 27 ابريل 2024م، https://tinyurl.com/25n7klgf
[21] إدارة الإشارة للقوات المسلحة توقع بروتوكول تعاون مع وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، موقع وزارة الدفاع، 11 يناير 2026م، https://tinyurl.com/2b7mzf3v
[22] إدارة الإشارة للقوات المسلحة توقع عقد اتفاق مع شركة أبو قير لتداول الحاويات لتقديم خدمات الشبكة الوطنية للطوارئ والسلامة العامة، موقع وزارة الدفاع، 12 أكتوبر 2024م، https://tinyurl.com/26555uow
[23] القوات المسلحة تنظم زيارة لوفد من مستشاري مجلس الدولة والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري إلى الشبكة الوطنية الموحدة لخدمات الطوارئ والسلامة العامة، موقع وزارة الدفاع، 11 فبراير 2025م، https://tinyurl.com/227r6tdn
[24] بتكلفة 8 مليارات جنيه.. كل ما تريد معرفته عن وجبات التغذية المدرسية، مصراوي ، 17 نوفمبر 2021م، https://tinyurl.com/235gf8bh
[26] جهاز مستقبل مصر يقود نموذج التنمية المتكاملة لدعم الاقتصاد الوطني، اليوم السابع، 17 مارس 2026م، https://tinyurl.com/23bb7344




