أوراق بحثية

تحوُّلات المجتمع المصري وأثرها على البنية السياسية

دراسة في تداعيات الأزمة الاقتصادية الراهنة وإعادة تشكيل العقد الاجتماعي (2016-2026م)

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

ملخص

على مدار عقد كامل، شهد المجتمع المصري خلال الفترة الممتدة من عام 2016م وحتى عام 2026م تحوُّلات اقتصادية واجتماعية كان لها انعكاساتها بصورة واضحة على أنماط المعيشة والعلاقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع.

وبناءً على ذلك، فإن هذه الدراسة تنطلق من فرضية رئيسة مفادها أن الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تعيشها مصر لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أزمة مؤقتة مرتبطة بموجات تضخم عابرة، بل باعتبارها مسارًا ممتدًا من التحوُّلات البنيوية التي أثرت تدريجيًّا على البنية الطبقية وأعادت توزيع الأعباء الاقتصادية داخل المجتمع المصري.

وجدير بالذكر، أن هذه الدراسة لا تكتفي بوصف الأزمة الاقتصادية في مصر، بل تُقدِّم فكرة مركزية، تتمثل في تحليل التحوُّل من الاحتجاج الجماعي إلى التكيُّف الفردي تحت ضغط الإنهاك الممتد الذي تعيشه قطاعات واسعة من المجتمع.

وقد حاولت هذه الدراسة تتبع العلاقة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي، وبين التحوُّلات الاجتماعية. والمقصود هنا بمؤشرات الاقتصاد الكلي، هي تلك المؤشرات التي تتمثل في الإحصائيات والبيانات الدورية التي تُستخدَم لقياس الصحة العامة لاقتصاد أي دولة، وتقييم مستويات النمو، وتوجيه السياسات النقدية والمالية، كما تظهر في تقارير المؤسسات الدولية.

أما التحوُّلات الاجتماعية المقصودة هنا؛ فهي تلك التحوُّلات المرتبطة بتراجع القوة الشرائية للمواطن واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتغير استراتيجيات التكيُّف داخل الطبقة الوسطى.

ومن ناحيةٍ أخرى، تضع الدراسة المرحلة الراهنة في سياق مقارنة تاريخية مع محطات سابقة، خاصَّة احتجاجات 18 و19 يناير عام 1977م، المعروفة باسم “انتفاضة الخبز”، إلى جانب تطورات ما بعد أحداث يناير عام 2011م، وذلك بهدف فهم الفروق في أنماط التفاعل الاجتماعي والاستجابة للضغوط الاقتصادية والسياسية.

وبالنسبة للجانب التحليلي، فقد استفدنا في هذه الدراسة من بعض المقاربات في علم الاجتماع السياسي ودراسات المستقبل، وذلك بهدف رصد الاتجاهات العامة التي قد تؤثر في شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال السنوات المقبلة، مع التركيز من ناحيةٍ على دور الاقتصاد غير الرسمي، ومن ناحيةٍ أخرى على حدود قدرة الطبقة الوسطى على التكيُّف في ظِل استمرار الضغوط المعيشية.

لقد خلصنا في هذه الدراسة إلى أن ما يحدث من تحوُّلات داخل المجتمع المصري لا يُعبّر فقط عن مجرد أزمة اقتصادية ممتدة، وإنما يُشِير إلى ما اعترى المجتمع من تغيُّرات أوسع في أنماط التفاعل الاجتماعي والسياسي، حيث تتراجع تدريجيًّا أشكال التعبئة الجماعية التقليدية التي عرفها المجتمع المصري مقابل توسُّع استراتيجيات التكيُّف الفردي والبحث عن حلول معيشية خارج الأطر التقليدية المعروفة.

لا تفترض هذه الدراسة وجود علاقة خطية مباشرة بين ما يعيشه المجتمع من ضغوط اقتصادية والتحوُّلات السياسية، ولكن تظل أنماط التفاعل الاجتماعي خاضعة للعديد من العوامل، والتي من بينها طبيعة المجال العام، والتحوُّلات الثقافية، والبيئة الإقليمية.

الكلمات المفتاحية: مصر، العقد الاجتماعي، الطبقة الوسطى، الاقتصاد غير الرسمي، التكيُّف الاجتماعي، الاستقرار السياسي.

مقدمة

خلال السنوات الأخيرة لم تعد الأزمة الاقتصادية في مصر مجرد مسألة مرتبطة بسعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية أو معدلات التضخم، بل امتد أثرها تدريجيًّا إلى شتى تفاصيل الحياة اليومية، وانعكس بطبيعة الحال على أنماط الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية وشعور قطاعات واسعة بالأمان الاقتصادي World Bank, 2024–2025)).

كذلك لم يقتصر تأثير الأزمة على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، ولكن يمكن القول إن انعكاساتها بدأت تظهر بصورة أوضح في الحياة اليومية للأسر المصرية، سواء من خلال تغيُّر أولويات الإنفاق أو تراجع الإحساس بالاستقرار لدى شرائح من الطبقة الوسطى، وهو ما استدعى إعادة طرح أسئلة هامة تتعلق بدور الدولة وحدود قدرتها على توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين (CAPMAS, 2023).

ومنذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، في عام 2016م، شهدت مصر سلسلة متواصلة من الضغوط الاقتصادية بدأت بتحرير سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، ثم ازدادت الضغوط تعقيدًا مع تداعيات جائحة كورونا في عام 2020م ومن بعدها الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022م، وانتهاء إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عام 2026م (IMF, 2025).

وقد بلغت الضغوط الاقتصادية ذروتها مع الارتفاع الحاد في معدلات التضخم السنوي الذي سجل مستويات قياسية بلغت نحو 39.7% في أغسطس 2023م، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS, 2023)، في حين ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات بأكثر من 70% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستويات المعيشة والإنفاق اليومي للأسر المصرية.

ورغم التقديرات المتفائلة التي تضعها المؤسسات الدولية، والتي استهدفت خفض هذه المعدلات إلى حدود تدور بين 13% إلى 15% عام 2026م، إلا أن الذاكرة الاجتماعية والممارسات اليومية لم تعد رهينة لهذه الأرقام المتفائلة، بل أصبحت محكومة بحالة من الإنهاك والضغط الاقتصادي الممتد الذي لا يمحوه التراجع الطفيف في الأرقام (World Bank, 2025).

وتشير التقديرات الدولية والتقارير الإعلامية العديدة المستندة إلى بيانات رسمية إلى أن نحو 30% من السكان في مصر يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما يعني اتساع الضغوط الاقتصادية على قطاعات واسعة في المجتمع (World Bank, 2024).

ولعل من أبرز الملاحظات المرتبطة بالأزمة الاقتصادية الحالية أن تأثيرها يبدو أنه لم يكن متساويًا بين الفئات الاجتماعية داخل المجتمع المصري. فبينما استطاعت بعض الشرائح الاجتماعية – خاصَّة تلك التي تمتلك أصولًا أو مصادر دخل متعددة – التكيُّف بصورة أفضل مع موجات التضخم، نجد أن هناك قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى قد تعرَّضت لضغوط متزايدة أثرت على مستوى المعيشة وأنماط الاستهلاك التي اعتادت عليها خلال سنوات سابقة (World Bank, 2025).

إضافة إلى ذلك، لم يقتصر الأمر لدى هذه الشرائح على مجرد خفض الإنفاق أو الاستغناء عن بعض السلع، بل امتد إلى تغييرات أوسع في طريقة إدارة الأسر لدخولها.

فقد اتجهت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى الاعتماد على التقسيط الطويل والاقتراض، كما اتجه عدد متزايد من الشباب إلى العمل الحر أو الوظائف الرقمية المؤقتة، سواءً داخل مصر أو عبر منصات خارجية، وذلك بحثًا عن مصادر دخل إضافية تساهم في تحسين القدرة على مواكبة ارتفاع الأسعار.

وفي الوقت نفسه، اتجهت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة إلى تخفيف الأعباء التي كانت تتحملها تقليديًّا في بعض القطاعات، خاصَّة ما يتعلق بالدعم والخدمات العامة منخفضة التكلفة، وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في ارتفاع كلفة التعليم والعلاج والخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والمواصلات، بشكل يتجاوز قدرة قطاعات واسعة من الأسر المصرية، مع زيادة الاعتماد على آليَّات السوق في إدارة هذه الملفات.

وإزاء هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود السياسة النقدية، وهو: كيف يعيد هذا الإنهاك التدريجي نتيجة الضغوط الاقتصادية صياغة العقد الاجتماعي المصري؟ وهل يمكن لصيغ الاستقرار التقليدية أن تصمد في ظِل واقع لم تعد فيه الدولة المصرية قادرة على منح الامتيازات الرعوية التي شكَّلت لعقود حجر الزاوية في علاقة المجتمع بالسلطة؟

إن الإضافة النوعية التي تقدمها هذه الدراسة تتمثل في صَكِّ وإطلاق مفهوم إعادة توزيع القدرة على التكيُّف (Redistribution of Adaptive Capacity) كإطار تفسيري بديل لفهم المجتمعات تحت الضغط الممتد. ونحن هنا نقترح الانتقال من “فخ المؤشرات الكليَّة” وعدم الركون إليها منفردةً إلى تحليل كيفية توزيع ما يمكن أن نطلق عليه “مصدات الصدمات” داخل المجتمع؛ ذلك لأن الاستقرار أو الاضطراب لا يمكن أن يحدده سعر الصرف وحده، بل تحدده قدرة الأفراد والشبكات الاجتماعية على ابتكار حلول موازية للبقاء.

المحور الأول: الإطار النظري والمنهجي

1 – الدولة والعقد الاجتماعي في سياق مُتغيِّر:

تعتمد هذه الدراسة في تناولها لما طرأ من تحوُّلات في المجتمع المصري على عدد من المقاربات النظرية المرتبطة بفكرة العقد الاجتماعي والعلاقة بين الدولة والمجتمع، مع محاولة ربط هذه الأدبيات بالسياق المصري، خلال السنوات الأخيرة، خاصَّة في ظِل التحوُّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ عام 2016، وقد استفادت الدراسة هنا من طروحات “تشارلز تيلي” (Charles Tilly) في عام 1990،  في كتابه (Coercion, Capital, and European States)، و”مايكل مان” (Michael Mann) في تحليله لـ “مصادر السلطة الاجتماعية”، في عام 2012م، لفهم كيف تعيد الأزمات المالية صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وفي السياق المصري تحديدًا، لا يمكن فهم العقد الاجتماعي باعتباره اتفاقًا قانونيًّا أو سياسيًّا مباشرة بين الدولة والمجتمع بالمعنى الكلاسيكي، ولكنه يمثل صيغة غير مكتوبة تجمع بين الرعاية والاستقرار، ويُشير إلى نمط تاريخي في العلاقة بين الدولة والمواطنين، حيث ارتبطت شرعية الدولة المصرية، خاصَّة بعد يوليو عام 1952م، بقدرتها على توفير مستويات معينة من الخدمات الأساسية والدعم الاجتماعي وفرص التوظيف والاستقرار المعيشي (Mitchell, 2002)، في مقابل الحفاظ على الاستقرار السياسي.

غير أن التحوُّلات الاقتصادية الممتدة منذ عام 2016م، وما ارتبط بها من تراجع نسبي في بعض أنماط الدعم التقليدية وارتفاع كلفة المعيشة، أعادت طرح تساؤلات تتعلق بقدرة هذا النموذج على الاستمرار (World Bank, 2025).

وقد قدمت الأدبيات الكلاسيكية لدى كل من “هوبز” و”روسو” تصورات مبكرة لفكرة العقد الاجتماعي باعتباره أساسًا للشرعية السياسية.

لكن على جانب آخر، هناك كثير من الدراسات الأحدث، أصبحت تربط استقرار العقد الاجتماعي بقدرة الدولة على توفير مستويات مقبولة من الخدمات والفرص الاقتصادية وليس فقط الأمن أو النظام العام (Moore, 1966; Scott, 1998).

2 – تفسير كيفية عمل العقد الاجتماعي في الواقع العملي:

في إطار تفسير كيفية عمل العقد الاجتماعي في الواقع العملي في مصر، استفادت الدراسة من بعض الطروحات المرتبطة بعلم الاجتماع السياسي، خاصَّة أعمال “تشارلز تيلي” و”ميشيل مان” (Tilly, 1990; Mann, 2012)، إضافة إلى مفهوم الاقتصاد غير الرسمي لدى “هيرناندو دي سوتو” (de Soto, 2000).

ووفقًا لهذه المقاربة، لا يمكن النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد جهاز إداري فحسب، بل يُنظَر إليها كمنظومة تضم مؤسسات وأدوات مختلفة للتنظيم وإدارة الموارد وفرض السلطة.

إضافة إلى ذلك، فإن هذه الرؤية تساعد في فهم طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع وحدود التفاعل بينهما، وخاصَّة في فترات الضغط الاقتصادي والسياسي.

وفي الحالة المصرية، تبدو مسألة توزيع الموارد والدعم والخدمات من العناصر الأساسية في تشكيل العلاقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما جعل الأبعاد ذات الطابع الاقتصادي تلعب دورًا مهمًّا في تصوُّر المواطنين لفكرة الشرعية والاستقرار.

ومن ناحية أخرى، فقد استفدنا في هذه الدراسة من بعض أدوات دراسات المستقبل (Future Studies)، في محاولة تتبع الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية الممتدة (Megatrends)، دون افتراض القدرة على التنبؤ الحاسم بمسارات التطور السياسي أو الاجتماعي خلال السنوات المقبلة.

3 – إشكالية الدراسة وتساؤلاتها:

في هذه الدراسة، انطلقنا من تساؤل رئيس، مفاده: كيف أثرت الضغوط الاقتصادية الممتدة منذ عام 2016 وحتى عام 2026م على العلاقة بين الدولة والمجتمع في مصر، وعلى أنماط التفاعل الاجتماعي والسياسي، خاصَّة داخل الطبقة الوسطى؟

وبالتبعية يتفرع عن هذا التساؤل عدد من الأسئلة الفرعية المتعلقة بتحوُّلات أنماط التكيُّف الاجتماعي، وتغيُّر مفهوم الاستقرار، وحدود قدرة العقد الاجتماعي التقليدي على الاستمرار.

تسعى الدراسة إلى فهم الكيفية التي أعادت بها التحوُّلات الاقتصادية تشكيل تصورات قطاعات واسعة من المجتمع المصري تجاه مفاهيم الأمان الاجتماعي والاستقرار والحراك الاقتصادي، إلى جانب تحليل تأثير ذلك على أنماط التفاعل السياسي والاجتماعي خلال المرحلة الراهنة.

4 – حدود الدراسة وآفاق البحث:

في إطار بيان حدود هذه الدراسة وآفاق البحث، فإننا لا ندعي في هذه الدراسة الإحاطة بجميع أبعاد التحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية في مصر خلال الفترة محل الدراسة، خاصَّة في ظِل المحدودية الواضحة في البيانات التفصيلية المتعلقة ببعض الشرائح الاجتماعية، وصعوبة القيام بقياس عدد من المتغيرات المرتبطة بالسلوك الاجتماعي أو أنماط التكيُّف الاقتصادي لدى الفئات المختلفة من الطبقة الوسطى بصورة دقيقة.

إضافة إلى ذلك، فإنه لابد من التنبيه على أن بعض الاستنتاجات الواردة في هذه الدراسة اعتمدت على قراءة تحليلية للاتجاهات العامة أكثر من اعتمادها على مسوح ميدانية واسعة، وهو ما يفرض علينا قدرًا من الحذر عند تعميم النتائج.

المحور الثاني: التحوُّلات الاقتصادية وإعادة تشكيل دور الدولة منذ 2016م

1 – الدولة المصرية كفاعل مُتحوِّل:

منذ عام 2016م لم تقتصر التحوُّلات التي شهدتها مصر عند حدود المجتمع وحده، بل تجاوزته لتطال طبيعة الدولة نفسها وأولوياتها وطريقة إدارتها للأزمات (World Bank, 2024–2025).

ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية وما طرأ من أحداث ومتغيرات إقليمية، بَدَا واضحًا أن هناك إعادة تعريف تدريجية لمفهوم الاستقرار داخل مؤسسات الدولة المصرية نفسها وأولوياتها وطريقة إدارتها للأزمات (IMF, 2025).

فقد أصبح الاستقرار لا يرتبط فقط بتوسيع المجال الاجتماعي أو الحفاظ على أنماط الرعاية التقليدية للدولة، بل أصبح مرتبطًا بقدرة السلطة على منع الانهيار الاقتصادي، والحفاظ على الحد الأدنى الممكن من التماسك المؤسسي واستمرار عمل الجهاز الإداري للدولة.

وقد توجهت الدولة بشكل متزايد في العقد الأخير إلى تبني مقاربة تقوم على إدارة الضغوط الممتدة على المجتمع أكثر من العمل على معالجتها بصورة جذرية (Adly, 2020)، مع إعطاء الأولوية لمشروعات البنية التحتية الكبرى، وضبط المجال العام، وضمان استمرار التدفقات التمويلية والاستثمارية الخارجية، وهو ما انعكس على شكل العلاقة مع المجتمع؛ حيث تراجع تدريجيًّا التوسُّع في الدعم الاجتماعي المباشر للمواطنين، في مقابل سيادة ما يمكن أن نسميه منطق إدارة الندرة وإعادة توزيع كلفة الأزمة الاقتصادية بين الدولة والأفراد.

2 – الدولة والاقتصاد والأمن:

مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والإقليمية خلال السنوات الماضية، بَدَا واضحًا تزايد التداخل بين الاعتبارات الاقتصادية والأمنية في إدارة الدولة المصرية للملفات العامة (Mitchell, 2002).

لقد جرى التعامل مع العديد من الملفات الاقتصادية ضمن إطار أوسع يرتبط بإدارة الاستقرار ومنع تآكل القدرة المؤسسية للدولة في ظِل بيئة إقليمية مضطربة.

ومن الجدير بالذكر أن الدين الخارجي المصري قد ارتفع إلى ما يزيد على 163 مليار دولار بحلول عام 2025م وفق بيانات البنك المركزي المصري (Central Bank of Egypt, 2025)، مقارنةً بنحو 55 مليار دولار فقط قبل أقل من عقد، وهو ما يَعكِس حجم الضغوط التمويلية التي تواجهها الدولة في ظِل ارتفاع كلفة خدمة الدين والحاجة المستمرة لتأمين التدفقات الدولارية والاستثمارات الخارجية.

ومن ناحيةٍ أخرى، أشارت تقارير دولية إلى أن مصر تُعد من أكبر الدول الإفريقية من حيث التزامات سداد الديون الخارجية خلال عام 2026م (African Development Bank, 2025).

المحور الثالث: الطبقة الوسطى والتحوُّلات الاجتماعية في مصر

1 – الطبقة الوسطى بين تراجع الدخل وتغيُّر استراتيجيات التكيُّف:

شهدت الطبقة الوسطى في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة ضغوطًا اقتصادية متزايدة، كان لها تأثيرها الواضح على مستوى المعيشة وأنماط الاستهلاك والاستقرار الاجتماعي لدى قطاعات واسعة منها.(World Bank, 2025)  

تأثير الضغوط الاقتصادية لم يقتصر على تراجع القوة الشرائية، بل امتد إلى تغيرات تدريجية في نمط الحياة اليومي، خاصَّة في النواحي المتعلقة بالتعليم والرعاية الصحية والاستهلاك وفرص الادخار، وهي عناصر لطالما ارتبطت تقليديًا باستقرار الطبقة الوسطى.(CAPMAS, 2023)

وتشير بيانات الدخل والإنفاق إلى تزايد نسبة الإنفاق المخصص للغذاء والخدمات الأساسية داخل موازنات الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة  .(World Bank, 2024)

لقد أصبح الحفاظ على مستوى المعيشة السابق أكثر صعوبةً بالنسبة لكثير من الأسر، خاصَّة في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية.

وقد دفعت الزيادات المستمرة في تكاليف التعليم الخاص والرعاية الصحية بعضَ الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والبحث عن مصادر دخل إضافية.

كما أصبح هناك اعتماد متزايد على التقسيط في الشراء، والعمل الإضافي، والعمل الحر، والمنصات الرقمية (ILO, 2023).

وبالنظر إلى قطاع الشباب، فقد انعكس أثر التضخم والضغوط الاقتصادية على نظرة كثيرين إلى العمل والاستقرار المهني. فبينما كانت الوظيفة الحكومية تمثل في السابق هدفًا رئيسًا لقطاعات واسعة من الشباب، أصبح عدد متزايد منهم يميل أكثر إلى الاتجاه نحو العمل الحر أو الوظائف الرقمية أو التفكير في الهجرة، باعتبارها فرصًا توفر دخلًا أفضل أو قدرة أكبر على مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

وهنا فإنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن خطورة التضخم الممتد لا تتمثل فقط في تآكل الدخل الحقيقي، ولكن الخطر الحقيقي يتمثل في تأثيره التراكمي على التصورات الاجتماعية المتعلقة بالمستقبل والاستقرار. فالمجتمعات عندما تعيش فترات طويلة تحت ضغط اقتصادي مستمر تميل تدريجيًّا إلى خفض سقف التوقعات، وإعادة تعريف النجاح والاحتياجات الأساسية بصورة تختلف عن الفترات الأكثر استقرارًا.

2 – تفكيك الطبقة الوسطى داخليًّا:

من المهم هنا أن نشير إلى أن الطبقة المتوسطة في مصر لم تتعرَّض للتأثير بشكل متجانس خلال السنوات الأخيرة، ولكن كان هناك تباينات متزايدة بين شرائحها المختلفة، سواء من حيث القدرة على التكيُّف، أو من حيث الاستفادة من التحوُّلات الاقتصادية الجديدة (World Bank, 2025).

ففي الوقت الذي استطاعت فيه بعض فئات الطبقة الوسطى المرتبطة بالاقتصاد الرقمي أو بالدخل الدولاري الحفاظ نسبيًّا على مستوى معيشي مستقر، نجد أن الفئات ذات الدخل الثابت تعاني ضغوطًا أكثر حدة بسبب تآكل القوة الشرائية والارتفاع في تكاليف الخدمات الأساسية.

وبالنسبة لفئة الشباب، والتي أشرنا أعلاه إلى اتجاه شريحة جديدة منهم نحو العمل الحر والعمل عن بُعد وعبر المنصات الرقمية، فقد انعكس أثر التضخم على تصورات العمل والاستقرار المهني ومفهوم الوظائف الآمنة مقارنة بالأجيال السابقة (ILO, 2023).   

ويَرى Scott (1998م) أن قطاعات من المجتمع تحت الضغط أصبحت أكثر تركيزًا على استراتيجيات التكيُّف الفردي.

3 – قراءة في مؤشر استقرار الطبقة الوسطى:

مؤشر استقرار الطبقة الوسطى (MCSI)

يُشير ما يمكن وصفه بمؤشر استقرار الطبقة الوسطى إلى اتجاه عام نحو تراجع تدريجي في قدرة شرائح واسعة من هذه الطبقة على الحفاظ على أنماط الاستهلاك والاستقرار التي كانت سائدة قبل عام 2016م.(World Bank, 2024)

ولا يُفهم هذا التراجع باعتباره تحوُّلًا مفاجئًا، بقدر ما يبدو نتيجة تراكمات اقتصادية خلال السنوات الأخيرة.(IMF, 2025)

وتُظهِر القراءة الأولية لهذا الاتجاه ثلاثة مستويات مترابطة، لكنها ليست منفصلة بشكل صارم، وهي على النحو التالي:

  • أولًا، يبدو أن مفهوم “الأمان الاقتصادي” لدى كثير من الأسر قد تغير تدريجيًّا، بحيث لم يعد مرتبطًا فقط بالوظيفة المستقرة، بل بقدرة الأسرة على تنويع مصادر الدخل.
  • ثانيًا، هناك توسُّع ملحوظ في الاعتماد على أنماط عمل إضافية أو غير تقليدية، بما في ذلك العمل غير الرسمي أو الرقمي، كوسيلة لمواجهة فجوة الدخل.
  • ثالثًا، تظهر ملامح تزايد الفجوة بين الدخل الفعلي والاحتياجات المعيشية، وهو ما ينعكس على أنماط الإنفاق والاستهلاك بشكل يومي.

ولا يُقدِّم هذا المؤشر تفسيرًا نهائيًّا بقدر ما يتيح إطارًا لمتابعة اتجاهات التغير داخل الطبقة الوسطى خلال الفترة من 2010–2025م، في ظِل محدودية البيانات التفصيلية المتاحة حول التفاوتات الداخلية داخل هذه الفئة.

4 – التحوُّلات القيمية وإعادة تعريف الأمان الاجتماعي:

لا تبدو التحوُّلات الحاصلة في مصر مجرد تحوُّلات اقتصادية فحسب، ولكنها تتجاوز ذلك، حيث تحمل أبعادًا ثقافية وقيمية عميقة، كان لها انعكاساتها على تصوُّر الأفراد داخل المجتمع المصري لمعني النجاح والاستقرار والأمان الاجتماعي (Bayat, 2013).

فالطبقة المتوسطة التي طالما ارتبطت تصوراتها بفكرة الوظيفة المستقرة والتعليم كوسيلة للترقي في السلم الاجتماعي، والقدرة التدريجية على تحسُّن مستوى المعيشة، يبدو واضحًا أنها باتت مدفوعة إلى إعادة النظر في تلك التصوُّرات تحت وطأة الضغوط الاقتصادية (Kharas, 2023).

كما يبدو أن مفهوم الأمان أصبح أكثر ارتباطًا بالقدرة على تنويع مصادر الدخل والمرونة الاقتصادية، بدلًا من الاعتماد على المسار المهني التقليدي أو الوظيفة الثابتة. كما تراجعت نسبيًّا فكرة “المشروع الجمعي” لدى بعض الفئات الشبابية لصالح التركيز على النجاة الفردية وتحسين الظروف المعيشية المباشرة، في ظِل تنامي النزعات الفردية والبراغماتية لدى هذه الفئات (Beinin, 2015).

المحور الرابع: آليَّات التكيُّف الاجتماعي والاقتصادي

1 – الهجرة وتحويلات العاملين بالخارج كآليَّة موازية للتكيُّف:

منذ عقود لعبت الهجرة والعمل في الخارج دورًا هامًّا بوصفهما أحد مسارات التكيُّف الاقتصادي داخل المجتمع المصري (World Bank, 2025).

وخلال السنوات الأخيرة، استمر بروز عاملي الهجرة والعمل الخارجي في صناعة التكيُّف الاقتصادي لدى قطاعات واسعة من الأسر المصرية في ظِل ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية.

ويمكن القول إن الهجرة والعمل في الخارج تحوَّلا تدريجيًّا من خيارات فردية لتحسين مستوى الدخل إلى استراتيجية اجتماعية لإعادة توزيع المخاطر الاجتماعية داخل الأسرة (de Soto, 2000).

فقد أصبحت تحويلات المصريين في الخارج مصدرًا أساسيًّا داخل الأسر للحفاظ على مستويات الإنفاق ومواجهة مصروفات السكن والعلاج والتعليم (Central Bank of Egypt, 2025).

ووفقًا لبيانات البنك المركزي، فقد تجاوزت تحويلات المصريين بالخارج 26 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2024/2025م، قبل أن ترتفع لاحقًا إلى نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025م، وفق بيانات البنك المركزي المصري (Central Bank of Egypt, 2025). وهو ما يعكس تزايد اعتماد الاقتصاد المصري والمجتمع معًا على مصادر الدخل الخارجية في مواجهة الضغوط الاقتصادية المحلية.

2 – توسُّع الاقتصاد غير الرسمي في ظِل الضغوط الاقتصادية:

في ظِل الضغوط الاقتصادية الحالية، اتسع دور الاقتصاد غير الرسمي باعتباره أحد المسارات التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من المجتمع لتوفير مصادر دخل إضافية أو بديلة، خاصَّة في ظِل محدودية فرص العمل الرسمية (ILO, 2023).

ويبدو أن هذا القطاع أصبح يمثل وسيلة مهمة للتكيُّف مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة (World Bank, 2022).

كما ساعدت الأنشطة غير الرسمية بعض الأسر المصرية على تعويض جزءٍ من تراجع دخولها الحقيقية، سواءً من خلال الأعمال المؤقتة أو المشروعات الصغيرة أو مصادر الدخل غير المستقرة.

ويمكن القول إن الاعتماد المتزايد على الاقتصاد غير الرسمي قد يؤثر في طبيعة العلاقة بين الأفراد والدولة، خاصَّة مع اتجاه بعض الفئات إلى الاعتماد بصورة أكبر على شبكاتها الاجتماعية أو مصادرها الذاتية في مواجهة الضغوط المعيشية، بدلًا من الاعتماد على المؤسسات الرسمية وحدها.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن تقديرات منظمة العمل الدولية وعدد من الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن قطاع الاقتصاد غير الرسمي في مصر يستوعب نسبة كبيرة من قوة العمل في البلاد، تتراوح ما بين 40% إلى 50% من قوة العمل، وهو ما جعله يمثل إحدى أهم آليَّات التكيُّف الاجتماعي والاقتصادي في مواجهة الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة (ILO, 2023; World Bank, 2022).

3 – العمل الرقمي والهجرة غير المكانية:

كذلك فإن هناك نقطة هامة تستحق الوقوف عندها، وتتمثل في التوسُّع في العمل الرقمي، والعمل عن بعد عبر المنصات الدولية، حيث ساهم ذلك في خلق أنماط جديدة من “الهجرة غير المكانية”، حيث اندمج جزءٌ من الشباب في العمل الفعلي داخل الاقتصاد العالمي رغم بقائه داخل الحدود المكانية للدولة المصرية.

لقد أصبح جزءٌ من الشباب يعمل فعليًّا داخل الاقتصاد العالمي رغم بقائه داخل مصر، وهو ما انعكس على التصورات الاجتماعية للمستقبل، وعزز القناعات لدى قطاعات من الشباب بأن فرص الحراك الاقتصادي أصبحت أكثر ارتباطًا بالاندماج في الأسواق الخارجية.

المحور الخامس: التحوُّلات السياسية وأنماط التفاعل الاجتماعي

1 – الأزمات الاقتصادية والتحوُّلات الاجتماعية في مصر:

تختلف أشكال التفاعل الاجتماعي مع الأزمات الاقتصادية في مصر من مرحلة إلى أخرى، تبعًا لاختلاف الظروف السياسية وطبيعة البنية الاجتماعية ومستوى التنظيم داخل المجتمع (Waterbury, 1978).

وقد شهدت مصر يومي 18 و19 يناير عام 1977م واحدة من أعنف الانتفاضات الشعبية في تاريخها المعاصر، عُرِفت باسم “انتفاضة الخبز”، أو حركة 18 و19 يناير (Waterbury, 1978).

اندلعت احتجاجات يناير عام 1977م بصورة مباشرة وسريعة بعد قرارات حكومية برفع أسعار عدد من السلع الأساسية، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في تلك الفترة، حيث كان الدعم يمثل أحد العناصر الرئيسة في تصوُّر المواطنين لدور الدولة ومسؤولياتها الاجتماعية.

أما احتجاجات يناير عام 2011م، فقد ارتبطت بمجموعة أوسع من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم تكن مرتبطة فقط بالأوضاع المعيشية (Beinin, 2015).

فقد تراكمت خلال تلك الفترة مشكلات تتعلق بالبطالة والفساد وضعف فرص الحراك الاجتماعي، إلى جانب اتساع الشعور بعدم العدالة لدى قطاعات مختلفة من المجتمع.

أما في المرحلة الراهنة، فتبدو أنماط التفاعل مختلفة نسبيًّا مقارنة بالفترات السابقة. فعلى الرغم من استمرار الضغوط الاقتصادية، اتجه كثيرٌ من الأفراد إلى التركيز على استراتيجيات التكيُّف الفردي، مثل العمل الإضافي، أو البحث عن مصادر دخل بديلة، أو التفكير في الهجرة، بدلًا من الانخراط في أشكال جماعية من الاحتجاج (Bayat, 2013).

ويبدو أن الضغوط الممتدة دفعت قطاعات واسعة إلى إعطاء الأولوية لتدبير الاحتياجات اليومية وتحسين أوضاعها الاقتصادية الفردية، أكثر من الانخراط في نشاط سياسي منظم.

ومع ذلك، فإن تراجع الاحتجاجات المباشرة لا يعني بالضرورة اختفاء حالة التوتر الاجتماعي أو الرضا عن الأوضاع القائمة. فبعض التحوُّلات الحالية قد تظهر بصورة أقل وضوحًا، من خلال تغيُّر أنماط الثقة في المؤسسات أو تراجع الاهتمام بالمشاركة العامة لصالح الاهتمام بالاستقرار المعيشي الفردي.

وربما يُفسِّر ذلك حالة الهدوء النسبي الحالية، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية على قطاعات واسعة من المجتمع.

وتكشف هذه المقارنة البنيوية أن الفوارق الجوهرية بين “لحظات الأزمة” في مصر لا تُختزل في حجم التضخم أو أسعار السلع فحسب، بل في “طبيعة الاستجابة الاجتماعية” المرتبطة بكل مرحلة.

2 – جدول المقارنة بين أنماط التفاعل:

2026م2011م1977مالبند
ضغوط اقتصادية ممتدةتراكم اقتصادي واجتماعي وسياسيارتفاع مفاجئ في الأسعارطبيعة الضغوط
استجابات فردية متفرقةتعبئة واسعة وحراك سياسياحتجاجات سريعة ومباشرةملامح الاستجابة
ضغوط معيشية مستمرةانقسام وتباين داخليأكثر تماسكًا نسبيًّاوضع الطبقة الوسطى
ضعف التنظيم الجماعيأحزاب/حركات/شبابمحدودة لكنها موجودةأدوات التنظيم
تكيُّف يومي تدريجيحراك واسع ومتصاعدرد فعل سريعشكل التفاعل الاجتماعي
علاقة قائمة على التكيُّفمساءلة سياسية أوسعصراع مباشر حول الدعمنمط العلاقة مع الدولة
فضاء رقمي مشتتإعلام + شبكات اجتماعية حاشدةإعلام رسمي وتقليديالوسائط

المقارنة تستند إلى أدبيات التحوُّل السياسي في مصر وتحليل أنماط الاحتجاج (Waterbury, 1978; Beinin, 2015; Bayat, 2013).

توضح المقارنة أن المرحلة الحالية تختلف عن الفترات السابقة من حيث نمط الاستجابة الاجتماعية؛ إذ يبدو أن التفاعل مع الضغوط الاقتصادية أصبح أقل جماعية وأكثر فردية، مقارنةً بما حدث في عامي 1977 و2011م.

3 – اختلاف الاستجابة الاجتماعية الحالية:

يُثار في النقاش العام خلال السنوات الأخيرة تساؤل يتعلق بأسباب عدم تحوُّل الضغوط الاقتصادية الحالية إلى موجة احتجاج واسعة شبيهة بما حدث في عام 1977م أو في عام 2011م، رغم حدة الأوضاع المعيشية في قطاعات واسعة من المجتمع.

وعلى الأرجح، يبدو أن تفسير ذلك لا يرتبط فقط بحجم الأزمة الاقتصادية، وإنما أيضًا بالتغيرات التي طرأت على البنية الاجتماعية وأشكال التنظيم داخل المجتمع خلال السنوات الماضية (Scott, 1998).

ففي عام 1977م، كانت أشكال التنظيم النقابي والسياسي أكثر حضورًا (Waterbury, 1978). كما أن قطاعات من الطبقة الوسطى كانت ما تزال تحتفظ بقدر من الاستقرار الاقتصادي النسبي. أما في 2011م، فقد ساهمت شبكات الحشد السياسي والشبابي، إلى جانب المناخ الإقليمي آنذاك، في توسيع نطاق التعبئة الاجتماعة (Beinin, 2015).

أما في المرحلة الحالية، فتبدو أشكال التنظيم الجماعي أضعف مقارنة بالفترات السابقة، مع تراجع دور كثير من الوسائط التقليدية المرتبطة بالحشد السياسي أو النقابي لصالح التكيُّف الفردي (Bayat, 2013).

كما أن تجربة السنوات التي تلت 2011م، وما شهدته بعض دول المنطقة من اضطرابات، ربما أسهمت في زيادة الميل إلى تجنُّب الصدام المباشر والتركيز بدرجة أكبر على التكيُّف المعيشي الفردي. وربما يُفسِّر ذلك اتجاهَ قطاعات واسعة من المجتمع إلى البحث عن حلول فردية لتحسين الظروف المعيشية، بدلًا من الانخراط في أشكال جماعية من الاحتجاج.

4 – العوامل المؤثرة في تراجع الاحتجاج الجماعي:

يمكن تفسير اختلاف المرحلة الحالية عن أزمات سابقة بعدة عوامل اجتماعية وسياسية تراكمت خلال السنوات الماضية، منها ما يلي:

  • أولًا: تراجع الأطر التنظيمية، فبخلاف فترات سابقة، تراجع خلال السنوات الأخيرة دور كثير من التنظيمات السياسية والنقابية والطلابية التي كانت تمثل في السابق قنوات للحشد أو التعبئة الجماعية (Crouch, 2020).
  • ثانيًا: تأثير خبرات ما بعد 2011م، حيث يبدو أن تجربة السنوات التي أعقبت أحداث يناير عام 2011م، وما ارتبط بها من اضطرابات سياسية وأمنية في عدد من دول المنطقة، أسهمت في تعزيز الميل إلى تجنُّب الصدامات الواسعة لدى قطاعات من المجتمع (Beinin, 2015).
  • ثالثًا: ارتفاع كلفة الفعل الجماعي، حيث أسهمت التطورات التكنولوجية ووسائل المراقبة الحديثة في زيادة كلفة التنظيم أو الحشد الميداني، وهو ما دفع كثيرًا من الأفراد إلى تفضيل استراتيجيات التكيُّف الفردي بدلًا من الانخراط في تحركات جماعية مفتوحة (Crouch, 2020).

المحور السادس: المجال الرقمي وتحوُّلات التعبير السياسي

من السياسة التنظيمية إلى السياسة الشبكية:

خلال السنوات الأخيرة، وفي ظِل الثورة التكنولوجية الرقمية التي واكبتها تحوُّلات اجتماعية، تغيَّرت أشكال التفاعل السياسي داخل المجتمع المصري (Crouch, 2020).

فبينما كانت الأحزاب التقليدية والنقابات على اختلافها والحركات المنظمة مثل جماعة الإخوان المسلمين تمثل في السابق القنوات الرئيسة لتعبئة الشارع والتعبير السياسي، انتقل جزء كبير من هذا التفاعل تدريجيًّا إلى العالم الافتراضي، من خلال الفضاء الرقمي، ومنصات التواصل الاجتماعي (Bayat, 2013).

ورغم أن هذا التحوُّل في التفاعل نحو العالم الافتراضي قد أتاح مساحات أوسع للتعبير الفردي والتفاعل اليومي مع القضايا العامة، وعَكَس وجود حالة من التململ أو النقد الاجتماعي، إلا أنه ساهم بشكل كبير في زيادة تشتت المجال السياسي وصعوبة تحويل السخط الاجتماعي إلى تنظيم مستقر أو مشروع جماعي واضح المعالم (Crouch, 2020).

كما ساعدت طبيعة الفضاء الرقمي التي تتسم بالسرعة والتغيُّر في إنتاج ما يمكن أن نطلق عليه أنماط جديدة من “السياسة الشبكية”، والتي تعتمد على موجات مؤقتة من الاهتمام، وعلى التفاعل اللحظي، أكثر من كونها تعتمد على التنظيم المستقر (Springborg, 2020).

وتشير هذه التحوُّلات السابقة إلى تغيُّر أدوات وأنماط حضور السياسة في المجال العام مقارنة بالمراحل السابقة، وهو ما يَعني أن السياسة هنا لم تختفِ من المجال العام، ولكن تغيَّرت أدواتها وأنماطها (Springborg, 2020).

ومع تراجع قنوات التعبير السياسي التقليدية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مساحة أساسية للنقاش العام والتعبير غير الرسمي عن السخط أو الضغوط المعيشية.

كما لعبت السخرية الرقمية والمحتوى التفاعلي دورًا ملحوظًا في تداول الانتقادات السياسية والاجتماعية بصورة يومية (Sayigh, 2019).

ورغم أن هذا التفاعل الرقمي يَعكِس وجود حالة من التململ أو النقد الاجتماعي، فإنه يظل في أغلب الأحيان متفرقًا وغير مرتبط بأطر تنظيمية مستقرة، وهو ما يَحُد من قدرته على التحوُّل إلى فعل سياسي جماعي (Bertelsmann Stiftung, 2026).

المحور السابع: إعادة تشكيل مفهوم الاستقرار والعلاقة بين الدولة والمجتمع

إعادة تشكيل مفهوم الاستقرار في مصر بعد 2016م

لعل أهم ما كشفت عنه التحوُّلات التي شهدتها مصر خلال السنوات العشر الماضية، منذ عام 2016م وحتى الآن، هو ما يتعلق بمفهوم “الاستقرار” نفسه (Adly, 2020). فلم يَعد الاستقرار يدور حول المعنى التقليدي الذي ارتبط تاريخيًّا بالرضا الاجتماعي وتوسُّع شبكات الدعم والرعاية، ولكنه أصبح اليوم يرتبط بصورة أكبر بقدرة كل من المجتمع والدولة في مصر على التكيُّف مع الضغوط الاقتصادية الممتدة ومنع الانزلاق نحو لحظة الانهيار الشامل (World Bank, 2025).

وبناءً على ما سبق، فإن الاستقرار الحالي الذي تعيشه البلاد يقوم بدرجة كبيرة على ما يمكن وصفه بالتكيُّف المعيشي القسري، حيث تتجه قطاعات واسعة من المصريين إلى إعادة ترتيب الأولويات وخفض توقعاتها الاقتصادية، والاعتماد بصورة أكبر على شبكات الدعم غير الرسمية والحلول الفردية (IMF, 2025).

ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذا التوجُّه لا يعني بالضرورة غياب التوترات الاجتماعية أو تراجعًا في آثار الأزمة الاقتصادية، ولكنه يُشِير إلى حدوث تغيُّر في طبيعة استجابة المجتمع؛ إذ أصبحت الأولوية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار اليومي وليس التوجُّه نحو أي شكل من أشكال الأفعال الجماعية التقليدية كما كان في السابق.

وهنا نجد أن العلاقة بين الدولة والمجتمع قد تحوُّلت إلى علاقة أكثر ارتباطًا بإدارة الضغوط وتوزيع كلفة التكيُّف الاقتصادي بين مختلف الفئات الاجتماعية، بعيدًا عن النموذج القائم على التوسُّع التدريجي في الامتيازات الاجتماعية (Mitchell, 2002).

المحور الثامن: السيناريوهات المستقبلية

1 – استمرار حالة التكيُّف:

يقوم هذا المسار على استمرار محاولات الدولة احتواء الضغوط الاقتصادية من خلال جذب الاستثمارات وتوسيع شبكات الحماية المحدودة، مقابل استمرار حالة من الهدوء السياسي النسبي وتركيز قطاعات واسعة من المجتمع على الأولويات المعيشية (World Bank, 2025).

2 – بروز احتجاجات مطلبية محدودة:

قد تشهد بعض القطاعات المهنية أشكالًا متفرقة من الاحتجاج المرتبط بالأوضاع المعيشية أو المهنية، تقود هذه التحركات نقابات مهنية أو عمالية مستقلة، مثل الأطباء، والمعلمين، أو عمال قطاعات خدمية معينة، لكنها قد تظل محدودة من حيث التنظيم والامتداد السياسي، وسوف يتطلب هذا السيناريو مرونة من الدولة في التفاوض لاحتواء هذه الأزمات قبل تسييسها (Beinin, 2015).

3 – توسيع المجال العام تدريجيًّا:

يرتبط هذا الاحتمال بإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع، وإمكانية اتجاه الدولة إلى توسيع بعض مساحات المشاركة أو الحوار مع قوى اجتماعية ومهنية مختلفة، بهدف تخفيف الضغوط وتحسين مستويات التوافق الداخلي، وخلق شركاء في تحمُّل المسؤولية؛ حيث تساهم القوى الاجتماعية في صياغة السياسات وتوزيع أعباء الأزمة الاقتصادية، مما يُحوِّل الاستقرار من صيغته الأمنية المفاهيمية إلى صيغة سياسية تشاركية تضمن مناعة الدولة أمام الصدمات الخارجية الكبرى Adly, 2020)).

الخاتمة والنتائج

تخلص الدراسة إلى أن التحوُّلات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة لم تقتصر آثارها على الجوانب المعيشية فقط، بل امتدت إلى أنماط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإلى أدوار الطبقة الوسطى وأشكال التفاعل السياسي والاجتماعي (World Bank, 2024–2025).

كما توضح الدراسة أن استمرار الضغوط الاقتصادية لفترات طويلة ساهم في تعزيز أنماط التكيُّف الفردي على حساب أشكال الفعل الجماعي التقليدية، دون أن يَعني ذلك اختفاء حالة التململ الاجتماعي أو تراجع أهمية العوامل الاقتصادية في تشكيل المواقف العامة (Scott, 1998).

وتخلص الدراسة كذلك إلى أن استقرار الأوضاع على المدى الطويل يظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على توفير مسارات أكثر استدامة لتحسين مستويات المعيشة والحراك الاجتماعي، خاصَّة بالنسبة للطبقة الوسطى والفئات الأكثر تأثرًا بالتضخم وتراجع القوة الشرائية (IMF, 2025).

 إن آليَّات التكيُّف الحالية في مواجهة الضغوط الاقتصادية يمكن أن تساهم في الحد من احتمالات التوتر المباشر على المدى القصير، لكنها في كل الأحوال لا تعالج بالضرورة الآثار الاجتماعية المتراكمة للأزمة الاقتصادية (Bayat, 2013).

لكن لابد من التنبيه على أن أي استقرار مستقبلي لا يأخذ في الحسبان إعادة إحياء الطبقة الوسطى وتوفير مسارات ترقي اجتماعية حقيقية، سوف يظل استقرارًا قلقًا، فالإنهاك الاقتصادي الذي يعيشه المجتمع قد يمنع الانفجار، لكنه لا يصنع الانتماء، مما يجعل المجتمع قابلًا للاهتزاز العنيف عند أول صدمة خارجية كبرى تعجز أدوات التكيُّف الحالية عن استيعابها.

التوصيات

بناءً على ما تقدم خلال هذه الدراسة فإننا نقترح توسيع نطاق المؤشرات المستخدمة في تقييم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع المصري، بحيث لا يقتصر تركيز التقييم على معدلات النمو أو المؤشرات المالية الكليَّة، وإنما يمتد أيضًا إلى متابعة تأثيرات الأزمة على مستوى المعيشة والقدرة على التكيُّف داخل المجتمع. وتتلخص التوصيات الموجهة لصناع القرار والباحثين على النحو التالي:

  • أولًا: توسيع مؤشرات تقييم الأمان الاجتماعي، والكف عن الاعتماد على مؤشرات معدل النمو وعجز الموازنة كمعايير وحيدة للاستقرار، وصياغة مؤشر وطني يقيس القدرة الاستيعابية للطبقات الاجتماعية، يتتبع نسب الإنفاق على الخدمات الأساسية ومعدلات الهبوط الطبقي، ومستويات الأمان المعيشي الفعلي.
  • ثانيًا: إحياء الكتلة الصلبة للطبقة الوسطى عبر تبني سياسات مالية وضريبية تحمي الفئات ذات الدخل الثابت، مثل الموظفين في قطاعات التعليم والصحة والأجهزة الحكومية، عبر حوافز ضريبية ودعم نوعي مباشر لتكاليف التعليم والرعاية الصحية لهذه الشرائح لمنع انزلاقها بالكامل.
  • ثالثًا: ترشيد التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي عبر الاعتراف بدوره كآليَّة حماية اجتماعية ذاتية، وتقديم حوافز ائتمانية وتنظيمية طوعية لحماية العاملين فيه، بعيدًا عن المقاربة الأمنية والجبائية التي تسعى لدمج هذا القطاع قسريًّا عبر الضرائب، بما يضمن استقراره والحفاظ على مرونته.
  • رابعًا: العمل على تطوير قنوات الوساطة السياسية، والسماح للنقابات والروابط بتمثيل مصالح فئاتها بشكل شرعي، مما يساهم في إنتاج نخب وسيطة قادرة على ترشيد السخط الاجتماعي وتحويله إلى برامج إصلاحية تدعم تماسك الدولة.

وفي هذا السياق، يمكن التركيز على عدد من المؤشرات، من بينها:

  1. نسبة الإنفاق على الغذاء والخدمات الأساسية من إجمالي دخل الأسرة المصرية.
  2. معدلات التوسُّع في العمل غير الرسمي أو المؤقت لدى الطبقات المختلفة.
  3. قدرة الأسر المصرية على الادخار أو مواجهة النفقات الطارئة.
  4. مستويات ثقة المواطنين في المؤسسات العامة للدولة والوسائط الاجتماعية والسياسية.

قائمة المراجع

1 – مراجع الإطار النظري والمنهجي:

  • Adly, A. (2020). State reform and development in the Middle East: The political economy of institutional change. Routledge.
  • Bayat, A. (2013). Life as politics: How ordinary people change the Middle East (2nd ed.). Stanford University Press.
  • Beinin, J. (2015). Workers and thieves: Labor movements and popular uprisings in Tunisia and Egypt. Stanford University Press.
  • Carnegie Middle East Center. (2021). Metahāt al-iqtiṣād al-siyāsī al-ʿArabī [Labyrinths of the Arab Political Economy]. Carnegie Endowment for International Peace.
  • Crouch, C. (2020). Post-democracy and the crisis of traditional political mediation. Polity Press.
  • De Soto, H. (2000). The mystery of capital: Why capitalism triumphs in the West and fails everywhere else. Basic Books.
  • Mann, M. (2012). The sources of social power: Volume 4, Globalizations, 1945–2011. Cambridge University Press.
  • Mitchell, T. (2002). Rule of experts: Egypt, techno-politics, modernity. University of California Press.
  • Moore, B. (1966). Social origins of dictatorship and democracy: Lord and peasant in the making of the modern world. Harvard University Press.
  • Scott, J. C. (1998). Seeing like a state: How certain schemes to improve the human condition have failed. Yale University Press.
  • Tilly, C. (1990). Coercion, capital, and European states, AD 990–1992. Blackwell.

2 – مراجع التحوُّلات الاقتصادية وإعادة تشكيل الدولة:

  • African Development Bank. (2025). African economic outlook 2025: Macro-financial stability and growth perspectives. African Development Bank Group.
  • Central Agency for Public Mobilization and Statistics (CAPMAS). (2023). Consumer price index and inflation bulletin (Annual Report). CAPMAS Cairo Office.
  • Central Bank of Egypt. (2025). External position of the Egyptian economy & remittances reports. Central Bank of Egypt Research Department.
  • Central Bank of Egypt. (2025). Monthly statistical bulletin. Central Bank of Egypt.
  • International Monetary Fund. (2024–2025). Arab Republic of Egypt: Article IV consultation and extended fund facility reviews. International Monetary Fund Country Reports.
  • World Bank. (2024–2025). Egypt economic monitor: Navigating macroeconomic challenges. World Bank Group.
  • World Bank. (2025). Egypt economic monitor: Navigating the extended economic shock. World Bank Group.

3 – مراجع الطبقة الوسطى والفقر والتحوُّلات الاجتماعية:

  • Kharas, H. (2023). The emerging global middle class: Vulnerability and resilience in emerging markets. Brookings Institution Press.
  • World Bank. (2024). Poverty and shared prosperity report: Overcoming systemic shocks. World Bank Group.
  • World Bank. (2025). Egypt: Macroeconomic and poverty outlook. World Bank Group.

4 – مراجع الاقتصاد غير الرسمي والتحوُّلات المعيشية:

  • International Labour Organization. (2023). Women and men in the informal economy: A statistical picture (5th ed.). International Labour Office.
  • International Labour Organization. (2025). Global employment trends: North Africa and Egypt perspectives. International Labour Office.
  • World Bank. (2022). The long shadow of informality: Challenges and policies in emerging markets. World Bank Group.

5 – مراجع التحوُّلات السياسية والاحتجاج:

  • Ahram Center for Political and Strategic Studies. (n.d.). Strategic reports on social and economic transformations in Egypt. Al-Ahram Foundation.
  • Egyptian Center for Strategic Studies. (n.d.). Policy papers and strategic assessments on Egyptian political economy. ECSS.
  • Waterbury, J. (1978). The Egypt of Nasser and Sadat: The political economy of two regimes. Princeton University Press.

6 – مراجع المجال الرقمي والسياسات الشبكية:

  • Bertelsmann Stiftung. (2026). BTI country report: Egypt 2026. Bertelsmann Stiftung.
  • Sayigh, Y. (2019). Owners of the republic: An anatomy of Egypt’s military economy. Carnegie Middle East Center.
  • Springborg, R. (2020). Political economy of innovation in Egypt: Structural institutional constraints. Middle East Institute.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى