ترجمات

مودرن دبلوماسي: لماذا تشعر “إسرائيل” بالقلق إزاء العلاقات العسكرية المتنامية بين الصين ومصر؟

في الخامس من سبتمبر، نشرت “مودرن دبلوماسي” Modern Diplomacy – وهي منصة إلكترونية قيّمة تُعنى بتقييم وتحليل القضايا الدولية المعقدة التي غالبًا ما تقع خارج نطاق وسائل الإعلام الغربية السائدة والأوساط الأكاديمية؛ والتي تقدم تحليلًا نوعيًا محايدًا وغير متحيز في صورة تعليقات سياسية، ودراسات سياساتية، ومقابلات معمقة، وتقارير وبحوث خاصة – مقالًا تحليليًا بعنوان: “لماذا تشعر “إسرائيل” بالقلق إزاء العلاقات العسكرية المتنامية بين الصين ومصر؟” لـ “د. نادية حلمي” ، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة بني سويف، والخبيرة في السياسة الصينية، والعلاقات الصينية الإسرائيلية، والشؤون الآسيوية، والباحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط (CMES) بجامعة لوند، السويد، كمديرة لوحدة دراسات جنوب وشرق آسيا.

تتناول الباحثة حالة القلق الجيوسياسي في تل أبيب في أعقاب تعميق التعاون الدفاعي بين القاهرة وبكين. حيث تسلط الضوء على الكيفية التي يمكن أن يشكل بها توجه مصر نحو التكنولوجيا العسكرية الصينية تهديدًا باختلال ميزان القوى الإقليمي، كما تدّعي “إسرائيل”.

تقول الباحثة إنه في حين تحافظ مصر على معاهداتها الاستراتيجية، وعلى وجه الخصوص تلك التي وقّعتها مع “إسرائيل”، فإن اندماجها المتزايد في المنظومة الدفاعية الصينية يُشكّل رادعًا استراتيجيًا قويًا لـ ”إسرائيل”؛ وهو ما يحدّ من قدرة الكيان الصهيوني على فرض شروط الأمن الإقليمي، ويفرض إعادة تقييم للكيفية التي تتعامل بها كل من “إسرائيل” والولايات المتحدة مع الديناميكيات العسكرية في الشرق الأوسط.

ويتناول المقال الشراكة الدفاعية المتوسعة بين الصين ومصر وتداعياتها المحتملة على التفوق العسكري الإسرائيلي والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، مسلطًا الضوء على زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة (في الأول من سبتمبر/أيلول 2026) والمناورات الجوية المشتركة “نسور الحضارة 2026” – Civilization Eagles 2026 (من منتصف أغسطس/آب حتى أول سبتمبر/أيلول 2026) باعتبارهما مؤشرين على تعميق التعاون العسكري بين مصر والصين.

وتقول الباحثة إن هذه الشراكة بين البلدين لا تقتصر على صفقات الأسلحة التقليدية فحسب، بل تمتد لتشمل الطائرات المقاتلة المتقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة (UAVs)، ونقل التكنولوجيا، والتصنيع العسكري المشترك.

وترى الباحثة أن “إسرائيل” تشعر بالقلق من أن حصول مصر المحتمل على منصات صينية متقدمة – مثل مقاتلات J-10C وJ-16 ونظام الدفاع الجوي HQ-9B – قد يهدد تفوقها العسكري النوعي (QME)، لا سيما فيما يتعلق بالتفوق الجوي وحرية العمليات.

كما ترى الباحثة أن الحضور الصيني المتزايد في مصر قد يوسع النفوذ الجيوسياسي لبكين في منطقة قناة السويس وشرق البحر المتوسط، مما يثير مخاوف بشأن المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية والغربية بشكل عام.

وتخلص الباحثة إلى أن التعاون العسكري بين مصر والصين يمكن النظر إليه على أنه تحول محتمل في ميزان القوى الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدة على أهميته الكبيرة لمصر فيما يتعلق بتنويع مصادر السلاح، والاستقلال التكنولوجي، والمنافسة الاستراتيجية المتطورة في المنطقة.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته “مودرن دبلوماسي” لـ “د. نادية حلمي”، الخبيرة في السياسة الصينية والعلاقات الصينية الإسرائيلية، وذلك على النحو التالي:

لماذا تشعر “إسرائيل” بالقلق إزاء العلاقات العسكرية المتنامية بين الصين ومصر؟

ترتبط الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر (في 1 سبتمبر 2026) ارتباطًا وثيقًا بعمليات تحديث وتوسيع ترسانة القوات المسلحة المصرية. حيث توفر هذه الزيارة أعلى مستويات الغطاء السياسي والدبلوماسي لنقلة نوعية غير مسبوقة في التعاون العسكري بين البلدين.

وبصفتي خبيرة مصرية متخصصة في الشأن السياسي الصيني، فإنه يمكنني تحليل أبعاد هذه العلاقة – بما في ذلك زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للقاهرة والتقارب العسكري بين بكين ومصر – من خلال الربط بين توقيت الزيارة وموعد إجراء المناورات الجوية المشتركة “نسور الحضارة” (Civilization Eagles) بين مصر والصين (15 أغسطس – 1 سبتمبر). فقد جاءت زيارة الرئيس الصيني مباشرة عقب اختتام هذه المناورات الجوية المشتركة البارزة التي أقيمت في مصر، والتي شهدت -للمرة الأولى في تاريخ القارة الأفريقية – مشاركة مقاتلات صينية متطورة من طراز (J-16)، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر (KJ-500) وطائرات التزود بالوقود جوًا (YY-20A).

وقد عكس هذا العرض التشغيلي رغبة بكين في استعراض قدرات نظامها المتكامل للدفاع الجوي أمام القيادة المصرية، مما يمهد الطريق لصفقات تسليح محتملة للقاهرة. وقد تزامنت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ مع مفاوضات كانت تجري بشأن تحديث القوات الجوية المصرية وتسليحها من قبل الصين.

وتأتي هذه الزيارة من جاب الرئيس الصيني في ظل تزايد المؤشرات على اهتمام مصر المتنامي بالحصول على مقاتلات صينية متطورة، مثل طائرة (J-10C) وربما المقاتلة الصينية من الجيل الخامس (J-35). وتسعى مصر من خلال هذه الخطوة إلى تحديث قواتها الجوية وتجاوز القيود أو التأخيرات الأمريكية والأوروبية في تزويدها بأسلحة متطورة أو تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى، مستفيدةً في ذلك من رغبة الصين في توسيع حضورها في سوق الدفاع بمنطقة الشرق الأوسط.

وبالإضافة إلى ذلك، تسعى مصر إلى تعزيز التصنيع المشترك وتوطين التكنولوجيا الصينية المتقدمة في القاهرة. ولذلك، فإن العلاقات الدفاعية بين البلدين تتجاوز مجرد عمليات الشراء لتشمل إقامة صناعات عسكرية صينية داخل مصر.

وجدير بالذكر أن الصين تُعد شريكًا رئيسيًا لمصر في مجال الطائرات بدون طيار (UAVs)؛ حيث وقَّعت مصر والصين عدة مذكرات تفاهم مع شركة “نورينكو” (Norinco) الصينية للإنتاج المشترك لطائرات هجومية واستطلاعية مسيرة – مثل طائرة “حمزة-2” – باستخدام مكونات مصرية محلية تصل نسبتها إلى 85%.

وتوفّر زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة دعمًا سياسيًا مباشرًا لتسريع وتيرة نقل التكنولوجيا الصينية الحسّاسة إلى مصر. كما تقوم مصر بتوظيف علاقتها الوثيقة بالرئيس الصيني وزيارته لها كرسالة سياسية قوية، تؤكد من خلالها التزام القاهرة باستراتيجية التوازن الدولي والتكافؤ الاستراتيجي لتنويع مصادر تسليحها. ولا تهدف مصر من وراء ذلك إلى استبدال حلفائها التقليديين في التسليح – مثل الولايات المتحدة وفرنسا – بل تسعى لفتح آفاق جديدة مع بكين للحصول على بدائل تسليحية متطورة، بشروط تمويل مرنة، وضمان نقل التكنولوجيا العسكرية الصينية المتقدمة دون قيود سياسية.

ومن ثم، تتضح أكثر فأكثر أبعاد القلق الإسرائيلي إزاء التعاون العسكري المتنامي بين مصر والصين، وسعي القاهرة لتطوير أنظمتها التسليحية في محاولة لكسر الاحتكار الغربي والأمريكي وتغيير قواعد التفوق العسكري الاستراتيجي.

ويقترن ذلك بمخاوف عسكرية إسرائيلية متزايدة بشأن التآكل المحتمل لتفوقها الجوي النوعي. حيث ترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ضمان التفوق الجوي المطلق في المنطقة، وهو مبدأ راسخ في المفهوم التاريخي لـ “التفوق العسكري النوعي” (QME) لتل أبيب في المنطقة.

وتلتزم الولايات المتحدة بحسب قوانينها بالحفاظ على هذا المبدأ لضمان تفوق “إسرائيل” على أي تحالف عربي محتمل ضدها. غير أن إدخال مقاتلات صينية متطورة – مثل طائرات J-10C وJ-16 – يمنح القوات الجوية المصرية قدرات إضافية تتجاوز نطاق القيود الأمريكية؛ مما يؤدي بدوره إلى دمج الأسلحة الصينية مع طائرات “رافال” الفرنسية، وهو ما يعزز مرونة وتنوع القدرات القتالية المصرية.

كما تخشى تل أبيب أيضًا من احتمالية التحرر (من جانب القاهرة) من القيود الفنية والسياسية المفروضة من واشنطن. حيث تفرض الولايات المتحدة في أغلب الأحيان قيودًا على أنظمة الأسلحة الموجهة، مثل الصواريخ بعيدة المدى جو-جو المخصصة لمقاتلات F-16.

كما أن الأسلحة الصينية غالبًا ما تُعرض بشروط أقل تعقيدًا ودون قيود تشغيلية صارمة قد تعيق عملية اتخاذ القرار العسكري المصري. ويُثير هذا الأمر مخاوف في “إسرائيل” بشأن تحديث أنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى. ولذلك، فإن تل أبيب تتابع عن كثب حصول مصر على أنظمة دفاع جوي صينية متطورة، مثل نظام “HQ-9B”.

وتُعَد هذه الأنظمة مكافئة في فعاليتها للأنظمة الروسية المتقدمة، ومن شأن نشرها أن يحِدّ من أنشطة طائرات الاستطلاع والعمليات الإسرائيلية في شبه جزيرة سيناء وعلى طول الحدود المشتركة.

كما يثير هذا التقارب المصري مع قوى كبرى – مثل الصين – مخاوف في تل أبيب بشأن التداعيات الجيوسياسية له، لا سيما في سياق الصراع مع “إسرائيل”. حيث تنظر تل أبيب إلى هذا التقارب المصري مع بكين باعتباره تحولًا في موازين القوى الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط.

وبالتالي، فإن تل أبيب تتخوف من تبادل الخبرات التكتيكية والاستخباراتية، فضلًا عن إجراء مناورات مشتركة واسعة النطاق، مثل مناورات “نسور الحضارة” التي تجمع بين القوات الجوية المصرية والصينية.

ويمكن تفصيل أبعاد القلق الإسرائيلي إزاء التقارب العسكري المصري – الصيني في أربعة جوانب هامة:

البُعد الأول، والذي يتمثل في خشية “إسرائيل” من أن تؤدي صفقات السلاح الأمريكية مع مصر إلى كسر الطابع المشروط لمبيعات الأسلحة للقاهرة، التي تخضع لقيود مستمرة وخطوط حمراء (على استخدامها). وهو أمر له أهمية خاصة بالنظر إلى دأب واشنطن – على مدى عقود – على فرض شروط صارمة على مبيعات السلاح لمصر لضمان عدم تهديد أمن “إسرائيل”.

فعلى سبيل المثال، قامت الولايات المتحدة بمنع حصول مصر على مدى سنوات من الحصول على مقاتلات الجيل الخامس، مثل “إف-35” (F-35)، أو حتى صواريخ جو-جو متطورة بعيدة المدى مثل صواريخ “أمرام” (AMRAAM) لتجهيز أحدث نسخ مقاتلات “إف-16” (F-16) المصرية؛ ولذا، وجدت القاهرة ضالّتها في ذلك في البديل الصيني؛ وهنا يكمن البُعد الثاني.

البُعد الثاني، حيث يتمثل البعد الثاني في توجّه مصر نحو بكين للحصول على أسلحة متطورة دون شروط سياسية أو قيود على استخدامها، وتكون هذه الأسلحة المتطورة مجهَّزة بحزم تسليح متكاملة وبعيدة المدى. وهنا يكمن البعد الثاني، المتمثل في القلق الإسرائيلي بشأن التهديد الذي قد يطال تفوقها الجوي النوعي؛ إذ إن دخول مقاتلات صينية حديثة على الخط لصالح مصر يغير موازين القوة الجوية.

وتُصنَّف مقاتلات “جي-10 سي” (J-10C) – المعروفة عسكريًا باسم “التنين القوي” (Strong Dragon) – كمنصة متعددة المهام من الجيل “4.5” (وهي مقاتلات نفاثة متطورة تجمع بين قدرات طائرات الجيلين الرابع والخامس.).

كما أنها تتميز برادار متطور من نوع “AESA” (مصفوفة المسح الإلكتروني النشط)، كما أنها قادرة على حمل صواريخ تشمل صواريخ “PL-15” جو-جو بعيدة المدى (والتي يتجاوز مداها 200 كم). وهذا يكسر الحظر المفروض على مصر فيما يتعلق بهذا النوع من الذخائر، ويمكّنها من الاشتباك مع المقاتلات الإسرائيلية (من طرازي F-15 وF-16) من مسافات آمنة.

وتُعد المقاتلات الصينية (من طراز J-16) طائرات دعم ثقيلة وقوية (مُشتقة من أنظمة مقاتلات “سوخوي” الروسية)؛ ​​فهي تمنح مصر قدرات هجومية هائلة، ونطاقًا عملياتيًا واسعًا، وحمولة أسلحة ضخمة، مما يعزّز قدرات الردع الجوي المصري.

البُعد الثالث، ويَكمن البُعد الثالث في تخوّف “إسرائيل” من استقلالية القرار العسكري والتكنولوجي المصري ومن تنويع مصادر التسليح؛ إذ يأتي ذلك نتيجة لنجاح مصر -على مدار العقد الماضي- في التحول من الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة إلى تبني سياسة التنويع الاستراتيجي لتشمل فرنسا وروسيا وألمانيا والصين.

ويعني هذا التحول استقلال مصر عن أنظمة الصيانة وقطع الغيار؛ فالاعتماد على الصين يحمي القاهرة من الضغوط الأمريكية المحتملة، مثل حجب قطع غيار الطائرات أو تعليق الدعم الفني أثناء الأزمات.

البُعد الرابع، أما البُعد الرابع فيتمثل في القلق من جانب “إسرائيل” إزاء التداعيات الجيوسياسية للوجود الصيني في منطقة شرق البحر المتوسط ​​بدعم من مصر. حيث تخشى “إسرائيل” – بالاشتراك مع الولايات المتحدة بطبيعة الحال – أن يمهد هذا التعاون العسكري بين مصر والصين الطريق لتوسع النفوذ الجيوسياسي لبكين في منطقة قناة السويس وشرق البحر المتوسط، وهي مناطق تُعتبر ذات أهمية استراتيجية وحيوية للأمن “الإسرائيلي” و “الغربي” و “الأمريكي”.

الخلاصة

وباختصار، فإننا لابد أن ندرك أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر قامت رسميًا بتدشين مرحلة جديدة من التعاون العسكري بين البلدين.

حيث تنتقل هذه المرحلة من مجرد توريد المعدات العسكرية التقليدية إلى شراكة دفاعية استراتيجية متطورة تشمل الطائرات المقاتلة الحديثة، وتقنيات الطائرات المسيرة، والتصنيع المشترك.

وبالتالي، فإن هذا التطور يُعد بطبيعة الحال مصدر قلق لـ ”إسرائيل”، كونه يهدد التفوق العسكري النوعي لمصر في المنطقة، المدعوم بما تتلقاه القاهرة من دعم عسكري وتسليحي من بكين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى