في 24 سبتمبر 2026، نشر معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط The Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP) الأمريكي، وهو مؤسسة بحثية غير ربحية مقرها واشنطن دي سي، مقالًا تحليليًا بعنوان: “كيف أصبح التطوير العمراني أداةً للسيطرة والربح في مصر” لـ “إبراهيم عز الدين”، وهو زميل غير مقيم سابق في معهد “تايمب” (TIMEP) – حيث كان ثاني من يحصل على زمالة “سارة حجازي” في المعهد – وهو أيضًا مخطِّط عمراني وباحث مصري، كان قد عمل سابقًا في “المفوضية المصرية للحقوق والحريات”، ثم مديرًا لـ “مبادرة مناخ للدراسات البيئية”، كما أنه أحد مؤسسي “ديوان العمران للدراسات الحضرية”.
يتناول الكاتب في هذا التحليل كيفية توظيف الحكومة المصرية للتخطيط العمراني منذ “انتفاضة عام 2011”. ففي أعقاب ثورة يناير 2011، التي لعبت فيها الساحات العامة دورًا محوريًا في تحريك الاحتجاجات، تحولت الدولة نحو تشييد مشاريع عملاقة معزولة ومدن صحراوية (مثل العاصمة الإدارية الجديدة) بعيدًا عن متناول الحشود الغفيرة والمتظاهرين المحتملين.
ويقول الكاتب إن قطاعي البناء والعقارات يُعَدّان بمثابة محرك اقتصادي للنظام؛ إذ يوفران فرص عمل سريعة (حيث يستوعبان ما يقرب من 13.4% من إجمالي القوى العاملة في مصر بحلول عام 2024)، ولكنهما يعملان في الوقت ذاته على إعادة توزيع الثروة لصالح الفئات الأكثر ثراءً بدلًا من توفير إسكان عام ميسور التكلفة.
وتظل ملايين الوحدات السكنية شاغرة، بينما يعجز المواطنون العاديون عن الحصول على مسكن ملائم بسبب ارتفاع الأسعار التي انفصلت تمامًا عن مستويات الدخل المحلي.
ورغم ضخ أموال عامة هائلة في مشاريع التوسع الصحراوي والمجمعات السكنية المغلقة (المسوّرة)، إلا أن هذه المناطق الجديدة لا تضم سوى نسبة ضئيلة (حوالي 1.7%) من إجمالي السكان، مما يؤدي إلى تفاقم الفوارق الطبقية الاجتماعية وتدهور الحالة العمرانية للمراكز الحضرية التاريخية.
وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشره مركز تايمب The Tahrir Institute for Middle East Policy الأمريكي عن كيفية تحول التطوير العمراني أداةً للسيطرة والربح في مصر، وذلك على النحو التالي:
كيف أصبح التطوير العمراني أداةً للسيطرة والربح في مصر
منذ انتفاضة عام 2011، اتجهت السياسات الحضرية للسلطات المصرية في الغالب نحو تحقيق المزيد من الأرباح، ورفع أسعار العقارات، وإقامة مشاريع ضخمة جديدة، وتعزيز السيطرة الأمنية في البلاد.
في عام 2025، بثّ “صندوق التنمية الحضرية” التابع للحكومة المصرية إعلانًا تلفزيونيًا للترويج لمشاريعه العقارية الجديدة. حيث يواجه بطل الإعلان مضايقات يومية؛ كصعوبة العثور على موقف للسيارة، وتطفل الجيران، وإزعاج أثناء ساعات الليل، وحوادث سرقة. وتتصاعد حدة هذه الضغوط حتى يظهر فجأة “مجمع سكني متكامل الخدمات، يوفر الأمان والمرافق والخصوصية”، تحت شعار: “صندوق التنمية الحضرية… أكبر مطور عقاري في محافظات مصر”.
انهيار جزء ضخم وصخرة هائلة من هضبة المقطم على بيوت سكنية مكتظة بالناس يوم 6 سبتمبر 2008 في منطقة عزبة بخيت بحي منشية ناصر في العاصمة المصرية
وقد تأسس هذا الصندوق عام 2021 ليحل محل “صندوق تطوير المناطق العشوائية”، الذي تم إنشاؤه في أعقاب كارثة “الدويقة” في 6 سبتمبر 2008، حين حدث انهيار صخري من هضبة المقطم بالقاهرة (تحديدًا في منطقة عزبة بخيت بحي منشية ناصر) على بيوت سكنية مكتظة بالناس هناك، مما أدى إلى تدمير أكثر من 166 منزلًا ومقتل 119 شخصًا. وقد وُضع الصندوق حينها كأداة للتدخل الاجتماعي، وكُلِّف بمهام تحديد المناطق غير الآمنة، وتطويرها، وتوفير البنية التحتية الأساسية فيها.
وبعد مرور ثمانية عشر عامًا، تحولت الهيئة المنوط بها حماية سكان تلك المناطق المعرَّضة للخطر إلى مطور عقاري، يروج لمجمعات سكنية مسوَّرة (كومباوندات) باعتبارها ملاذًا للهروب من فوضى المدن المصرية.
ويعكس هذا التحول مسار السياسات الحضرية في مصر في أعقاب انتفاضة عام 2011، وصعود الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى الواجهة بعد ذلك بعامين (عندما قاد انقلابًا عسكريًا على الحكومة المنتخبة)، وتعيين مصطفى مدبولي وزيرًا للإسكان والمرافق العمرانية، ثم رئيسًا للوزراء لاحقًا.
وخلال هذه الفترة، تبنت الدولة نموذجًا عمرانيًا يركز في المقام الأول على تحقيق الربح وإحكام السيطرة الأمنية.
“في الوقت الذي تمتلك فيه البلاد ملايين الوحدات السكنية الشاغرة، يظل معظم المصريين عاجزين عن تحمل تكاليف الحصول على مسكن ملائم”
لقد تحول التطوير العمراني إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة وحماية أصحاب النفوذ، بدلًا من أن يكون أداةً لتنظيم الحيّز الحضري وتوفير سكنٍ ملائم. وقد أسهم هذا المسار في تدهور المدن المصرية، وتزايد الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وتشوّه سوق الإسكان.
حيث تزخر البلاد حاليًا بالملايين من الوحدات السكنية الشاغرة، في حين يعجز معظم المصريين عن الحصول على مسكنٍ لائق يعيشون فيه، بعد أن حدث انفصال تام بين أسعار العقارات ومستويات الدخل لعموم المصريين.
وفي الوقت ذاته، استنزفت المدن الجديدة استثماراتٍ عامةً ضخمةً على مر السنين، رغم أنها لا تضم سوى 1.7 في المائة فقط من إجمالي السكان.
وتخدم سياسات التنمية الحضرية الحالية أهدافًا متعددة؛ فمن ناحية، يوفر التوسع العمراني وإنشاء مدن جديدة وأحياء سكنية محاطة بأسوار في المناطق الصحراوية – على غرار العاصمة الإدارية الجديدة – وسيلةً لتحقيق الأمن والسيطرة السياسية، لا سيما في أعقاب الدور المحوري الذي لعبته الميادين العامة في تحريك الثورة المصرية التي اندلعت في 25 يناير من عام 2011.
ومن ناحية أخرى، يمثل قطاع التشييد والبناء ركيزةً مثاليةً لاقتصاد سياسي يتبناه نظامٌ يسعى إلى تحقيق نتائج سريعة. حيث يوفر هذا القطاع فرص عمل بتكلفة منخفضة نسبيًا، فقد استوعب نحو 13.4 في المائة من إجمالي القوى العاملة في مصر عام 2024. كما يرتبط القطاع بالعديد من الصناعات الرئيسية، ويساهم – إلى جانب الأنشطة العقارية – بنحو 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
كما أن قطاع الإنشاءات يُنتج إنجازات ملموسة يمكن تدشينها أمام عدسات الكاميرات، على عكس الاستثمار في رأس المال البشري الذي قد يستغرق سنوات حتى تظهر ثماره.
وفي النهاية، تخلق المشاريع العقارية واسعة النطاق شبكةً متشعّبة من العقود والأراضي والامتيازات التي يمكن توزيعها بين الجهات الحكومية والعسكرية، فضلًا عن شركات الإنشاءات ذات النفوذ؛ مما يحوّل التنمية الحضرية إلى وسيلة لتوزيع الثروة وضمان الولاء السياسي.
بسط السيطرة من خلال إعادة التطوير الحضري
تُعد العاصمة الإدارية الجديدة درة تاج السلطات، وأوضح تجسيد لسياساتها الحضرية. وتمتد هذه المدينة، التي تقع على بعد 60 كيلومترًا شرق القاهرة، على مساحة تقارب 700 كيلومتر مربع، وتعود ملكيتها إلى شركة تمتلك القوات المسلحة المصرية الحصة الأكبر فيها.
ومن المتوقع أن تصل التكلفة الإجمالية لإنشاء المدينة إلى نحو 60 مليار دولار؛ فهي لا تقتصر على كونها مركزًا إداريًا فحسب، بل تمثل أيضًا أكبر مشروع استثماري عقاري في البلاد، كما أنها تُعد بمثابة حصن سياسي للنظام.
تعود فكرة إنشاء عاصمة جديدة لتركيز المؤسسات الحكومية فيها إلى فترة ما قبل الثورة، لكنها سرعان ما عادت إلى الواجهة بعد عام 2014. وفي عام 2023، بدأت الوزارات بالانتقال إلى العاصمة الجديدة، تاركةً مبانيها التاريخية في القاهرة ليتم بيعها أو ليُعاد توظيفها لأغراض استثمارية.
وقد حرصت السلطات المصرية على إضفاء طابعٍ استعراضيٍّ ملموسٍ في كل ركنٍ من أركان العاصمة الجديدة. فهي، على سبيل المثال، تضم أطول برج في أفريقيا، و ثريّا (نجفة) يُقال إنها الأكبر في العالم، و حديقةً تم تصميمها لتكون أكبر بعدة أضعاف من “سنترال بارك” في مدينة نيويورك، و دارًا للأوبرا وُصفت بأنها الأكبر في الشرق الأوسط، إلى جانب مشاريع ضخمة أخرى.
“كل هذه المرافق الفارهة تخدم عددًا من السكان لا يتجاوز 30 ألف نسمة، وهو نتيجة مباشرة للفلسفة التي قامت عليها عملية تطوير المدينة، باعتبارها مشروعًا موجّهًا نحو تحقيق الربح“
وتخدم هذه المرافق الفاخرة عددًا من السكان لا يتجاوز 30 ألف نسمة، وهو نتيجة مباشرة للفلسفة التي قامت عليها عملية تطوير المدينة باعتبارها مشروعًا يهدف إلى تحقيق الربح. وتُباع الوحدات السكنية بأسعار تُعتبر خيالية بالنسبة للغالبية العظمى من المصريين، مما يجعل العاصمة الجديدة ملاذًا للأثرياء وكبار المسؤولين الحكوميين، يتيح لهم الابتعاد عن القاهرة “القديمة” بما تعانيه من كثافة سكانية ومشكلات متراكمة.
أما الموظفون الحكوميون من ذوي الدرجات الوظيفية الأدنى، فيعملون في العاصمة الجديدة لكنهم لا يقيمون فيها؛ إذ خصصت لهم الحكومة مساكن في “مدينة بدر” القريبة، حيث يمكنهم شراء وحدات سكنية عبر خطط تقسيط ميسرة.
على الصعيد السياسي، لم يعد الهدف الأمني من إنشاء العاصمة الجديدة مجرد تكهنات. ففي يوليو 2026، وخلال افتتاح مركز قيادة الدولة الاستراتيجي – المعروف باسم “الأوكتاجون” (Octagon)، والذي يضم مقر وزارة الدفاع وتبلغ مساحته سبعة أضعاف مساحة مبنى “البنتاجون” (Pentagon) في الولايات المتحدة – صرّح عبد الفتاح السيسي بأن “على الدولة الانتقال خارج العاصمة”، وأن قرار نقل مؤسسات الدولة والقيادة الاستراتيجية إلى العاصمة الإدارية الجديدة “جاء استجابةً لدروس استخلصتها الدولة من أحداث عام 2011 وما أعقبها” للحيلولة دون تكرار حصار المقرات الحكومية، كما حدث خلال تلك الفترة.
في الحقيقة، لا يمكن فصل خطط التوسع نحو الصحراء عن “المشروع الوطني للطرق“، الذي يتضمن إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق والجسور. فهذه الطرق تعمل بمثابة شرايين للنموذج العمراني الجديد، حيث تربط المدن المحاطة بأسوار بالمراكز القائمة، وتُعزز القيمة الاستثمارية للأراضي المحيطة. ولكن هذا التوسع ارتبط بموجة من نزع ملكية الأراضي، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة في حوادث المرور.
وإلى جانب إنشاء عاصمة يصعب على المحتجين والمتظاهرين الوصول إليها، قامت الحكومة بإعادة تشكيل الفضاء العام بهدف تقليص أي فرصة للتجمعات الشعبية. فقد شهد ميدان التحرير – أحد أهم رموز الثورة المصرية (2011) – تكثيفًا للوجود الأمني، كما خضع لإعادة تصميم بالكامل. حيث وُضع في مركزه مسلة وتماثيل لأبي الهول برؤوس كباش، وأُحيطت بمساحات خضراء، مما جعل من الصعب على المجموعات الكبيرة التجمع فيه. وشملت هذه التغييرات ميادين عامة أخرى، مثل ميدان رابعة العدوية في القاهرة وميدان الشون في المحلة الكبرى، محافظة الغربية، حيث أُنشئت جسور تقطع هذه الميادين مباشرة، مما يسهل السيطرة عليها ويحد من احتمالية حدوث تجمعات عامة بها (على غرار ما حدث في ثورة 25 يناير).
الحكومة كمستثمر عقاري
منذ بدء الانفتاح الاقتصادي في مصر خلال سبعينيات القرن الماضي، اتجه المصريون إلى شراء العقارات كأحد الوسائل لحماية مدخراتهم. وقد تعزز هذا التوجّه بفعل الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري على مدى العقد الماضي، في ظل محدودية خيارات الاستثمار واتساع الفجوة في الثروة؛ وسط حقيقة أن نحو عُشر سكان مصر فقط هم من يسيطرون على ثلثي ثروة البلاد.
وتحولت الدولة من دورها كجهة منظِّمة للسوق إلى أكبر فاعل فيه، حيث أصبحت تبيع الوحدات السكنية للمواطنين كأصول استثمارية. ويتجلى هذا التحول في النمو المالي لـ “هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة” – الذراع الحكومية الرئيسية للتنمية العمرانية والاستثمار – حيث ارتفعت إيراداتها من نحو 18 مليار جنيه مصري في العام المالي 2014-2015 (ما يعادل قرابة 2.2 مليون دولار وفقًا لأسعار الصرف آنذاك) لتصل إلى ما يقدر بنحو 245 مليار جنيه مصري في موازنة العام المالي 2026-2027 (أي ما يعادل تقريبًا 5 مليارات دولار).
في الحقيقة، لا تكتفي الدولة بتحقيق الأرباح من بيع الوحدات السكنية فحسب، بل تستفيد أيضًا من احتكار المورِد الرئيسي الكامن وراءها، ألا وهو الأرض. وباعتبارها واحدة من أكبر الجهات المالكة للأراضي الصحراوية في مصر، فقد دأبت “هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة” على رفع أسعار جميع الأراضي التي تطرحها في السوق؛ وهذا ما جعل الأراضي المملوكة للدولة محركًا رئيسيًا لارتفاع أسعار العقارات في مصر. حيث يقوم المطوِّرون بشراء الأراضي بأسعار مرتفعة، ثم يقومون بتحميل هذه التكلفة الإضافية على المشترين، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع قيمة العقارات القائمة أيضًا.
وفي الوقت نفسه، بقي الإنفاق الاجتماعي غير كافٍ مقارنةً بحجم الاحتياجات الكبير. فمنذ عام 2014، قامت الدولة بتوفير ما يقرب من مليون وحدة سكنية اجتماعية، وأطلقت مبادرات للرهن العقاري المدعوم للأُسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بأسعار فائدة تبدأ من 3 في المائة. ومع ذلك، فإن هذه الجهود وحدها لا تكفي لمواكبة الأعداد المتزايدة من الأسر المحتاجة، أو الارتفاع في أسعار الأراضي وتكاليف البناء. كما لا تزال تكلفة الوحدات السكنية الاجتماعية تفوق القدرة المالية للكثيرين من ذوي الدخل المنخفض من المواطنين.
الإخلاء القسري ونزع الملكية
في الحقيقة، غالبًا ما تصطدم الخطط الحكومية بالمجتمعات التي تقطن بالفعل في الأراضي المستهدفة بالتطوير، مما يجعل السكان من بين الضحايا الرئيسيين لهذه العملية. وقد اعتمدت الحكومة نهجين اثنين، يُستخدمان أحيانًا بالتزامن، وهما: الإخلاء القسري المباشر، و استخدام الأدوات القانونية لنزع ملكية العقارات بذريعة “المصلحة العامة”.
وفي إطار النهج الأول، يتم تنفيذ الإخلاء القسري بدعوى “التطوير”؛ وهو الأمر الذي يواجهه سكان جزيرة الوراق، بالجيزة، منذ عام 2017، حيث يخضعون لحصار مستمر يهدف إلى إجبارهم على الرحيل (وترك بيوتهم وأراضيهم) لإفساح المجال أمام إنشاء مشروع عقاري فاخر على الجزيرة.
أما في النهج الثاني، فيتم تخصيص الأراضي على أنها “للمصلحة العامة”، ثم تُستخدم القوة والتهديد لفرض هذا القرار؛ وهو ما حدث مع سكان قريتي “الخرافين” و “المقاطعة” في شمال سيناء، حيث منحتهم السلطات مهلة لا تتجاوز 24 ساعة لإخلاء منازلهم.
ولم تكن هذه واقعةً فردية؛ ففي الفترة ما بين يناير 2021 وديسمبر 2025، جرت 525 عملية نزع ملكية عقارية تحت ذريعة “المصلحة العامة”، طالت أكثر من 136 ألف أسرة – أي ما يقرب من 546 ألف فرد – وأدت إلى فقدان حوالي 110,537 وحدة سكنية.
“إلى جانب هذين النهجين، هناك نهج ثالث أكثر “سلاسة”، يتمثل في تهيئة ظروف السوق التي تدفع نحو النزوح القسري”
وإلى جانب هذين النهجين، فهناك نهج ثالث أكثر سلاسة منهما، يتمثل في تهيئة ظروف السوق التي تدفع نحو الإزاحة القسرية (لأصحاب البيوت والأراضي). ففي عام 2025، حيث قامت الدولة بسنّ تشريعات تمهّد الطريق لإنهاء نظام “الإيجار القديم“، وتفتح الباب أمام زيادات كبيرة في إيجارات هذه الوحدات السكنية؛ مما يضع ملايين المستأجرين في مواجهة خطر الإخلاء القسري من منازل عاشوا فيها على مدى عقود.
وقد قام الجنرال السيسي بتبرير هذه الخطوة – التي ترمي إلى تحرير العلاقة بين الملاك والمستأجرين – بالقول إن قيود الإيجار تشكل “عقبة حقيقية أمام الاستفادة من مليوني وحدة سكنية، تبلغ قيمتها تريليون جنيه مصري”.
وفي حين تُستخدم سياسات نزع الملكية أحيانًا لإنشاء الكباري والطرق والبنية التحتية، فإنه يتم توظيفها أيضًا في حالات أخرى لتحويل الأراضي المنزوعة الملكية إلى مشاريع استثمارية ضخمة تستهدف الفئات ذات الدخل المرتفع. وقد حدث هذا في منطقة “رأس الحكمة” على ساحل البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تم نزع ملكية أراضٍ كانت مأهولة بالسكان، ثم أُعيد بيعها (للمستثمرين الإماراتيين) لتحقيق أرباح طائلة، وذلك بعد تهجير السكان والمالكين الأصليين أو الضغط عليهم لقبول تعويضات زهيدة.
لم تعد مكانًا للعيش
وفي عام 2011، خرج الناس إلى الشوارع مطالبين بـ “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”. لكن بعد مرور خمس عشرة عامًا، تبنت حكومة السيسي سياسات للتنمية الحضرية أدت إلى خلق ظروفٍ تناقض تمامًا المطالب التي نادت بها الثورة. فقد تحولت المدينة من مساحة للعيش فيها إلى أداة لإعادة توزيع السكان والثروة والسلطة، وهو ما يعكس تحولاتٍ أعمق في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ورغم أن هذه السياسات يتم تقديمها باعتبارها مسارًا نحو “التنمية” و “التحديث”، إلا أن نتائجها تكشف عن اتساع الفجوات الاجتماعية، مما حوّل التنمية الحضرية إلى آلية للتحكم في المجتمع بدلًا من كونها وسيلة لتحسين ظروف المعيشة.
وبناءً على ذلك، فإن فهم التغيرات التي طرأت على التنمية الحضرية في مصر عقب انتفاضة عام 2011 يتطلب النظر إليها كجزءٍ من مشروعٍ أوسع، يُعاد فيه تشكيل الفضاء العام والاقتصاد الحضري لخدمة منطق السيطرة وتحقيق الربح.
ولا يخلو النقاش العام في مصر من تقديم مقترحات و أفكار لعكس هذا المسار. ويمكن للحكومة أن تنفذ سياسة صارمة بشأن الضرائب العقارية تهدف إلى إعادة استخدام الأصول العقارية الشاغرة، ويمكنها أيضًا اتخاذ تدابير لتحقيق التوازن في الإيجارات بدلًا من تركها بالكامل لقانون العرض والطلب.
ويجب أن تهدف السياسات العامة إلى توجيه دعم أكبر للإسكان الاجتماعي بحيث تتوافق أسعار الوحدات مع دخل الفئات المستهدفة. في موازاة ذلك، يجب على الحكومة التوقف عن انتهاك القانون الدولي باستخدام الإخلاء القسري لتسريع مشاريع التنمية.
قد تبدو هذه الحلول معقدة بسبب الآثار التراكمية للسياسات الحكومية على مدى العقد الماضي. لكنها ليست مستحيلة، شريطة توافر الإرادة السياسية لإعطاء الأولوية لمصالح المواطنين على السعي وراء الربح أو تشديد السيطرة الأمنية.
(ملحوظة: تندرج هذه المقالة ضمن مشروع “الانتفاضات العربية بعد مرور 15 عامًا: أكثر من مجرد لحظة“، وهو مشروع بحثي وسردي وتأملي امتد على مدار عام، كان مركز تايمبThe Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP) الأمريكي قد أطلقه بمناسبة مرور 15 عامًا على اندلاع الانتفاضات العربية في أواخر عام 2010، والتي امتدت عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – من أجل توثيق التجارب الإنسانية، والتبعات السياسية، والنضالات التي لم تكتمل في سياق هذه الانتفاضات؛ ليس بهدف إحياء ذكرى ما جرى في عامي 2010 و2011 فحسب، بل لفهم الكيفية التي لا تزال بها تلك الأحداث تؤثر في المنطقة ومستقبلها).




