إصدارات

ماذا خسر المجتمع المصري بعد الرئيس محمد مرسي؟ دراسة سوسيولوجية استشرافية في التحولات الاجتماعية

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

شهدت مصر بعد الرئيس محمد مرسي، مرحلة اتسمت بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متداخلة، تركت آثارًا تجاوزت المجال السياسي إلى بنية المجتمع نفسه.

 وخلال السنوات اللاحقة، انصب اهتمام معظم الدراسات على تحليل التحولات السياسية أو متابعة المؤشرات الاقتصادية، بينما ظل السؤال المتعلق بالخسائر الاجتماعية أقل حضورًا في الأدبيات، رغم أن آثاره تبدو أكثر امتدادًا وأشد تأثيرًا في مستقبل المجتمع.

ولا تقتصر الخسائر الاجتماعية على ما يمكن قياسه بمؤشرات الفقر أو البطالة أو مستويات الدخل، وإنما تشمل أيضًا ما يصيب العلاقات الاجتماعية من تغيرات، وما يطرأ على مستويات الثقة بين المواطنين، والثقة في المؤسسات، وعلى قدرة المجتمع على إنتاج التضامن والتعاون والعمل الجماعي. كما تمتد آثارها إلى الأسرة، والطبقة الوسطى، والشباب، والمؤسسات الوسيطة، وهي جميعًا مكونات تشكل ما يعرف في الأدبيات السوسيولوجية برأس المال الاجتماعي.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أن التحولات التي شهدتها مصر بعد الرئيس محمد مرسي أسهمت، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل هذا الرصيد الاجتماعي، وأن كثيرًا من آثارها لا تظهر بصورة مباشرة، وإنما تتراكم تدريجيًّا وتنعكس على تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة الأزمات في المستقبل.

ومن هذا المنطلق، لا تنظر الدراسة إلى هذه التحولات باعتبارها أحداثًا عابرة مرتبطة بمرحلة سياسية محددة، بل باعتبارها عملية اجتماعية ممتدة قد تؤثر في مسار المجتمع المصري لعقود قادمة إذا استمرت الاتجاهات الراهنة دون معالجة.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى الدراسة للإجابة عن السؤال الرئيس:

  • ماذا خسر المجتمع المصري على المستوى الاجتماعي بعد الرئيس محمد مرسي؟

كما تحاول الدراسة استشراف الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها هذه الخسائر في مستقبل المجتمع المصري، وذلك من خلال توظيف أدوات التحليل السوسيولوجي ومنهجية السيناريوهات المستقبلية.

الأطر النظرية المفسرة للتحول الاجتماعي

لفهم التحولات الاجتماعية التي تتناولها الدراسة، تستند الورقة إلى ثلاثة أطر نظرية رئيسة، لكنها لا تُعامل كنماذج منفصلة بقدر ما تُستخدم كعدسات متقاطعة لقراءة واقع واحد.

ينطلق الإطار الأول من نظرية رأس المال الاجتماعي والثقة المؤسسية ومفهوم “رأس المال الاجتماعي” عند روبرت بوتنام، الذي يربط بين الثقة والشبكات الاجتماعية وقدرة المجتمع على العمل الجماعي([1]).

في هذا السياق، تصبح المشكلة الأساسية ليست فقط في ضعف الثقة، بل في تآكل الجسور التي كانت تسمح بتواصل الفئات المختلفة داخل المجتمع([2]).

تجادل هذه الدراسة بأن مصر بعد 2013م شهدت ملامح لتفكك “رأس المال الاجتماعي التشبيكي”، حيث انقطعت جسور التواصل والعمل المشترك بين القوى المدنية والإسلامية والمستقلة، وتحول الفضاء الاجتماعي في أبعاد عدة إلى فضاء إقصائي.

ويكتمل هذا الإطار بأطروحة فرانسيس فوكوياما، حيث يبرهن على أن تراجع “الثقة العفوية” في المؤسسات والآليات الاجتماعية قد يدفع الدولة نحو استهلاك موارد ضخمة في الرقابة والضبط الأمني، مما يُقوِّض فرص الازدهار ويخلق مجتمعات متصلبة بنيويًّا تفتقد للمرونة والقدرة الذاتية على تنظيم صفوفها والنهوض مجددًا عند الأزمات العنيفة([3]).

أما الإطار الثاني، فيستند إلى نظرية الانقسامات الاجتماعية والاستقطاب العمودي وأطروحات سيمور مارتن ليبست وستاين روكان حول الانقسامات الاجتماعية، حيث يتحول الخلاف السياسي من مستوى النخبة إلى انقسام اجتماعي ممتد يعيد تشكيل الهويات اليومية.

في الحالة المصرية، جرى تحويل الانقسام السياسي الأفقي (خلاف حول إدارة الدولة والمسار الديمقراطي) إلى انقسام عمودي هوياتي (إسلامي/علماني، وطني/خائن، ثوري/مؤيد للاستقرار) عبر آليات التعبئة الإعلامية والمؤسسية للدولة بعد 2013م([4]).

هذا النمط من الانقسام لا يزول بزوال الحدث السياسي، بل ينغرس في الثقافة السياسية اليومية والذاكرة الجمعية.

ويأتي الإطار الثالث من أطروحة يورغن هابرماس وروبرت ميرتون، لفهم وتفسير كيف يؤدي تأميم الفضاءات العامة وإغلاق الجمعيات الأهلية والنقابات وقنوات التعبير إلى تراجع المجال العام واتساع مظاهر الانسحاب الاجتماعي([5]). ويترتب على هذا الإغلاق تحول الأفراد نحو “الاغتراب الاجتماعي والسياسي بمفهوم روبرت ميرتون، حيث ينسحب الفرد من الانخراط في الشأن العام وينكفئ على الذات كوسيلة للنجاة الفردية والتكيف مع بيئة اجتماعية مشبعة بالضغوط والتوجس([6]).

محركات التحول الاجتماعي

للانتقال بالورقة من التفسير السوسيولوجي المحض إلى الأداة الاستشرافية، فقد حددنا هنا خمس محركات استراتيجية تتفاعل ديناميكيًّا لتوجيه مسارات المجتمع المصري في المستقبل، وهي كالآتي:

يمكن رصد مجموعة من المحركات الأساسية التي ستؤثر في مسار المجتمع المصري، وهذه المحركات لا تعمل بشكل منفصل، بل تتداخل وتضاعف آثار بعضها البعض.

  • أولًا: في المقدمة يأتي العامل الاقتصادي، حيث يشكل التضخم وتآكل الدخول أحد أبرز مصادر الضغط على الاستقرار الاجتماعي في مصر، خاصَّة مع تراجع الطبقة الوسطى.
  • ثانيًا: وبموازاة العامل الاقتصادي يأتي العامل الاجتماعي، المتمثل في تراجع الثقة بين الأفراد وتقلص شبكات الدعم غير الرسمية التي كانت تعتمد عليها الأسر.
  • ثالثًا: العامل السياسي، ويتعلق بمدى انفتاح المجال العام أو انغلاقه، وما يترتب على ذلك من تغيُّر في العلاقة بين المواطن والدولة.
  • رابعًا: يبرز العامل الديموغرافي المرتبط بالشباب والهجرة، وتنامي مشاعر الاغتراب السلوكي لدى الكتلة الشبابية، وتصاعد الاتجاه نحو هجرة النخب المهنية العليا والكفاءات (نزيف العقول).
  • خامسًا: العامل التكنولوجي، حيث يتم تطوير آليات الرقابة الرقمية المشددة، بصورة غير مسبوقة، وتنامي فضاءات “دوامة الصمت” الافتراضي في مقابل تشكل مجتمعات رقمية مغلقة ومعزولة.

الاستقطاب السياسي وتحولات العلاقات الاجتماعية

1 – انقسام النسيج الأسري والروابط القرابية:

الأسرة في مصر ليست مجرد وحدة بيولوجية، بل هي “المؤسسة الوسيطة” والأكثر أهمية في توفير الدعم النفسي والاقتصادي والاجتماعي للأفراد عند غياب دولة الرفاه. بعد عام 2013م، اخترق الاستقطاب السياسي جدران هذه المؤسسة الصلبة.

تشير الدراسات الميدانية حول التحولات الأسرية في مصر خلال السنوات التي أعقبت الرئيس محمد مرسي، إلى أن الخلافات الأيديولوجية الحادة ارتبطت بتصاعد مظاهر الجفاء والقطيعة داخل الأسر الممتدة، حيث تحولت بعض التجمعات العائلية العفوية إلى بؤر للنزاع اللفظي المشحون بالاتهامات بالتخوين أو العمالة، مما دفع بآلاف الأفراد إلى تبني “عزلة قسرية” عن شبكاتهم العائلية لحماية أمنهم الشخصي والأسري([7]).

وتشير القراءات السوسيولوجية إلى تأثر الأسرة النواة (المكونة من الزوجين وأطفالهما فقط) بشكل مباشر بظاهرتين مستحدثتين:

  • احتمالية تأثر معدلات الاستقرار الأسري بفعل الضغوط المركبة: من المحتمل تأثر معدلات الاستقرار الأسري بفعل الضغوط المركبة؛ حيث يُلاحَظ في السياق الاجتماعي المعاصر تزايد تفكُّك بعض العلاقات الزوجية نتيجة التباينات الفكرية الحادة، أو عند وقوع الأسرة تحت وطأة أزمات ممتدة، مما يضع أطراف العلاقة تحت ضغوط مجتمعية وعائلية هائلة، تفاديًا للوصم الاجتماعي أو التبعات الاقتصادية والأمنية.

وقد رصدت تقارير نوعية مستقلة تزايدًا في حالات الانفصال بين أزواج نتيجة اختلاف الانتماءات الفكرية، أو نتيجة لوقوع أحد الزوجين تحت طائلة الملاحقة الأمنية، حيث واجه الطرف الآخر ضغوطًا مجتمعية وعائلية هائلة لطلب الطلاق تفاديًا للوصم الاجتماعي أو الملاحقة الأمنية والضرر الاقتصادي المترتب على الارتباط بسجين سياسي([8]).

  •  انكماش شبكات التضامن العائلي في مواجهة الفقر: تاريخيًّا، كانت الأسر المصرية الميسورة تدعم فروعها الأقل دخلًا عبر آليات الزكاة، والمساعدات الموسمية، والتكافل الداخلي. مع شيوع مناخ الاستقطاب الشديد والشعور بالتهديد، تُظهِر المؤشرات انكماشًا في هذه المساعدات وتراجعًا في الثقة البينية؛ إذ يتخوف الأفراد من تقديم دعم مالي لأقارب قد يُشتبَه في توجهاتهم السياسية، مما سرع من عملية هبوط الفئات الهشة في قاع الهرم الطبقي دون شبكة أمان عائلية تحميها([9])(9).

2 – الصدمات النفسية والذاكرة الجمعية المنقسمة:

تُعَد أحداث فض اعتصامات صيف 2013م (رابعة والنهضة وما تلاها) بمثابة صدمة ثقافية واجتماعية مؤسسة للوعي الجمعي المعاصر في مصر. بالعودة إلى الأطروحات السوسيولوجية حول الذاكرة الجمعية، فإن المجتمعات تبني هويتها وتماسكها من خلال تفسير مشترك للأحداث التاريخية الكبرى الكامنة في وجدانها([10]).

في الحالة المصرية، تشكَّلت “ذاكرتان جمعيتان متنافرتان تمامًا وضدِّيتان للحدث نفسه”: الأولى (الرسمية/المدعومة إعلاميًّا) ترى في أحداث صيف 2013م خطوة لإنقاذ هوية الدولة وحمايتها من خطر الإرهاب والتفتت، وتعتبر الضحايا جزءًا من تنظيم معادٍ.

أما الذاكرة الثانية (المعارضة/الشعبية لقطاع واسع) فترى في الحدث مذبحة بشرية مروعة شكَّلت نهاية لمسار سياسي كان ينبغي أن يُحسَم عبر الآليات الديمقراطية، وأن ما صاحبها من أحداث ترك آثارًا إنسانية واجتماعية لا تزال حاضرة في الذاكرة العامة.

هذا الانقسام الجذري في الذاكرة الجمعية يُقلِّص من فُرَص وجود “الأرضية الأخلاقية المشتركة” بين مكونات المجتمع. وبناءً على أبحاث سوسيولوجيا الصدمة، فإن الصدمات الاجتماعية التي لا يتم تفكيكها والاعتراف بها جماعيًّا عبر قنوات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية تنطوي على احتمالية التحول إلى “صدمات عابرة للأجيال”. فالأطفال والشباب الذين شهدوا هذه الأحداث، أو الذين عاشوا في كنف أسر تعرَّض عائلها للقتل أو السجن أو النفي، يحمل قطاع واسع منهم اليوم سردية مظلومية عميقة وصدمات نفسية غير معالجة تتسم بالوجوم تجاه مؤسسات الدولة والمجتمع الذي صمت أو برر هذه الممارسات([11]).

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع يعيش حالة دائمة من الصراع، لكنه يشير إلى أن استمرار وجود تباين حاد حول حدث تأسيسي ومفصلي بهذا الحجم قد يجعل بناء الثقة بين مكونات المجتمع أكثر تعقيدًا، ويؤخر نشوء أرضية مشتركة تسمح بإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية على المدى البعيد.

سيكولوجية الانسحاب وتأميم المجال العام

1 – دوامة الصمت وثقافة الخوف والرقابة الذاتية:

في بيئة يغلب عليها الحذر السياسي والاجتماعي، تميل الأصوات الفردية إلى الانسحاب تدريجيًّا من المجال العام. هذا ما تصفه نظرية “دوامة الصمت”، لعالمة الاجتماع الألمانية إليزابيث نويل-نيومان، حيث يبدأ الأفراد في مراقبة محيطهم قبل التعبير عن آرائهم، ومع الوقت يختار كثيرون الصمت لتجنب العزلة أو الاحتكاك([12]).

في السياق المصري بعد 2013م، يمكن ملاحظة هذا النمط في تراجع النقاشات السياسية العلنية، سواء في الفضاءات التقليدية أو حتى على الإنترنت، حيث أصبح التعبير أكثر حذرًا وانتقائية. ومع الوقت، لا يعود الصمت مجرد رد فعل، بل يتحول إلى سلوك يومي مكتسب يُعِيد تشكيل طبيعة المجال العام نفسه.

وبعد صدور قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات (مثل قانون رقم 175 لسنة 2018م) وقانون تنظيم الصحافة والإعلام، والتي سمحت بمراقبة الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، تشير الملاحظات إلى نمو مطرد في ممارسات “الرقابة الذاتية”، وتراجع نقاش الشأن العام لصالح موضوعات ترفيهية أو دينية عفوية، تفاديًا للاشتباه([13]).

2 – الانكفاء والانسحاب السياسي للشباب:

أظهرت الكتلة الشبابية المصرية في الفترة ما بين 2011 و2013م مستويات مشاركة سياسية واجتماعية واسعة. إلا أن الإحباط التراكمي الناتج عن انسداد الأفق السياسي، وتضييق قنوات التعبير الشرعية، والحد من الأنشطة الطلابية المستقلة، قد دفع قطاعات واسعة من هذه الكتلة نحو “الاغتراب الاجتماعي والسياسي الهيكلي”.

وتُظهر البيانات الكمية الصادرة عن الباروميتر العربي (Arab Barometer) تراجعًا ملحوظًا في اهتمام الشباب المصري بالشأن السياسي ونسب مشاركتهم في العمل الحزبي والانتخابي؛ ففي حين كانت نسبة الشباب المهتمين بالسياسة في مصر تقارب 48% في عام 2011م، هبطت هذه النسبة لتصل إلى نحو 17% بين الفئات الشبابية في استطلاعات الموجة الخامسة لعام 2019م([14]).

وتشير نتائج الموجات الأحدث من الباروميتر العربي إلى استمرار مستويات منخفضة من الثقة السياسية والانخراط المدني بين الشباب المصري، مع تصاعد الأولويات الاقتصادية والمعيشية على حساب الاهتمام بالمشاركة السياسية، وهو ما يعزز فرضية انتقال قطاعات واسعة من الشباب من الفعل السياسي المباشر إلى استراتيجيات النجاة الفردية والتكيُّف الاقتصادي([15]).

ويلاحظ تحول السلوك الشبابي من “المشاركة الإيجابية” إلى ثلاثة مسارات انكفائية بديلة:

  • الفردانية المفرطة: تركيز الجهد بالكامل على النجاة الاقتصادية الفردية وتطوير المهارات الشخصية المعزولة عن أي سياق جمعي([16]).
  • الانكفاء الافتراضي والانفصال الروحي: من خلال التوجه نحو مجتمعات الألعاب الإلكترونية، والمجموعات المغلقة، وظهور اتجاهات صامتة للانفصال عن المنظومات الدينية الرسمية والمجتمعية التي اُعتبرت في وعيهم مبررة للواقع القائم.
  • الهجرة كبديل للوجود الاجتماعي: حيث تحولت فكرة مغادرة الوطن من طموح اقتصادي لتحسين الدخل إلى “استراتيجية نجاة وجودية ونفسية” بحثًا عن بيئة توفر حماية قانونية وتقديرًا إنسانيًّا.

3 – نزيف الرأسمال البشري وعولمة الكفاءات:

لم تعد الهجرة من مصر بعد عام 2013م تقتصر على العمالة غير الماهرة أو محدودة التعليم المتجهة إلى دول الجوار الإقليمي، بل برزت ظاهرة تتمثل في تصاعد هجرة الكفاءات والنخب المهنية العليا نحو أوروبا، وأمريكا الشمالية، وبريطانيا. شمل هذا النزيف الأطباء، والمهندسين، والأكاديميين، والباحثين، والمبرمجين.

لقد ساهم تسييس الفضاء الأكاديمي والمهني، وتراجع الإنفاق الحقيقي على البحث العلمي، في دفع أعداد من الأساتذة في الجامعات المصرية المرموقة إلى الاستقالة أو عدم العودة من الإجازات السنوية والاستقرار في الجامعات الغربية والإقليمية.

وفي القطاع الطبي، تشير أرقام نقابة الأطباء المصرية الصادرة في تقاريرها وإحصاءاتها الرسمية المتتابعة إلى دلالات مقلقة؛ حيث استقال ما يقرب من 12 ألف طبيب من العمل في المستشفيات الحكومية خلال الفترة من 2019 إلى 2022م، وهاجر الجزء الأكبر منهم. وبحسب بيانات النقابة، فإن نسبًا مقدرة من الأطباء المسجلين رسميًّا في مصر باتوا يعملون حاليًا خارج البلاد.

إن خسارة هذا الرأسمال البشري تنطوي على خطر تفريغ المجتمع تدريجيًّا من كفاءاته التكنوقراطية والوسطى، وهي الطبقة المنوط بها قيادة قاطرة التنمية وإدارة المؤسسات الحيوية كالصحة والتعليم، مما يقلص من قدرة الدولة المستقبلية على المنافسة في الاقتصاد الرقمي والمعرفي العالمي.

وتؤكد تقارير الهجرة الدولية الحديثة – ولا سيما المؤشرات التفصيلية الصادرة في تقرير الهجرة العالمي لعام 2026م عن المنظمة الدولية للهجرة – أن مصر باتت تمثل واحدة من أكبر الدول الموردة للكفاءات المهنية والنخب العلمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا سيما في القطاعات الطبية والهندسية والتكنولوجية؛ إذ يتنامى هذا الاتجاه مدفوعًا باتساع الفجوة الهيكلية بين الأجور المحلية وفرص التوظيف الدولية، وهو ما يفسر الصدارة المستمرة لمصر إقليميًّا وقاريًّا في حجم تحويلات المغتربين المالية كآلية أساسية للتكيُّف الاقتصادي العائلي([17]).

التحولات الهيكلية في الطبقة الوسطى وتوارث الهشاشة

1 – تآكل الطبقة الوسطى وهبوط القاع البنيوي:

تُمثل الطبقة الوسطى في الأدبيات السوسيولوجية والسياسية “صمام الأمان البنيوي” للمجتمعات؛ فهي الحامل الرئيس لقيم الاستقرار، والديمقراطية، وسيادة القانون، والاستثمار طويل الأجل في التعليم والثقافة.

بعد عام 2013م، وبسبب حزم السياسات الاقتصادية القائمة على الاستدانة المفرطة، والتوسُّع في المشروعات العقارية الكبرى غير الإنتاجية مباشرةً، والتعويم المتكرر للجنيه المصري (بدءًا من نوفمبر 2016 وتكرارًا في عامي 2022 و2024م)، واجهت هذه الطبقة ضغوطًا هيكلية حادة قادت إلى تآكل شرائحها الدنيا.

بالاعتماد على “بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك” الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لأعوام 2015 و2018 و2019/2020م، نجد دلالات على هذا التحول؛ إذ ارتفعت نسبة الفقر الرسمية في مصر لتصل إلى 32.5% في عام 2018 مقارنة بنحو 25.2% في عام 2011م([18]).

كما أظهرت تقديرات البنك الدولي بعد أزمة التضخم العالمية أن تراجع القوة الشرائية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة شكَّلا ضغوطًا إضافية على الأسر الحضرية وشبه الحضرية التي كانت تُصنَّف سابقًا ضمن الطبقة الوسطى، وهو ما أدى إلى اتساع فئة السكان المعرضين للسقوط في الفقر عند التعرض لأي صدمة اقتصادية جديدة([19]).

 وأكدت تقارير البنك الدولي الصادرة في عامي 2020 و2023م أن نحو 60% من سكان مصر يُصنَّفون إما كفقراء أو فئات هشة معرضة للسقوط في خط الفقر عند أي هزة اقتصادية([20]).

 سوسيولوجيًّا، يشير ذلك إلى احتمالية هبوط شرائح من “الشريحة الدنيا للطبقة الوسطى” (صغار الموظفين، والمعلمين، والممرضين) إلى مستويات الهشاشة، في حين انكفأت الشريحة العليا والوسطى منها على تأمين الاحتياجات الأساسية (الغذاء، السكن) على حساب الاستهلاك الثقافي والتعليمي المتميز.

2 – تحول منظومة القيم وتوارث الفقر:

أدى التراجع الاقتصادي للطبقة الوسطى والفقيرة إلى “انزياح في المنظومة القيمية السلوكية”. فعندما يستغرق المواطن في تأمين “البقاء المعيشي والوجبات الحيوية”، يُلاحَظ تراجع الاستثمار الأسري طويل الأجل في التعليم والثقافة؛ فالتاريخ الاجتماعي لمصر يشير إلى أن العائلات المصرية تبذل مجهودات هائلة لضمان تعليم جامعي متميز لأبنائها كأداة رئيسة للحراك الاجتماعي الصاعد.

ومع الارتفاع الحاد في كلفة الخدمات التعليمية والدروس الخصوصية، تحول التعليم في وعي قطاعات من الطبقة الوسطى والدنيا من “استثمار واعد” إلى “عبء استنزافي”؛ نظرًا لعدم قدرة سوق العمل المحلي على مكافأة الشهادة الأكاديمية بالشكل الكافي، مما أسهم في زيادة معدلات التسرُّب من التعليم ودفع الأطفال مبكرًا نحو سوق العمل غير الرسمي([21]).

وينطوي هذا الواقع على معضلة استشرافية خطيرة؛ فالأسر العاجزة اليوم عن توفير تغذية سليمة لأطفالها (حيث رصدت تقارير اليونيسف لعام 2022م ارتفاعًا في معدلات التقزُّم والأنيميا بين الأطفال المصريين تحت سن الخامسة نتيجةً لارتفاع أسعار البروتينات والسلع الغذائية الأساسية) وعاجزة عن توفير تعليم ذي جودة، قد تُسهِم دون قصد في “إعادة إنتاج الفقر وتوارثه عابرًا للأجيال. فالأطفال الذين ينشؤون في هذه البيئة المفتقدة للرأسمال الثقافي والصحي، سيدخلون سوق العمل مستقبلًا كعمالة منخفضة الإنتاجية، مما يغلق أبواب الحراك الطبقي ويحول المجتمع إلى طبقات متصلبة يستحيل الاختراق بينها إلا عبر مسارات غير نمطية([22]).

تراجع الثقة في المؤسسات وتفكُّك المجال العام

1 – تسييس المؤسسات وتراجع الثقة المؤسسية:

يمثل تراجع ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية والوسيطة أحد أبرز ملامح تآكل رأس المال الاجتماعي في مصر بعد 2013م. لكي تعمل المؤسسات كأدوات دمج واستقرار، يجب أن تحظى بـ “شرعية إجرائية وأخلاقية تنظر إليها كافة مكونات المجتمع كحَكم محايد ونزيه”([23])، إلا أن التوظيف السياسي المكثف لهذه المؤسسات بعد يوليو 2013م أحدث شرخًا في مصداقيتها التداولية.

على صعيد المؤسسات الدينية الرسمية (الأزهر والكنيسة)، جرى إقحام الرموز الدينية الروحية في صدارة المشهد السياسي لتبرير وإضفاء الشرعية على الترتيبات السياسية المعقبة لـ 3 يوليو. أدى هذا التوظيف إلى نتائج عكسية على المستوى السوسيولوجي والقيمي؛ حيث فقدت هذه المؤسسات الجامعة جزءًا من سلطتها الرمزية المستقلة، لاسيما لدى الأجيال الشابة، ونظر قطاع منهم إلى الخطاب الديني الرسمي بوصفه أداة تابعة للسلطة التنفيذية، مما ساهم في اتساع فجوة النفور من التدين المؤسسي وشيوع أنماط التدين الفردي، أو الانفصال عن المنظومات الدينية كوسيلة احتجاجية صامتة.

أما بالنسبة للمنظومة القضائية والقانونية، فقد شهدت الفترة المعقبة لعام 2013م تحولًا في آليات سير العدالة في القضايا ذات البعد السياسي (المحاكمات الجماعية، التوسُّع في الحبس الاحتياطي، وإجراءات “التدوير”). ترتب على ذلك في الوعي الجمعي لقطاعات من المواطنين اهتزاز صورة القضاء بوصفه “حصنًا مستقلًا للحكم بين الحاكم والمحكوم”. هذا الشعور بـ “اللاعدالة الهيكلية” يضعف من مفهوم المواطنة والالتزام الطوعي بالقانون؛ إذ عندما يترسخ انطباع بأن القانون أداة تنكيل انتقائية، تنهار الرغبة في اللجوء للمؤسسات الرسمية لفض النزاعات، وتتصاعد احتمالية ميل المجتمع مستقبلًا نحو “العدالة الذاتية باليد” وغياب الاحتكار القانوني للدولة([24]).

وتكشف مؤشرات الحوكمة العالمية استمرار التحديات المرتبطة بالمساءلة العامة وفعالية المؤسسات وسيادة القانون في عدد من دول المنطقة، بما فيها مصر، وهو ما يؤثر بصورة غير مباشرة على مستويات الثقة المؤسسية ورأس المال الاجتماعي على المدى الطويل([25]).

2 – تدمير بنية المجتمع المدني وتأميم الفضاء التداولي:

بالعودة إلى الأطروحات السوسيولوجية حول المجال العام كفضاء تداولي حر يقع بين الدولة والمجتمع الخصومي (بيئة اجتماعية أو سياسية يتصدر فيها الصراع، التنافس، والاستقطاب الحاد المشهد العام على حساب التعاون والوفاق)، كانت مصر تمتلك بالرغم من سلطوية عهد مبارك هامشًا حيويًّا من الجمعيات الأهلية، والمراكز الحقوقية، والأنشطة الإغاثية والخيرية، والنقابات المهنية والعمالية.

بعد عام 2013م، أطلقت الدولة عملية “تأميم شاملة” لهذا الفضاء عبر آليات قانونية وأمنية صارمة؛ شملت صدور قانون تنظيم العمل الأهلي (مثل القانون رقم 70 لسنة 2017 وقانون 149 لسنة 2019م) الذي فرض قيودًا على التمويل، النشاط، وحرية حركة الجمعيات الأهلية.

كما جرى إغلاق ومصادرة ممتلكات عدد كبير من الجمعيات الخيرية المحلية بتهم تمويل الإرهاب، دون توفير بديل مؤسسي حكومي كفء وقادر على سد الفجوة([26]).

سوسيولوجيًا، تشير الاتجاهات إلى أن هذا التجريف ينذر بنتيجتين هامتين:

  • تأثر شبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية: إذ كانت هذه الجمعيات تقدم مساعدات طبية، تعليمية، وغذائية مباشرة لملايين الأسر المعدمة في القرى. وقد أدى إغلاقها إلى  ترك هذه الفئات عارية تمامًا أمام التضخم، مما عمق الهشاشة الاجتماعية([27]).
  • غياب قنوات التنشئة الاجتماعية السليمة والوساطة: فتأميم النقابات والجمعيات يحرم الأفراد من التدرب على آليات التداول السلمي والعمل الجماعي الطوعي. وغياب هذه القنوات الوسيطة يضع المجتمع مباشرة في مواجهة عارية مع السلطة، ويفقده النخب الوسيطة القادرة على إدارة النزاعات الاجتماعية وتوجيهها نحو مسارات تفاوضية آمنة مستقبلًا.

سيناريوهات مستقبل المجتمع المصري

بناءً على المعطيات السوسيولوجية والكمية التراكمية، ووفقًا للمقاربة الاستشرافية لتقييم الكلفة الاجتماعية بعيدة المدى، نستخدم هنا “مصفوفة الآثار المتقاطعة” لبناء ثلاثة سيناريوهات متباينة لمستقبل المجتمع المصري بحلول عام 2045م، مصممة كأداة خيارات أمام متخذ القرار:

1 – السيناريو الأول: (التآكل الصامت والجمود البنيوي الذاتي):

أ – المحركات والديناميكيات:

استمرار المقاربة الأمنية الصارمة، تجميد المجال العام، التآكل الاقتصادي المتدرج والمحتوى دون انهيار دراماتيكي مفاجئ، واستمرار معدلات هجرة الكفاءات العالية دون كوابح إجرائية ضخمة.

ب – المآل الاجتماعي للمجتمع المصري:

  • سيادة الفردانية المطلقة: يتحول المجتمع المصري إلى مجتمع يعاني من التصلب؛ حيث يختفي تمامًا مفهوم “المشروع الجماعي التشاركي” أو “العمل الطوعي العفوي”. وينكفئ الأفراد والأسر في “جزر معزولة” و”غيتوهات” نفسية واقتصادية مغلقة، يركز فيها كل فرد على آليات نجاته الشخصية (التربُّح، تدبير الهجرة، الاقتصاد غير الرسمي الهامشي) مع تراجع ملحوظ للثقة البينية عدا الروابط الأسرية الضيقة جدًا وضمن مستويات دنيا من الدعم الاقتصادي المتبادل.
  • مأسسة توارث الفقر والطبقية: يستقر انقسام المجتمع إلى طبقتين متمايزتين لا حراك بينهما: أوليغارشية صغيرة ومحصنة في مدن جديدة مغلقة تسيطر على الموارد وتحصل على تعليم وصحة بمواصفات عالمية، مقابل كتلة ديموغرافية ضخمة (تتجاوز 70% من السكان) تعيش في عشوائيات ممتدة، تعاني من تدني الكفاءة الإنتاجية، وسوء التغذية الموروث، وتدهور التعليم والخدمات، مما يجعل فقرها بنيويًّا ومزمنًا ينتقل بصورة شبه حتمية من الآباء للأبناء.
  • استقرار “دوامة الصمت” النمطي: تتحول الرقابة الذاتية والخوف من الشأن العام إلى صفات سلوكية وثقافية متجذرة وموروثة في التنشئة الاجتماعية للأطفال؛ حيث تُربَّى الأجيال الجديدة على قيم الطاعة العمياء، وتحاشي السياسة، والنظر للعمل العام كخطر محقق، مما يُنتِج مجتمعًا فاقدًا للمبادرة، خاملًا ابتكاريًّا وتكنولوجيًّا، وعاجزًا عن التكيُّف الإيجابي مع التحولات الدولية الكبرى في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.

ج – إشارات الإنذار المبكر:

  • وصول نسب استقالات الأطباء والمهندسين وأعضاء هيئة التدريس ومغادرتهم البلاد إلى مستويات قياسية متصاعدة سنويًّا.
  • اتساع الفجوة الجغرافية والاستهلاكية بين المدن الجديدة المغلقة والمناطق الحضرية التقليدية والعشوائيات.
  • الانخفاض المطرد في نسب الإقبال على التصويت في أي استحقاقات سياسية أو نقابية، بالتوازي مع نمو مطرد في الجرائم الفردية المنعزلة.

د – التأثير على القرار السياسي:

يفرض هذا السيناريو على الدولة كلفة باهظة في إدارة الضبط الأمني؛ إذ تضطر السلطة لزيادة الإنفاق على الأجهزة الرقابية لتعويض غياب التماسك الطوعي وثقة المواطنين، مع تراجع مستمر في الكفاءة التكنوقراطية لمؤسسات الدولة بسبب نزيف العقول، مما يُضعِف القدرة على تنفيذ خطط التنمية الكبرى وتراجع تنافسية الدولة الإقليمية.

2 – السيناريو الثاني: (الانفجار غير المنظم وإعادة الاستقطاب العنيف):

أ – المحركات والديناميكيات:

حدوث صدمات وهزات عنيفة ومفاجئة (مثل إفلاس مالي كلي للدولة، أو أزمة حادة وغير مسبوقة في موارد المياه والطاقة نتيجة فشل ملف سد النهضة، أو صراع مفاجئ وعنيف على السلطة بين أجنحة النخبة الحاكمة) في ظِل غياب مطلق لشبكات الأمان الاجتماعي غير الرسمية وغياب أي “وسيط مؤسسي موثوق” (قضاء، إعلام، مجتمع مدني) يمكنه لجم الأزمة وفض النزاع سلميًّا وقانونيًّا.

ب – المآل الاجتماعي للمجتمع المصري:

  • انفجار الصراع الاجتماعي الأفقي والعمودي: يؤدي تراجع الثقة بين الفئات المختلفة إلى تحول الأزمة الاقتصادية أو السياسية مباشرة إلى صدامات عشوائية وعنيفة بين الفئات الاجتماعية؛ حيث تنفجر المظلوميات والصدمات النفسية المتوارثة والمعبأة منذ عام 2013م (رواسب رابعة والنهضة، مرارات السجون، أحقاد السحق الطبقي) بشكل غير منظم ومفتقد لأي قيادة أو تأطير أيديولوجي وحزبي ناضج.
  • سيادة العنف العشوائي وظاهرة “العدالة الذاتية: نظرًا لتدمير مصداقية المنظومة القضائية والأمنية تاريخيًّا في الوعي الجمعي، يرفض الأفراد والمناطق الاحتكام لمركزية الدولة، وتتحول الأحياء والقرى إلى تكتلات مسلحة للدفاع عن مواردها الشحيحة (صراع حول الغذاء، المياه، المربعات الأمنية الآمنة). وتظهر أنماط من “البلطجة المقننة والمنظمة” والمليشيات المحلية، مما يقود المجتمع نحو حالة أقرب إلى “الطبيعة الهاجسية الخوفية” عند “توماس هوبز”؛ حيث الكل في حرب ضد الكل، وينهار مفهوم السلم الأهلي والتماسك الوطني كليًّا.
  • التشظي الجغرافي والسلوكي: تخرج مناطق جغرافية كاملة (الصعيد، أطراف الدلتا، العشوائيات الكبرى) عن السيطرة الاجتماعية والإدارية الفعالة للدولة، وتتحول مصر إلى فضاء من الجزر السوسيولوجية المنفصلة والمتصارعة، مما ينهي فكرة الدولة المركزية المتماسكة التي ميزت وادي النيل لآلاف السنين.

ج – إشارات الإنذار المبكر:

  • بروز تجمعات واحتجاجات مناطقية أو قطاعية عنيفة وعفوية لا تقودها أي قوى سياسية أو نقابية معروفة.
  • عجز الدولة الواضح عن السيطرة على أسعار السلع الأساسية وتفشي أسواق موازية للغذاء والمقايضة في الأطراف.
  • تزايد وتيرة النزاعات المسلحة العائلية أو القبلية في الصعيد أو الأطراف، واللجوء التام للمجالس العرفية بدلًا من أقسام الشرطة والمحاكم.

د – التأثير على القرار السياسي:

يضع هذا السيناريو صانع القرار في بيئة “إدارة الأزمات الصفرية”، حيث تفقد الأدوات السياسية أو التنازلات المتأخرة قيمتها التداولية، وتصبح الدولة مهددة بفقدان احتكار أدوات العنف الشرعي، والانشغال الكامل بالبقاء الأمني المباشر على حساب أي خطط استراتيجية أو التزامات دولية.

3 – السيناريو الثالث: (التعافي المشروط والمصالحة المجتمعية البناءة):

أ – المحركات والديناميكيات:

إدراك النخبة الحاكمة لطبيعة الوضع، أو حدوث تحول سياسي عقلاني يتجاوز العقلية الأمنية الصفرية، ويبدأ في تبني إستراتيجية وطنية شاملة للإصلاح البنيوي تهدف أساسًا لإيقاف النزيف الاجتماعي وتفكيك الاستقطاب الموروث عبر خطوات جادة وحقيقية وملموسة ومستمرة.

ب – المآل الاجتماعي للمجتمع المصري:

  • إعادة بناء رأس المال الاجتماعي وتصفير الاستقطاب: يبدأ هذا المسار بإطلاق عملية “عدالة انتقالية ومصالحة وطنية شاملة وحقيقية”، تشمل الإفراج الكامل والمنظم عن السجناء السياسيين، وتقديم تعويضات عادلة واعتراف مؤسسي وصحي بالانتهاكات والصدمات النفسية السابقة للضحايا، ووقف خطاب الشيطنة والتخوين الإعلامي. تتيح هذه الخطوات عودة تدريجية ومستدامة لـ “العلاقات البينية العابرة للجماعات، ونشوء أرضية أخلاقية وسياسية مشتركة تضمن التعددية وحق الاختلاف الآمن وضمن قواعد دستورية متوافق عليها للجميع دون إقصاء.
  • إحياء المجال العام وتمكين المجتمع المدني: تُلغَى القوانين المقيدة للعمل الأهلي والنقابي والطلابي، وتُعَاد صياغة البيئة القانونية لتشجيع المبادرات الطوعية وحرية التعبير والصحافة والتداول العقلاني. تنجح هذه القنوات الوسيطة المستعادة في استيعاب طاقات المواطنين وتوجيهها نحو العمل العام، والتخفيف من حدة الاغتراب، وتوفر شبكات أمان محلي تكافلي مستدامة تمتص حدة الفقر والأزمات الاقتصادية وتساعد الدولة في مهام التنمية الحقيقية.
  • عكس اتجاه نزيف العقول وحراك طبقي صحي: يساهم ضخ الأمان النفسي والقانوني وتطهير البيئة الأكاديمية والمهنية من التدخلات الأمنية في تحفيز الرأسمال البشري المهاجر على العودة التدريجية (أو على الأقل تشبيك كفاءات المهاجرين مع المشروعات القومية بالداخل تكنولوجيًّا ومعرفيًّا). ويُعاد الاستثمار الاستراتيجي المكثف بدعم خارجي ومحلي في التعليم الأساسي الحكومي، والصحة العامة، وبرامج حماية الطفولة المبكرة والتغذية السليمة، مما يُحجِّم ديناميكية توارث الفقر ويفتح مجددًا مسارات الحراك الاجتماعي الصاعد القائم على الكفاءة والتعليم الحقيقي والابتكار المعرفي، مما يضع مصر في مصاف الدول القادرة على تحقيق طفرة تنموية مرنة ومستقرة.

3 – إشارات الإنذار المبكر:

  • صدور حزمة تشريعية جديدة تُقنن وتسهل عمل الجمعيات الأهلية والمبادرات المستقلة دون تدخلات أمنية مسبقة.
  • إخلاء سبيل منظم وشامل لكافة المحتجزين على خلفية قضايا الرأي والشأن العام، وإطلاق منصات حوار وطني ذات قرارات إلزامية.
  • نمو واضح في تأسيس الشركات الناشئة، وتراجع أرقام طلبات الهجرة للأطباء والمهندسين، وبدء عودة استثمارية لرؤوس أموال المهاجرين.

4 – التأثير على القرار السياسي:

يُتيح هذا السيناريو لصانع القرار فرصة تاريخية للتحول نحو “الدولة التنموية المرنة”، حيث يتراجع الإنفاق الدفاعي والأمني الداخلي لصالح الإنفاق الاستثماري البشري، وتستعيد الدولة حاضنتها الشعبية وشرعيتها الإجرائية، مما يمنحها القدرة على المنافسة الإقليمية والدولية في الاقتصاد الرقمي والمعرفي مستندة إلى جبهة داخلية صلبة.

دلالات الدراسة لصانع القرار

تهدف هذه الرسالة إلى تقديم مخرج تنفيذي سريع يلخص مكامن الخطر وفرص تحويل المسار مجتمعيًّا وسياساتيًّا:

  • مكمن الخطر الأكبر: إن تآكل الطبقة الوسطى المتسارع ونزيف “هجرة الكفاءات العليا” يمثل التهديد الحقيقي والمباشر لقدرات الدولة التكنوقراطية. استمرار هذا النزيف يفرغ المؤسسات الحيوية (كالصحة والتعليم والبحث العلمي) من الكفاءات الأساسية، مما يعجل بسيناريو الجمود البنيوي التام وفقدان التنافسية الإقليمية.
  • مركز الثقل الاستراتيجيي: يكمن في “الشبكات الوسيطة والمجتمع المدني”. إن التضييق على هذه الفضاءات يفقد الدولة “الممتص الطبيعي للصدمات الاقتصادية”. غياب الجمعيات الأهلية والنقابات المستقلة يضع المواطنين في مواجهة مكشوفة وصفرية مع السلطة عند الأزمات الكبرى، بينما تمثل صيانتها قنوات تفاوضية تحمي السلم الأهلي وتدعم التكافل الإنساني.
  • نقطة التحول الحاسمة: إن الخطوة الأولى والأقل كلفة ماديًّا والتي تملك مفعولًا استراتيجيًّا لتغيير المسار من السيناريوهات التشاؤمية نحو التعافي المشروط هي “تصفية ملف الاعتقال السياسي وجبر ضرر الضحايا”. هذا الإجراء يمثل صدمة إيجابية تضخ الأمان النفسي والقانوني في شرايين المجتمع، وترمم الثقة المؤسسية، وتحفز رأس المال البشري على البقاء والتشبيك التنموي.

ولا تدعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، ولكنها قدمت سيناريوهات محتملة تستند إلى تحليل الاتجاهات الراهنة ومحركات التغيير، بما يساعد صانع القرار والباحثين على استشراف البدائل الممكنة.

الخاتمة والتوصيات

تشير نتائج الدراسة إلى أن التحول الأهم بعد عام 2013م لم يكن اقتصاديًّا فقط، بل اجتماعيًّا في جوهره. فقد تراجعت مستويات الثقة بين الأفراد، وضعفت الروابط التي كانت تمنح المجتمع قدرًا من التماسك، في مقابل تصاعد النزعات الفردية والانكفاء على الذات.

إن هذه الخسائر السوسيولوجية تعمل كـ “محركات تغيُّر صامتة وتراكمية” تُعيد صياغة بنية الأسرة، والذاكرة الجمعية، واستقرار المنظومة القيمية للأجيال القادمة.

وتوضح السيناريوهات المستقبلية أن استمرار الاتجاهات الحالية القائمة على المعالجة الأمنية وتسييس المؤسسات وتراجع الطبقة الوسطى قد يقود إلى مزيدٍ من التصلب الاجتماعي أو إلى أزمات أكثر حدة إذا ترافقت مع صدمات اقتصادية أو سياسية. وفي المقابل، يظل مسار التعافي ممكنًا، لكنه مشروط بإعادة بناء الثقة والمؤسسات والفضاء العام.

بناءً على نتائج الدراسة وسيناريوهاتها، تُقدِّم الورقة التوصيات الاستراتيجية التالية الموجهة لصناع القرار والمؤسسات البحثية:

  • التفكيك العاجل لبنية الاستقطاب الإعلامي والهوياتي: عبر وقف خطابات التخوين والشيطنة المؤسسية، وتبني ميثاق شرف إعلامي يرسخ قيم التعددية، والمواطنة الكاملة، والتعايش السلمي، واعتبار الاختلاف السياسي ظاهرة صحية لا مساس بالوطنية من خلالها.
  • إطلاق مسار حقيقي ومتكامل للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: يتضمن تصفية ملف السجون والاعتقال السياسي بشكل نهائي، وجبر ضرر الضحايا وأسرهم ماديًّا ونفسيًّا، والاعتراف المؤسسي بالصدمات الجماعية السابقة لترميم الذاكرة الجمعية المنقسمة وبناء تماسك قيمي جديد وتصفير أزمات الثأر والتوارث الانتقامي.
  • تحرير المجتمع المدني والمبادرات الأهلية: عبر إلغاء القوانين المقيدة للجمعيات الخيرية والحقوقية والنقابات والأنشطة الطلابية، وإعادة بناء الشراكة والوساطة والثقة بين الدولة والمجتمع المدني لتمكينه من لعب دوره الطبيعي كقناة للتنشئة الاجتماعية ووسيط تفاوضي عقلاني وشبكة أمان مرنة للفقراء ضد الصدمات الاقتصادية القاسية.
  • استعادة استقلالية ونزاهة المؤسسات الجامعة: وخصوصًا القضاء والمؤسسات الدينية (الأزهر والكنيسة)، وإبعادها تمامًا عن حلبة الصراع السياسي والتوظيف السلطوي التنفيذي، لإعادة بناء “الثقة المؤسسية الأخلاقية والاجتماعية المستقلة” الكفيلة بمنع العدالة الذاتية (أخذ الأفراد حقهم بأيديهم)، وسيادة قانون الغاب وسيادة السلم السلوكي للأفراد.
  • إعادة صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية نحو الاستثمار الإنساني البشري البنيوي: بالتركيز الصارم والمباشر على توجيه الموارد نحو التعليم الأساسي الحكومي، والصحة العامة، وبرامج حماية الطفولة المبكرة والتغذية السليمة، لوقف توارث الفقر والهشاشة العابرة للأجيال وحماية وتوسيع بنية الطبقة الوسطى كصمام أمان تنموي ومستقبلي مستقر لمصر وبناء مجتمع معرفي حقيقي ومرن.

قائمة المصادر

  • Alexander, Jeffrey C. Trauma: A Social Theory. Cambridge: Polity Press, 2012.
  • Fukuyama, Francis. Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity. New York: Free Press, 1995.
  • Habermas, Jürgen. Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. Translated by William Rehg. Cambridge, MA: MIT Press, 1996.
  • Habermas, Jürgen. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Translated by Thomas Burger. Cambridge, MA: MIT Press, 1989.
  • Halbwachs, Maurice. On Collective Memory. Edited and translated by Lewis A. Coser. Chicago: University of Chicago Press, 1992.
  • Lipset, Seymour Martin, and Stein Rokkan. “Cleavage Structures, Party Systems, and Voter Alignments: An Introduction.” In Party Systems and Voter Alignments: Cross-National Perspectives, edited by Seymour Martin Lipset and Stein Rokkan, 1–64. New York: Free Press, 1967.
  • Merton, Robert K. Social Theory and Social Structure. New York: Free Press, 1968.
  • Noelle-Neumann, Elisabeth. The Spiral of Silence: Public Opinion – Our Social Skin. Chicago: University of Chicago Press, 1984.
  • Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon Schuster, 2000.
  • World Bank. Egypt Economic Monitor: Unlocking Private Sector Potential and Improving Economic Resilience. Washington, DC: World Bank, 2024.
  • World Bank Group. “World Bank Group Extends Current Strategy in Egypt for Two Years.” Official Press Release. Washington, DC, April 30, 2019.
  • World Justice Project. WJP Rule of Law Index 2023. Washington, DC: World Justice Project, 2023.
  • World Justice Project. WJP Rule of Law Index: Egypt, Arab Rep. Washington, DC: World Justice Project, 2023–2024.
  • أبو طالب، عبد الرحمن. كيف يؤثر السجن على أهالي المعتقلين السياسيين في مصر؟، بي بي سي نيوز عربي، 25 مايو 2021م.
  • الباروميتر العربي. استطلاع الرأي العام في مصر: تقرير الدورة الخامسة، شبكة الباروميتر العربي، 2019م.
  • الباروميتر العربي. الوضع الاقتصادي والأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تقرير الدورة السابعة (حالة مصر)، شبكة الباروميتر العربي، 2022م.
  • برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تقرير التنمية البشرية في مصر 2021م.
  • الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. النتائج النهائية للمسح الصحي للأسرة المصرية 2021م، القاهرة، 2022م.
  • الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لأعوام 2015 و2018 و2019/2020م: البيانات والنتائج الرسمية. القاهرة: جمهورية مصر العربية، 2020م.
  • الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تحليل وضع الأطفال في مصر، القاهرة، 2020م.
  • عواد، وليد محمد الهادي، وأحمد كمال أحمد عبد الحافظ. “العوامل المؤثرة في الاستقطاب السياسي لدى الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي”، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، العدد 73، 2020م.
  • المنظمة الدولية للهجرة. تقرير الهجرة العالمي 2026م، تحرير ماري مك أوليف وبابلو سيريانتي سيرناداس. جنيف: المنظمة الدولية للهجرة، 2026م.
  • مؤسسة حرية الفكر والتعبير. “تجفيف منابع الحرية” من الشارع إلى الإنترنت: التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير في مصر 2021م، القاهرة، 2022م.
  • نقابة أطباء مصر. التقرير الإحصائي السنوي لاستقالات الأطباء والوضع العددي بالقطاع الصحي لعام 2022م، القاهرة: الأمانة العامة لنقابة أطباء مصر، المركز الإعلامي، 2023م.

([1]) Putnam, Robert D. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. New York: Simon Schuster, 2000, P. 19.

([2]) Ibid, P. 22.

([3]) Fukuyama, Francis. Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity. New York: Free Press, 1995, P. 27.

([4]) Lipset, Seymour Martin, and Stein Rokkan. “Cleavage Structures, Party Systems, and Voter Alignments: An Introduction.” In Party Systems and Voter Alignments: Cross-National Perspectives, edited by Seymour Martin Lipset and Stein Rokkan, New York: Free Press, 1967, PP. 1–64.

([5]) Habermas, Jürgen. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Translated by Thomas Burger. Cambridge, MA: MIT Press, 1989.

([6]) Merton, Robert K. Social Theory and Social Structure. New York: Free Press, 1968.

([7]) وليد محمد الهادي عواد، وأحمد كمال أحمد عبد الحافظ، “العوامل المؤثرة في الاستقطاب السياسي لدى الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي”، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، العدد (73)، 2020م، ص 655.

([8]) عبد الرحمن أبو طالب، “كيف يؤثر السجن على أهالي المعتقلين السياسيين في مصر؟”، بي بي سي نيوز عربي، 25 مايو 2021م.

([9]) Putnam, P. 22. Fukuyama, P. 27.

([10]) Erdoğan, Emre. “Dimensions of Polarization in Turkey: Social Distance, Perceived Moral Superiority, and Political Intolerance.” On Turkey Series, German Marshall Fund of the United States, No. 3, February 2018, P. 1.

([11]) Alexander, Jeffrey C. Trauma: A Social Theory. Cambridge: Polity Press, 2012, P. 6.

([12]) Noelle-Neumann, Elisabeth. The Spiral of Silence: Public Opinion – Our Social Skin. Chicago: University of Chicago Press, 1984.

([13]) مؤسسة حرية الفكر والتعبير، “تجفيف منابع الحرية” من الشارع إلى الإنترنت: التقرير السنوي عن حالة حرية التعبير في مصر 2021م، تقرير رصدي، القاهرة، 22 فبراير 2022م.

([14]) الباروميتر العربي، استطلاع الرأي العام في مصر: تقرير الدورة الخامسة، شبكة الباروميتر العربي، 2019م، ص. 4–7.

([15]) الباروميتر العربي، الوضع الاقتصادي والأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تقرير الدورة السابعة (حالة مصر) ، شبكة الباروميتر العربي، 2022م، ص. 12–15.

([16]) الباروميتر العربي، استطلاع الرأي العام في مصر: تقرير الدورة الخامسة، شبكة الباروميتر العربي، 2019م، ص. 4–7.

([17]) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لأعوام 2015 و2018 و2019/2020: البيانات والنتائج الرسمية، القاهرة: جمهورية مصر العربية، 2020م، ص 17.

([18]) المصدر السابق.

([19]) World Bank. Egypt Economic Monitor: Unlocking Private Sector Potential and Improving Economic Resilience. Washington, DC: World Bank, 2024, P. 35-39.

([20]) World Bank Group. “World Bank Group Extends Current Strategy in Egypt for Two Years.” Official Press Release, Washington, DC, April 30, 2019.

([21]) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، تحليل وضع الأطفال في مصر، القاهرة، 2020م.

([22]) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النتائج النهائية للمسح الصحي للأسرة المصرية 2021، القاهرة، 2022م.

([23]) Habermas, Jürgen. Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. Translated by William Rehg. Cambridge, MA: MIT Press, 1996, Chapter 7.

([24]) World Justice Project. WJP Rule of Law Index: Egypt, Arab Rep. Washington, DC: World Justice Project, 2023-2024, P. 11-13.

([25]) World Justice Project. WJP Rule of Law Index 2023. Washington, DC: World Justice Project, 2023.

([26]) هابرماس، مرجع سابق، الفصل السابع.

([27]) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية في مصر 2021، ص. 165.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى