للتحميل والقراءة بصيغة PDF
استمع
مقدمة
تُمثّل دراسة التحولات في النظم السياسية وإدارة العلاقات الدولية مساحة تحليلية بالغة الأهمية في حقل العلوم السياسية، لا سيما عند تناول لحظات التحول التاريخي التي تؤثر في صياغة هوية الدولة وموقعها الإقليمي وصنع قرارها الوطني.
وتنبع أهمية هذه الدراسة النظرية والعملية من كونها تتجاوز رصد الفروق السطحية بين عهدين متعاقبين، لتصل إلى عمق فلسفة الحكم والشرعية، ومآلات المفاضلة بين أولوية “مصلحة الدولة والشعب” وأولوية “بقاء النخبة وتثبيت النظام”.
وتتبلور مشكلة الدراسة في رصد وتحليل المفاضلة والصراع بين نموذجين متناقضين للحكم في مصر، أولهما هو نموذج عهد الرئيس محمد مرسي (الشرعية المدنية المنتخبة)، وهو نموذج استمد شرعيته من الإرادة الشعبية المباشرة عبر أول انتخابات تعددية حرة ونزيهة في تاريخ مصر الحديث.
وقد اتسم هذا العهد، رغم التحديات والصراع مع أجهزة الدولة العميقة، بإتاحة حرية كاملة للتعبير، والاحتجاج، والتظاهر، والاعتصام للمعارضة دون قمع أو ملاحقة أمنية، مع الحفاظ على حيوية الصندوق والتنافسية السياسية الحقيقية. وعلى الصعيد الخارجي، ارتكز هذا النموذج على شرعية الصندوق الانتخابي وفرضية “الحصانة الشعبية” و”الندية” في مواجهة الفاعلين الدوليين والإقليميين؛ إذ إن صانع القرار المدني المحكوم برقابة شعبية وخوف من العقاب الانتخابي والمساءلة، والمتبني لقيم أخلاقية إسلامية وفق خلفيته الأيديولوجية، لم يكن يملك الرفاهية السياسية للتفريط في مقدرات الدولة، بل كان يسعى للتعبير عن مصالح مصر الحقيقية وثوابتها القومية في ملفات الأمن المائي، والحدود الجغرافية، ودعم تطلعات شعوب المنطقة في التحرر (الربيع العربي).
أما النموذج الثاني فهو عهد عبد الفتاح السيسي (نظام ما بعد انقلاب يوليو 2013م)، وهو نموذج قام على إغلاق المجال العام عبر عملية إعادة صياغة وهندسة أمنية وقانونية بالغة الصرامة، تجلت في الفض العنيف للاعتصامات، وتجريم التظاهر، وتأميم المنصات الإعلامية والصحفية، وإقصاء المكون المدني والحزبي الحقيقي. وامتدت هذه الهندسة لتطال استقلال القضاء والفصل بين السلطات وتحويل الاستحقاقات الانتخابية إلى طقوس إجرائية مسبقة الصنع. وعلى الصعيد الخارجي والمسار الفعلي، تبنى هذا النظام دبلوماسية مقايِضة وضعت حسابات الاستمرارية السياسية والأمنية للنخبة الحاكمة وكسب الاعتراف الدولي والغطاء الخارجي – في ظِل فقدانه للشرعية الانتخابية – فوق مصالح الدولة العليا والشعب المصري. وقد تسبب هذا النمط في تراجع مكانة مصر الإقليمية والدولية وتحويلها من قائد منتظر لشعوب الربيع العربي إلى فاعل جبهة “الثورة المضادة”، مع الإضرار بمصالح مصر الوجودية عبر تقديم تنازلات تاريخية تمثلت في هدر المليارات على صفقات تسليح لشراء الصمت الغربي، والتنازل عن جزر سيادية (تيران وصنافير)، والتفريط في حقوق مصر التاريخية في مياه النيل وغاز شرق المتوسط.
إشكالية الدراسة:
تتحدد مشكلة الدراسة إذن في الإجابة عن السؤال الرئيس التالي: كيف أثرت المفاضلة بين نموذج “الشرعية المدنية المنتخبة الحامية لمصالح الدولة” ونموذج “الانقلاب العسكري الموظِّف لمقدرات الدولة لتثبيت شرعيته” على البنية السياسية والاقتصادية الداخلية والمكانة والسيادة الخارجية لمصر؟
ينبثق عن هذا السؤال الأسئلة الفرعية التالية:
- كيف انعكست شرعية الصندوق في عهد مرسي مقابل هندسة الولاءات في عهد السيسي على إدارة ملف المعارضة واستقلال المؤسسات القضائية والتشريعية؟
- ما هي طبيعة التحولات الاقتصادية الناتجة عن فشل محاولات الإصلاح الداخلي وتعزيز نموذج “رأسمالية الدولة العسكرية” القائم على الديون وتقليص الدعم وتسييل الأصول السيادية؟
- ما هي الكلفة الاستراتيجية التي تكبدتها السياسة الخارجية المصرية لشراء الاعتراف الدولي، وما هي ملامح المسار البديل في حال لو استمر الرئيس مرسي في الحكم؟
الآليات المنهجية
لتقديم تحليل أكاديمي يتجاوز مجرد الوصف السردي، يعتمد البحث على دمج آليتين منهجيتين مكملتين لبعضهما:
آلية التتبع السببي (المسار الفعلي): تُعد آلية التتبع السببي أداة منهجية نوعية مخصصة للتعرف على “الآليات السببية” التي تربط بين متغيرات الدراسة، حيث لا تكتفي برصد العلاقة بين السبب والنتيجة، بل تتبع الخطوات والقرارات المتتالية التي أنتجت هذا الأثر. في هذه الدراسة، سيتم توظيف التتبع السببي من أجل:
- تتبع المسار الفعلي لنظام ما بعد 2013م، وكيف تحول “غياب الشرعية” سببيًا وبشكل مباشر إلى اندفاع النخبة العسكرية نحو شراء الصمت والاعتراف الدولي.
- رصد دوافع الحركة نحو إبرام صفقات التسليح المليارية غير القائمة على احتياج عسكري حقيقي بل كوسيلة استرضاء سياسي للعواصم الغربية.
- تتبع كيفية قيام الارتهان المالي للمجهود الخليجي بدور الآلية السببية المؤدية لتنازل النظام عن جزر تيران وصنافير الاستراتيجية متجاوزًا العقيدة العسكرية وأحكام القضاء، وكيف قاد السعي للاندماج في الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية إلى توقيع اتفاقيات منقوصة كارثية كإعلان مبادئ سد النهضة 2015م وتنازلات غاز المتوسط مع اليونان.
آلية المسار المعاكس: تُمثِّل آلية التحليل عبر المسار المعاكس أداة تفكير تجريبية ومنهجية تُعنى باختبار الفرضيات من خلال طرح سؤال شرطي: “ماذا لو لم يحدث المتغير المستقل؟”، وذلك لإبراز الوزن النسبي لخيارات سياسية بديلة ومفقودة عبر مقارنتها بالمسار الفعلي. يشترط البحث الالتزام بـ”المسار المعاكس المنضبط” الذي يرتكز على وثائق وتوجهات حقيقية كانت قائمة بالفعل في مرحلة ما بعد الثورة بين عامي 2011 و2013م. وسيتم تطبيق هذه الآلية من خلال السرديات الشرطية التالية:
- تخيل استمرار المسار الديمقراطي والمدني: كيف كان وجود برلمان منتخب وقضاء مستقل ورأي عام يقظ سيمثل حائط صد منيع (“حصانة شعبية”) يمنع السلطة التنفيذية من التفريط في شبر واحد من أرض مصر (تيران وصنافير) أو مساحات غاز المتوسط؛ نظرًا لأن صانع القرار في هذا المسار محكوم بـ”الخوف من العقاب الانتخابي” والمساءلة القانونية وعزل المسؤولين، مما يحرمه من رفاهية التنازل لمقايضة بقائه.
- فرضية إدارة أزمات الأمن المائي والطاقة: كيف كان النظام المدني الافتراضي سيتعامل بلغة حاسمة وتفعيل لخيارات الردع الشامل والتلويح بالخيار الخشن في ملف سد النهضة بدلًا من منح إثيوبيا شرعية قانونية دون قيود ملزمة، مستندًا في تفاوضه الخارجي إلى جبهة داخلية متماسكة تلغي تمامًا حاجته لاستجداء الشرعية من الخارج.
من خلال المزاوجة بين التتبع السببي لرصد خطايا المسار الفعلي، والمسار المعاكس لإبراز ميزات المسار الديمقراطي المفقود، يهدف هذا الإطار المنهجي إلى تقديم برهان متكامل يثبت كلفة الانقلاب العسكري على المصلحة العليا لمصر وشعبها.
المحور الأول: السياسة الداخلية بين مرسي والسيسي
1 – هندسة المجال العام:
شهدت البيئة السياسية المصرية عقب ثورة 25 يناير 2011م حالة استقطاب حاد ومحاولات مستمرة لهندسة المجال العام وتوجيهه. فعلى الرغم من إسقاط رأس النظام، حسني مبارك، إلا أنها ظلت ثورة غير مكتملة الأركان بسبب بقاء أجهزة “الدولة العميقة” المتمثلة في المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والإدارية ممسكة بمفاصل الدولة.
وفي حين سادت حالة من التعنت والتعطيل عن العمل من قِبل بعض مؤسسات الدولة إبان حكم الرئيس محمد مرسي لإفشال تجربته، تحولت تلك الأجهزة ذاتها إلى أدوات طيعة لضبط المجال العام وإعادة صياغته في يد النخبة المنقلبة بعد يوليو 2013م.
أ – المسار الدستوري والإعلانات المتلاحقة (2011-2019م):
شكل المسار الدستوري أحد أدوات الصراع لتحديد شكل نظام الحكم وهوية الدولة في مرحلة ما بعد الثورة، وبدأت هذه المرحلة بالتعديلات الدستورية في مارس 2011م التي صاغتها لجنة برئاسة المستشار طارق البشري وحظيت بموافقة 77.27% من الناخبين، وتلاها صدور الإعلان الدستوري في 30 مارس 2011م لتنظيم السلطات مؤقتًا. ولم يكد الرئيس مرسي يتسلم السلطة في يونيو 2012م، حتى وجد نفسه مقيدًا بإعلان دستوري مكمل أصدره المجلس العسكري لتقليص صلاحيات الرئيس وتحصين الجيش، مما دفع الرئيس مرسي لإلغائه في أغسطس 2012م لاسترداد سلطة التشريع. لاحقًا في نوفمبر 2012م، أصدر الرئيس مرسي إعلانًا دستوريًّا بهدف تحصين الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى وإعادة محاكمة رموز النظام السابق، وهو ما أثار الجدل وقتها وفجَّر موجة احتجاجات اضطرته لإلغائه وإصدار إعلان جديد في ديسمبر 2012م، ليتم إقرار دستور 2012م بنسبة موافقة شعبية بلغت 63.8%([1]).
عقب انقلاب يوليو 2013م، تمَّ تعطيل الدستور بالكامل وإصدار إعلان دستوري جديد تولَّى بموجبه رئيس المحكمة الدستورية إدارة البلاد مؤقتًا. وشُكِّلت “لجنة الخمسين” برئاسة عمرو موسى لتعديل الدستور، حيث جرى الاستفتاء على النسخة الجديدة في يناير 2014م، وحظيت بنسبة موافقة بلغت 98.1% وسط مقاطعة واسعة من التيارات المعارضة([2]). ولم يتوقف المسار عند هذا الحد، بل شهد عام 2019م تحولًا بإقرار تعديلات دستورية جديدة مددت فترة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وسمحت للسيسي بالترشح لفترة إضافية، فضلًا عن زيادة الصلاحيات الإشرافية للمؤسسة العسكرية على الحياة السياسية وصيانة الدستور، وقد أُقرت هذه التعديلات بنسبة موافقة بلغت 88.83%([3]).
ب – مواقف القوى المدنية بين العهدين:
اتسم موقف القوى المدنية والليبرالية واليسارية في مصر بالتباين والتحول الجذري عند التعامل مع المحطات الدستورية بين العهدين. ففي عهد الرئيس مرسي، واجهت القوى المدنية الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012م، ثم دستور ديسمبر 2012م بمعارضة شرسة، حيث اعتبرت أنه يؤسس للاستبداد ويُقصي المكون “المدني” لصالح “أخونة الدولة”. واحتجاجًا على ذلك، سارعت هذه القوى إلى تأسيس “جبهة الإنقاذ الوطني” وحشدت الشارع بجميع الوسائل الإعلامية والميدانية، ورفضت نتائج الاستفتاء الشعبي على الدستور رغم شرعيته الصندوقية، واصفة إياه بغير التوافقي([4]).
في المقابل، اتخذ سلوك القوى المدنية منحى مغايرًا تمامًا تجاه الوثائق الدستورية الصادرة بعد عام 2013م. فقد أيدت غالبية هذه القوى دستور عام 2014م، واعتبرته وثيقة تقدمية تؤسس لـ”الدولة المدنية الحديثة” وتحمي الحريات، متغافلة عن غياب التوافق الحقيقي ومقاطعة طيف واسع من المجتمع. وعندما طُرِحت تعديلات دستور 2019م، التي قضت عمليًّا على مبدأ تداول السلطة وحصنت دور الجيش سياسيًّا، انقسمت الحركة المدنية؛ فبينما أيدتها الأحزاب المقربة من السلطة، عارضتها قوى مدنية أخرى على استحياء عبر تشكيل “الحركة المدنية الديمقراطية”، إلا أن معارضتها اتسمت بالضعف ولم تترجم إلى حشد ميداني أو إعلامي فعَّال كما حدث في 2012م، نظرًا لتغير طبيعة السلطة الحاكمة وإغلاق المجال العام([5]).
ج – نسبة المشاركة الشعبية في التصويت:
تكشف المقارنة الإحصائية لنسب المشاركة الشعبية في الاستحقاقات الانتخابية والدستورية بين العهدين عن تحول في دلالة صندوق الاقتراع. فقد تميَّز عهد الرئيس مرسي والمرحلة الانتقالية الأولى بانتخابات تنافسية حرة وشفافة وحقيقية جذبت كتلًا بشرية هائلة. ففي برلمان 2011/2012م بلغت نسبة المشاركة نحو 54% وأسفرت عن صعود كاسح للتيار الإسلامي بحصول حزب الحرية والعدالة على 47.2% وحزب النور على 24%. وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2012م، بلغت نسبة المشاركة في جولة الإعادة 51.85%، وهي أعلى نسبة مشاركة فعلية وتنافسية في تاريخ مصر الحديث، وفاز بها مرسي بنسبة 51.73% أمام أحمد شفيق الذي حصد 48.27%، مما عكس استقطابًا سياسيًّا داخل المجتمع([6]). أما استفتاء دستور 2012م، فقد بلغت نسبة المشاركة فيه 32.9% وصوت لصالحه 63.8%([7]).
على الجانب الآخر، اتسمت الاستحقاقات في عهد السيسي بمؤشرات إحصائية لافتة تعكس المقاطعة الصامتة من فئات واسعة لا سيما الشباب، بحسب تقارير المعارضة وما كشفته التغطيات الإعلامية من فراغ اللجان الانتخابية[8]. فرغم أن استفتاء دستور 2014م سجل بحسب الجهات الرسمية موافقة قياسية بلغت 98.1%، بنسبة مشاركة إجمالية 38.6%([9])، إلا أن هناك إحصاءات غير حكومية تفيد بأن نسبة المشاركة الفعلية كانت أقل بكثير([10]). وتعمق هذا العزوف في انتخابات برلمان 2015م التي شهدت إقبالًا ضعيفًا جدًا، لاسيما في فئة الشباب، وأسفرت عن سيطرة القوائم الأمنية الموالية بالكامل([11]).
د: هندسة المجال العام وإدارة ملف المعارضة:
تمثلت هندسة المجال العام في العهدين بآليتين متناقضتين تمامًا. ففي عهد الرئيس مرسي، اتسمت البيئة السياسية بما يمكن أن يوصف بـ”الانفلات الإعلامي” و”الحرية السياسية”، حيث منحت السلطة حرية كاملة للحركة والاحتجاج والتظاهر والاعتصام، ولم تلجأ لأدوات القمع الأمنية أو تزوير الإرادة الشعبية، مما أتاح لمجموعات مثل حركة “تمرد” و”جبهة الإنقاذ” حشد الشارع بحرية ودون ملاحقة. واعتبر بعض نقاد تلك المرحلة أن هذا التسامح أو العجز عن الضبط الأمني مكَّن مؤسسات الدولة العميقة من استغلال الحرية في المجال العام للانقلاب على المسار الديمقراطي([12]).
أما في عهد السيسي والمرحلة التي تلت يوليو 2013م، فقد خضع المجال العام لعملية إعادة صياغة وهندسة أمنية وقانونية بالغة الصرامة بهدف تجفيف منابع المعارضة وإغلاق الفضاء العام. وتجلت هذه الهندسة في الفض العنيف للاعتصامات المعارضة (مثل رابعة والنهضة)، وإصدار قانون لتجريم التظاهر دون إذن أمني، وحظر جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها إرهابية مع مصادرة أموالها ومؤسساتها.
ولم تقتصر هذه الملاحقة على التيار الإسلامي، بل امتدت لتشمل التخلص والتهميش التدريجي للحلفاء المدنيين الذين تمَّ استقطابهم كغطاء سياسي في بداية أحداث يوليو 2013م، ليتم إغلاق المجال الإعلامي بالكامل، وتقييد الحريات الصحفية وحرية الرأي والتعبير لتصبح متسقة تمامًا وبصوت واحد مع توجهات النظام الجديد([13]).
2 – القضايا الاقتصادية:
يكشف تحليل التجربة المصرية بعد عام 2013م عن تباين بين نهجين مختلفين في إدارة الموارد العامة والديون والسياسات الاجتماعية.
ففي حين اتجه المسار الفعلي (العسكري) نحو التوسع في الاستدانة والمشروعات الكبرى ذات الجدوى المتباينة، يطرح المسار البديل (المدني المنتخب) تصورًا أكثر تحفظًا يركز على الإنتاج والاستقرار الاجتماعي. ومن خلال المقارنة بين هذين المسارين، يمكن استجلاء ماذا خسرت مصر بالانقلاب على الرئيس المدني المنتخب.
أ – السياسة المالية ومعضلة تفاقم الديون:
يكشف التتبع المنهجي لـ المسار الفعلي للسياسة المالية في مصر بعد 2013م، عن حلقة مفرغة، تحولت فيها المديونية من أداة تمويل مؤقتة إلى مأزق هيكلي يهدد استدامة الدولة نفسها. فبسبب أزمة الشرعية الداخلية ونزوع النظام الجديد نحو اكتساب اعتراف دولي وإقليمي سريع، اندفعت الإدارة المالية نحو الاقتراض الخارجي المفرط وغير المشروط؛ وهو ما أدى إلى قفز الدين الخارجي من 34.4 مليار دولار في منتصف 2013م ليخترق حاجز 165 مليار دولار في بداية 2025م، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي. وتزامن هذا المسار مع انفجار موازٍ في الدين المحلي الذي تصاعد من 1.4 تريليون جنيه إلى أكثر من 6.2 تريليون جنيه.
لم تكن هذه الاستدانة موجهة لدعم قطاعات الإنتاج أو التصنيع، بل جرى ضخها كمحرك أساسي لمشروعات بنية تحتية عملاقة وصفها البعض بأنها “استعراضات سياسية” مشكوك في جدواها الاستثمارية، مثل العاصمة الإدارية الجديدة (58 مليار دولار) وتفريعة قناة السويس (8.4 مليار دولار).
ونتيجة حتمية لهذا الهدر، ارتهنت الموازنة العامة بالكامل لخدمة المديونية، حيث باتت فوائد وأقساط الديون تلتهم وحدهما أكثر من 54% من إجمالي الإنفاق الحكومي، مما قاد إلى الخضوع الكامل لإملاءات صندوق النقد الدولي عبر ثلاث اتفاقيات تقشفية نتج عنها تراجع قيمة الجنيه المصري، ورفع الدعم عن قطاع كبير من الشعب، وحدوث تضخم كبير.
وفي المقابل، يُبرز تحليل المسار الشرطي المعاكس – المستند إلى أولويات وسياسات عهد الرئيس محمد مرسي بين عامي 2012 و2013م – كيف كان استمرار النموذج المدني المنتخب سيمثل حائط صد حقيقي أمام هذا التراجع المالي الكبير.
ففي هذا السيناريو الافتراضي، كان صانع القرار المدني المحكوم برقابة برلمانية وشعبية وخوف من العقاب الانتخابي سيتجنب الارتماء في فخ المديونية المفتوحة لكونها خطرًا مباشرًا على الاستقلال الوطني والرضا الشعبي. وبناءً على التوجهات الحقيقية الموثقة في هذا العهد، كان الاقتصاد سيسير في مسار إصلاح حذر يرفض شروط صندوق النقد الدولي الصارمة وإملاءاته التقشفية حمايةً للطبقات المتوسطة والهشة من الصدمات السعرية([14]).
وبدلًا من تسييل أصول الدولة السيادية أو تبديد السيولة الدولارية المستعارة في مشاريع خرسانية غير إنتاجية، كان المسار البديل سيركز القروض المحدودة والجهود المحلية نحو دعم الاستثمار الزراعي والصناعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام، مثل مشروع زراعة مليون فدان في جنوب الوادي.
هذا النهج التحفظي في الاستدانة والإنتاجي في التوجه كان سيحفظ قيمة الجنيه المصري ومخرجات التنمية، ويحمي مدخرات المصريين وقدرتهم الشرائية من التآكل، مستندًا إلى شرعية شعبية داخلية متماسكة تغنيه عن تقديم مقدرات الدولة وقرابين السيادة المالية للخارج مقابل الاعتراف به ودعم صورته([15]).
ب – إعادة هيكلة الدعم وإدارة شبكات الحماية الاجتماعية:
يكشف التتبع المنهجي للمسار الفعلي لملف الدعم والسياسات الاجتماعية بعد عام 2013م عن تحول في فلسفة إدارة شبكات الحماية؛ حيث انتقلت الدولة من رعاية الطبقات الهشة إلى الخضوع الكامل للمؤسسات الدولية. بسبب الخيار السياسي القائم على الاستدانة المفرطة وتوقيع ثلاث اتفاقيات رئيسة مع صندوق النقد الدولي، طبقت السلطة برنامجًا تقشفيًّا حادًّا ركَّز على التحرير السريع والشامل لأسعار الوقود، والمحروقات، والكهرباء، والمياه، وصولًا إلى آلية التسعير التلقائي المرتبطة بالسعر العالمي للجنيه المصري.
ونتج عن هذا المسار الفعلي موجات تضخمية غير مسبوقة بلغت ذروتها عام 2023م بمعدل 35.7%، مما أدى إلى قفزات كبيرة في أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تراوحت بين 300% إلى 700% (حيث قفز سعر كيلو الأرز – على سبيل المثال – إلى 45 جنيهًا، والدواجن إلى أكثر من 85 جنيهًا). ورغم لجوء النظام لرفع الحد الأدنى للأجور اسميًّا إلى 6000 جنيه، إلا أنه أصبح عاجزًا عن مواجهة التضخم المتفشي وباتت قيمته الشرائية الفعلية أقل بكثير من الفترات السابقة، كما عجزت برامج الدعم النقدي المشروط والمحدود (مثل تكافل وكرامة) عن امتصاص الآثار الكارثية لتحرير الأسعار والانهيار الحاد للجنيه أمام الدولار، مما أسفر عن إفقار الطبقة الوسطى وتقليص مدخرات المصريين.
وفي المقابل، يُبرز تحليل المسار الشرطي المعاكس – المستند إلى معطيات وأولويات عهد الرئيس محمد مرسي بين عامي 2012 و2013م – كيف رفض شروط صندوق النقد الدولي وإملاءاته التقشفية تجنبًا لفرض أعباء على الشعب.
وكان من المنتظر أن تستمر الإدارة المالية في تبني استراتيجية إصلاح منظومة الدعم من الداخل عبر الحلول التكنولوجية الذكية (كبدء التطبيق التجريبي لمنظومة الكروت الذكية لتوزيع المواد البترولية) بهدف محاربة التهريب والسوق السوداء وتقليل الهدر اللوجستي، دون فرض قيود كمية مجحفة أو تحريك الأسعار صعودًا. هذا النهج التحفظي كان سيبُقي معدلات التضخم السنوي مستقرة حول مستوياتها المنخفضة آنذاك (6.9%)، ويحافظ على القوة الشرائية الفعلية للأجور([16]).
ج – إدارة أصول الدولة [منطقة قناة السويس نموذجًا]:
يكشف التتبع المنهجي لـلمسار الفعلي تجاه منطقة قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها بعد عام 2013م، تحولًا جذريًّا؛ إذ اتجهت السياسات نحو بيع وتأجير الأصول الاستراتيجية كآلية أساسية لمحاولة سد الفجوة التمويلية والوفاء بالالتزامات الدولية المتراكمة.
جاء هذا التوجه ليعكس أزمة تمويلية حادة ومباشرة عقب إخفاق مشروع “قناة السويس الجديدة” (التفريعة المائية التي بلغت كلفتها نحو 8 مليارات دولار، وتمَّ تمويلها عبر شهادات استثمار محلية بفائدة بلغت 12%) في تحقيق الإيرادات والعوائد السريعة المستهدفة. ونتيجة لغياب الاحتياطي الضروري وعجز هيئة القناة عن سداد الأقساط والالتزامات الناتجة عن الإنفاق على مشاريع بنية تحتية وقصور لا تمثل أولوية للمواطنين، اضطرت وزارة المالية للتدخل المباشر من ميزانيتها لتسديد تلك المبالغ، مما عمق من حدة الأزمة الهيكلية للدولة وجعل تسييل الأصول حلًّا اضطراريًّا([17]).
وفي سياق البحث عن التدفقات النقدية السريعة لمواجهة تداعيات قروض صندوق النقد والديون، برز توغل رؤوس الأموال الإقليمية والخليجية، وتحديدًا الإماراتية، كلاعب رئيس في الاستحواذ على أصول الطاقة والموانئ في خليج السويس والمنطقة الاقتصادية، عبر إبرام شركة “دراغون أويل” الإماراتية صفقة استحواذ كبرى بلغت قيمتها 850 مليون دولار، اشترت بموجبها كامل حصة وحقوق امتياز شركة “بي بي” البريطانية في شركة بترول خليج السويس (جابكو) لتصبح شريكًا رسميًّا للهيئة المصرية العامة للبترول في كافة امتيازات إنتاج واكتشاف النفط بالمنطقة. وتزامن ذلك مع توسيع مجموعة “موانئ دبي العالمية” لنفوذها الاستثماري واللوجستي عبر إبرام اتفاقية شراكة رسمية تمنح المجموعة الإماراتية نسبة 49% مقابل 51% لهيئة قناة السويس لتنفيذ وإدارة مشروعات حيوية واستراتيجية في منطقة شمال غرب خليج السويس، وسط مخاوف متزايدة من تراجع السيادة الوطنية على هذا المرفق الاستراتيجي([18]).
ولم يقتصر هذا المسار على الشراكات الاستثمارية، بل امتد لتهيئة البيئة التشريعية والقانونية عبر هندسة تعديلات تضمن تجاوز الرقابة المؤسسية والقضائية المعتادة. وتمثل التمهيد القانوني لهذا التحول في السعي لتعديل القانون رقم 30 لسنة 1975م الخاص بنظام هيئة قناة السويس عبر تأسيس صندوق خاص جديد يتمتع بصلاحيات واسعة النطاق للتصرف بالأصول بيعًا وشراءً واستبدالًا وتأجيرًا دون الخضوع لقواعد المحاسبة والمراقبة التقليدية أو ميزانية الدولة.
ومِن ثمَّ فقد اختزلت الإدارة الحالية الرؤية التنموية الشاملة لضفتي القناة البالغ طولها 193 كيلومترًا إلى مجرد ممر فرعي وعمليات حفر وتعميق بطول 72 كيلومترًا، قادتها المؤسسة العسكرية ذاتها التي رفضت المشاريع التنموية السابقة قبل عام 2013م بدعوى حماية الأمن القومي، لتتحول القناة في ظِل الأزمة المالية الحالية إلى أداة استثمارية مستقلة تُدار بعيدًا عن الشفافية([19]).
وفي المقابل، يُبرز تحليل المسار الشرطي المعاكس – المستند إلى معطيات وأولويات عهد الرئيس محمد مرسي بين عامي 2012 و2013م – أن رؤيته كانت تتأسس على إطلاق “مشروع تنمية محور قناة السويس” كإقليم متكامل صناعيًّا، وزراعيًّا، وتكنولوجيًّا، ولوجستيًّا يمتد على مساحة 7 آلاف كيلومتر مربع ويضم خمس محافظات.
فالحكومة المدنية كانت تسعى لتحويل الممر المائي من مجرد معبر للرسوم وممر فرعي إلى مركز إنتاج عالمي يستهدف مضاعفة عوائد القناة لتصل إلى 100 مليار دولار، معتمدة على جذب استثمارات عالمية متعددة الأطراف ضمن بيئة تنافسية، مع فرض قيود تمنع تملك الأجانب أو المساس بالملكية السيادية لمحور قناة السويس وشبه جزيرة سيناء([20]).
إن مجرد اقتراح تعديل تشريعي يمس نظام الهيئة (مثل تعديل القانون 30 لسنة 1975م) كان سيفجر عواصف من الاستجوابات البرلمانية الصاخبة من كتل المعارضة والصحافة المستقلة، وربما ينتهي بسحب الثقة من الحكومة، بالتوازي مع حراك جماهيري واسع يرفض تفويض أي قوى إقليمية (مثل أبو ظبي) بإدارة الأصول اللوجستية للدولة([21]).
علاوة على ذلك، فإن وجود قضاء مستقل (مجلس الدولة) وجهاز مركزي للمحاسبات يتمتع بكامل الصلاحيات في النظام المدني الافتراضي، كان سيمثل حائط صد يمنع تمرير أي اتفاقيات شراكة مجحفة أو صفقات خصخصة تمس الموانئ وحقول الطاقة المحيطة بالمحور (مثل صفقات موانئ دبي وجابكو). في هذا المسار، كان المفاوض المصري المدني سيستثمر القيود الدستورية والرقابة البرلمانية كأوراق قوة تفاوضية لإقناع المستثمرين الأجانب بأن ملكية الدولة الكاملة للقناة وأصولها خط أحمر غير قابل للتفاوض، وأن الصيغ المتاحة تقتصر حصريًّا على “حقوق الانتفاع” وعقود التشغيل محددة المدة.
وبناءً عليه، كان محور القناة سيتطور كشريان اقتصادي إنتاجي مستقل يرفد الموازنة العامة مباشرة، مع الاحتفاظ بحصانة سيادية كاملة بعيدًا عن منطق البيع أو المقايضة لسد الديون.
3 – العلاقة بين مؤسسات الدولة:
يكشف تتبع المسار الفعلي لهيكلية السلطة في مصر عن نجاح السيسي في بناء نظام حكم مركزي للغاية يتمحور حول شخصه، مانعًا ظهور أي مراكز قوى متصارعة داخل نظامه.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين الرئاسة والسلطة التشريعية محكومة بالتبعية الكاملة؛ إذ يُوصَف مجلس النواب بأنه “بلا أنياب” وعاجز عن تشكيل نقطة انطلاق لأي طموح سياسي، ورغم أنه يعج بالشخصيات الموالية للرئيس، إلا أن الحيّز السياسي لا يوفر أي وسيلة للولوج إلى هرمية السلطة أو الارتقاء فيها.
يمثل هذا الوضع تباينًا مع عهد حسني مبارك (قبل الإطاحة به في فبراير 2011م)، حيث كان النظام يستند إلى “شريحة ثانية” وقنوات موازية مثل الحزب الوطني الديمقراطي، والتي عمد النظام الحالي إلى تقييد إحيائها تزامنًا مع منع بروز أي فضاء سياسي عام.
واستمرت هذه الهيمنة الرئاسية في صياغة العلاقة مع السلطة القضائية؛ فعلى الرغم من أن الهيئات القضائية العليا نالت اعترافًا دستوريًّا بحقها في مراجعة التعيينات القيادية التي يجريها الرئيس، وفي اختيار من يمثلها داخل مجلس الوزراء، وتمتعها بسلطة شبه مطلقة في إدارة شؤونها الداخلية، إلا أن هذا التسيير الداخلي لا يترجم إلى سلطة فعلية. فالأعضاء والمسؤولون المدنيون في القضاء لا يمتلكون موقعًا داخل هرمية السلطة الحاكمة (التي تقتصر على أجهزة الدولة السيادية كالمؤسسة العسكرية والجهازين الأمنيين)، كما أن استقلاليتهم الداخلية معزولة في دوائر مؤسسية منفصلة لا تتيح لهم تشكيل تحالفات خارجها، مما يمنع السلطة القضائية من أن تصبح ثقلًا موازنًا في وجه سلطة الرئيس المطلقة([22]).
عند صياغة المسار الشرطي المعاكس بالوقوف عند فرضية مغايرة تسمح بوجود فضاء سياسي عام وغير مقيد، تتكشف سردية بديلة لشكل العلاقة بين الرئاسة والسلطتين التشريعية والقضائية. فلو أن النظام لم يعتمد سياسة التضييق الشديد للفضاء السياسي ولم يحصر إنتاج النخب داخل الدوائر المغلقة للوزارات السيادية، لكان من الممكن لمجلس النواب أن يمتلك “أنيابًا حقيقية” تمكنه من أن يكون قناة فعلية للولوج إلى هرمية السلطة والارتقاء فيها، بما يشابه الأدوار المتاحة في أنظمة سلطوية أخرى.
في هذا السيناريو الافتراضي، كانت السلطة التشريعية ستتحول من كيان هامشي وموالي بالكامل إلى منصة تعبر عن المطالب السياسية والتمثيل الاجتماعي.
وضمن هذا التحليل الافتراضي، فإن الصلاحيات الدستورية الممنوحة للسلطة القضائية – مثل مراجعة التعيينات القيادية التي يجريها الرئيس – لو واكبها انفتاح سياسي، لترجمت إلى قدرة فعلية على ممارسة التوازن. وكان السلوك البديل سيتيح للهيئات القضائية والتشريعية الخروج من “دوائرها المؤسسية المنفصلة” والمعزولة لبناء روابط وتحالفات أفقية ذات بعد سياسي، مما يجعل منها ثقلًا موازنًا حقيقيًّا يحد من انفراد مؤسسة الرئاسة بالقرار. غير أن الإصرار الفعلي على عزل هذه المؤسسات ومنع دمج دم جديد من النخب المدنية في هرمية السلطة، أبقى على هرم السلطة تحت إشراف الرئيس، مع جعل النظام أكثر هشاشة في مواجهة الأزمات المستقبلية نتيجة غياب القنوات السياسية والمؤسسية المستقلة.
ماذا خسرت مصر في سياستها الداخلية في عهد السيسي مقارنة بعهد مرسي؟
عند وضع التجربتين في ميزان المقارنة السياسية، يظهر جليًّا حجم الخسارة التي منيت بها الحالة السياسية المصرية في عهد السيسي مقارنة بالمكتسبات النسبية التي كانت قائمة في عهد مرسي، وتتجلى هذه الخسائر في أربعة أبعاد رئيسة:
- خسارة حيوية الصندوق والتنافسية الحقيقية: خسرت مصر آلية الانتخابات التنافسية الحرة والشفافة التي بلغت ذروتها في انتخابات 2012م كأول انتخابات تعددية حقيقية بنسبة مشاركة تجاوزت 51%، وتحولت الاستحقاقات في عهد السيسي إلى مجرد طقوس إجرائية وهندسة مسبقة لشرعنة قرارات السلطة العليا وسط مقاطعة صامتة وعزوف جماهيري واسع.
- خسارة الحريات العامة وإغلاق المجال العام: خسرت مصر في عهد السيسي مناخ الحرية السياسية وحق التعبير والاحتجاج السلمي دون خوف من الملاحقة؛ فبينما كان عهد مرسي يسمح بحرية الحركة السياسية والاعتصام والتظاهر للمعارضة (مثل تمرد وجبهة الإنقاذ) دون قمع أمني، شهد عهد السيسي إغلاقًا تامًّا للمجال العام، وقوانين تجرم التظاهر، وتأميمًا للمنابر الإعلامية والصحفية لتصبح ذات صوت واحد.
- خسارة التعددية الحزبية وإقصاء المكون المدني الحقيقي: خسرت الحركة السياسية التعددية الحزبية الحقيقية؛ فبعد أن كانت الأحزاب والقوى المدنية شريكًا فاعلًا ومحركًا للشارع في عهد مرسي، جرى في عهد السيسي تنظيم قسري للحياة الحزبية، ولم يقتصر التهميش على حظر التيار الإسلامي فحسب، بل امتد ليتخلص تدريجيًّا من الحلفاء المدنيين الذين استُخدموا كغطاء سياسي في بداية انقلاب يوليو 2013م.
- خسارة مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء: خسرت الدولة التوازن المؤسسي النسبي؛ إذ تحول القضاء المصري من مؤسسة مستقلة قادرة على التحدي القانوني لقرارات الرئاسة في عهد مرسي، إلى أداة قانونية طيعة لتثبيت أركان النظام في عهد السيسي عقب تعديلات دستورية وقانونية منحت رئيس الجمهورية سلطة التعيين المباشر لرؤساء الهيئات القضائية والنائب العام.
أ – الأثر على مؤسسات الدولة والمؤسسة العسكرية:
- في عهد مرسي: واجهت مؤسسات الدولة الإدارية والقضائية حالة من التوجس، وتحركت “الدولة العميقة” لتعطيل قرارات الرئاسة ومناوئتها سياسيًّا وقانونيًّا (مثل حل البرلمان). وفي المقابل، ظلت المؤسسة العسكرية في حالة تربص؛ ورغم محاولات مرسي استيعاب قيادتها وتحصين وضعها في دستور 2012م لبناء الثقة، إلا أنها حافظت على مسافتها حتى انقلبت في يوليو 2013م.
- في عهد السيسي: أُعيدت صياغة مؤسسات الدولة، وصعد دور المؤسسة العسكرية لتتجاوز دورها الدفاعي التقليدي وتصبح العمود الفقري والمحرك الأساسي لكافة مفاصل الدولة السياسية والتنموية والاقتصادية، محصنةً بدور وصائي ودستوري مباشر صريح (بموجب تعديلات 2019م) يمنحها الحق في صون الدولة المدنية والدستور.
ب – الأثر على مصلحة الدولة بصفة عامة:
- عهد مرسي: تمثلت المصلحة العامة في هذا العهد في التأسيس الأولي لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وإجراء أول انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة وتعددية في تاريخ مصر الحديث. غير أن الضرر العام تمثل في حالة عدم الاستقرار، والضعف التنفيذي في مواجهة أجهزة الدولة العميقة الممتنعة عن العمل أو المناوئة للحكومة، وعجز النظام عن حماية ديمقراطيته الناشئة، مما أدخل البلاد في استقطاب مجتمعي حاد وشلل مؤسسي.
- عهد السيسي: تمثلت المصلحة العامة، من وجهة نظر النظام، في إنهاء حالة السيولة الأمنية، وفرض الاستقرار الظاهري، وإعادة تجميع خيوط السلطة بمركزية شديدة أتاحت تدشين مشاريع البنية التحتية الكبرى بقوة القرار السلطوي. بالمقابل، انطوى هذا النموذج على ضرر بوضع الدولة العام؛ حيث تسبب إغلاق المجال العام في غياب آليات الرقابة والمحاسبة والبدائل السياسية، وتحولت الدولة إلى قالب سياسي مصمت يفتقر للتنوع الحقيقي والتوافق الوطني.
المحور الثاني: السياسة الخارجية بين مرسي والسيسي
1 – العلاقة مع الغرب والدول الكبرى:
يكشف التتبع المنهجي لـلمسار الفعلي أن السياسة الخارجية عقب يوليو 2013م، شهدت تحولًا ركز على استخدام المقدرات الاقتصادية وتوقيع الاتفاقيات العسكرية كأداة أساسية لحشد الاعتراف والدعم الدولي وتثبيت ركائز النظام الحاكم، وهو ما تجلَّى بوضوح عبر إبرام صفقات تسليح ضخمة وغير مسبوقة مع القوى الغربية والدول الكبرى.
وفي ظِل تراجع المؤشرات الاقتصادية المحلية وتصاعد المديونيات، واصل النظام التوسع في الاقتراض الدولي وتوقيع اتفاقيات المنح والقروض والتسهيلات الائتمانية لتمويل هذه الالتزامات العسكرية. هذا التوجه عكس مقايضة المصالح الاقتصادية والتجارية للدول الكبرى بالصمت عن ملفات حقوق الإنسان والجمود السياسي الداخلي المصري، حيث تحولت العواصم الغربية مثل باريس وبرلين وروما إلى داعم أساسي للنظام بفضل العقود المليارية لشركات السلاح لديها.([23])
ولم تقتصر هذه الصفقات على تنويع مصادر السلاح، بل وظفت لتقديم تنازلات جيوسياسية واضحة أثرت بشكل مباشر على الأمن القومي والمائي ومكانة مصر الإقليمية. فقد جاء توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان في أغسطس 2020م بدافع كيدي لمواجهة النفوذ التركي الليبي، وهو ما ترتب عليه حرمان مصر من التحول لمركز إقليمي لتصدير الغاز، وتفريطها في نحو 7 آلاف كيلومتر مربع من مياهها الاقتصادية([24]).
وفي المقابل، قدمت تجربة الحكم المدني الديمقراطي في عهد الرئيس محمد مرسي نموذجًا مغايرًا تمامًا في إدارة العلاقات مع الغرب والقوى الكبرى، قام على ركائز الندية، واستقلالية القرار الوطني، والاعتماد على الحصانة الشعبية المكتسبة من الإرادة الحرة للصندوق الانتخابي.
ووفقًا للقراءات السياسية لتلك المرحلة من منظور “ما بعد استعماري”، فإن السياسة الخارجية لم تكن مجرد انعكاس جامد لشعارات أيديولوجية، بل كانت محاولة واعية وممنهجة لمقاومة الهيمنة الغربية التقليدية وازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي، والسعي الحثيث لامتلاك مصر لإرادتها وغذائها وسلاحها لتتحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية([25]).
لقد ارتكز هذا المسار المعاكس على مبدأ أن القوة الحقيقية للدولة تنبع من جبهتها الداخلية وتماسكها المؤسسي والشعبي وليس من استجداء الشرعية من العواصم الغربية.
ومن هذا المنطلق، اتسمت التحركات الخارجية للرئيس مرسي بالندية والرفض القاطع للإملاءات، مع فتح آفاق جديدة للعلاقات الدولية قائمة على التوازن والمصالح المشتركة ودعم حقوق الشعوب المستضعفة وثورات الربيع العربي، دون تفريط في السيادة أو المقدرات الاقتصادية والأمنية للدولة.
هذا التوجه نحو استقلالية القرار وبناء دولة وطنية ديمقراطية قوية تحمي أمنها المائي والوجودي وتصون كرامة مواطنيها، كان يمثل التهديد الحقيقي لمصالح القوى الاستعمارية والأنظمة الإقليمية التابعة لها، مما دفعها لدعم الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م لإجهاض هذا المشروع السيادي وإعادة مصر إلى دائرة التبعية والاستنزاف الاقتصادي([26]).
2 – الدائرة العربية والخليجية:
يكشف التتبع لـلمسار الفعلي عن ارتهان كامل للمال الخليجي، حيث تحول الدعم الاقتصادي من قِبل بعض عواصم الخليج إلى ركيزة أساسية لتثبيت النظام الحاكم وضمان بقائه. وفي مقابل هذا التدفق المالي والوعود الاستثمارية، انخرط النظام المصري في تقديم التزامات وتنازلات جيوسياسية إقليمية كبرى تمس جغرافيا الدولة وحدودها السيادية المستقرة تاريخيًّا([27]).
تجلت هذه المقايضة بشكل صادم للشعب المصري في 8 أبريل 2016م، بالتزامن مع زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، حيث جرى الإعلان المفاجئ عن توقيع اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية. وتضمنت هذه الاتفاقية إقرار السلطات المصرية رسميًّا بأحقية الرياض في جزيرتي “تيران” و”صنافير” الواقعتين في مدخل مضيق تيران بالبحر الأحمر. وبررت الحكومة موقفها ببيانات رسمية ادعت فيها أن الجزيرتين كانتا تحت الحماية والإدارة المصرية منذ عام 1950م بناءً على طلب الملك عبد العزيز آل سعود، وأن الوقت قد حان لإعادتهما([28]).
أحدث هذا التنازل صدمة شعبية عارمة وفجر موجة معارضة واسعة النطاق نجحت لأول مرة في توحيد صفوف القوى السياسية بمختلف أيديولوجياتها (مؤيدين ومعارضين لمظاهرات 30 يونيو) ضد قرار السلطة. واعتبر خبراء وقانونيون وحركات شعبية أن هذا الاتفاق يمثل تفريطًا صريحًا في حقوق تاريخية وفي إقليم الدولة الموحد الذي لا يقبل التجزئة وفقًا للمادة الأولى والمادة 151 من الدستور، واصفين التنازل بأنه باطل ولا أثر قانوني له لكونه جرى في غرف مغلقة([29]).
وامتدت تبعات هذا الارتهان لتشمل قضايا الجوار الإقليمي؛ حيث تمَّ تسييس الموقف من الأزمات المجاورة ليتوافق مع رغبات القوى التمويلية “الخليجية”، مما أدى إلى تراجع النفوذ الإقليمي التاريخي لمصر، والانخراط بدلًا من ذلك في مسارات أمنية كيدية ومكايدات سياسية وإعلامية يديرها الممول الخليجي.
فبدلًا من استغلال الأموال المحولة لتطوير مؤسسات الدولة وبناء نموذج تنموي مستقل، جرى استهلاك هذه المليارات في لحظات لوفاء الالتزامات وسد ثغرات الموازنة دون تحقيق أي عائد هيكلي للمواطن.
وفي المقابل، يُبرز تحليل المسار الشرطي المعاكس انطلاقًا من تجربة الحكم المدني في عهد الرئيس محمد مرسي نموذجًا مغايرًا في إدارة العلاقات مع الدائرة العربية والخليجية، كانت ركائزه الأساسية تقوم على “التوازن الندي” وحفظ استقلالية القرار الوطني والسيادة الجغرافية الكاملة دون الخضوع لوطأة الاحتياج المالي. ورغم الضغوط الاقتصادية الحادة التي ورثتها حكومة مرسي وحاجتها للدعم المادي، رفضت رئاسة مرسي مقايضة القرار السيادي بالمساعدات أو تمرير أي سياسات تمس الحدود والجغرافيا.
ويكشف التوثيق الدبلوماسي عن طبيعة هذه الندية في شهادة السفير السعودي السابق لدى مصر، أحمد القطان، الذي أكد أنه أبلغ الرئيس مرسي في أول لقاء بينهما بوجود حزمة دعم سعودي تبلغ 4 مليارات دولار، تلاها مبلغ 2 مليار و900 مليون دولار لم تستخدمها الدولة المصرية بعد. وعلى الرغم من مرور عام كامل على رئاسة مرسي وأزمات النقد الأجنبي، إلا أنه تجنب المساس بهذا المبلغ لتجنب الوقوع تحت طائلة الشروط أو الإملاءات السياسية التي قد تمس السيادة الوطنية أو تفرض أدوارًا تابعة، على عكس ما جرى فور عزل مرسي حيث سارعت الحكومات اللاحقة لاستخدام تلك الأموال وتبديدها على الفور.([30])
تأسس هذا المسار المعاكس على مبدأ “السيادة الشعبية والرقابة المجتمعية”؛ فالحكم المستمد شرعيته من الصندوق الحر لا يحتاج إلى “شراء شرعية أو تثبيت” من الخارج، بل يستمد شرعيته من الداخل. ومن هذا المنطلق، لم تكن التحركات الخارجية لمرسي متبنيةً للتبعية بل أدار العلاقات الإقليمية بناءً على انحيازات جغرافية وثقافية واعية، تمثلت في السعي لبناء محور ديمقراطي تكافلي يجمع قوى الثورة والتحول، مثل تركيا وتونس وليبيا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استمرارية التحالف التاريخي المتوازن مع المملكة العربية السعودية كإطار حاكم للأمن الإقليمي، وطرح “المبادرة الرباعية” لحل الأزمة السورية.
هذه السياسة الندية القائمة على التمسك بإقليم الدولة وثرواتها ورفض التنازل عن أي شبر من أراضيها ومياهها تحت ضغط الحاجة الاقتصادية، شكَّلت نموذجًا لاستقلالية القرار الوطني، وهو المشروع السيادي الذي جرى استهدافه لاحقًا لإعادة إدخال مصر في حظيرة الارتهان المالي والتبعية السياسية([31]).
3 – أمن الطاقة والمياه الإقليمية:
تعاني السياسة الخارجية المصرية في عهد النظام الحالي من غياب واضح للرؤية الاستراتيجية الموحدة التي تخدم المصالح القومية الثابتة للدولة. وقد ارتبطت هذه السياسة في مجملها بغاية أساسية تتمثل في حرص النظام على الحصول على الاعتراف والقبول الدولي والشرعية الإقليمية بأي ثمن([32]).
يكشف التتبع لـلمسار الفعلي في ملف الأمن المائي عن اتخاذ النظام لعدة قرارات أسهمت مباشرة في تقليص الخيارات والبدائل الاستراتيجية المصرية في قضية سد النهضة الإثيوبي. وكان القرار الأخطر في هذا المسار هو توقيع اتفاق إعلان المبادئ في الخرطوم في مارس 2015م، والذي مثل اعترافًا رسميًّا من القاهرة – لأول مرة – بأحقية أديس أبابا في بناء السد على مجرى نهر النيل. وبموجب هذا الاتفاق، أسقطت مصر حقها التاريخي والقانوني في الاعتراض على أعمال البناء، كما منح الاتفاق إثيوبيا الغطاء القانوني اللازم لطلب التمويل الدولي للمشروع، بعد أن كانت عاجزة عن تحصيله سابقًا بسبب الرفض والممانعة المصرية المسبقة([33]).
أما على صعيد أمن الطاقة، فقد تجسد المسار الفعلي في توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين مصر واليونان في القاهرة. وقد جاءت هذه الخطوة بعد جولات مفاوضات فنية طويلة ومعقدة شملت 12 جولة، مما عكس ترددًا واضحًا من جانب القاهرة قبل الإقدام على التوقيع. وقد اعتبرت أطراف إقليمية كوزارة الخارجية التركية أن هذه الاتفاقية باطلة ولا قيمة لها عمليًّا، في حين ركز الإعلام المصري في تغطيته على لغة الشماتة والمكايدة السياسية تجاه تركيا وإحباط اتفاقها مع حكومة السراج في ليبيا، دون تقديم أي شرح موضوعي لسيناريوهات الخسائر والمكاسب الاقتصادية الحقيقية لمصر في هذه المنطقة الغنية بالثروات والغاز([34]).
وقد ذكرت تقارير أن التوقيع الفعلي على الاتفاقية مع اليونان قد تمَّ مع تجاهل تام لتوصيات صريحة ومباشرة من وزارة الخارجية المصرية وجهاز المخابرات العامة؛ إذ كانت التوصيات الداخلية تضغط باتجاه قبول الاتفاق البحري التركي-الليبي بهدوء لكونه يمنح القاهرة امتيازًا بحريًّا ضخمًا ومساحة إضافية تصل إلى نحو 28 ألف كيلومتر مربع. وجاء إصرار النظام على الطرح اليوناني ليُكبّد مصر خسارة فادحة تزيد على 7 آلاف كيلومتر مربع من مياهها الاقتصادية الخالصة، فضلًا عن تقويض أحقيتها الجيوسياسية في تعيين الحدود مستقبلًا مع تركيا في مناطق واعدة باحتياطيات النفط والغاز([35]).
وفي هذا الإطار، يظهر بوضوح أن التقارب مع اليونان وقبرص لم يكن يستند إلى رؤية استراتيجية ملموسة تخدم مصالح الطاقة الثابتة لمصر، بل كان بدافع النكاية السياسية المباشرة بتركيا واستعدائها. وقد وَظَّف النظام هذه الاتفاقيات والزيارات الخارجية كأداة لشراء الشرعية الدولية والقبول الإقليمي عبر الظهور والمشاركة في قمم رسمية واستقبال رؤساء الدول، مما جعل الأمن القومي الاقتصادي ورقة في مناكفات سياسية تخدم بقاء نظام الحكم وتأمين استمراريته على حساب ثروات المتوسط([36]).
وفي المقابل، وعلى النقيض من واقع التنازلات الفعلي، يتبدى مسار معاكس يعتمد على تمسك مرسي المدني المنتخب بملفات الأمن القومي، معتمدًا على الشراكة الوطنية في اتخاذ القرار. حيث حرص الرئيس مرسي على عدم الانفراد بالقرار؛ فاستعان بمشاورة القوى السياسية وعقد حوارًا وطنيًّا مع القوى السياسية لبحث البدائل حول سد النهضة الإثيوبي، على عكس ما قام به عبد الفتاح السيسي لاحقًا عندما تفرد تمامًا بالسلطة ووقَّع منفردًا على وثيقة إعلان المبادئ المجحفة مع إثيوبيا.
وخلال ذلك الاجتماع التشاركي، شهدت النقاشات تلويحًا ودعوات للخيار العسكري والضغط الاستخباراتي، وكانت هذه الخيارات “الخشنة” قابلة للتنفيذ الفعلي والاستناد إليها بقوة، نظرًا لحصول الرئيس مرسي على دعم شعبي كبير من الصندوق الانتخابي، إلى جانب الالتفاف والدعم الذي وفرته القوى السياسية المشاركة في صياغة القرار. ورغم بث الاجتماع علنًا واعتذار الرئاسة عن هذا الحرج غير المقصود نتيجة تعديل مفاجئ في خطة البث، فقد استغلت القوى المناوئة لمرسي هذا الملف لإظهاره بمظهر المفرط، رغم أن إثيوبيا لم تكن قد شرعت في البناء الفعلي بعد([37]).
أما عقب تحولات يوليو 2013، فقد خسرت مصر مسار “الخيار الخشن” وآلية “المشاركة المجتمعية والسياسية في اتخاذ القرارات المصيرية”، لصالح “القرار الفردي والسلطة المطلقة”.
وتكشف مقارنة مركز الجزيرة للدراسات أن وثيقة 2015م أسقطت حصة مصر التاريخية (55.5 مليار متر مكعب) التي تمسك بها مرسي، واستبدلتها بمفهوم “الانتفاع المنصف” الضبابي، مع التغاضي عن سعة الخزان وحرمان القاهرة من الإلزام في إدارة السد، لتخلص إلى أن هذا النهج الفردي أدى إلى إضاعة حقوق الدولة ومصالحها العليا، والاستسلام لاتفاقيات إطارية وصفتها الدراسة بـ “المليئة بالألغام”، مما أفقد القاهرة أوراق الضغط الفاعلة وحصر حلولها في مسارات دبلوماسية مقيدة برفض إثيوبيا للتحكيم الدولي([38]).
4 – التكتل الإسلامي، فلسطين، والموقف من ثورات الربيع العربي:
يمثل عهد الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، والعهد الذي تلاه بعد الانقلاب، مسارين متناقضين في التعامل مع العالم الإسلامي والقضية الفلسطينية وثورات الربيع العربي، ويوضح التحليل المقارن بين المسارين حجم التحول الاستراتيجي وما خسره الدور الإقليمي لمصر.
أ – الموقف من ثورات الربيع العربي والمحاور الإقليمية:
يكشف التتبع لـلمسار الفعلي (عهد السيسي) انخراط النظام في قيادة “الثورة المضادة” إقليميًّا لإجهاض مكتسبات الربيع العربي. وتسبب ذلك في إحداث قطيعة باكرة وحادة مع المحور التركي-القطري الداعم للتحولات الديمقراطية، والانخراط الكامل في المحور الإقليمي المناوئ للثورات.
وعلى النقيض من ذلك يكشف تحري المسار المعاكس أن التوجُّه الفعلي لمرسي كان يسعى لقيادة قاطرة الربيع العربي والتكامل مع القوى الصاعدة الداعمة له. حيث استقبل الرئيس مرسي في قصر الاتحادية الرئيس التونسي المنصف المرزوقي، وجرى التأكيد على بناء تحالف يضم تونس ومصر وليبيا لوصل الإرادة الشعبية والتعاون ضد الاستبداد([39]). كما شهد عهده تقاربًا نوعيًّا مع تركيا، وطرح مبادرة رباعية إقليمية تضم (مصر، والسعودية، وتركيا، وإيران) لإيجاد حلول ذاتية لقضايا المنطقة كالأزمة السورية.([40])
وتبرز الخسارة المصرية في تراجع مصر عن أداء دورها القيادي كـ”نموذج للتحول الديمقراطي” وقاطرة للدول العربية.
ب – القضية الفلسطينية وحصار قطاع غزة:
يكشف التتبع لـلمسار الفعلي تبنى النظام سياسة خنق قطاع غزة عبر إغلاق معبر رفح بشكل شبه دائم، وتدمير أكثر من 3 آلاف نفق عبر آليات قاسية كالتفجير والإغراق بمياه المجاري، فضلًا عن إقامة “منطقة عازلة” بعمق كيلومتر كامل وتدمير مدينة رفح المصرية، مما ترك المقاومة الفلسطينية “مكشوفة الظهر” أمام العدوان الإسرائيلي المتكرر([41]).
ويبرز المسار المعاكس (عهد مرسي) اعتباره القضية الفلسطينية حجر الزاوية للأمن القومي المصري. حيث شهد عهد الرئيس مرسي انتعاشًا اقتصاديًّا لغزة عبر السماح بدخول الوقود والمساعدات الإنسانية ومواد البناء المخصصة لإعادة الإعمار عبر معبر رفح الذي فُتِح للأفراد بشكل غير مسبوق منذ فرض الحصار عليه. ورغم تدمير بعض الأنفاق لدواعي أمنية محددة لمنع تسلل المتشددين، إلا أن الرئيس مرسي غضَّ الطرف عن معظمها، مما ساهم في إمداد القطاع بالسلاح والعتاد الذي استخدم لاحقًا في صد العدوان الإسرائيلي. وكان الموقف الأبرز في عدوان 2012م، حين سحب مرسي السفير المصري من إسرائيل، وأرسل رئيس وزرائه إلى غزة معلنًا الوقوف معها في خندق واحد حتى تمَّ فرض شروط المقاومة للتهدئة.([42])
وتتضح الخسارة المصرية في خسارة الدور التاريخي كـ”ظهير وسند” للمقاومة وكطرف نزيه يسعى لكسر الحصار وتحول الموقف الرسمي إلى أداة تساهم بفاعلية في دفع القطاع إلى نقطة الانهيار.
ج – التكتل والعمق الإسلامي والتنسيق الأمني مع إسرائيل:
في المسار الفعلي أُعطيت الأولوية للتنسيق الأمني والعسكري مع إسرائيل؛ حيث اعتبر المسؤولون الإسرائيليون (مثل عاموس جلعاد) أن التزام السيسي بمعاهدة السلام وهدمه للأنفاق يُعد “ثروة استراتيجية ومعجزة لإسرائيل” ساهمت في عزل حماس وتأمين الحدود([43]).
في حين أن المسار المعاكس (عهد مرسي) سعى لبلورة شخصية مصرية جديدة تستند لعمقها الإسلامي المستقل عن التبعية الغربية والتعاون مع إسرائيل.
ففي قمة مؤتمر التعاون الإسلامي عام 2013م، طرح الرئيس مرسي رؤية شاملة لتفعيل العمل الإسلامي الجمعي في مجالات البحث العلمي، وحقوق الإنسان، ومواجهة الإسلاموفوبيا، وإنشاء مركز للحوار بين المذاهب. كما خفض مرسي مستوى العلاقات السياسية والأمنية مع إسرائيل بشكل ملحوظ، واتسمت العلاقة مع تل أبيب في عهده بالجفاء والقطيعة السياسية التامة وفقًا لشهادات قادة الاستخبارات الإسرائيلية.([44])
وتبرز الخسارة المصرية بانقلاب 2013م، في إجهاض مساعي مصر للتخلص من إرث التبعية، حيث عادت القاهرة لتلعب دور الحارس الأمني للمصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة، فضلًا عن المهددات الناجمة عن تراجع قدرات المقاومة الفلسطينية في غزة أمام الكيان الإسرائيلي العدو التقليدي لمصر وفلسطين.
وضمن التحليل الافتراضي، كان التوجه نحو القضية الفلسطينية سيتخذ مسارًا مغايرًا تمامًا يرفض منطق الحصار والتنسيق الأمني التبعي؛ إذ إن حكومة مدنية منتخبة لم تكن لتجرؤ على إغلاق المعابر أو التواطؤ في خنق قطاع غزة في ظل وجود رأي عام متعاطف تاريخيًّا مع فلسطين، وكان السلوك البديل سيتجه لفك الحصار، وتوظيف ثقل مصر السياسي لفرض شروط لصالح القضية الفلسطينية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية.
كما كان هذا النظام المدني سيتجه نحو التكامل الاستراتيجي والاقتصادي مع القوى الإقليمية الصاعدة الداعمة للربيع العربي مثل تركيا وقطر، مما يسمح بتشكيل تكتل سياسي واقتصادي قوي يضمن استقلالية القرار الوطني ويحقق قدر من التوازن السياسي مع القوى الدولية.
ماذا خسرت مصر في سياستها الخارجية في عهد السيسي مقارنة بعهد مرسي؟
تكشف المقارنة التحليلية بين عهد الرئيس محمد مرسي والفترة التي تلت انقلاب يوليو 2013م عن تحول في بوصلة السياسة الخارجية المصرية، انتقلت فيه الدولة من مربع “الندية واستقلالية القرار” إلى مربع “الارتهان وتوظيف المقدرات لتثبيت شرعية الحكم”.
لقد خسرت مصر بالانقلاب على مرسي مشروعًا سياديًّا كان يطمح لتحرير الإرادة الوطنية من التبعية التقليدية للقوى الكبرى. فبينما اتسم عهد مرسي بالتمسك بحدود الدولة وثرواتها دون الخضوع لابتزاز الحاجة المالية، تحول المسار لاحقًا نحو الارتهان للمال الخليجي، وهو ما دفع ثمنه الأمن القومي عبر تنازلات مثل التفريط في جزيرتي “تيران وصنافير”.
وعلى صعيد الأمن المائي والطاقة، فرطت الإدارة الحالية في أوراق ضغط تاريخية؛ حيث استبدلت النهج التشاركي والدفاع الخشن عن حصة مصر المائية بتوقيع فردي على “إعلان المبادئ” الذي منح إثيوبيا غطاءً قانونيًّا لبناء سد النهضة.
كما خسرت مصر آلاف الكيلومترات من مياهها الاقتصادية في المتوسط نتيجة اتفاقيات بحرية كيدية مدفوعة بالنكاية السياسية في تركيا لا بالمكاسب الاقتصادية ومصالح مصر القومية.
أما عربيًّا، فقد تخلت القاهرة عن دورها القيادي كقاطرة لثورات الربيع العربي لتنخرط في محور “الثورة المضادة”، وامتدت هذه الخسارة إلى القضية الفلسطينية؛ فبعد أن كانت مصر في عهد مرسي ظهيرًا سياسيًّا يحمي المقاومة ويفك حصار غزة، تحول موقفها إلى أداة لخنق القطاع عبر تدمير الأنفاق وإقامة منطقة عازلة، وهو ما شكل تنسيقًا أمنيًّا وثيقًا وصفه الاحتلال الإسرائيلي بأنه “ثروة استراتيجية”.
إجمالًا، خسرت مصر مكانتها كلاعب إقليمي مستقل يستمد قوته من شعبه، وتراجعت سياستها الخارجية إلى ممارسات تضحي بالثروات والأمن القومي مقابل كسب الاعتراف الدولي وتثبيت النظام.
خاتمة
تُمثّل دراسة التحولات السياسية في مصر عقب انقلاب 2013م، مساحة تحليلية بالغة الأهمية لتفكيك مآلات الفلسفة التي أديرت بها الدولة، وتحديدًا عند الموازنة بين نموذج الشرعية المدنية المنتخبة المراعية للمصالح العليا للدولة المصرية، ونموذج النظام العسكري الذي يوظف المقدرات القومية لتثبيت أركانه.
ومن خلال البحث المقارن بين المسار الفعلي للنظام الحالي والمسار السابق الذي أسست له ثورة يناير وعهد الرئيس محمد مرسي، يتضح حجم الخسارة الاستراتيجية التي منيت بها مصر على المستويين الداخلي والخارجي، حيث تحولت ثوابت الأمن القومي من خطوط حمراء إلى أوراق مقايضة لكسب الاعتراف الدولي وتأمين بقاء النخبة الحاكمة.
على صعيد السياسة الداخلية، تجسدت أولى الخسارات الكبرى في وأد تجربة الديمقراطية الناشئة والتنافسية الحقيقية التي بلغت ذروتها في انتخابات 2012م، ليحل محلها مجال عام مغلق هندسته الأجهزة الأمنية بالكامل عبر تجريم التظاهر، وتأميم المنصات الإعلامية، وإقصاء المكون المدني والحزبي الحقيقي.
ولم تتوقف الخسارة عند حدود مصادرة الحريات وجعل مبدأ الفصل بين السلطات شكليًّا، بل امتدت لتطال البنية الاقتصادية والاجتماعية للمواطن المصري؛ إذ خسرت مصر فرص الإصلاح الحقيقي الذي تبناه الرئيس مرسي ومراعاته طبقات الشعب المتوسطة والفقيرة برفضه لإملاءات صندوق النقد الدولي. وبدلًا من ذلك، انزلقت الدولة في حلقة مفرغة من الاستدانة المفرطة التي قفزت بالديون الخارجية والمحلية إلى مستويات غير مسبوقة، وضُخَّت هذه الأموال في مشروعات بنية تحتية مشكوك في جدواها الاستثمارية، مما أسفر عن انهيار حاد في قيمة الجنيه، وتضخم أضر بالقدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة.
وفي سياق إدارة أصول الدولة، يكشف نموذج محور قناة السويس عن تباين في صون المقدرات الوطنية؛ فبينما كان عهد مرسي يطرح رؤية تنموية شاملة لتحويل الإقليم إلى مركز إنتاج عالمي مع فرض قيود تمنع تملك الأجانب أو المساس بالسيادة، اندفع النظام الحالي نتيجة أزماته التمويلية وإخفاق مشروع التفريعة الجديدة نحو تسييل أصول المنطقة. وهو تحول ما كان ليمر في وجود برلمان منتخب وقضاء مستقل ورأي عام يقظ ضد التفريط في الأصول الاستراتيجية.
أما على مستوى السياسة الخارجية والأمن القومي، فقد تكبدت مصر كلفة استراتيجية فادحة لشراء الاعتراف الدولي والغطاء الخارجي تعويضًا عن غياب شرعية الصندوق؛ حيث انخرطت الدولة في تقديم تنازلات جيوسياسية وجغرافية تمثلت في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للممول الخليجي، والتفريط في آلاف الكيلومترات من المياه الاقتصادية الواعدة بالغاز في المتوسط لليونان بدافع النكاية السياسية بتركيا واستعدائها. وتوجت هذه التنازلات بالتوقيع المنفرد على اتفاق إعلان مبادئ سد النهضة عام 2015م.
وامتد هذا التراجع الحاد ليصيب الدور الإقليمي التاريخي لمصر ومكانتها في محيطها العربي والإسلامي؛ فبعد أن كانت القاهرة في عهد مرسي تقود قاطرة الربيع العربي وتتحرك بخطاب ندي وقرار مستقل، تحولت عقب يوليو 2013م إلى فاعل رئيس في جبهة الثورة المضادة الحامية للاستبداد. وانعكس هذا التحول على القضية الفلسطينية، إذ انتقلت مصر من مربع الظهير والسند السياسي الذي يفك حصار غزة كما بدا في عدوان 2012م، إلى أداة لخنق القطاع، لتخسر مصر في المحصلة مشروعًا سياديًّا واعدًا كان يطمح لامتلاك الغذاء والسلاح والدواء لاستقلال القرار الوطني، وتتحول إلى قالب سياسي مقيد غلبت فيه حسابات البقاء في السلطة على حساب الأمن القومي ومكانة الدولة ومصالحها العليا.
([1]) مصر بين عهدين مرسي والسيسي دراسة مقارنة، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى: 2016م، ص17-18، متاح على: https://n9.cl/emfbq9
([3]) نتيجة الاستفتاء في مصر: 88.8 في المئة من الناخبين صوتوا بنعم للتعديلات الدستورية، بي بي سي عربي، 23 أبريل 2019م، ومتاح على: https://n9.cl/71uxf
([4]) مصر بين عهدين مرسي والسيسي دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص48-52.
([8]) استمرار ضعف الإقبال برئاسيات مصر رغم تمديدها، الجزيرة نت، 28 مايو 2014م، متاح على: https://n9.cl/z9rwq
([10]) ظهور نتائج أولية لاستفتاء دستور مصر، الجزيرة نت، 16 يناير 2014م، متاح على: https://n9.cl/hryhwa
([11]) مصر بين عهدين مرسي والسيسي دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص69-70.
([12]) المرجع السابق، ص122-123.
([14]) الخطاب السياسي للرئيس محمد مرسي (2012-2013) دراسة تحليلية، دار الأصالة، إسطنبول – تركيا، الطبعة الأولى: 2023م، ص438-439.
([15]) أوضاع الاقتصاد المصري بين عهدي مرسي والسيسي.. كيف ترى الفرق؟، نافذة مصر، 21 يونيو 2025م، متاح على: https://n9.cl/dnakd
([17]) قناة السويس: ناصر ومرسي والسيسي، العربي 21، 25 ديسمبر 2022م، متاح على: https://n9.cl/pndg9
([18]) قناة السويس في قبضة الإمارات.. كيف مهد السيسي لتلك اللحظة؟، صحيفة الاستقلال، 2019م، متاح على: https://n9.cl/y1b2xu
([19]) قناة السويس.. محور مرسي وتفريعة السيسي، الجزيرة نت، 5 أغسطس 2015م، متاح على: https://n9.cl/xxbq6k
([20]) قناة السويس في قبضة الإمارات.. كيف مهد السيسي لتلك اللحظة؟، مرجع سابق.
([22]) يزيد الصايغ، سلطة السيسي المطلقة، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، 31 يوليو 2025م، متاح على: https://n9.cl/lig80j
([23]) خليل العناني، مصر.. صفقات السلاح التي تزيد المصريين فقرا، الجزيرة نت، 15 مايو 2022م، متاح على: https://n9.cl/h69dv
([24]) اتفاقية الحدود البحرية مع اليونان.. هل تنازل السيسي عن حقوق مصر نكاية في تركيا؟، الجزيرة نت، 10 أغسطس 2020م، متاح على: https://n9.cl/z7nse
([25]) جهاد حسنين، قراءة في توجهات السياسة الخارجية في عهد الرئيس محمد مرسي، المسار للدراسات الإنسانية، 6 يوليو 2020م، متاح على: https://n9.cl/d429n
([27]) رفض التنازل عن جزيرتي “تيران” و”صنافير” يجمع مؤيدين ومعارضين للسلطات المصرية، وكالة الأناضول للأنباء، 10 أبريل 2016م، متاح على: https://n9.cl/oh3ux
([30]) مرسي والسعودية: لم يعرف الانحناء أمام الأرز، العربي الجديد، 5 مارس 2021م، متاح على: https://n9.cl/r8j8y
([32]) سياسة مصر الخارجية زمن السيسي وغياب المنظومة الاستراتيجية، مركز الجزيرة للدراسات، 17 أغسطس 2015م، متاح على: https://n9.cl/s8d7n
([33]) لهذه الأسباب.. السيسي هو المتهم الأول في بناء سد النهضة وخراب مصر، إخوان ويكي، 15 يونيو 2020م، متاح على: https://n9.cl/r0rqu
([34]) اتفاقية الحدود البحرية مع اليونان.. هل تنازل السيسي عن حقوق مصر نكاية في تركيا؟، مرجع سابق.
([37]) “حرج” للرئاسة المصرية بعد بث اجتماع تضمن تلميحات باستخدام القوة ضد إثيوبيا، بي بي سي عربي، 4 يونيو 2013م، متاح على: https://n9.cl/iejd08
([38]) بدر حسن الشافعي، تقييم وثيقة إعلان مبادئ سدِّ النهضة، مركز الجزيرة للدراسات، 6 أبريل 2015م، متاح على: https://n9.cl/6w6f7
([39]) «المرزوقي» يلتقي مرسي في «الاتحادية».. ويزور «التحرير» السبت، 13 يوليو 2012م، متاح على: https://n9.cl/moyml
([40]) الأزمة السورية والترويكا الرباعية، الجزيرة نت، 8 أكتوبر 2012م، متاح على: https://n9.cl/1h44p
([41]) باسم القاسم – وائل سعد، الرئيس محمد مرسي والقضية الفلسطينية، المسار للدراسات الإنسانية، 21 يونيو 2020م، متاح على: https://n9.cl/c1j9e




