ترجمات

نيوز أز: معركة المياه.. هل يمكن أن يشعل النزاع حول مياه النيل حربًا إقليمية

في العاشر من سبتمبر، نشرت “نيوز أز”(News.Az)، وهي بوابة إخبارية أذربيجانية ذات طابع معلوماتي وتحليلي تغطي مجالات السياسة والاقتصاد والآراء والأخبار العامة، مقالًا بعنوان: “معركة المياه.. هل يمكن أن يشعل النزاع حول مياه النيل حربًا إقليمية؟” لـ “موسيز بيكر”، وهو معلق سياسي خاص لدى موقع نيوز أز، وحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية ومتخصص في العلاقات بين الأعراق والأديان.

يركز بيكر في كتاباته على حالة التوتر الجيوسياسي وتضارب المصالح الوطنية بين إثيوبيا ودول المصب – وعلى وجه الخصوص مصر – فيما يتعلق بالسيطرة على موارد مياه النيل وكيفية استخدامها، كما يقيّم مخاطر تصاعد هذا النزاع العالق ليتحول إلى صراع إقليمي أوسع يتمحور حول “سد النهضة الإثيوبي الكبير”.

يتناول موسيز بيكر في مقاله هذا النزاع المتصاعد حول نهر النيل بين مصر وإثيوبيا، ويناقش ما إذا كان التنافس على الموارد المائية قد يسهم في نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقًا في منطقة القرن الأفريقي.

ويرى بيكر أنه باكتمال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) – الذي تراه مصر تهديدًا لاعتمادها الحيوي على مياه النيل بينما تعتبره إثيوبيا ركيزة أساسية لنموها الاقتصادي (من خلال توليد الطاقة الكهرومائية) – في عام 2025 لم ينتهِ النزاع الجوهري بين مصر وإثيوبيا، لا سيما بعد إعلان إثيوبيا عن خطط في عام 2026 لإنشاء سدود إضافية.

ويقول الكاتب إن النزاع حول مياه نهر النيل بين مصر وإثيوبيا قد تصاعد، ليتحول من خلافٍ بشأن تقاسم الموارد إلى أزمة أمنية وجودية تغذيها الاحتياجات الوطنية المتعارضة وتعثر الجهود الدبلوماسية. حيث ينطوي غياب اتفاقية ملزمة بشأن “سد النهضة الإثيوبي الكبير” على مخاطر زعزعة الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع، في ظل التحولات التي تشهدها التحالفات الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي.

وبذلك يضع الكاتب النزاع حول مياه نهر النيل في سياق جيوسياسي أوسع يشمل كلًا من السودان وإريتريا والصومال وتركيا وإسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والصين والولايات المتحدة.

ووفقًا لبيكر، فمن غير المرجح أن تلجأ مصر إلى عمل عسكري مباشر ضد إثيوبيا، لكنها قد تعمد بدلًا من ذلك إلى تعزيز تحالفاتها مع خصوم إثيوبيا الإقليميين ودعم الحكومات أو الجماعات المسلحة المعارضة لأديس أبابا.

ويخلص بيكر في نهاية مقاله إلى أن تضافر عوامل التنافس على المياه، والنزاعات الحدودية، والصراعات بالوكالة، والتحالفات الإقليمية المتنافسة، يخلق ظروفًا قد تؤدي إلى تحول النزاع المحلي حول النيل إلى مواجهة إقليمية أوسع نطاقًا.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته “نيوز أز” (News.Az) الأذربيجانية لـ “موسيز بيكر”، الذي يقيّم فيه مخاطر تصاعد النزاع العالق حول “سد النهضة الإثيوبي الكبير” بين مصر وإثيوبيا، وذلك على النحو التالي:

تفاقمت في الأعوام الأخيرة المشكلات التي تتعلق بإعادة توزيع الموارد الطبيعية في جميع أنحاء العالم. فبينما كانت الاهتمامات الرئيسية في الماضي تتمحور حول الفحم والنفط والخامات المعدنية والذهب والأراضي الصالحة للزراعة، أصبحت ندرة وجود المياه العذبة عبر العالم تتصدر المشهد بشكل متزايد. وفي هذا السياق، تواجه دول مثل الأردن وسوريا، حتى في هذا الوقت الراهن، وضعًا حرجًا يهدد بقاءها، (وذلك بالنظر إلى تفاقم مشكلة ندرة المياه العذبة).

لقد كانت هناك مقولة قديمة تقول إن “مصر هبة النيل”، وهي مقولة صحيحة في حقيقة الأمر. حيث تمتد الأراضي المصرية على ضفاف نهر النيل، لتشغل مساحة تزيد عن مليون كيلومتر مربع، بينما تتشكل بقية أراضي البلاد من صحراء قاسية تفتقر إلى وجود المياه العذبة. وبهذا الشكل، فإن نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في مصر لا تتجاوز 4% تقريبًا من إجمالي مساحة البلاد، وذلك على الرغم من النمو السكاني المتسارع الذي تجاوز حاجز الـ 115 مليون نسمة مؤخرًا. وفي ظل هذا الواقع القاسي، فإنه من الصعب تصور ما قد يؤول إليه حال البلاد في المستقبل القريب دون الحصول على مساعدات خارجية.

وتشعر القاهرة بقلق خاص إزاء بناء أي سدود على نهر النيل في دولة إثيوبيا. فقبل أكثر من مائة عام، تعهد منليك الثاني، ملك إثيوبيا آنذاك (أو بالأحرى الإمبراطور أو ’ملك الملوك‘، كما كان يُطلق عليه)، بعدم تنفيذ أي أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها عرقلة تدفق المياه إلى نهر النيل. ولقد جرى الالتزام بهذا التعهد الصادر عن ’ملك الملوك‘ الإثيوبي بصرامة لفترة طويلة.

مصدر الصورة: شبكة الجزيرة

ولكن كل شيء تغير في عام 2011، حين أطلقت إثيوبيا “مشروع الألفية” الخاص بها، والمتمثل في “سد النهضة الإثيوبي الكبير”Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD). وقد تم الإعلان عن إنشاء السد لأول مرة في مطلع فبراير 2011، حيث كان من المُقدَّر له أن يصبح أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في قارة أفريقيا؛ وبذلك أُطلق عليه اسم “سد النهضة الإثيوبي الكبير”، وهو مشروع يهدف إلى توفير الكهرباء لمساحة كبيرة من البلاد.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح يُنظر إلى السد باعتباره محركًا للتنمية الزراعية والصناعية، وشق الطرق، وتحسين مستويات المعيشة لقطاعات واسعة من السكان. ويقع سد النهضة على النيل الأزرق، على مسافة تتراوح بين 500 و 700 كيلومتر تقريبًا شمال غرب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وعلى بعد 40 كيلومترًا من الحدود السودانية.

وفي الحقيقة، لم يكن اختيار موقع السد وليد الصدفة؛ ففي إثيوبيا، يُعد النهر شيئًا مقدسًا، حيث تقول الأساطير إنه ينبع مباشرة من “جنة عدن”. وكانت مهمة بناء “سد الألفية” قد أُسندت إلى شركة “ساليني كوستروتوري” (Salini Costruttori) الإيطالية، التي تولّت إجراء كافة دراسات الجدوى والحسابات الفنية اللازمة.

غير أن هذا المشروع سرعان ما أصبح محور مواجهة بين دولة إثيوبيا وجمهورية مصر العربية. حيث رأت الحكومة في مصر أن السد سيحرم البلاد من جزء من مياه النيل. وطوال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2025 – أي خلال مرحلة تشييد هذه المنشأة العملاقة –كانت مصر تطالب بوقف جميع الأعمال المتعلقة بحجز مياه النهر، وكم لوحت مرارًا بإمكانية اللجوء إلى خيار الحرب.

وفي خضم هذا النزاع بين البلدين، حظيت إثيوبيا بدعم من جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الأوروبي، في حين انحازت الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب مصر. ومع استمرار الحرب الكلامية بين الطرفين، اكتمل بناء السد في شهر سبتمبر 2025. ومع اكتمال إنشائه وعدم جفاف مياه النيل، تلاشت بالتالي الأسباب التي كانت تدفع نحو المواجهة من تلقاء نفسها.

لكن في الحقيقة لم تنتهِ القصة عند هذا الحد. فبعد أن اكتسبت إثيوبيا الثقة بعد إكمال المشروع، أعلنت أديس أبابا في صيف عام 2026 عن نيتها في بناء ثلاث محطات أخرى لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر النيل، مما أدى إلى تجدد الصراع مع مصر.

وقد صرّح وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، بقوله: “لن تسمح مصر ببناء سدود إضافية على نهر النيل”، مشدّدًا على أن القاهرة لن تسمح لأي طرف بالتحكم في تدفق مياه النيل إلى كل من مصر والسودان.

وصرح مصدر مصري مسؤول بأن بلاده تمتلك “وسائل عديدة وواسعة النطاق” للدفاع عن مصالحها في نهر النيل. (وقد جاء الرد المصري عبر تصريح نشرته الصحف المصرية منسوبًا لمصدر مسؤول، والذي أشار فيه إلى أن الدولة المصرية لديها “أدوات متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل، وأن مصر لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي طرف على تدفقات المياه لدول المصب”.)

وفي مسعى منها لمواجهة الضغوط المصرية – التي تمتلك قوة عسكرية معتبرة – أبرمت إثيوبيا اتفاقية عام 2024 مع كل من بوروندي ورواندا وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا، تتيح للدول المشاركة استخدام مياه النيل داخل أراضيها وفقًا لما تراه مناسبًا.

وفي الحقيقة، تشير هذه التطورات بوضوح إلى تراجع نفوذ القاهرة وقوتها في القارة الأفريقية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن النزاع حول مياه النيل يتداخل مع سلسلة أوسع من المواجهات في منطقة القرن الأفريقي والسودان، وهي مواجهات تشمل كلًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية الصين الشعبية، و”إسرائيل”، والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي ظل تزايد شعورها بالثقة في نفسها وحصولها على دعم من شركاء خارجيين، لا تكتفي إثيوبيا باستخدام مياه النيل دون التشاور مع مصر والسودان، بل تطالب أيضًا بالوصول إلى مياه البحر الأحمر، مما يعني عمليًا المطالبة بالحصول على أجزاء من الأراضي الإريترية التي فقدتها خلال صراع طويل الأمد مع إريتريا.

وعلى صعيد دولة السودان، قامت إثيوبيا باحتلال عدة مناطق حدودية، كما قدمت الدعم لقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. ونتيجة لذلك، توحّدت كل من مصر والسودان وإريتريا في مواجهة خصمهم المشترك. وتحظى هذه الدول أيضًا بدعم الحكومة الفيدرالية الصومالية التي تشهد علاقاتها مع أديس أبابا توترًا بسبب علاقات الأخيرة مع “صوماليلاند” الانفصالية.

وكانت مصر قد وقعت اتفاقية أمنية مع الصومال في عام 2024 وقدمت مساعدات عسكرية لمقديشو، وذلك ردًا على محاولات إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر إقليم أرض الصومال (أو ما يطلق عليه ’صوماليلاند‘).

المصدر: شبكة الجزيرة

ومن الجدير بالذكر هنا أن هناك قوات مصرية وإثيوبية على حد سواء متواجدة في الصومال؛ فمنذ عام 2006، دأبت القوات الإثيوبية على مساعدة الحكومة الفيدرالية في قتالها ضد حركة “الشباب” المتمردة والمتطرفة. وقد أدى ذلك إلى نشوء وضع متناقض، حيث تعمل دولتان تتنافسان على مياه النيل (مصر وإثيوبيا) في مسرح العمليات العسكرية ذاته في منطقة القرن الأفريقي.

ومع ذلك، فقد أشارت تقارير واردة من الصومال مؤخرًا إلى أن وحدات قتالية إثيوبية بدأت في مغادرة معسكراتها العسكرية في البلاد، ويبدو أن ذلك مرتبط بتعزيز التعاون العسكري بين مصر وإريتريا.

لقد اكتسبت دول القرن الأفريقي مؤخرًا أهمية متزايدة نظرًا لتحكُّمها في طرق بحرية ذات أهمية استراتيجية. وفي ديسمبر 2025، أعلنت “إسرائيل” رسميًا اعترفت بـ “صوماليلاند” (كدولة مستقلة)، مما أثار معارضة شديدة من كل من دولة الصومال والجمهورية التركية. وكانت أنقرة – التي تُعد واحدة من أهم الشركاء الأمنيين لمقديشو – قد وسّعت نطاق وجودها في الصومال من خلال التعاون العسكري، واتفاقيات الطاقة، ومشاريع التنقيب البحري المخطَّط لها، والاستعدادات الجارية لإنشاء ميناء فضائي على الأراضي الصومالية.

وفي نفس الوقت، احتدمت حدة المنافسة بين دول الخليج العربي ذاتها – ولا سيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة – سعيًا وراء تحقيق النفوذ في كل من الصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا.  حيث تضخ الإمارات موارد هائلة في السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، بينما تزداد السعودية تقاربًا مع مصر وتركيا والحكومة السودانية.

وقد أدت تلك التطورات إلى اندلاع صراعات محلية اجتاحت المنطقة بأسرها. ففي السودان تخوض الحكومة قتالًا ضد المتمردين (من ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات)، وتواجه إثيوبيا تمردًا من جانب قومية الأمهرة، في حين يقاتل الصومال جماعات “إسلامية” متطرفة ويسعى في الوقت نفسه لاستعادة السيطرة على منطقتي “صوماليلاند” و “بونتلاند” اللتين أعلنتا انفصالهما. كما تقف كل من أديس أبابا وأسمرة على حافة الحرب أيضًا.

وفي ظل هذه الظروف، فإنه من غير المرجح أن ترسل مصر قوات عسكرية إلى إثيوبيا أو أن تقوم بقصف السدود الإثيوبية. فمثل هذه الحرب تتطلب موارد مالية هائلة لا تمتلكها في الحقيقة القاهرة ببساطة.

أما السيناريو الأكثر واقعية فيتمثل في زيادة الدعم المصري لحكومات السودان وإريتريا والصومال، وتزويد جماعات متمردة في إثيوبيا بالسلاح، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع تركيا والسعودية، ومحاولة كسب تأييد الولايات المتحدة.

غير أن ذلك سيثير مقاومة من جانب الكتلة المؤيدة لإثيوبيا، تلك المدعومة من كل من “إسرائيل” ودولة الإمارات. ونتيجة لذلك، فقد يتصاعد الصراع حول مياه نهر النيل في نهاية المطاف ليتحول إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا. كل ما يلزم من أجل حدوث ذلك هو وجود ذريعة ما، حيث يمكن دائمًا العثور على مبررات للانخراط في ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى