ترجمات

تايمب: إعادة النظر في اللامبالاة السياسية لدى جيل زد في مصر

في الخامس والعشرين من أغسطس 2026، نشر مركز “تايمب” (The Tahrir Institute for Middle East Policy – TIMEP)  الأمريكي، وهو مؤسسة بحثية غير ربحية مقرها واشنطن دي سي، بعنوان: “إعادة النظر في مسألة اللامبالاة السياسية بين جيل زد في مصر”. يتناول كاتب المقال، وهو أحد المشاركين بالكتابة في مركز (TIMEP) ولكنه لم يذكر اسمه، كيف يمارس جيل الشباب في مصر التعبير السياسي عبر وسائل غير مباشرة ورقمية تتسم بالطابع الضمني، بدلاً من أشكال النشاط الميداني التقليدي في الشوارع.

يقول الكاتب إن  المصريين من أبناء “جيل زد” (أو الجيل الرقمي كما يسميه البعض) الذين نشأوا في أعقاب انتفاضة 25 يناير عام 2011 في مصر، يسعون إلى إيجاد صوتٍ يعبّر عنهم، بينما يتهمهم البعض باللامبالاة السياسية.

ويُقدَّر عدد أبناء “جيل زد” (Gen Z) في مصر (وهم الأشخاص الذين وُلدوا في الفترة ما بين عامي 1997 و2012 تقريباً) بنحو 19 مليون نسمة؛ وقد نشأ غالبيتهم في مرحلة الطفولة إبان الربيع العربي عام 2011، ثم بلغوا سن الرشد بعد عام 2013، ليواجهوا حملات قمع حكومية صارمة ومجالاً سياسياً منغلقاً.

وبحسب المقال، فإنه غالباً ما يصف المراقبون هذا الجيل بأنه يتسم باللامبالاة أو السلبية السياسية، نظراً لعدم انخراطه في عمليات الحشد بنفس الطريقة الظاهرة التي دأبت على اتباعها الأجيال السابقة.

لكن كاتب المقال، وهو من أبناء “جيل زد” (Gen Z)، يؤكد بأن هذا الجيل بعيد كل البعد عن اللامبالاة؛ إذ يمثل وعيه وبراعته الرقمية شكلاً متأصلاً ومتطوراً من أشكال الوعي السياسي. ويضيف أنه إذا ما فُتح المجال السياسي في المستقبل، فإن الترابط الفائق والخيال الاقتصادي لدى هذا الجيل قد يؤثران بقوة في مسار الحياة في مصر.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشره مركز The Tahrir Institute for Middle East Policy الأمريكي عن ضرورة إعادة النظر في الفكرة السائدة عن حالة اللامبالاة السياسية بين جيل زد في مصر، وذلك على النحو التالي:

إعادة النظر في اللامبالاة السياسية لدى جيل زد في مصر

عندما قرأتُ أن قوات الأمن المصرية قد ألقت القبض على أكثر من 50 شخصاً لمشاركتهم في مجموعة مناهضة للحكومة تعمل على الإنترنت، تبادر إلى ذهني على الفور ذلك الازدراء والامتهان الذي كثيراً ما يُوجَّه إلى أبناء جيلي في مصر – ما يُعرف بـ “جيل زد” (Gen Z) – بدعوى عزوفه عن السياسة تماماً.

في الحقيقة، آخر مرة سمعت فيها هذا الاتهام كانت من صديقي فريد، وذلك خلال زيارة لي إلى الوطن في وقت سابق من هذا العام. يميل فريد – وهو ناشط سابق تحول إلى العمل المصرفي – إلى لوم أبناء “جيل زد” (Gen Z) لعدم “حملهم شعلة” ثورة عام 2011 وإكمال المسيرة. ورغم أنه كان بإمكاني اعتبار كلامه هذا مجرد تجلٍ واضح لمظاهر الصراع المعتاد بين الأجيال، إلا أن فكرة أن جيلي في مصر يتسم بنزعة فردية مفرطة وقصر نظر، ويفتقر إلى الاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أصبحت بالفعل فكرة شديدة الشيوع والانتشار، سواء كان ذلك في الفضاء الإلكتروني أو في الواقع الملموس على الأرض.

لكن عمليات الاعتقال بحد ذاتها (لأكثر من 50 شخصاً لمشاركتهم في مجموعة مناهضة للحكومة تعمل على الإنترنت) تشير إلى خطأ وجهة نظر فريد؛ حيث لا يمكن أن يكون هؤلاء الأشخاص الخمسون قد اعتقلوا بسبب اللامبالاة. فقد استلهم هؤلاء تحركهم من مشاركة “جيل زد” (Gen Z) في حملات تقدمية وشعبوية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الحركات السياسية التي قادها هذا الجيل أيضاً في كل من المغرب ونيبال؛ حيث يُزعم أنهم كانوا أعضاء في مجموعة مصرية على الإنترنت تُدعى “Gen Z002″، نجحت في جمع أكثر من 300 ألف صوت إلكتروني تطالب بتغيير النظام في البلاد. ولم تكن هذه الأنباء دليلاً على أن العمل السياسي لم يمت في أوساط الشباب المصري فحسب، بل كشفت أيضاً عن الثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفعوه من أجل ممارسته.

يعيش أبناء “جيل زد” (Gen Z) في مصر – الذين يبلغ عددهم نحو 19 مليون نسمة – في الظل السياسي لأجيال أكبر سناً كانت في قلب أهم اضطرابات سياسية شهدتها البلاد منذ عقود، ألا وهو انتفاضة 25 يناير 2011، التي جاءت ضمن الحراك المعروف باسم “الربيع العربي”. ففي ذلك الوقت، كان معظمهم مجرد أطفال أو مراهقين صغار ولم يشاركوا في عمليات الحشد لتلك الانتفاضة؛ بل إنهم بلغوا سن الرشد في أعقاب إجهاضها عام 2013، حين قامت الدولة (أو بالأحرى النظام الحاكم) بإعادة فرض هيمنتها من خلال حملات قمع غير مسبوقة وإغلاق المجال السياسي في البلاد، حيث تم قمع الاحتجاجات بعنف وتم تقييد حرية التعبير بشدة وفرض ذلك على مختلف الأطياف الأيديولوجية.

على غرار معظم أبناء جيلي، كنتُ أصغر من أن أعيش حقاً مشاعر التمكين والنشوة التي صاحبت تلك الانتفاضات؛ إذ تشكّلت رؤيتي السياسية، بدلاً من ذلك، في أعقابها.”

وشأني شأن الكثيرين من أبناء “جيل زد” (Gen Z)، فإنني أحملُ في جعبتي ذكرياتٍ شخصية عميقة عن أحداث حراك الربيع العربي: الإطاحة بحسني مبارك، ومقتل معمر القذافي، وليالٍ لا حصر لها قضيتها وأنا أنصت في صمت لنقاشات عائلية كانت محتدمة حول الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات الدستورية. غير أنني – كغالبية أبناء جيلي – كنت أصغر من أن أعيش حقاً مشاعر التمكين والنشوة التي واكبت تلك الانتفاضات؛ إذ تشكّلت رؤيتي السياسية، بدلاً من ذلك، في ظل تداعياتها وما تلاها من أحداث.

ومع ذلك، لم تشكّل تلك التجربة جيلاً بأكمله على نحو موحّد وبنمط واحد؛ فقد تباينت الآراء والمواقف بشكل كبير تبعاً للفوارق الطبقية والتعليمية والجغرافية، وغيرها من أشكال الاختلاف. وقد لمستُ شخصياً ذلك بوضوح في التباين الكبير بين شقّي عائلتي في التعاطي مع التطورات السياسية؛ فجانب والدي – المنحدر من القاهرة – كان ينظر إلى الأمور من منظور أكثر “ليبرالية”، مُبدياً تعاطفاً أكبر مع القيم العالمية والحريات الشخصية، في حين كان جانب والدتي – الذي تعود جذوره إلى ريف دلتا النيل – متمسكاً بقناعات دينية واجتماعية وسياسية تقليدية راسخة. لقد أتاح لي نشوئي في كنف عائلة شارك العديد من أفرادها في الثورة من منطلقات أيديولوجية متباينة أن أدرك، منذ سن مبكرة، مدى اتساع وتنوّع الأحلام والطموحات التي كانت المحرّك الأساسي لثورة عام 2011.

وقد شهدتُ – شأني في ذلك شأن بقية أبناء “جيل زد” (Gen Z) – تلاشي تلك الأحلام وسط حالة من الإغلاق الشامل للمجال السياسي في مصر (بعد الانقلاب الذي وقع على الحكومة المنتخبة في 2013). فقد أعادت الآلة الإعلامية الخاضعة لسيطرة الدولة (أو السلطة الحاكمة) صياغة قصة الثورة لتُصوِّرها على أنها كانت مجرد مرحلة من عدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي، في حين تلاشت الإشارات إليها تدريجياً من الأعمال الأدبية والفنية والمظاهر العامة. وتحولت الذاكرة الجماعية للانتفاضات العربية لتركز – بدلاً من المطالبة بـ “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” – على مشاهد العنف والفوضى؛ إذ أصبحت النقاشات العائلية، وكذلك الحوارات على منصات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون، تتخذ موقفاً عدائياً تجاه الثورة (التي طالما تغنوا بها من قبل). لقد أصبحت الثورة (25 يناير) “كبش الفداء” الذي تُلقى عليه مسؤولية كل مشكلة اقتصادية أو سياسية، بينما غُيِّبت عن المشهد تماماً الحسابات الخاطئة المستمرة التي ارتكبها أصحاب السلطة.

ومما زاد الأمر تعقيداً أننا درسنا في المدارس والجامعات جنباً إلى جنب مع مئات الآلاف من الطلاب السوريين والليبيين والسودانيين الذين تم تهجيرهم من بلادهم جراء الصراعات وحالة عدم الاستقرار التي أعقبت الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في بلدانهم. وقد رسّخت تلك التجارب – إلى جانب القمع والدعاية – الوصمةَ المرتبطة بالثورة وبالحراك السياسي على نطاق أوسع.

ولكن، هل يعني ذلك أن أبناء “جيل زد” (Gen Z) في مصر يفتقرون إلى الاهتمام بالسياسة؟ إن مثل هذه المزاعم تخلط بين غياب الحيز السياسي وغياب الإرادة السياسية؛ فذلك الجيل الذي قاد أحداث الربيع العربي كان قد كوّن وعيه السياسي في منتصف العقد الأول من الألفية، في ظل ظروف كانت لا تزال تتيح المجال لحركات احتجاجية – مثل حركة “كفاية” وحركة “شباب 6 أبريل” – فضلاً عن التنظيمات العمالية والتدوين والمعارضة العلنية.

قال عبد الله ناصف، المحلل السياسي المصري ومقدم “بودكاست التحرير“: “لقد عاصر الكثير من أبناء ’جيل زد‘ (Gen Z) في مصر كيف قوبلت السياسة الثورية في نهاية المطاف بقبضة من حديد؛ ونتيجة لذلك، يحاول الكثيرون منهم بالفطرة والسليقة تجنب أي شيء قد يؤدي إلى النتيجة ذاتها”.

وتتلخص الديناميكية التي يصفها ناصف في منطق بسيط مفاده: لماذا تخاطر بحياتك ومصدر رزقك من أجل استراتيجية سياسية فشلت في تحقيق أهدافها، حتى في الوقت الذي كانت تتوفر فيه بيئة سياسية منفتحة نسبياً؟

“وبدلاً من ذلك، سعى الكثيرون من أبناء جيلي إلى الانخراط في القضايا السياسية والاقتصادية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون تكبّد الثمن – الذي قد يكون مدمِّراً – للسياسة الثورية.”

وفي حين تظهر بين الحين والآخر حركاتٌ – مثل مجموعة “Gen Z002” – فسرعان ما يتم قمعها بوحشية عن طريق السلطة، فقد آثر كثيرون من أبناء جيلي الانخراط في القضايا السياسية والاقتصادية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تجنباً لدفع الثمن الباهظ – وربما المدمر – الذي تفرضه السياسات الثورية.

ومن الأمثلة على ذلك قيادة أبناء “جيل زد” (Gen Z) في مصر لحملات مقاطعة واسعة النطاق احتجاجاً على الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة؛ إذ استهدفت هذه الحملات شركات يُنظر إليها على أنها ترتبط بعلاقات مباشرة مع إسرائيل، مع دعوة المصريين في الوقت ذاته إلى استخدام بدائل محلية. وقد ساهم ذلك في زيادة كبيرة في مبيعات علامات تجارية مصرية، مثل مشروب “سبيرو سباتس” (Spiro Spathis) الغازي. ورغم أن المقاطعة الاقتصادية ليست أمراً جديداً في التاريخ السياسي المصري، إلا أن دور هذا الجيل في إحيائها والترويج الناجح للبدائل المصرية بدلاً من العلامات التجارية العالمية يعكس الوعي السياسي الذي يتمتع به هذا الجيل.

وفي الوقت نفسه، أصبح هذا الجيل واعياً تماماً للانقسامات الطبقية التي تشكل واقعه. لقد ظهر تمييز شائع على الإنترنت بين “إيجيبت” (ُEgypt) و “مَصْر” (Masr) – الاسم العربي للبلاد. إذ تستحضر كلمة “إيجيبت” طبقة فاحشة الثراء تتباهى بمجتمعاتها المحاطة بأسوار، ومدارسها الخاصة، وقضاء فصل الصيف في الساحل الشمالي على الإنترنت. أما “مَصْر” فتشير إلى جميع الآخرين: أولئك الذين يعانون من ارتفاع الأسعار، ويعيشون في أحياء مهملة، ويعتمدون على وسائل النقل العام. لقد أصبح هذا الاقتران (فيما يخص كل مصطلح وارتباطه بالمعنى الخاص به) لغة عامية لوصف الفجوة الاجتماعية الآخذة في الاتساع في البلاد وشيوع عدم المساواة في الوصول إلى الكرامة، وحرية التنقل، والأمان. وقد عززت منصات مثل إكس X و تيك توك TikTok هذا الوعي من خلال عرض أنماط حياة النخبة والصعوبات الاقتصادية اليومية في نفس المحتوى. وفي عمل من أعمال التعبير السياسي الهادئ، سجل جيل زد (Gen Z) إحباطه بشكل غير مباشر، من خلال الصور الساخرة والتعليقات التي تسخر من النزعة الاستهلاكية والهراء المرتبطين بـ “إيجيبت”.

إن هذا المستوى من الوعي والنشاط المبطّن (غير المباشر) من جانب جيل زد (Gen Z) إنما يحمل طابعاً سياسياً في جوهره، ويكشف عن قدرة هذا الجيل على التكيّف والتحوّل والتي غالباً ما يستهين بها المشكّكون. لذلك، فإنه سيكون من الخطأ الشديد اعتبار هذا الجيل جيلاً سلبياً. فإذا ما أُتيحت مساحة سياسية أوسع، فإن ما يتمتع به هذا الجيل من مرونة مكتسَبة، وترابط فائق، وخيال اقتصادي، قد يدفعه إلى القيام بدور مهم في مستقبل مصر السياسي والاقتصادي.

أما أنا، ففي المرة القادمة التي يثير فيها فريد – صديقي الناشط – موضوع تلك “الشعلة” التي يريد من جيلي أن يحملها، فستكون إجابتي عليه جاهزة: “ارفقوا بجيلنا؛ فقد يختلف أسلوبنا السياسي عن أسلوب شباب الربيع العربي في حينه، لكننا جميعاً نلعب في الفريق نفسه”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى