إصداراتغير مصنف

الحالة الثقافية والفكرية في مصر في 2025م

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

تتسم الحالة الثقافية في أي مجتمع بأنها حصيلة تفاعل مركب بين عوامل داخلية وخارجية، تاريخية ومعاصرة. ولفهم المشهد المصري في 2025م، لا بد من وضع هذا العام في سياقه التاريخي الأوسع، الذي شهد تحولات جذرية على مدار العقد الماضي. فقد مرت مصر بمرحلة اضطراب سياسي بعد 2011م، تلتها مرحلة إعادة تأسيس لدور الدولة المركزية بعد 2013م، مع التركيز على ملفات الأمن والاستقرار وإعادة البناء الاقتصادي.

في هذا الإطار، بدأت الثقافة تحتل مكانًا متزايد الأهمية في الخطاب الرسمي، ليس فقط كمجال للترفيه أو الهُويَّة، ولكن كأداة للقوة الناعمة ووسيلة لجذب الاستثمارات وتعزيز الصورة الدولية.

يَعتمد هذا التقرير على منهجية تحليلية نقدية متعددة المستويات:

  • مستوى تحليل الخطاب: بتحليل الخطاب الرسمي الصادر عن وزارة الثقافة والمؤسسات التابعة لها، والخطاب الإعلامي المصاحب للأحداث الكبرى.
  • مستوى تحليل الممارسات والمخرجات: بدراسة نماذج من المنتجات الثقافية البارزة في مجالات مختلفة (الدراما، الأدب، الفنون) لفهم القضايا التي تشغل بال المبدعين والجمهور.
  • مستوى رصد التفاعل الاجتماعي: بالاعتماد على رصد حوارات الرأي العام حول القضايا الثقافية على وسائل التواصل الاجتماعي، كمؤشر على تلقي وتمثل الجمهور لهذه القضايا.

يَهدِف هذا التقرير، من خلال هذا الإطار، إلى تقديم صورة بانورامية لا تكتفي بالوصف، بل تسعى للتحليل والفهم والتقييم، سعيًا للإسهام في نقاش جاد حول مستقبل الثقافة في مصر.

أولًا: السياسات الثقافية العامة

شهد عام 2025م استمرارًا لسياسات ثقافية تركز على مفهوم “الدولة القوية” ذات الرؤية الأحادية الطموحة. ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه السياسات في المحاور التالية:

1 – التركيز على المشاريع القومية الكبرى:

كانت الأولوية القصوى موجَّهة نحو إنهاء وافتتاح المشاريع الضخمة التي بدأت منذ سنوات، باعتبارها “شواهد مادية” على عظمة الدولة وقدرتها على الإنجاز. يتصدر هذه القائمة:

  • المتحف المصري الكبير: هذا المشروع ليس مجرد متحف، بل هو مشروع قومي يحمل دلالات سياسية واقتصادية وهُويَّاتية. تمَّ تمويله بمساعدات وقروض خارجية ضخمة (خاصَّة من اليابان عبر الوكالة الدولية للتعاون الدولي – JICA)، وتمَّت تغطيته في الإعلام العالمي كحدث استثنائي. سياسة الدولة هنا واضحة: الاستثمار في “التراث المادي” الفرعوني كأصل قومي يُدر عائدًا اقتصاديًّا عبر السياحة، ويُعزِّز الصورة الدولية([1]).
  • تطوير محيط الأهرامات والمناطق الأثرية: استكمالًا لهذا النهج، استمرت مشاريع التطوير الضخمة حول المناطق الأثرية لتحويلها إلى “منتجات سياحية” متكاملة، مع إزالة المناطق السكنية العشوائية المجاورة، في عملية تخلط بين التطوير الحضري والسياحة الثقافية وإعادة رسم الذاكرة المكانية([2]).

2 – خطاب “التجديد الثقافي” و”مواجهة “التطرف”:

تكرر في الخطاب الرسمي للدولة ربط الثقافة بمحاربة ما يوصف من جانبها بالتطرف الفكري. فعلى صعيد التعاون مع المؤسسة الدينية، وَقَّع وزير الثقافة، أحمد هنو، ومفتي الجمهورية نظير محمد عيَّاد، في أكتوبر 2025م، بروتوكول تعاون بين المؤسستين لمواجهة ما يَعتبرانه أفكارًا متطرفة. وفي العديد من تصريحات مسؤولي الوزارة، تمَّ تقديم الفعاليات الثقافية والفنية كـ”سلاح ناعم” في مواجهة ما يرون أنه من الأفكار المتشددة.

هذا التكرار يُعطي المشروعية السياسية للنشاط الثقافي، ويوجهه لخدمة أجندة أمنية فكرية، حيث أصبح دور الثقافة “التهذيب” و”التصحيح” بدلًا من التنوير والتساؤل الحر([3]).

3 – سياسات الرقمنة كشعار حديث:

أصبح “التحول الرقمي” شعارًا رئيسيًّا ترفعه وزارة الثقافة المصرية، وهو ما تم ترجمته في التوجهات التالية:

  • دعم مشاريع رقمنة التراث في دار الكتب المصرية
  • الدعوة لتطوير مواقع إلكترونية للمؤسسات الثقافية التابعة للدولة
  • التشجيع على نشر المحتوى الثقافي عبر المنصات

لكن هذه السياسة بقيت في معظمها على مستوى البنية التحتية التقنية، دون تطوير استراتيجية ثقافية رقمية شاملة تتناول قضايا المحتوى التفاعلي، والمواطنة الرقمية، وإدماج الجماهير في الإنتاج، وحقوق المبدعين([4]).

تقييم السياسات

يمكن القول إن السياسة الثقافية الرسمية في 2025م كانت “استعراضية” و”خارجية التوجُّه” إلى حد كبير؛ فقد استهدفت العالم الخارجي أكثر من استهدافها المواطن المصري البسيط في قريته أو في شارعه أو في حارته. لقد نجحت في إنتاج “أيقونات” ثقافية ضخمة، لكنها أخفقت في بناء “نسيج” ثقافي يومي حيوي ومتنوع يلامس حياة الناس ويطور ذائقتهم ويحقق العدالة الثقافية بين المركز والأطراف.

ثانيًا: تسييس الثقافة وصراع الهُويَّة 

يمثل صراع الهُويَّة العصب المركزي للحالة الفكرية المصرية في 2025م؛ فهو ليس نقاشًا أكاديميًّا مجردًا، بل معركة رمزية تحددها القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة، وتتجلى في السياسات والممارسات اليومية.

1 – تعزيز الهُويَّة الفرعونية كخيار رسمي:

  • الاستثمار المادي والرمزي: قامت الدولة بضخ موارد هائلة في المشاريع المرتبطة بالحضارة الفرعونية (المتاحف، الترميم، الترويج الإعلامي العالمي)، ما يجعل منها “الحضارة الأم” في الموقف الرسمي المعروض. ومِن ثمَّ يمكن أن يتم ترسيخها في العقل الجمعي المصري كهُويَّة أحادية([5]).
  • الخطاب الإعلامي المصاحب: في تغطية افتتاح المتحف المصري الكبير، تمَّ التركيز على مصطلحات مثل “أم الدنيا”، “أقدم حضارة”، “معجزة العصر”، مما يخلق سردية تفوق حصرية للحضارة الفرعونية، ونادرًا ما كان يتم ربط هذه الحضارة بالطبقات الحضارية اللاحقة بشكل متوازن([6]).
  • النقد الديني وكبحه: موقف الشيخ مصطفى العدوي، ومِن قبله اعتقال شاب قرأ آيات عن فرعون وجنوده في المتحف، لم يكن بمعزل عن حديث الهُويَّة، بل عَبَّر عن رأي شريحة مصرية واسعة ترى في التماثيل الفرعونية “أصنامًا”، وفي الحضارة الفرعونية مثالًا للطغيان. لكن رَدَّ الدولة العنيف بالاعتقال أراد إرسال رسالة واضحة بأن النقد الموجَّه لهذا التوجه الهُويَّاتي خط أحمر غير مسموح بتجاوزه. وهذا يُحوِّل الهُويَّة من موضوع للحوار إلى عقيدة رسمية مفروضة([7]).

2 – الهوية العربية الإسلامية.. وجود شعبي وغياب رسمي نسبي:

  • القوة في الوجدان الشعبي: رغم التراجع الرسمي، يَظل الانتماء العربي والإسلامي راسخًا في وجدان قطاع عريض من المصريّين، وذلك عبر اللغة، والدين، والعادات، والذاكرة التاريخية المشتركة (مثل انتصارات صلاح الدين وقطز). كما أن الخطاب الديني الوعظي لا يزال الأكثر انتشارًا وتأثيرًا على المستوى الشعبي.
  • التهميش الرسمي: لم تحظ المشاريع المرتبطة بالتراث الإسلامي أو العربي بنفس حجم الإنفاق الحكومي المصري أو الاهتمام الإعلامي العالمي. فمشروع ترميم مسجد الإمام الحسين أو شارع المُعِز، رغم أهميته، يُقدَّم في إطار “التراث الإسلامي” المحلي، وليس كرمز قومي على مستوى الأهرامات والآثار الفرعونية([8]).
  • الاستخدام الانتقائي: تستخدم الدولة الرموز الإسلامية عندما تخدم أغراضًا سياسية، مثل التأكيد على خطاب “الوسطية” و”محاربة التطرف”، لكنها تتجنب الرموز التي قد تُذكِّر بتيارات إسلامية معارضة (كالإخوان المسلمين)([9]).

تقييم السياسات

أدَّت السياسات الثقافية للدولة إلى نشوء حالة من صراع الهُويَّة لدى المواطن المصري الذي أصبح يعيش في 2025م حالة من الازدواجية الهُويَّاتية، بين هُويَّة رسمية تقدم له في المدرسة والإعلام الرسمي على أنها “فرعونية” متفردة، وهُويَّة شعبية ودينية يعيشها في بيته ومسجده وتاريخه العائلي وهي الهُويَّة العربية الإسلامية. هذا الانقسام لا يؤدي فقط إلى نوع من الحيرة لدى المواطن، بل يُغذي أيضًا الاستقطاب، حيث يشعر كل طرف أن هُويَّته تتعرَّض للتهميش أو الهجوم من الطرف الآخر.

ثالثًا: أزمة المؤسسات الثقافية التقليدية.. التشخيص والبدائل

تُعَد أزمة المؤسسات الثقافية الراسخة من أعمق الإشكاليات البنيوية في المشهد الثقافي المصري. ويمكن تشخيص هذه الأزمة في مؤسستين رئيستين، هما المجلس الأعلى للثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة:

1 – المجلس الأعلى للثقافة:

في عام 1982م، استقلت وزارة الثقافة المصرية بذاتها، لتصبح وزارة منفردة وغير ملحقة بأي وزارة أخرى كالتعليم العالي أو الإعلام كما كان يحدث سابقًا، وعُيّن لها وزير مختص هو الأستاذ محمد عبد الحميد رضوان([10]).

سبق هذا الاستقلال إنشاء المجلس الأعلى للثقافة، بقرار جمهوري رقم 150 لسنة 1980م، وصدرت اللائحة الداخلية للمجلس بموجب قرار وزير الدولة للثقافة لسنة 1982م، وتتمثل أهدافه في: تيسير سُبُل الثقافة للشعب وربطها بالقِيِم الروحية، وذلك لتعميق ديمقراطية الثقافة والوصول بها إلى أوسع قطاعات الجماهير مع تنمية المواهب في شتى مجالات الثقافة والفنون والآداب، وإحياء التراث القديم، وإطلاع الجماهير على ثمرات المعرفة الإنسانية، وتأكيد قِيَم المجتمع الدينية والروحية والخلقية.

بعد الثالث من يوليو 2013م، بدأت مظاهر الأزمة في المؤسسات الثقافية، وتأثر المجلس بالحالة العامة للبلاد، لتصل الأزمة إلى ذروتها في عام 2025م، بعدما أصيب المجلس بحالة من التكلس والجمود وتحوَّلت العضوية واللجان إلى كيانات شبه دائمة، تتكرر فيها الأسماء منذ سنوات، مما أفقدها الدماء الجديدة والأفكار الإبداعية، حيث تقام الندوات الشكلية التي تتكرر فيها الأسماء ولا يحضرها إلَّا قِلَّة قليلة.

والأسوأ أن المجلس تحوَّل إلى ساحة للمحسوبية، فيكفي أن نراجع أسماء المشاركين في الندوات وأعضاء اللجان لنجد أنها لم تتغير منذ عشرة أعوام. وللبرهنة على ذلك، يكفينا مثال واحد، وهو حصول الكاتب عبد الرحيم كمال على جائزة الدولة التقديرية لعام 2025م، رغم شغله لمنصب مساعد وزير الثقافة([11]).

2 – الهيئة العامة لقصور الثقافة:

في هذا العام تعرَّضت قصور الثقافة في مصر إلى تهديدات بالغلق وإنهاء دورها للتخلُّص من أعبائها المادية، وتأتي تلك التهديدات في ظِل معاناة تلك القصور من مشكلات متفاقمة أفقدتها تأثيرها وتواصلها مع الجماهير في المحافظات المختلفة، فضلًا عن افتقارها إلى آليَّات التواصل الحديثة مع جيل زد وما بعده من أجيال الشباب التي لا يتم الوصول إليها إلَّا عبر مواقع الإنترنت ومنصات التواصل الإجتماعي، ولم تعد الإمكانيات الضخمة ولا الانتشار الجغرافي من الأمور الكافية لجذب هذه الشريحة من الجمهور([12]).

ضعف قصور الثقافة وقِلَّة إقبال الجمهور عليها أدَّى إلى نشوب أزمة في مايو 2025م بين وزارة الثقافة – التي قررت أن تراجع مواقع قصور الثقافة ومكتباتها وإخلاء عدد كبير منها بدعوى تحديثها وإيجاد بدائل متطورة – وبين عددٍ من المثقفين الذين اعترضوا على ما يرونه التفافًا حكوميًّا لتصفية الهيئة والتخلُّص منها بسبب ما يعانيه الاقتصاد المصري([13]).

تُمثِّل الهيئة إرثًا لنموذج “الثقافة الموجَّهة للجماهير” في عهد الاشتراكية الناصرية، هدفها الأساسي كان “توجيه الوعي القومي” ونشر الثقافة الاشتراكية في الأرياف والمناطق النائية عبر شبكة جغرافية واسعة من القصور والبيوت الثقافية، بكل ما يحمله ذلك الإرث من فساد إداري وشعارات خطابية، وإغراق في الروتين الوظيفي وعدم قدرة على ملاحقة المتغيرات التي يشهدها العالم في مجالات التواصل والثورة التقنية والمعلوماتية([14]).

خلَّف القرار جدلًا بين مجموعات تنتمي للحقبة الناصرية، وبعضها مستفيد من الوضع الحالي. هذه المجموعات تحاول الإبقاء على هذه القصور كما هي وعدم الاقتراب منها، مؤكدة أن اعتراضها بسبب عدم وجود مشروعات بديلة لدى وزارة الثقافة، وأن ما تزعمه الوزارة من تطوير هي عاجزة عن تنفيذه، فهي عاجزة عن تقديم الخدمة وتقديم الاستثمارات، ويجب عليها عدم التفريط في مواقع هذه القصور ووضع خطة لتشغيلها بدلًا من غلقها.

أما المؤيدون لقرار الوزارة فيرون أن هذه القصور غير ذات فائدة، وأنها تُدار لصالح “مافيا” ثقافية مستفيدة منها، ويَغلب على نشاطاتها المجاملات دون تقديم خدمة ثقافية حقيقية للجمهور، وهؤلاء الفاسدون يجب إنهاء عملهم وليس ترويضهم، ويمكن الاستفادة من الأموال المهدرة في مشروع كبير يستفيد منه أهالي المنطقة التي يقع فيها قصر الثقافة بعد إغلاقه([15]).

تقييم السياسات

لماذا فشلت المؤسستان (المجلس الأعلى للثقافة وهيئة قصور الثقافة)؟ العامل الأول الذي أدَّى إلى فشل المؤسستين يَرجع إلى تشابه الأدوار بينهما، فضلًا عن غياب المساءلة والمحاسبة، فالمتابع لأنشطة كل مؤسسة سيجد أن الأداء في كل منهما لا يُقاس بمعايير كمية أو نوعية واضحة، فلا توجد مراجعة لأعداد المستفيدين من النشاط، أو جودة البرامج وقدرتها على الجذب للشرائح المستهدفة، ولا قياس للأثر المجتمعي الناتج عنها.

فضلًا عن ذلك، تُمثِّل التبعية الكاملة لكل من المجلس والهيئة لوزارة الثقافة عائقًا يفقدهما الاستقلالية الفكرية والمالية، الأمر الذي جعلهما مجرد أذرع تنفيذية باهتة للسياسات الآنية للوزارة دون قدرة على المبادرة أو النقد.

أضف إلى ذلك فشل كل منهما في مسايرة الثورة الرقمية وتطوير استراتيجية رقمية جادة تجعل من المقرات نقاط اتصال فعلية بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي وتُنتِج محتوى رقميًّا جذابًا. 

هذا الخلل المؤسسي أدَّى إلى صعود قوى جديدة ومنصات رقمية راحت تُنتِج وتُوزِّع محتوى ثقافيًّا (مسلسلات وأفلام وبرامج) بجودة عالية، وتصل لقطاعات عريضة من الشرائح المختلفة، ووَجَد الشباب في المبادرات المستقلة من معارض فنية صغيرة، ونوادٍ للقراءة، وورش مسرحية، مساحات عمل مشتركة للمبدعين، راحت تعمل بحيوية ومرونة رغم ضعف التمويل وعدم الاعتراف الرسمي بها في أحيان كثيرة.

رابعًا: الرقمنة والتحوُّل التكنولوجي.. استراتيجيات وإشكاليات

يمثل عام 2025م ذروة التحوُّل الرقمي في الثقافة المصرية، لكنه تحوُّل غير متكافئ، يحمل وجهًا مشرقًا وآخر مظلمًا. يأتي الوجه المشرق بداية في الإعلان عن مشروع رقمنة التراث الوطني بقيادة دار الكتب والوثائق المصرية، باستخدام ماكينات متطورة للتصفح الحراري والترميم، وإنشاء استديوهات رقمنة متخصصة بهدف جعل التراث في متناول الباحثين والمهتمين عالميًّا والمساهمة في الحضارة الرقمية العالمية، والإعلان عن رقمنة 3.9 مليون لقطة (مخطوطات وكتب نادرة وخرائط وصور ومواد صوتية) وهو إنجاز تقني يَحفظ ذاكرة الأمة من التلف([16]).

الوجه الآخر المشرق في الرقمنة هو صعود المنصات الرقمية لكسر الاحتكار التقليدي لإنتاج وتوزيع الفضائيات للدراما؛ فمنصات مثل “شاهد” و”واتش إت” استطاعت منافسة الفضائيات في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ووَفرت للجمهور مساحة للمتابعة طوال العام خارج الموسم الرمضاني، ووَصَلت لشرائح شبابية عريضة من المشتركين، كما تنوعت في مضامينها، وأتاحت مساحة لمعالجة قضايا حساسة([17]).

أما الجانب المظلم في التحوُّل الرقمي فيتمثل في التحديات والإشكاليات التي تواجه هذا التحوُّل، ويأتي في مقدمتها الفجوة الجغرافية التي تركز البنية التحتية للإنترنت عالي السرعة في القاهرة وبعض المدن الكبرى، بينما تعاني المحافظات والمناطق الريفية من الخدمات الرديئة، هذا فضلًا عن الفجوة الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من دفع اشتراك شهري لمنصة رقمية، وتوفر وقت للتعلم الرقمي، من الأمور المتاحة للطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة والعليا في المدن فقط، مما يَعنِي حرمان ملايين المصريّين من”الثقافة الرقمية”. الأسوأ من كل هذا هو احتكار الشركة المصرية للاتصالات، وهي شركة حكومية، للبنية التحتية لشبكات الإنترنت([18]).

الإشكالية الثانية في التحوُّل الرقمي تتمثل في معضلة حقوق الملكية الفكرية، فالانتهاكات الرقمية متعددة الأوجه، مِن سهولة نسخ ونشر الكتب إلكترونيًّا، إلى سرقات الأفلام والأغاني وترويجها دون إذن المؤلف والمنتج. كل هذه الأمور تهدد المبدعين، وتدمر مصدر رزقهم، خصوصًا المستقلين منهم. ولا تزال القوانين المصرية مليئة بالفجوات التي تجعلها عاجزة عن ملاحقة سرعة التطور التقني، مما يجعل تلك الانتهاكات شبه مأمونة العواقب بالنسبة لمَن يقوم بها([19]).

والسؤال الذي يطرح نفسه ضمن هذه الفوضى المرقمنة، هو: ما الفائدة التي يمكن أن نرجوها من رقمنة مليون مخطوطة أو أكثر دون تطوير برامج تعليمية مدرسية تستفيد منها، أو معارض افتراضية تفاعلية تسمح للجمهور باستكشافها؟ إن الرقمنة في هذه الحالة وبهذا الشكل قد تظل مشروعًا تقنيًّا بحتًا، لا مشروعًا ثقافيًّا تنويريًّا.

تقييم السياسات

المتابع لعملية التحول الرقمي يلمس وجود حالة من غياب رؤية استراتيجية رقمية ثقافية واضحة وشاملة، وهو ما يجب أن تتجاوز سياسة الرقمنة التي ما زالت في طور الحفظ والتخزين لتتحول إلى ما يلي:

  • الشمولية: فيجب وضع خطة عاجلة لسد الفجوة الرقمية، عبر توفير إنترنت مجاني أو مدعوم في المكتبات العامة والمدارس، وتوزيع أجهزة لوحية ميسورة التكلفة.
  • التفاعلية: تحويل الأرشيف الرقمي إلى منصات تعليمية وتثقيفية تفاعلية، تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز لإحياء التاريخ.
  • حماية المبدع: تشريع قوانين رادعة لحماية الملكية الفكرية الرقمية، وتوعية الجمهور بضرورة احترام حقوق المؤلفين.
  • الإبداع الرقمي الأصلي: تشجيع إنتاج أعمال فنية وأدبية مصممة خصيصًا للبيئة الرقمية، وليس مجرد نقل الأعمال التقليدية.

خامسًا: الممارسات الثقافية المتخصصة

الدراما والسينما بين التعبير والتوجيه

ظلت الدراما التلفزيونية، سواء في رمضان أو على المنصات، المرآة الأكثر وضوحًا للتوتر بين الرغبة في التعبير عن الواقع وبين ضغوط التوجيه الرسمي.

شاركت الدراما المصرية في 2025م الدولة في توجهاتها، بَدَا ذلك واضحًا بشكل كبير في آخر إنتاج لشبكة “واتش إت”، وهو مسلسل “كارثة طبيعية”، ذلك العمل الذي طرح قضية شاب من الطبقة المتوسطة التي تمَّ سحقها في ظِل متغيرات مجتمعية ازدادت حدتها بعد يونيو 2013م.

ظاهريًّا، لامس المسلسل عصبًا حساسًا في المجتمع المصري، وهو الخوف من الإنجاب بسبب التكاليف الباهظة للمعيشة، فحوَّل أزمة اقتصادية مُجرَّدة إلى قصة إنسانية مؤثرة، وجَسَّد معاناة الطبقة المتوسطة المطحونة في إطار كوميدي اجتماعي.

تدور الأحداث حول شخصية الشاب “محمد شعبان” من الطبقة البسيطة، والذي يتزوج حديثًا ويسعى لتأمين احتياجات أسرته وبناء مستقبله رغم الظروف الاقتصادية الصعبة. ولكن حياته تنقلب رأسًا على عقب حين يكتشف أن زوجته حامل في 5 توائم دفعة واحدة، لتبدأ سلسلة من المواقف الطريفة والمفارقات التي تعكس واقع الكثير من الأسر المصرية وما تواجهه من تحديات يومية([20]).

فكرة إنجاب الأطفال في الأوضاع الاقتصادية السيئة، وتأمين حياتهم، ومقولة “رزقة العيال بتيجي معاهم” قد سمعناها ورأيناها كثيرًا في المسلسلات والأفلام، ولكن هنا، وما يجعل هذا المسلسل متفردًا برأيي هو: عنصر المبالغة والفنان محمد سلَّام – الذي لعب دور الشاب – نفسه([21]).

لم يَنسَ المسلسل في النهاية تصدير رسالة أن الزواج والإنجاب مشكلتك وحدك، وعليك أن تحلها بطريقتك، لكننا لن نقوم بحلها لك، حتى لو كان العدد جاء نتيجة قدر أو كما أسموه “كارثة طبيعية”، فمحمد شعبان الأب في الحلقة العاشرة يذهب لبيع كليته بعد أن عرض مشكلته على إحدى الفضائيات ولم يجد من يسمعه، ولكن اتصالًا من مكتب وزير التضامن يجعله يهرب قبل أن تُجرى له العملية، ليذهب لمقابلة الوزير. المقابلة توحي بحل من جانب الدولة، لكن قبل أن يقوم الوزير بتوقيع قرار كفالة أطفال محمد تتم إقالته، وينتهي المسلسل نهاية مفتوحة، ومحمد وزوجته يبحثان عن حل في ظِل ظروف خانقة([22]).

خالف الفنان محمد سلَّام كل ما نراه من أعمال سابقة، كانت تعتمد إمَّا على ثقافة “الكمباوند” أو “البلطجة” في مصر، حيث قدم شخصية تشبه كل مصري، وتشبه الحالة المصرية ككل، وهو ما يشتاق إليه الجمهور ويبحث عنه، خاصَّة أن السينما والدراما في الآونة الأخيرة بدأت تُقدِّم عوالم لا أساس لها في الواقع، وبالتالي تُقدِّم “مبالغة”.

لقد تميز المشهد الدرامي في العام المنقضي وبعيدًا عن المسلسل المذكور باتساع الرقعة بعد دخول المنصات الإلكترونية عالم الإنتاج الفني، فأحدث تطورًا ملحوظًا لا تخطئه العين، رافقه تصاعد قوة هذه المؤسسات. وقد أسهم وجودها في مواصلة الآلة الإنتاجية واستمرارها في تقديم الأعمال الدرامية على مدار العام، بعد أن كان الأمر محصورًا على النطاق الرمضاني الضيق نسبيًّا، فقد زادت هذه الوفرة مساحات العرض والطلب، وكذلك حجم إنتاج هذه المسلسلات التلفزيونية، مقارنة بالإنتاج السينمائي، المتأثر عكسيًّا من هذا الفيض.

يُذكَر أن موسم رمضان 2025م كان قد أثار غضب الجماهير لسوء مستوى الدراما المصرية ولبُعدِها عن طبيعة الشعب المصري وترويجها للعنف والبلطجة والعري، مما حَدَا بالسيسي أن يوجه تحذيرًا في أحد لقاءاته بقيادات من الجيش من هذا الأمر، ويُوجِّه دعوة لشركات الإنتاج بضرورة إنتاج أعمال دات محتوى إيجابي([23]).

تقييم السياسات

يَظهَر تدخل الدولة المصرية في مسار الإنتاج الدرامي في ظهور السيسي في أكثر من لقاء يتحدث  فيه عن عدم رضاه عن المنتج الدرامي، ففي أكاديمية الشرطة، في نوفمبر 2025م، تحدث عن أثر الدراما على الأسرة المصرية وزيادة نسب الطلاق. وفي لقاء المرأة المصرية والأم المثالية، في مارس 2025م، حذر السيسي من ضعف المنتج الدرامي، وقبلها كانت الدولة قد أنشأت الشركة المتحدة للإنتاح الفني (شركة تابعة للمخابرات المصرية). كل هذه التصرفات من الدولة تؤثر على الحالة الإبداعية وتجعل من العاملين في مجال الفن والإنتاج الفني منفذين للتوجهات الخاصَّة بالدولة وتخلق حالة من الرقابة الذاتية لدى المُبدِع والمُنتِج ليتفادى المَنْع أو العقاب.

سادسًا: المشهد الأدبي والنقدي.. تيارات التجديد ومقاومة السوق

1 – الفعاليات والجوائز:

تميز المشهد الأدبي في 2025م بالتناقض بين الإزدهار الشكلي في عدد الإصدارات الأدبية والمعارض، وبين أزمة حقيقية في التأثير والقراءة والاستقلالية النقدية.

فعلى صعيد الازدهار الشكلي، نجد أن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 56 في العام المنقضي تخطى حاجز الخمسة ملايين زائر، بينما وَصَل عدد دور النشر المشاركة 1300 دار نشر، وهو ما تروج له الدولة كدليل على حيوية الثقافة المصرية([24]).

وعلى هامش المعرض، جاء الإعلان من قِبَل وزارة الثقافة عن إطلاق مبادرة المليون كتاب للتبرع للمؤسسات التعليمية، في محاولةٍ منها لتشجيع القراءة([25]).

المبادرة طرحت تساؤلات حول آليَّة التوزيع، وكيف سيتم ضمان وصولها للمحافظات الأخرى، والمناطق النائية، مثل النوبة وسيناء ومرسى مطروح وغيرها، وليس الاكتفاء بإرسالها لمستودعات المحافظات حيث تتراكم دون فائدة.

جوائز أدبية عديدة تمَّ منحها هذا العام، كعادة الدولة المصرية، منها “جائزة الدولة التشجيعية”، و”جائزة نجيب محفوظ للرواية”، فضلًا عن جوائز اتحاد الكتَّاب المصري في مجالات أدبية مختلفة… إلخ). وكلها جوائز ذات مكانة متجذرة في الحياة الأدبية المصرية منذ زمن، ومع ذلك فقد تكررت الاتهامات للقائمين عليها بالتدخل في منحها لاعتبارات غير أدبية، وبوجود مساحة ضخمة من المحسوبية في الترشيحات لهذه الجوائز.

2 – تيارات الإبداع الأدبي:

ما زالت الرواية هي الجنس الأدبي المهيمن على الساحة الأدبية المصرية، مع بروز جيل جديد من الروائيّين في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، يتميز خطابهم بالتركيز على الهموم الذاتية، وتشظي الهوية، وقصص القاهرة كمدينة أم بكل تعقيداتها ومشاكلها. ومعظم هذا الجيل يتجه إلى السرد التجريبي وتكسير الشكل التقليدي للرواية.

في المقابل، ما زال الشعر كجنس أدبي يَحظى باهتمامات قطاعات عريضة من المبدعين، غير أنه يُعاني من أزمة قراءة حقيقية، رغم استمرار إصدار دواوين شعرية. والمتابع للمُنتَج الشعري يَجد أن الشعر العمودي قد احتفظ بجمهوره الخاص من المثقفين، مع تراجع واضح في جمهور شعر التفعيلة الذي بدأ يخوض تجارب جديدة، بينما ظهر على الساحة ومن خلال وسائل التواصل الشعر النثري  الذي يتميز بالقِصَر الشديد في أبيات القصيدة، مما جعله سهلًا كشكل سريع للتلقي.

 وسط هذه الأجواء الخاصَّة بالنشر والجوائز، ظهرت تجارب النشر الرقمي لكَُّتاب لم يجدوا بُدًّا من نشر منتجاتهم على منصات رقمية وعلى حساباتهم الشخصية، في منصات كمنصة “فيسبوك”، و”تويتر”، قبل أن يقوموا بجمع هذه المنتجات في كتاب. وهو أمر يُقرِّبهم من الجمهور، لكنهم يعانون من أزمة التمويل وغياب التحرير المهني([26]).

3 – أزمة النقد الأدبي والفني:

تُعد أزمة النقد الأدبي الفني إحدى الأزمات التي تعاني منها الحياة الأدبية والفنية منذ مطلع الألفية، حيث تتعدد أسباب تلك الأزمة، وتأخذ أبعادًا مختلفة. فبينما يراها بعض المثقفون والأدباء أزمة العقل العربي، يرصدها آخرون في سياق الشكوى من غياب التابعة الفنية والاقتصار على الشللية([27]).

ويضيف آخرون أن الجرائد والمجلات تهتم بأخبار النجوم والمشاهير وتصرفاتهم، وتفرد لهم صفحاتها، في حين تقلل من مساحات النقد والتحليل الأدبي والفني، لتتحول إلى صفحات ترفيهية. في المقابل، صعد النقد الرقمي (البلوجرز واليوتيوبرز)، وهو نقد سريع وحيوي، لكنه يفتقد إلى المنهجية، ويَظل نقدًا انطباعيًّا لا يقوم على أسس أكاديمية([28]).

خلاصة: يعيش الأدب والنقد في حالة من “الازدهار الوهمي” المبني على الكم، بينما تتراجع جودة الخطاب النقدي وتظل مشاكل التوزيع والقراءة والحرية الإبداعية قائمة دون حلول جذرية.

سابعًا: المهرجانات والفعاليات.. الجدل حول النخبوية والفعالية 

 شكَّلت المهرجانات الثقافية والفنية واجهة مهمة للحياة الثقافية الرسمية وشبه الرسمية في مصر والعديد من البلدان ،لكنها في 2025م زادت وتيرتها، غير أنها ظلت محاصرة بإشكالية الجدوى والإقبال الجماهيري.

كانت البداية من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ “46” وهو أهم مهرجانات السينما في الوطن العربي، حين أثار “البوستر التجريبي” سخرية رواد مواقع التواصل الإجتماعي ،وكشف  عن فجوة رقمية بين الجمهور وإدارة المهرجان التي سارعت بشرح وجهة نظرها في البوستر معتبرة أنه بوستر تجريبي وليس نهائي مما زاد من هجوم رواد التواصل عليه([29]).

يأتي دعم المهرجانات والفعاليات الفنية ضمن الأنشطة العديدة التي تقوم بها الوزارة فهي تدعم مهرجانات سينما ومسرح ومهرجانات نسائية ودولية، وجاءت الدورة الثالثة من مهرجان إيزيس لمسرح المرأة وهو مهرجان دولي متخصص في العروض المسرحية المرتبطة بقضايا المرأة والتي تعكس خصوصية الإبداع النسوي وفق رؤية حداثية مختلفة عن الإنتاج المسرحي التقليدي فهو مهرجان يتخذ من النسوية إطارا وفق تعريف المقيمين عليه دون اتخاذها هدفًا كما يوضح موقع المهرجان([30]).

سؤال النخبوية يلاحق المهرجان الذي يطرح خطاب نسوي أكاديمي متخصص، يصعب على الجمهور غير المطلع استيعابه، وبعض العروض قد تكون بلغات أجنبية أو تعالج قضايا تبدو بعيدة عن اهتمامات المرأة المصرية العادية (مثلًا: قضايا الهوية الجنسية في الغرب مقابل قضايا العنف الاقتصادي ضد المرأة في الريف المصري)، القضايا والعروض وطرق العرض التي لا يتابعها غير المهتمين بالفن وصراع النسوية تجعلنا نشعر بحالة من الاستقطاب يرسخها المهرجان فهو مهرجان للنخبة والناشطات فقط([31]).

خلاصة: المشكلة العامة في كثير من المهرجانات الرسمية تتمثل في اهتمامها بصناعة النخب دون النظر إلى القاعدة الجماهيرية فنجد معظمها منظم بشكل جيد ويتم تغطيته إعلاميا بصورة واسعة، لكن تأثيره الثقافي يَظل محصورًا في فئة محددة من المنتمين للحقل الثقافي ولا يَخرج من حيز النخبة الضيق إلى فضاء الجمهور الأوسع، وذلك لانفصالها الفعلي عن اهتمامات وتطلعات ذلك الجمهور.

ثامنًا: فعاليات الوزارة الموسمية.. بين الشكل والمضمون

كثفت وزارة الثقافة، خلال العام 2025م، من إطلاق المبادرات. إحدى هذه المبادرات – على سبيل المثال –  مبادرة “مصر تتحدث عن نفسها”، التي أطلقتها الوزارة كنشاط شهري.

فكرة المبادرة جيدة نظريًّا؛ لأنها تربط الثقافة بالحياة، لكن التطبيق العملي واجه مشاكل عديدة، أبرزها ما يلي([32]):

  • الشكلية: في بعض المحافظات، تحولت المبادرة إلى مجرد احتفالية رسمية يحضرها موظفو وزارة الثقافة وبعض المثقفين المحليّين، دون تفاعل حقيقي مع الجمهور.
  • غياب التخطيط طويل الأمد: فلم تكن هناك أهداف قابلة للقياس (مثل: عدد ورش العمل الدائمة التي تم تنظيمها، عدد المشاركات الجديدة التي تمَّ اكتشافها)([33]).

كذلك، هناك مهرجانات، مثل “أوف سكرين” والمسرح المستقل. فقد ظهرت منذ سنوات مبادرات أهلية صغيرة تنظم مهرجانات مسرحية أو سينمائية في أماكن غير تقليدية (المقاهي، مراكز الشباب، المساحات المستقلة). هذه المهرجانات أكثر حيوية وقربًا من الجمهور، لكنها تعاني من ضعف التمويل وعدم الاستقرار([34]).

تاسعًا: الفكر والخطاب العام.. قضايا وإشكاليات

شكَّلت سياسات الدولة تجاه الخطاب الديني أحد أهم ملامح الحالة الفكرية في 2025م، حيث اتخذت شكلًا أكثر وضوحًا وحسمًا. وشكل الحضور الرسمي لوزير الأوقاف، أسامة الأزهري، والمفتي الأسبق علي جمعة لمولد “السيد البدوي” جدلًا واسعًا، حيث جَدَّد الخلاف الفكري والعقدي بين السلفيّين والصوفية، حول جواز ومشروعية هذه الاحتفالات، خصوصًا مع المقاطع المصورة التي لا يتفق معها عقل سليم ولا تتوافق مع الثقافة الدينية لعموم المسلمين([35]).

وجاءت قيادة الأزهري لحلقة ذكر صوفية بمثابة رسالة سياسية واضحة من الدولة، تعلن فيها نفسها كراعي للتصوف، واتخاذه كبديل “روحاني” عن الخطاب السلفي الحرفي أو الخطاب السياسي للإخوان المسلمين. هذا بالإضافة إلى ما يقدمه التصوف من صورة “جذابة” للإسلام في الغرب([36]).

ويَرى مراقبون أن ملء الفراغ بعد تغييب الإسلاميّين من المشهد لن يتم إلَّا بمزيدٍ من احتضان الفكر الصوفي وتقديم الدعم المالي والحكومي للجماعات الصوفية، خصوصًا في ظِل احتفاء المصريّين بالمقاومة الفلسطينية وارتباط تلك المقاومة بجماعة الإخوان المسلمين بصورة أو بأخرى([37]).

تلميحًا أو تصريحًا، حصلت الطرق الصوفية على مساحات أكبر في الإعلام الرسمي، وربما دعمًا في تنظيم موالدها، مقابل التزامها بعدم الخوض في الشأن السياسي وتبني خطاب الولاء للدولة.

خلاصة: تحوَّل الدين في 2025م إلى حقل آخر من حقول الصراع الناعم، حيث تستخدمه الدولة كأداة لترسيخ شرعيتها وتشكيل هُويَّة وطنية متوافقة مع رؤيتها، وتهميش أي خطاب ديني آخر قد يُشكِّل تهديدًا سياسيًّا أو فكريًّا لها.

خاتمة

باستقراء الملامح العامة للحالة الثقافية والفكرية في مصر خلال عام 2025م، يَتبيَّن أن المشهد يعيش لحظة تحوُّل بالغة التعقيد، يتقاطع فيها إرث الماضي مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل. وفي ضوء هذا المشهد العام، يمكن استخلاص عدد من النتائج الرئيسة والتوصيات.

1 – النتائج المركزية:

  • الهُويَّة تحت الصياغة القسرية: عاش المجتمع المصري حالة من التمزق الهُويَّاتي بين مشروع رسمي يُروِّج للهُويَّة الفرعونية كمركز، وهُويَّة شعبية-دينية عربية إسلامية راسخة، مما يَخلق توترًا وصراعًا رمزيًّا يُهدِّد النسيج الاجتماعي.
  • انفصام بين المشاريع الضخمة والاحتياجات اليومية: نجحت الدولة في إنشاء “أيقونات” ثقافية ضخمة تهدف للعالمية، لكنها تهمل الثقافة التنموية التشاركية التي تلامس حياة المواطن العادي وتحقق العدالة بين المركز والأطراف.
  • أزمة مؤسسية عميقة: تعاني المؤسسات الثقافية التقليدية (المجلس الأعلى للثقافة، الهيئة العامة لقصور الثقافة) من جمود وفساد إداري وانفصال عن الجمهور، مما يُفقدها دورها ويَخلق فراغًا تملؤه قوى السوق والمنصات الرقمية.
  • تحول رقمي غير متكافئ: الرقمنة تحفظ التراث وتخلق قنوات توزيع جديدة، ولكنها تُهدِّد بتعميق الفجوة بين مَن يملكون الأدوات الرقمية ومَن لا يملكونها، وتُضعِف حقوق الملكية الفكرية.
  • تقلُّص هامش الحرية الإبداعية: تتدخل الدولة بشكل متزايد في توجيه المضامين الثقافية، خاصَّة في الدراما، عبر آليَّات رقابية مباشرة وغير مباشرة، مما يخلق مناخًا من الخوف ويُطِيح بجودة الإبداع.
  • احتواء الدين وتوجيهه: تحوَّلت السياسة الدينية إلى أداة لتعزيز شرعية الدولة وترويج خطاب صوفي محدد، مع تهميش الخطابات الإسلامية الأخرى، مما يثير إشكاليات حول حرية المعتقد وحيادية الدولة.

2 – التوصيات الاستراتيجية:

  • إصلاح المؤسسات القائمة إصلاحًا جذريًّا: تفكيك البيروقراطية في المجلس الأعلى للثقافة وقصور الثقافة، وإعادة هيكلتهما كمؤسسات خدماتية ديناميكية، مع إشراك الشباب والأصوات الجديدة في إدارتها، وربط تمويلها بأداء قابِل للقياس.
  • تبني سياسة ثقافية تعددية جامعة: الاعتراف الرسمي بالطبيعة المركبة للهوية المصرية (فرعونية، قبطية، إسلامية، عربية، أفريقية، متوسطية)، وتشجيع الحوار الحر والمتكافئ بين كل مكوناتها عبر برامج ومشاريع ثقافية مشتركة، والابتعاد عن فرض رواية أحادية.
  • وضع استراتيجية شاملة للعدالة الثقافية والرقمية: ضمان وصول الخدمات الثقافية الأساسية (مكتبات، عروض مسرحية متنقلة، ورش فنية) لكل محافظات مصر، وسد الفجوة الرقمية عبر توفير إنترنت مجاني في المؤسسات العامة، وأجهزة ميسورة التكلفة.
  • فصل السياسة عن الدين في المجال الثقافي: ضمان حيادية الدولة تجاه جميع المذاهب والطرق الدينية، والسماح بحرية التعبير الديني في حدود الدستور، وعدم استخدام الدين كأداة لتكريس الشرعية السياسية أو استبعاد الآخر.
  • دعم الاقتصاد الإبداعي والصناعات الثقافية: خلق حوافز ضريبية وجمركية للشركات التي تستثمر في القطاع الثقافي، وتأسيس صندوق وطني لتمويل المشاريع الإبداعية الصغيرة والمتوسطة، خاصَّة خارج القاهرة، والاستثمار في مجالات واعدة مثل الألعاب الإلكترونية والرسوم المتحركة.
  • حماية حرية الإبداع وضمان استقلالية النقد: إلغاء الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية، واستبدالها بنظام التصنيف العمري، والاكتفاء بالرقابة اللاحقة في حالات الدعاوى القضائية. تشجيع وتدريب جيل جديد من النقاد المستقلين في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
  • إدماج الثقافة في قلب النظام التعليمي: إعادة حصص الفنون والموسيقى والمسرح إلى المدارس بشكل جدي، وتطوير مناهج لتعليم النقد والتذوق الفني، وإشراك المؤسسات الثقافية في الأنشطة اللاصفية للطلاب.

([1]) موقع رئاسة الجمهورية، الرئيس عبد الفتاح السيسي يشهد افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر ٢٠٢٥، 31 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1nt1O

([2]) إندبندنت عربي، لماذا يتخوف أثريون ومخططون مصريون من تطوير منطقة الأهرام؟، 3 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1ntmH

([3]) الهيئة العامة للإستعلامات، وزير الثقافة ومفتي جمهورية مصر العربية يوقعان بروتوكول تعاون، 20 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1ntmT

([4]) المجلس الأعلى للثقافة، الرقمنة وصون التراث “مبادرة تراثك ميراثك”، 11 يوليو 2025م، https://2cm.es/1it1f

([5]) الجزيرة نت، المتحف المصري الكبير.. مساع لاستثمار التاريخ، 30 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1nsUw

([6]) برنامج الحكاية، عمرو أديب، اتصرف عليه مليار دولار.. عمرو أديب عن افتتاح المتحف المصري الكبير، 27 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1ittU

([7]) التلفزيون العربي، تواصل، مصطفى العدوي في قبضة الأمن بسبب الفراعنة!، 4 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1itu0

([8]) الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية، تطوير وترميم منطقة مسجد الحاكم بأمر الله وشارع المعز، 29 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1ituJ

([9]) سكاي نيوز عربي، السيسي يدعو للارتقاء بالخطاب الديني لدحض الفكر المتطرف، 22 أبريل 2025م، https://2cm.es/1itQ0

([10]) الموقع الرسمي للمجلس، عن المجلس | المجلس الاعلى للثقافة، https://2cm.es/1ntLT

([11]) المصدر السابق، اللائحة الداخلية، اللائحة | المجلس الاعلى للثقافة، https://2cm.es/1ntM3

([12]) المجلس الأعلى للثقافة: المجلس الأعلى للثقافة: من صانع السياسات إلى قاعة مناسبات!، 30 أبريل 2025م، https://2cm.es/1ntKi

([13]) عربي 21، قصور الثقافة في مصر: تطوير أم تمهيد للإغلاق؟، 27 يوليو 2025م، https://2cm.es/1ntMj

([14]) إندبندنت عربي، هل يعالج الإغلاق “قصور” الثقافة المصرية؟، 18 مايو 2025م، https://2cm.es/1nsSL

([15]) المصدر السابق.

([16]) نفس المصدر.

([17]) بوابة الأهرام، “دار الكتب” تحقق تطورًا ملموسًا في مجالات الرقمنة والترميم والفهرسة، 12 يوليو 2025م، https://2cm.es/1is-H

([18]) الشرق الأوسط، المنصّات الرقمية والفن العربي.. جمهور جديد أم امتحان الإبداع؟، 12 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1ntW8

([19]) موقع زاوية ثالثة، “نقطة الفشل الواحدة: كيف يعيق احتكار المصرية للاتصالات التحول الرقمي في مصر؟ 1 يوليو 2025م، https://2cm.es/1iu1D

([20]) جامعة القاهرة، د.هشام عزمي، محاضرة لرئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية في فعاليات الموسم الثقافي لجامعة القاهرة، 8 مايو 2025م،https://2cm.es/1ntWZ

([21]) سي إن إن عربي، هل بالغنا في حماسنا لمسلسل محمد سلّام الجديد “كارثة طبيعية”؟، 16 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1iu2E

([22]) الحلقة 10 من مسلسل كارثة طبيعية، منصة واتش إت.

([23]) المصدر السابق.

([24]) أنتلجنسيا، سيسي يطلق تحذيرًا حازمًا ضد تراجع الدراما المصرية، 22 مارس 2025م، https://2cm.es/1iu3t

([25]) جريدة اللواء، معرض الكتاب 2025 يختتم فعالياته وسط إقبال كبير من القرّاء، 5 فبراير 2025م، https://2cm.es/1iu3W

([26]) الهيئة العامة للاستعلامات، المركز الإعلامي، الدورة الـ ٥٦ لمعرض القاهرة الدُولي للكتاب، 13 يناير 2025م، https://2cm.es/1ntZg

([27]) التلفزيون المصري، برنامج حديث من مصر، الروائي خالد الخميسي عن أزمة الثقافة والإبداع في مصر، 1 مايو 2025م، https://2cm.es/1iu0x

([28]) الشرق الأوسط، كتاب ونقاد مصريون: أزمة النقد هي من أزمة العقل العربي، 13 يناير 2025م، https://2cm.es/1ntZE

([29]) إندبندنت عربي، الناقد الفني… المغضوب عليه من المشاهير في مصر، 23 أكتوبر 2025م،https://2cm.es/1nu08

([30]) عربي 21، جدل حول الألوان يتسبب في سحب ملصق مهرجان القاهرة السينمائي، 21 مارس 2025م، https://2cm.es/1itSP

([31]) رويترز، مهرجان إيزيس الدولي لمسرح المرأة في مصر يطلق دورته الثالثة، 29 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1ntL2

([32]) بوابة الأهرام، مبادرة «مصر تتحدث عن نفسها» تحتفي بالتراث في أوبرا دمنهور، 25 يوليو 2025م، https://2cm.es/1it2v

([33]) المصري اليوم، بفعاليات ثقافية وفنية للرواد.. استمرار أعمال مبادرة «مصر تتحدث عن نفسها» بالوادي الجديد، 14 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1nsRR

([34]) اليوم السابع، تياترو الصعيد حلم شبابى تحول لشعلة فنية تغزو المنيا، 8 يوليو 2019م، https://2cm.es/1isZw

([35]) عربي21، حضور رسمي لمولد البدوي يثير الجدل.. هل يرعى النظام المصري التصوف؟، 25 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1nsPI

([36]) المصدر السابق.

([37]) الجزيرة نت، مصر.. موسم الهجرة إلى التصوف!، 21 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1nsQq

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى