مقدمة
يشهد النظام الدولي حاليًا تحولات حادة وعميقة تعكس تراجع مركزية القطب الواحد، وتزايد مظاهر الارتباك في التوجهات الاستراتيجية لدى القوى الكبرى، وتآكل فاعلية التحالفات العسكرية التي تأسست وتطورت في مرحلتي ما بعد الحرب العالمية الثانية ثم في ما بعد انتهاء الحرب الباردة.
وقد أسهم هذا التحول في اتساع الفجوة بين الالتزامات المعلنة والقدرة الفعلية للقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، على توفير مظلات أمنية مستقرة لحلفائها، مما دفع قوى إقليمية فاعلة إلى البحث عن صيغ بديلة لتعزيز أمنها القومي وتوسيع هامش استقلالية القرار الوطني.
في هذا السياق، يبرز الشرق الأوسط بوصفه أحد أكثر الأقاليم تأثرًا بإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث تشهد بنيته الدفاعية حاليًا حالةً من السيولة، تتداخل فيها الصراعات التقليدية داخل المنطقة مع أنماط جديدة من التهديدات العابرة لحدود الدول تستهدف التوسع في التنافس نحو السيطرة على مناطق جيوستراتيجية هامة أو محاولات التقسيم لعدد من دول الإقليم.
لذلك، في هذه المرحلة الحساسة من المتغيرات الاستراتيجية العالمية والإقليمية، برزت مساعي نحو بناء تحالف دفاعي ثلاثي يضم المملكة العربية السعودية، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية تركيا، معبرًا عن هذا التحول في الفكر الاستراتيجي الإقليمي.
ويمتد نطاق هذا التحالف المحتمل عبر فضاء جغرافي بالغ الأهمية، يربط بين الشرق الأوسط وشرق المتوسط وجنوب آسيا، ويشمل ممرات بحرية حيوية ومناطق تماس استراتيجية، مما يمنحه أبعادًا تتجاوز الإطار الإقليمي الضيق، ويجعله عنصرًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
أولًا: السياق الدولي والإقليمي لنشأة التحالف العسكري
تتسم البيئة الأمنية والعسكرية الحالية في الشرق الأوسط بمرحلة تحول جوهرية، إذ بدأت دول مركزية في المنطقة تعيد التفكير في أساليبها التقليدية في التحالفات اعتمادًا على الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى الغربية الأوروبية.
هذا التحول بدأ يأخذ صيغًا جديدة في استراتيجيات الردع والتعاون العسكري، مبنية على المرونة وعدم الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية التقليدية.
الانسحاب النسبي للضمانات الدفاعية الأمريكية
برغم الترابط التاريخي في المجال الدفاعي بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن سلسلةً من التطورات الميدانية خلال السنوات الأخيرة أسهمت في تآكل الثقة في فاعلية واستدامة الضمانات الأمنية الغربية.
فقد برز ذلك بوضوح عقب فشل تفعيل منظومات الدفاع الجوي الأمريكية في حماية المنشآت الحيوية السعودية خلال الهجمات التي تعرضت لها في عام 2021م من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين) اليمنية.
إلى جانب حالة التخبط الأمريكي مع وجود إدارة ترامب الحالية في عدد من بؤر التوتر الإقليمي، بما عكس فجوة بين الالتزامات السياسية والدفاعية وبين القدرة العملية على الردع والحماية.
وقد تعزز هذا الإدراك في 23 يونيو 2025م، حيث قصفت إيران قاعدة “العديد” الجوية في قطر، وجاء الهجوم كجزء من الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل ورَدًّا على الهجوم الأمريكي الذي استهدف ثلاث منشآت نووية، دون أن يؤدي ذلك إلى ردع فعلي أو مظلة حماية واضحة تمنع استهداف أراضي دولة حليفة وبرغم الوجود العسكري الأمريكي المكثف على أرضها.
كما تجددت الشكوك بقوة عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قيادات فلسطينية في الدوحة في 9 سبتمبر/أيلول 2025م، والتي وقعت خارج مسرح الصراع المباشر في قطاع غزة، وأظهرت محدودية قدرة الضمانات الغربية على منع اختراقات دفاعية عالية الحساسية وفي عمق دولة ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة واتفاقية دفاع مع واشنطن.
أمام هذه الوقائع، بدأت قوى إقليمية فاعلة في إعادة تقييم معادلة الاعتماد الدفاعي التقليدي، والبحث عن بدائل دفاعية أكثر استقلالًا واستدامة، تقوم على تنوع الشراكات، وبناء ترتيبات ردع إقليمية مشتركة، تقلص من تكلفة الارتهان لمظلة دفاعية أحادية أصبح يُنظر إليها بوصفها انتقائية ومتقلبة التوجهات الاستراتيجية.
التنافس على النفوذ وتصاعد التهديدات
في الوقت ذاته، يتصاعد التنافس على النفوذ من قبل عدد من الدول والقوى الإقليمية، من بينها إسرائيل والإمارات والهند، مع بروز محاولات لإعادة تشكيل تحالفات دفاعية جديدة، والسعي للسيطرة على مواقع جيوستراتيجية بالغة الأهمية في الإقليم، وهو ما ينظر إليه حاليًا باعتباره تهديدات خطيرة لأمن واستقرار الشرق الأوسط.
ثانيًا: بنية المحور الدفاعي وأدواته الصلبة والبُعد الجغرافي
في 17 سبتمبر 2025م، تم توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين السعودية وباكستان، والتي تنص على اعتبار أي اعتداء على أحدهما يُعَد هجومًا ضد الطرفين، مما يمثل تأسيسًا لبنية دفاعية أكثر صلابة من مجرد تعاون عسكري ثنائي تقليدي.
ومع بوادر رغبة تركيا في الانضمام إلى هذا الترتيب الدفاعي، تتحول بنية التحالف الدفاعي من ثنائية إلى تنسيق ثلاثي محتمل يتسق مع إقامة شكل من أشكال الردع الجماعي.
الأدوات الصلبة: القدرات المالية والتصنيع العسكري والتقنيات الحديثة
السعودية: تمتلك موارد مالية ضخمة ونفوذًا سياسيًّا واسعًا في العالم العربي والإسلامي، كما تمتلك الجيش الأكبر في الخليج ولديها قدرات جوية حديثة ومنظومات دفاع جوي متطورة.
باكستان: قوة نووية بقدرات ردع استراتيجية، تمتلك جيشًا كبيرًا له تجارب قتال تاريخية ناجحة، إضافة إلى برامج تصنيع وتحديث عسكري مستمرة.
تركيا: عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتُعَد قوة عسكرية تقليدية كبيرة، ولديها صناعات دفاعية متقدمة، تشمل تقنيات الطائرات بدون طيار، والسفن الحربية، والمقاتلات المحلية.
البُعد الجغرافي وتأثيره الاستراتيجي
يمتد هذا التحالف عبر نطاقات جيوستراتيجية حيوية، إذ تمثل السعودية محور الشرق الأوسط والبحر الأحمر والخليج العربي، وتشكل تركيا جسر الربط بين آسيا وأوروبا، فيما تعد باكستان حلقة الوصل بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى.
ويمنح هذا الامتداد الواسع والتشابك الجغرافي التحالف قدرة على المراقبة والتأثير في مسارات وممرات استراتيجية بالغة الحساسية، مثل مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، وصولًا إلى حدود الهند وباكستان.
ثالثًا: الدلالات الاستراتيجية والرسائل الضمنية للتحالف
حمل التوجه نحو بناء هذا التحالف عددًا من الدلالات السياسية والاستراتيجية التي تتجاوز الأبعاد العسكرية المباشرة، بما يتماشى مع طبيعة التحولات الجارية في بنية النظام الإقليمي وتوازناته.
رسالة استقلال القرار الاستراتيجي
تتمثل إحدى أبرز دلالات هذا التحالف في توجه أطرافه نحو تنويع الشراكات الدفاعية والأمنية خارج الإطار الأمريكي/الغربي التقليدي، ويؤكد هذا المسار قدرة الدول الإقليمية المركزية على صياغة قراراتها الاستراتيجية بصورة أكثر استقلالية، وبما يتوافق مع أولوياتها الدفاعية ومصالحها الوطنية.
إعادة هندسة التوازنات الإقليمية
من منظور استراتيجي أوسع، فإن قيام ترتيب دفاعي يجمع بين قوة مالية وسياسية مؤثرة، وقدرات نووية رادعة، وترسانة عسكرية متقدمة، وكذلك مستقبل صناعات عسكرية وطنية واعد، كل ذلك يبعث برسالة واضحة مفادها السعي لإعادة هندسة منظومة التوازن والردع الإقليمي نحو التحالف العسكري المستقل.
ويعكس هذا الترتيب محاولة لإعادة ضبط معادلات القوة السائدة منذ عقود، مع توجيه إشارات مباشرة إلى القوى المنافسة مفادها امتلاك قدرة متنامية على حماية المصالح الحيوية للدول أعضاء التحالف والتأثير المباشر في مسارات الصراع الإقليمي.
الردع الجماعي وإعادة ضبط توازن القوى
من جهة أخرى، يعكس هذا التحالف تصورًا استراتيجيًّا قائمًا على تبني مفهوم الردع الجماعي المسبق، قد يسهم في خلق بيئة أمنية أقل قابلية للتصعيد والانزلاق نحو المواجهات والمناوشات العسكرية المحتملة.
فوجود إطار دفاعي إقليمي متماسك يرفع من تكلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، ويبعث برسالة ردع مفادها أن أي طرف يفكر في تهديد أمن دول التحالف قد يواجه استجابة جماعية ومنسقة، تتجاوز قدرته على الاحتواء.
رابعًا: آفاق توسع المحور وقدرة الاستدامة والشراكات المستقبلية المحتملة
لا يقتصر تصور بناء هذا المحور الدفاعي على بنيته الحالية فحسب، بل قد يمتد ليشمل آفاق توسعه المستقبلية وقدرته على الاستمرار في بيئة دولية وإقليمية شديدة التنافس.
فنجاح أي تحالف دفاعي قوي لا يرتبط فقط بقدراته العسكرية أو السياسية، بل بمرونته نحو استيعاب شركاء جدد دون الإخلال بتوازناته الداخلية أو اهدافه الاستراتيجية.
إمكانيات التوسُّع وإشراك دول أخرى
يُعَد توسُّع نطاق هذا التحالف ليشمل دولًا عربية أو إسلامية أخرى أحد الموضوعات المطروحة بقوة، لا سيما في ظل تزايد الشعور بالحاجة إلى أطر دفاعية إقليمية أكثر استقلالية.
لذلك هناك إمكانية لانضمام دول عربية مؤثرة، مثل بعض دول الخليج، فضلًا عن دول في شمال إفريقيا وجنوب آسيا، سواء عبر عضوية مباشرة أو من خلال تفاهمات دفاعية.
مصر: الدولة المركزية والدور المحتمل في التحالف العسكري
تمثل مصر حالة خاصَّة في أي تصور يتعلق بتوسيع هذا المحور، نظرًا لما تمتلكه من ثقل جيوسياسي، وموقع استراتيجي فريد يربط بين شرق المتوسط والبحر الأحمر وإفريقيا، إلى جانب امتلاكها أحد أهم الممرات الملاحية العالمية وهو قناة السويس.
كما تمتلك مصر واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية التقليدية في المنطقة، مع خبرة طويلة ومتراكمة في إدارة التوازنات والصراعات الإقليمية.
يمنح هذا الدور التاريخي المركزي القاهرة قدرة على الإسهام في صقل توجهات أي تحالف دفاعي إقليمي جديد.
ورغم أن انضمام مصر المحتمل لمثل هذا المحور يظل مرتبطًا بحسابات سياسية معقدة، فإن حضورها حتى في إطار شراكات جزئية أو تنسيقات دفاعية وأمنية، قد يشكل عنصر توازن مهم يعزز من قدرات واستدامة التحالف السعودي/الباكستاني/التركي.
تحديات الاستدامة وبنية التحالف
على الرغم من الإمكانيات الواعدة، يواجه هذا التحالف عددًا من التحديات البنيوية التي قد تؤثر في قدرته على الاستمرار.
من أبرز هذه التحديات التباينات السياسية بين الأعضاء الحاليين والمحتملين، خاصَّة فيما يتعلق بالمواقف من بعض النزاعات الإقليمية الحساسة.
كما يبرز تحدي الحفاظ على توازن دقيق في العلاقات مع القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والصين، حيث تمتلك هذه القوى مصالح سياسية واقتصادية متداخلة في مناطق نفوذ هذا المحور.
إضافة إلى ذلك، قد تنظر بعض الدول الإقليمية ذات التأثير مثل إسرائيل والهند إلى هذا التحالف باعتباره منافسًا مباشرًا أو تهديدًا لمعادلات النفوذ القائمة، وهو ما قد يخلق بيئة من الحذر أو التصعيد غير المباشر.
الفرص الاستراتيجية
في المقابل، يتيح هذا التحالف مجموعة من الفرص الاستراتيجية ذات الأثر طويل المدى، إذ يمكن أن يعزز قدرة الدول الأعضاء على تقليص الاعتماد الأحادي على الضمانات الأمنية الغربية، وفتح المجال أمام تنوع مصادر التسليح وبناء قدرات عسكرية ذاتية أكثر استدامة.
وعلى مستوى أوسع، قد يسهم هذا الإطار في إعادة توزيع أدوار القوى الإقليمية المركزية بصورة أكثر توازنًا، تقوم على الشراكة واحترام استقلالية القرار الوطني، بدلًا من منطق التبعية المطلقة.
خاتمة
يُظهِر التوجه نحو بناء هذا المحور الدفاعي المحتمل تحولًا نوعيًّا في الفكر الدفاعي الإقليمي، حيث لم تعد الدول المعنية تكتفي بدور المتلقي للترتيبات الدفاعية المفروضة من الخارج، بل تسعى إلى إعادة صياغة معادلات الدفاع وتوازن الردع العسكري وفقًا لمصالحها الوطنية وتقديراتها الذاتية للمخاطر المستقبلية.
ويأتي هذا التوجه في سياق إقليمي ودولي يتسم بالاضطراب، وتزايد التنافس على النفوذ، وتراجع فعالية الأطر الدفاعية التقليدية القائمة منذ عقود.
إن مستقبل نجاح هذا المحور لا يقاس فقط بمدى توسعه أو قوته العسكرية الظاهرة، بل بقدرته على إنتاج استقرار قابل للاستدامة، وتقديم بديل واقعي لمنظومات وتحالفات الدفاع الإقليمي الهشة السابقة.
فإذا ما تم توظيفه ضمن رؤية استراتيجية واضحة، وتنوع في الشراكات مع دول مركزية أخرى في الشرق الأوسط، قد يشكل هذا التحالف أحد أهم الملامح البارزة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في المرحلة المقبلة، بما يعكس انتقال المنطقة من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستراتيجي الواعي بما يمر به النظام العالمي من متغيرات كبرى.




