للتحميل والقراءة بصيغة PDF
استمع
مقدمة
يمثل جيل زد (Generation Z) أحد أهم الفواعل الاجتماعية والسياسية الصاعدة في العالم المعاصر، ليس بوصفه مجرد فئة عمرية، بل كجيل تشكَّل وعيه في قلب تحولات رقمية وثقافية وسياسية عميقة أعادت تعريف مفاهيم الهوية والمشاركة العامة والعلاقة مع السلطة. فقد نشأ هذا الجيل بوصفه «مواطنين رقميّين أصليّين»، يتعاملون مع التكنولوجيا لا كأداة مساعدة، بل كامتداد طبيعي للذات وفضاء بديل للفعل الاجتماعي والسياسي.
تكتسب دراسة جيل زد أهمية خاصَّة في السياقات التي تشهد أزمات حوكمة وتآكلًا في الثقة بين الشباب والمؤسسات، حيث يتحوَّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مركزية لبناء الوعي والحشد وخلق أشكال جديدة من الشرعية.
وفي السياق العربي والمصري، يتقاطع تشكُّل وعي هذا الجيل مع إرث ثورات الربيع العربي، ليظهر جيل «وريث رقمي» للتجربة الثورية، أكثر حذرًا في علاقته بالتنظيمات، وأكثر سيولة في الأدوات والخطاب.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أن فهم جيل زد يستلزم مقاربة متعددة الأبعاد تتجاوز الأدوات التحليلية التقليدية، وتأخذ في الاعتبار أبعاده الجيلية والنفسية والمعرفية والاقتصادية والسياسية. وعليه، تستعرض الدراسة سماته العامة وسياقه التاريخي، وتحلل سيكولوجيته وقِيَمه وأنماط مشاركته السياسية الجديدة، مع تخصيص محور لحالة جيل زد في مصر. وتختتم بتقديم توصيات عملية للتواصل مع هذا الجيل، تقوم على منطق التمكين والشراكة، لا الوصاية أو القيادة الهرمية.
أولًا: السياق التاريخي والتوصيف الجيلي
1 – خريطة الأجيال المعاصرة:
- جيل ما بعد الحرب (Baby Boomers): مواليد (1946-1964م) – جيل المؤسسات والهياكل الهرمية.
- الجيل X: مواليد (1965-1980م) – جيل التحول من الأداء التقليدي إلى الرقمي.
- جيل الألفية (Millennials/Gen Y): مواليد (1981-1996م) – “المهاجرون الرقميون” الذين شهدوا صعود الإنترنت.
- جيل زد (Gen Z): مواليد (1997-2012م) – “المواطنون الرقميون الأصليون” الذين لم يَعرفوا عالمًا بلا إنترنت سريع([1]).
2 – تعريف جيل زد:
ثمَّة نظريات كثيرة وُضِعت حول تعريف الأجيال، من أهمها نظرية “الأجيال” التي صاغها عالم الاجتماع كارل مانهايم عام 1928م، والتي تقول إن الجيل ليس مجرد فئة عمرية، بل جماعة تتشكَّل عبر تجارب تاريخية واجتماعية مشتركة تؤثر في وعيها وقيمها وسلوكها، مع بقاء الاختلافات الفردية داخل الجيل الواحد.
وتوضح النظرية مفاهيم مثل الوعي الجيلي، والوحدة الجيلية، والتواصل بين الأجيال، والصدمة الجيلية، والحراك والهوية الجيلية، مبيّنةً كيف تؤدي الأحداث الكبرى كالحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية إلى تشكيل تصورات الأجيال للعالم.
كما تُبرِز النظرية تأثير هذه الاختلافات على السياسات التعليمية والتوظيفية والقِيَم الثقافية والاجتماعية، خاصَّة مع صعود الأجيال الشابة الأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي([2]).
ورغم أهمية هذه النظرية في فهم التغيُّر الاجتماعي وتعريف الأجيال، إلَّا أنها تواجه نقدًا لتعميمها المفرط وإغفالها لعوامل أخرى مؤثرة، مثل الطبقة الاجتماعية والتعليم والدين.
وفق نظرية الأجيال التي صاغها مانهايم، وكذلك وفق تعريف مركز بيو للأبحاث([3])، فإن جيل زد يتكون من أولئك الذين وُلِدوا في الفترة من عام 1997 إلى عام 2012م، ويشتركون في تجارب اجتماعية وسياسية وتاريخية مشتركة.
3 – سمات جيل زد:
يَتميَّز جيل زد بسمات تجعله مختلفًا عن الأجيال السابقة في طريقة التفكير والتفاعل مع القضايا العامة، ويمكن إبراز أهم هذه السمات فيما يلي:
الوعي الرقمي: ما يميز الجيل زد بشكل جوهري هو أنه أول جيل يُصنَّف على أنه “رقمي أصلي” (Digital Native)، إذ لم يَعرِف أفراده عالم ما قبل الإنترنت، بل وُلِدوا ونشأوا في بيئة تقنية متسارعة غيَّرت أنماط التعليم والعمل والتواصل الاجتماعي بشكل جذري، مما جعل التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من هويتهم وتكوينهم.
خصوصية الوعي السياسي والاجتماعي: على خلاف الأجيال السابقة التي تَشكَّل وعيها تحت تأثير أحداث تاريخية كبرى، مثل هجمات 11 سبتمبر، فإن رؤية الجيل زد للعالم لم تُبنَ على تلك المحطات، بل تشكَّلت في سياقات مغايرة تمامًا. أبرز هذه السياقات هو تصاعد الاستقطاب السياسي، وازدياد حضور قضايا الهوية، واتساع النقاشات حول العدالة الاجتماعية والمساواة، وهي قضايا لعبت دورًا محوريًّا في صياغة وعيهم السياسي والاجتماعي ومنحتهم منظورًا مختلفًا عن الأجيال التي سبقتهم.
التنوع: يتسم الجيل زد بأنه الأكثر تنوعًا من الناحية العرقية والإثنية، وهو تنوع لا يقتصر على الخلفيات الثقافية فقط، بل يشمل أيضًا قضايا أوسع، مثل الصحة النفسية، وتطور مفهوم “النوع” (الجندر).
النزعة المثالية: من الناحية القيمية، يتميز أفراد جيل زد بنزعتهم المثالية ورغبتهم في إحداث تغيير إيجابي، فيَربطون بين خياراتهم اليومية ورؤيتهم للعالم، ويَعتبرون أنفسهم جزءًا فاعلًا في مواجهة تحديات مثل أزمة المناخ وعدم المساواة، مع التزامهم بممارسات صديقة للبيئة([4]).
الهوية السائلة: يَرفض جيل زد القوالب الجامدة، ويَهتم بالتعبير الفردي والأصالة (Authenticity). وتُعدُّ سمة لافتة في احتجاجات جيل زد الأخيرة تبنّي رموز من ثقافة البوب([5]) للتعبير عن الهوية والتحدي والتضامن العابر للحدود، فقد بَرَز علم «جولي روجر» الأسود (الجمجمة والعظمتان المتقاطعتان) لطاقم قراصنة قبعة القش (وان بيس) في الأنمي/المانغا الياباني One Piece كأحد هذه الرموز. وشوهد هذا العلم في احتجاجات من نيبال إلى فرنسا.
إن اعتماد هذا الرمز، يَعكِس رغبة هذا الجيل في إيجاد لغة بصرية مشتركة للتعبير عن هويته، بعيدًا عن الرموز السياسية التقليدية التي يرفضها([6]).
الترابط العابر للحدود: جيل زد مرتبط ببعضه تقنيًّا، مما يجعل قضايا المناخ والعدالة عابرة للحدود لديه، كما أن احتجاجات جيل زد ليست مجرد أحداث معزولة، بل هي جزء من ظاهرة عالمية مترابطة تقودها تكنولوجيا المعلومات ومظلومية مشتركة ضد فشل الحوكمة. فمن “التمرد الرقمي” في نيبال إلى مسيرات مكافحة الفساد في المغرب واقتحام القصور في مدغشقر، تظهر حركات شبابية تشترك في رفضها لوراثة غير قادر على تلبية احتياجات الناس ولا يحقق العدالة أو الشفافية.
هذا الترابط الرقمي خلق وعيًا عالميًّا وقضايا مشتركة، حيث أصبحت معاناة الشباب في نيبال بسبب البطالة – مثلًا – تتلاقى مع غضب نظرائهم في المغرب من سوء الخدمات، مما يجعل قضايا العدالة الاجتماعية والفساد همومًا عابرة للحدود ومحركًا أساسيًّا لحراكهم الاجتماعي والسياسي.
ثانيًا: المحور النفسي والاجتماعي (سيكولوجية جيل Z)
1 – البُعد السلوكي التقني:
الفرق الجوهري بين جيل زد والأجيال السابقة هو أن مواليده لم يشهدوا التحوُّل الرقمي تدريجيًّا، بل وُلِدوا في قلب هذا التحوُّل. ففي الوقت الذي تابع فيه جيل الألفية صعود الإنترنت والهواتف الذكية، جاء جيل زد إلى الحياة وقد أصبحت هذه الأدوات واقعًا بديهيًّا.
لم يكن الاتصال الدائم والترفيه عند الطلب والتواصل الفوري بالنسبة لهم إنجازات جديدة، بل هي جزء طبيعي من يومياتهم منذ الطفولة، ولهذا يُطلَق عليهم لقب “الجيل الرقمي الأصلي”.
هذا الاندماج المبكر مع التكنولوجيا لم يقتصر على تسهيل حياتهم، بل شكَّل هويتهم ورؤيتهم للعالم؛ فهم لا يتصورن الحياة دون الهواتف الذكية، واكتسبوا مهاراتهم التقنية بشكل تلقائي لأنها امتداد طبيعي لواقعهم. وفي ظِل هذا الحضور الرقمي الكثيف، صار الإنترنت بالنسبة لهم فضاءً متكاملًا للعمل والتسوُّق وبناء الصداقات والتعارف، بل إن بعضهم يقضي ساعات طويلة يوميًّا على هواتفهم، متجاوزين بذلك مجرد الاستهلاك ليُصبحوا منشئين للمحتوى.
يستثمر أبناء هذا الجيل أدوات التكنولوجيا الحديثة بطرق مبتكرة، متجاوزين الطرق التقليدية التي اعتمد عليها جيل الألفية كالرسائل النصية والمكالمات الهاتفية. فقد تحوَّلت منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” إلى أدوات أساسية للتواصل المباشر، بينما أصبحت الألعاب مساحات للتعاون والتعلم وحتى للتأثير المجتمعي.
علاوة على ذلك، يتبنى الجيل زد بسرعة كبيرة تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإبداع وحَلِّ المشكلات، مع حرص واضح على مساءلة الشركات ومطالبتها بالشفافية والمسؤولية الأخلاقية في استخدام هذه التقنيات([7]).
2 – البُعد القِيَمي:
تكشف الدراسات عن أربعة أنماط سلوكية جوهرية تميّز الجيل زد، جميعها ترتكز على عنصر واحد: البحث عن الحقيقة، حيث يُقدِّر أبناء هذا الجيل التعبير الفردي ويتجنبون التصنيفات الجامدة (القوالب الصلبة)، ويُعبئون أنفسهم من أجل قضايا عديدة، ويؤمنون بعمق بفاعلية الحوار في حَلِّ النزاعات وتحسين العالم، ويتخذون قراراتهم ويتعاملون مع المؤسسات بأسلوب تحليلي وبراغماتي عالي المستوى، وهو ما يميزهم عن الأجيال السابقة التي كانت أكثر ميلًا للمواجهة.
لا يسعى أبناء الجيل زد إلى تعريف أنفسهم من خلال قالب نمطي واحد، بل يفضلون تجربة أشكال متعددة للذات وتشكيل هوياتهم عبر الزمن، ومن ثم يمكن وصفهم بـ”رُحَّل الهوية”. وهم الأكثر انفتاحًا على قضايا لا تتوافق بالضرورة مع المعتقدات السائدة، فهم لا يَعتبرون أنفسهم محاصرين في خيارات محددة، سواء على الصعيد العرقي أو الثقافي، مما يَعكِس رغبة قوية في حرية التعبير والانفتاح على فهم الآخرين.
يَنعكِس هذا البحث عن الحقيقة والتعبير الفردي في سلوكهم كمستهلكين، فالاستهلاك بالنسبة لهم لم يَعُد مجرد امتلاك، بل أصبح وسيلة للتعبير عن الهوية الفردية. كما أن الاستهلاك بات قضية أخلاقية، حيث يتوقعون من العلامات التجارية اتخاذ مواقف أخلاقية واضحة ومتسقة، فهم لا يُميّزون بين أخلاقيات العلامة التجارية وسلوك الشركة الأم وشبكة شركائها([8]).
ورغم أن الخطاب العام يُصوِّر جيل زد بوصفه “الأخضر” والأكثر وعيًا بيئيًا بين الأجيال، فإن البيانات التفصيلية تكشف صورة أكثر تعقيدًا. صحيح أن هذا الجيل يتبنى خطابًا قويًّا بشأن تغيُّر المناخ ويشارك بكثافة في الحملات الرقمية المطالِبة بحلول جذرية، لكن التزامه الشخصي بالممارسات البيئية اليومية – مثل إعادة التدوير أو تقليل استهلاك البلاستيك – أقل مما قد يُتوَقع، ويُعزى هذا الفرق إلى أن أبناء جيل زد لا يرون أن المسؤولية تقع على عاتق الأفراد وحدهم، إذ يَرون أن الاستهلاك الفردي محدود الأثر، بينما الضغط الجماعي على المؤسسات قادر على تحريك عجلة التغيير بشكل أوسع وأكثر تأثيرًا، هذا المنظور العملي يوضح أن دفاعهم عن البيئة يأتي في شكل ضغط سياسي ومجتمعي على المنظمات الكبرى أكثر من كونه مجرد سلوك استهلاكي فردي، فهم يطالبون بالشفافية والمساءلة من الشركات حول ممارساتها البيئية، ويدعمون السياسات التي تعالج أزمة المناخ على نطاق واسع، معتبرين أن التغيير يتطلب تدخل الجهات الفاعلة الكبرى وليس فقط الاعتماد على أفعال الأفراد.
ثالثًا: المحور المعرفي (العبور بين التخصصات والموضوعات)
أفرز السياق الرقمي الذي نشأ فيه جيل زد جيلًا عالي القدرات المعرفية، يشعر براحة كبيرة في جمع المعلومات من مصادر متعددة وربطها ببعضها، وفي الدمج بين التجارب الافتراضية والواقعية. هذه القدرة المعرفية الفائقة جعلتهم قادرين على التنقل بسلاسة بين عوالم متعددة وربط الأفكار بين تخصصات مختلفة بطريقة غير مسبوقة، فهم لا يرون حدودًا واضحة بين المعرفة الرقمية والواقعية([9]).
مع هذا الحضور الرقمي الكثيف، صار الإنترنت بالنسبة للجيل زد فضاءً متكاملًا للعمل والتعلم والتسوق وبناء الصداقات، ولديهم وصول غير محدود إلى مصادر المعرفة الفورية والتعلم الذاتي، متجاوزين بذلك الأساليب التقليدية في اكتساب العلم، فهم لا يكتسبون المهارات من خلال المؤسسات التعليمية التقليدية فحسب، بل يفضلون التعلم الذاتي عبر الإنترنت، مما يجعلهم أكثر اعتمادًا على أنفسهم في تكوين معرفتهم([10]).
ويميل أبناء هذا الجيل إلى اتخاذ قرارات أكثر تحليلية وبراغماتية، ويؤكد 65% منهم أهمية الإحاطة بما يَجري من حولهم والسيطرة على مجريات حياتهم. هذه النظرة التحليلية إلى جانب قدرتهم على جمع المعلومات من مصادر متنوعة، تُشكِّل محورًا معرفيًّا يميزهم، حيث لا يقبلون المعلومات كما هي، بل يحللونها وينتقدونها، ويبحثون عن الحقيقة بأنفسهم من خلال ربط خيوط المعرفة من مختلف التخصصات والموضوعات([11]).
رابعًا: المحور الاقتصادي والمهني
كثيرًا ما يميل أفراد هذا الجيل إلى الادخار وتخصيص جزء من دخلهم للاستثمار، سواء عبر الأسهم أو الأصول الرقمية مثل العملات المشفَّرة. ومنذ عام 2017م ارتفعت نسبة الشباب الذين يمتلكون محافظ استثمارية بشكل واضح، بينما تراجعت أعداد مَن يعيشون بلا أي مدخرات. هذا السلوك لا يَعكِس مجرد حذر مالي، بل يَكشِف عن وَعْي مبكر بالمخاطر الاقتصادية، ورغبة في تحقيق الاستقلالية المالية بعيدًا عن الاعتماد على الأسرة أو المؤسسات. كما أن انفتاحهم على التكنولوجيا المالية (FinTech) وتطبيقات الدفع الذكية يجعلهم أكثر قدرة على متابعة مصروفاتهم اليومية بدقة، والموازنة بين الاستهلاك والمتطلبات المستقبلية([12]).
بالنسبة للعمل، يَرفض جيل زد الصور النمطية التي وصفته سابقًا بالكسل أو “الاستقالة الهادئة”، فأبناؤه يتعاملون مع العمل بمنطق عملي وواقعي، يَضع المرونة والتوازن بين الحياة والمهنة في صميم أولوياتهم، ولا ينظرون إلى التنقل الوظيفي على أنه علامة ضعف في الالتزام، بل وسيلة للنمو وتحقيق الرضا الذاتي، ولهذا يتجه الكثيرون منهم نحو العمل الحر والمشاريع الجانبية التي تعكس شغفهم وتمنحهم استقلالية أكبر.
خامسًا: المحور السياسي (من النشاط الرقمي إلى التأثير على الأرض)
على الرغم من وَصْف البعض لجيل زد بأنه “جيل ضائع” بسبب التحديات التي واجهها، فإن التركيز على معاناتهم يغفل إحدى أبرز سماته، وهي استعداده للدفاع عن التغيير الاجتماعي والسياسي والعمل من أجله.
يلجأ أبناء هذا الجيل سريعًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائهم السياسية، إلَّا أن هذا التعبير لا يقتصر على الفضاء الرقمي، فقد رصدت الدراسات وجود ارتباط وثيق بين النشر عن القضايا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمشاركة في الاحتجاجات المرتبطة بها، وبين التواصل مع المسؤولين المنتخبين بشأنها، وبالتالي فإن النشر والاحتجاج يشكلان نقطة بداية وليس نقطة نهاية لنشاطهم السياسي والمدني، مما يجعلهم قوة فاعلة في إحداث التغيير لسنوات طويلة قادمة، وليس مجرد جيل عابر أو صامت سياسيًّا([13]).
1 – المشاركة المدنية والسياسية:
أحد الأنماط السياسية العالمية البارزة لدى جيل زد هو مستوى المشاركة المدنية والسياسية المرتفع وغير المسبوق، مما يدحض فرضية “الجيل الضائع”؛ ففي الولايات المتحدة، شارك هذا الجيل بفاعلية في حركات اجتماعية وسياسية كبرى مثل “حياة السود مهمة” و”مي تو”، وحركة “مسيرة من أجل حياتنا” المناهضة للعنف المسلح. وتجاوزت مشاركتهم النشاط الرقمي لتشمل احتجاجات فعلية وتواصلًا مباشرًا مع المسؤولين المنتخبين، ولم يتوقف دورهم على النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل جعلوا من النشر نقطة البداية التي تقود إلى انخراط ملموس في القضايا العامة.
هذا النمط ليس محصورًا في الولايات المتحدة فقط، فقد امتدت هذه الحركات إلى مدن أوروبية رئيسية مثل لندن وباريس، وأدَّت إلى ارتفاع غير مسبوق في نسب إقبال الشباب تحت سن 25 على التصويت في الانتخابات الأوروبية، مما يؤكد أن جيل زد يمثل قوة فاعلة ومؤثرة في المشهد السياسي العالمي([14]).
2 – اللامركزية والحشد الرقمي:
يتسم النمط السياسي للجيل زد بالنشاط اللامركزي، والحراكات التي لا قادة لها، والتي تعتمد على الحشد الخوارزمي، مثل حراكات كينيا ونيبال وأمريكا والمغرب.
هذا الحشد هو تعبئة الناس وتنظيم المشاركة في الاحتجاجات أو الحملات السياسية عبر خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك، إنستغرام، إكس)، وليس عبر قيادة مركزية أو تنظيم حزبي تقليدي. أي أن الخوارزميات هي التي تساعد على:
- نشر المحتوى بسرعة
- إيصال الرسائل لأعداد كبيرة من المستخدمين
- توحيد الشعارات والهاشتاغات
- تحفيز الناس على المشاركة والتفاعل
3 – الحوار لحل الخلافات:
لقد تشكل وعي جيل زد في سياق مختلف تمامًا يركز على قضايا الهوية والعدالة الاجتماعية والمساواة، هذا السياق أنتج جيلًا يؤمن بفاعلية الحوار في حل النزاعات، حيث يَرى 49% منهم فقط ضرورة “كسر النظام” لإحداث التغيير، مقارنة بـ57% من الأجيال الأكبر سنًا. إنهم يبحثون عن حلول عملية ويتجنبون التصنيفات الجامدة، مما يَنعكِس في تفضيلهم للبيئات التي تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، سواء في مكان العمل أو في النقاشات السياسية، مما يُمثل تحولًا عن الأساليب التقليدية في العمل السياسي.
4 – تجاوز قناعات الأجيال السابقة:
ثمَّة فجوة جيلية عميقة بين جيل زد والأجيال التي لم تشهد الثورة الرقمية حول القضايا العالمية، وخاصَّة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023م؛ حيث تكشف استطلاعات الرأي عن وجود “زلزال ديمغرافي”، فبينما يتعاطف 54% من الأمريكيّين فوق 65 عامًا مع إسرائيل، فإن 29% فقط من الشباب تحت 30 عامًا يفعلون ذلك، مع تعاطف أكبر مع الفلسطينيّين، ويُفسَّر هذا الانقسام بأنه صراع بين “ثقافة الولاء” التي شكَّلت وعي الأجيال الأكبر سنًا (المستندة إلى الهولوكوست والحرب الباردة)، و”ثقافة العدالة” التي يمثلها جيل زد، والذي يَضع القضية الفلسطينية ضمن إطار عالمي لمكافحة الظلم([15]).
إن الطوفان الثقافي الجديد الذي وقف وراء هذا التحوُّل غذته روافد عديدة، أبرزها أحداث غزة (2023-2024م) التي حولت “تيك توك” إلى مصدر أخبار رئيسي لجيل كامل، حيث نقلت صورًا للمعاناة تجاوزت الإعلام التقليدي. تزامن هذا مع عولمة قضايا العدالة الاجتماعية، حيث أُدرجت القضية الفلسطينية ضمن إطار عالمي لمكافحة الظلم، مستخدمة مصطلحات جديدة مستقاة من الخطاب الأكاديمي النقدي السائد في الجامعات، مما شكَّل وعي جيل زد بالقضية.
5 – الحاجة إلى مزيد خبرة في إدارة الشأن العام:
رغم قدرة حراكات جيل زد على الإطاحة بالحكومات وتغيير البرلمانات، كما حدث في نيبال، إلا أنها تقف عاجزة عن بناء بدائل جاهزة لإدارة الدولة. ويكمن الخطر الحقيقي في قدرة هذه الحراكات على “تفكيك الأنظمة دون إيجاد بديل جاهز”، مما قد يُغرق الدول في فوضى عارمة، خاصَّة وأن أفراد هذا الجيل، رغم حماسهم، يفتقرون إلى الخبرات والمهارات اللازمة لإدارة مرحلة انتقالية. ولكن من زاوية أخرى تتيح حراكاتهم فرصة أمام الأحزاب أو القوى السياسية التقليدية لتولي زمام الأمور لاسيما إذا كانت تلك القوى عملت على ترميز بعض شبابها وتصديرهم لهذا الجيل لقيادة المشهد السياسي بلغة خطاب محايد وبعيد عن التحزب السياسي أو التأطير الفكري، كما في نشاط بعض الشباب المصري في غلق السفارات المصرية في هولندا أثناء حرب الإبادة في غزة، وتصويرها على منصات التواصل وتصديرها بلغة خطاب لا تعبر عن الانتماء لأي حزب سياسي أو خلفية فكرية محددة.
6 – جيل زد والاستقرار:
يُعَد صعود جيل زد كقوة سياسية متغيرًا حاسمًا في تقييم الاستقرار العالمي؛ ففي الدول التي تعاني من هشاشة بنيوية (الدول الاستبدادية)، يُنظر من جانب الحكومات والأنظمة إلى الشباب المتصلين رقميًّا على أنهم خطر محدق يمكن أن يتحول بسرعة كبيرة من التظلم والاحتجاج الإلكتروني إلى تمرُّد في الشارع. وأما في المجتمعات الديمقراطية والأكثر استقرارًا، فإن نشاطهم السياسي لا ينحصر في شكل محدد، كالمظاهرات؛ لوجود مسارات أخرى بديلة للتعبير عن الرأي. وبالتالي فإن فهم هذه الديناميكيات الجديدة، من التنسيق الرقمي إلى الرموز الثقافية المشتركة (علم وان بيس مثلًا)، أصبح ضروريًّا لتحليل السيناريوهات السياسية المستقبلية وفهم التحولات الجذرية التي يشارك جيل زد في تشكيلها على الخريطة السياسية العالمية.
سادسًا: نماذج للحراك السياسي لجيل زد
1 – المغرب:
انطلقت احتجاجات جيل زد بالمغرب (زد 212) في المغرب كرد فعل على تدهور الخدمات العامة، وتحديدًا بعد حوادث وفاة نساء أثناء عمليات ولادة قيصرية فاشلة في مستشفى الحسن الثاني بأكادير، لكن المطالب سرعان ما اتسعت لتشمل رؤية أشمل للإصلاح المجتمعي، حيث طالب المتظاهرون – الذين يغلب عليهم الشباب – بـ “الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية”.
اقتصاديًّا، سلطت الحركة الضوء على مشكلة البطالة المرتفعة بين الشباب التي تصل إلى 35%، والإقصاء من سوق العمل، مطالبة بفرص أفضل، كما طالبوا بإصلاح جوهري لأنظمة التعليم والصحة لتصبح مجانية وعالية الجودة ومتاحة للجميع، ودعوا إلى محاسبة المسؤولين عن الفساد في جميع مستويات الحكومة. علاوة على ذلك، انتقد المتظاهرون أولويات الإنفاق الحكومي، معتبرين أن استثمار أموال طائلة في البنية التحتية لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى يأتي على حساب الخدمات الاجتماعية الأساسية([16]).
تميزت حركة “جيل زد 212” بأنها لا مركزية وبلا قيادة تقليدية، وهو توجُّه مقصود لتجنب الاستيعاب من قبل السلطة أو الانتقام ضد الأفراد. اعتمد المتظاهرون بشكل أساسي على المنصات الرقمية للتنظيم والتواصل، حيث كانت منصة “ديسكورد” (Discord) هي المحور الرئيسي لهم، مجتذبة أكثر من 250 ألف عضو، استخدموا “ديسكورد” مع حسابات VPN لضمان السرية، مما خلق مساحة مدنية للنقاش الفوري وتنظيم الغرف الصوتية لمواجهة الشائعات وتعديل التكتيكات على أرض الواقع. كما استخدموا بودكاستات على يوتيوب لاستضافة صحفيّين ونشطاء. أما تواصلهم مع السلطات، فكان غير مباشر وصعبًا بسبب غياب القيادة المركزية، مما دفع الحكومة إلى القول إن من الصعب التعامل معهم.
عبر المتظاهرون عن مواقفهم من خلال لافتات وبيانات عامة، مثل رفع لافتات مؤيدة للملك للتأكيد على أن نشاطهم وطني وليس معارضًا للنظام الملكي(([17]. ورغم ذلك اتسم رد فعل السلطات المغربية بالتعامل الأمني العنيف.
أسفرت الاحتجاجات عن نتائج مزدوجة؛ فمن ناحيةٍ، كانت هناك عواقب قمعية تمثلت في الاعتقالات الجماعية والأحكام القضائية الصارمة والإصابات. لكن من ناحيةٍ أخرى، حققت الحركة بعض المكاسب السياسية.
على المدى الأوسع، أعادت الاحتجاجات فتح النقاش المدني الذي كان قد اختفى من الحياة العامة، وسلطت الضوء على التحديات الهيكلية المستمرة في المغرب مثل عدم المساواة والبطالة. كما أثبتت الحركة قدرتها على حشد الدعم من خلال تكتيكات أخرى، مثل الدعوة لمقاطعة كأس الأمم الإفريقية والشركات المرتبطة برئيس الوزراء([18]).
2 – نيبال:
تنوعت مطالب المتظاهرين في نيبال بين فئات مختلفة وأزمنة متفاوتة، فمن جهةٍ هناك مطالب تاريخية للمجتمعات المهمشة مثل “جاناجاتي” و”ماديشي”، التي سعت لتحقيق “مشاركة أوسع” و”عدالة اجتماعية” ضمن عملية السلام التي أعقبت الحرب الأهلية (1996-2006م)، واعتبرت أن دستور عام 2015م لم يحقق طموحاتها في الحقوق والمشاركة السياسية، داعية إلى إعادة هيكلة السلطة من خلال الفيدرالية الدستورية، أما احتجاجات “جيل زد” في عام 2025م، فكانت مدفوعة بمطالب أكثر إلحاحًا، تمثلت في رفع الحظر الشامل الذي فرضته الحكومة على منصات التواصل الاجتماعي، ومواجهة الفساد المستشري في السلطة، والذي تجلى في حياة النخبة السياسية المترفة على حساب معاناة الشباب. كما تضافرت مع هذه المطالب أزمة البطالة ونقص الفرص، التي دفعت الكثيرين للهجرة، مما خلق شعورًا بالإحباط والغضب تجاه الحكومة التي فشلت في توفير أساسيات العيش الكريم([19]).
اعتمد المتظاهرون، وخاصَّة جيل الشباب في احتجاجات 2025م، على وسائل التواصل الحديثة لتنظيم أنفسهم والتواصل فيما بينهم. وتميزت هذه الحركة بكونها “بلا قيادة” تقليدية، حيث تجمعت بسرعة على منصة التواصل “ديسكورد” (Discord)، التي شكلت المحور الرئيسي للتنسيق والتشاور. ورغم فرض الحظر على هذه المنصة، إلا أن المتظاهرين تمكنوا من الوصول إليها باستخدام شبكات VPN الافتراضية الخاصَّة. أما فيما يتعلق بتواصلهم مع السلطات، فكان بشكل أساسي من خلال الفعل الاحتجاجي المباشر، حيث تجمعوا في نقاط محددة، وتوجهوا في مسيرات نحو البرلمان، محاولين اختراق الحواجز الأمنية للوصول إلى مقر السلطة التشريعية والتعبير عن مطالبهم بشكل مباشر، وإن كان ذلك قد تصاعد إلى مواجهات عنيفة.
اتسم تعامل السلطات النيبالية مع المتظاهرين بالقوة المفرطة وعدم التناسب، في اليوم الأول. وفي اليوم التالي، اتسم رد فعل السلطات بالغياب شبه التام في البداية، حيث فشلت في حماية الأفراد والممتلكات من أعمال الشغب والحرق التي استهدفت مبانٍ حكومية حيوية مثل البرلمان والقصر الرئاسي والمحكمة العليا، بالإضافة إلى مدارس ووسائل إعلام. لم يتم نشر الجيش إلا في وقت متأخر من المساء لاستعادة النظام. لاحقًا، شكلت الحكومة الانتقالية “لجنة قضائية للتحقيق” في الأحداث، لكنها واجهت انتقادات بضرورة أن تكون شفافة ومستقلة لمحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات([20]).
أسفرت الاحتجاجات العنيفة في نيبال عن نتائج سياسية ومجتمعية فورية وعميقة. على الصعيد السياسي المباشر، أجبرت الاحتجاجات رئيس الوزراء على الاستقالة، تلى ذلك استقالة وزير الداخلية. وقام الرئيس بتشكيل حكومة انتقالية، وتمَّ التوصُّل إلى اتفاق مع ممثلي المتظاهرين يقضي بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة. كما تراجعت الحكومة عن قرارها بحظر منصات التواصل الاجتماعي. على الصعيد المجتمعي، خلفت الاحتجاجات دمارًا واسع النطاق، حيث أُحرقت مبانٍ حكومية رمزية ومؤسسات تعليمية وإعلامية، وسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى. أما على المدى الأطول، فلا يزال مصدر العنف الأساسي – وهو الفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية للمجتمعات المهمشة – قائمًا، مما يجعل نتائج الاحتجاجات مجرد خطوة في مسار طويل نحو تحقيق الاستقرار والعدالة الشاملة في نيبال([21]).
3 – مصر:
تتمثل مطالب جيل زد في مصر (زد 002) في الدعوة إلى إسقاط السيسي وتأسيس حكومة غير فاسدة، وتوفير فرص عمل، وخفض تكاليف السكن والمعيشة، وتطوير قطاعي التعليم والصحة لتوفير خدمات مجانية وعالية الجودة، وضمان استمرارية توفير الماء والكهرباء. ورغم أن هذه المطالب ذات طابع اقتصادي اجتماعي، إلا أنها تعكس رفضًا عميقًا للسياسات الديكتاتورية التي أدَّت إلى تهميش الشباب. هذا التركيز على الحقوق الأساسية ينبع من وعي هذا الجيل بأن تحسين ظروفه المعيشية هو المدخل الأساسي لأي تغيير، وهو ما يفسر تراجع الأيديولوجيا لصالح مطالب عملية ومباشرة، وفي قلبها “الكرامة” و”العدالة الاجتماعية” ككلمات مفتاحية(([22].
يَعتمد جيل زد في تنظيمه وتواصله على الثورة الرقمية، متجاوزًا الأشكال التقليدية للتنظيم السياسي، وتشكل منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق “ديسكورد”، الفضاء الرئيسي لتنسيق الحركات، حيث يبني الشباب “ساحات عامة سيبرانية” تتيح لهم النقاش والتخطيط بعيدًا عن رقابة الدولة. يتميز هذا النموذج باللامركزية وغياب القيادة الواضحة، بهدف تفادي الاستهداف ومنع الاختراق. ولكن لا يوجد تواصل مع السلطات، كما هو الحال في نيبال وبنغلاديش([23]).
تتعامل السلطات مع احتجاجات “جيل زد” بمزيج من القمع الأمني والرقابة الرقمية وحظر بعض المواقع أحيانًا، مدفوعة بهاجس “العدوى الثورية” وذكرى ثورة 2011م. يتجلى هذا التعامل في عمليات رصد واختراق للمجموعات الرقمية، مما يؤدي إلى حملات اعتقال واسعة تطال الشباب المشاركين، وصلت في بعض الحالات إلى حد الإخفاء القسري. يكشف هذا النهج عن فجوة كبيرة بين أدوات جيل زد الرقمية اللامركزية وعقلية الأنظمة الأمنية التي لا تزال تفكر بأساليب الضبط التقليدية، فتعمد إلى حجب المنصات والتضييق على الفضاء الرقمي بدلًا من فتح قنوات للحوار([24]).
تتمثل النتائج المباشرة لتحركات جيل زد في مصر في زيادة قلق السلطات وتصاعد إجراءات القمع المسبق، وليس في تحقيق تغيير سياسي ملموس، فالنظام المصري يعيش في حالة “ارتباك سياسي واضح” و”قلق متزايد” من احتمال انتقال “العدوى الثورية” من دول أخرى مثل المغرب، ويَعتبر هذا الجيل “صداعًا في رأس السيسي”، ومع ذلك يحذر المراقبون من أن “موجات الاعتقال” قد لا تكون “صمام أمان بقدر ما هي وقود إضافي للنار”، مما قد يؤدي إلى “رفع منسوب الاحتقان والغضب” ودفع الجيل إلى “مزيد من التمرد والتحدي”([25]).
سابعًا: حالة “جيل زد” في مصر
تنطلق الدراسات التي تناولت الربيع العربي من فرضية أن جيل الثورات العربية جيل متميز له خصوصية ووضعية اجتماعية متجانسة.
يتكون هذا الجيل من أفراد كثر في مرحلة عمرية محددة، عاصروا تغيرات وأحداثًا تاريخية كبرى أدَّت إلى تشكيل هوية سياسية فريدة لهم بوصفهم جيلًا.
وقد شاركت قطاعات واسعة من هذا الجيل في الحراك السياسي والثوري، وشكَّلت ثورات الربيع العربي هوية جيلية فريدة للأفراد الذين عاصروا هذه الأحداث التاريخية الكبرى وتشكل وعيهم السياسي والثقافي في ظلها. هذه الهوية اكتسبت جوانب استمرارية مستقرة عبر الزمن، مع إمكان بروز جوانب التغيير في الفكر أو السلوك السياسي في مراحل لاحقة. ويعتبر الحدث المؤسس ممثلًا في الثورات، هو العامل الأساسي في خلق وعي وهوية جيلية سياسية متميزة عن الأجيال الأخرى.
على الرغم من وجود هذه الهوية الجيلية الموحدة، فإن جيل الثورات يضم وحدات جيلية متعددة منقسمة على أسس أيديولوجية وفكرية، فبعضها يكون أكثر محافظة وبعضها أكثر يسارية، وتميل العلاقة بين تلك الوحدات الجيلية إلى التعاون أو الصراع بعضها مع بعض، بحسب السياق السياسي والأحداث. وهذا التعدد الداخلي لا يلغي وجود الهوية الجيلية العامة، ولكنه يضيف تعقيدًا إلى ديناميكيات الحراك الجيلي في المشهد السياسي المصري([26]).
السمات الخاصة بجيل زد في مصر:
يتمتع جيل زد في مصر بخصائص وسلوكيات مميزة، تشكَّلت بفعل البيئة الرقمية من جهةٍ، وبفعل الخبرات السياسية والاجتماعية التي مرَّت بها البلاد خلال العقد الأخير من جهةٍ أخرى. ويمكن رصد أبرز هذه السمات فيما يلي:
- المقاومة بالفكاهة وثقافة الـ”Memes” (صور أو مقاطع فيديو أو عبارات قصيرة تُنشَر على الإنترنت بشكل ساخر أو طريف، ويتم تداولها وتعديلها بسرعة بين الناس) كخطاب سياسي: إذ لا يقتصر استخدام الميمز لدى الجيل زد على التسلية، بل يتحول إلى أداة نقد ومقاومة رمزية، تُسهِم في تفكيك الخطاب الرسمي، والسخرية من القيود، وكشف التناقضات السياسية والاجتماعية بأسلوب سريع الانتشار وسهل التلقي.
- تسييس أدوات الترفيه: يُعَد استفتاء ديسكورد الأخير في مصر عن عزل السيسي تسييسًا لأدوات الترفيه، بتحويل خوادم الألعاب (Gaming Servers) ومنصات الدردشة إلى مساحات للاستفتاء السياسي (كما في واقعة ديسكورد)، وهو ما يُعرَف بـ “السياسة البديلة”، حيث أن إجراء استفتاء رمزي يَعكِس فقدان الثقة في القنوات السياسية الرسمية ورغبة لجيل زد في إيجاد “شرعية بديلة”. وفي المقابل، فإن الحجب التقني الذي تعرَّض له التطبيق في مصر يَعكِس اعتراف السلطة بقوة هذا الفضاء في الحشد والتأثير.
- الوعي التاريخي الرقمي: رغم أن أبناء هذا الجيل لم يعاصروا ثورة يناير 2011م كفاعلين، إلَّا أنهم “ورثوا” دروسها رقميًّا، مما جعلهم أكثر حذرًا في التنظيم وأكثر براعة في استخدام أدوات التشفير والـ VPN، والمنصات غير التقليدية.
2 – التواصل الفعَّال مع جيل زد في مصر:
للتواصل الفعَّال مع جيل زد في مصر، ثمَّة مجموعة من الاعتبارات والأساليب التي ينبغي مراعاتها، من أبرزها ما يلي:
- استخدام اللغة المباشرة: يُفضِّل جيل زد الخطاب الواضح والصريح والبعيد عن الإنشاء والمبالغة، كما ينفر من النبرة الأبوية أو الوعظية. لذلك فإن التواصل الأكثر تأثيرًا هو الذي يقوم على الندية واحترام عقل المتلقي، مع الاعتراف بالمشكلات بدل إنكارها أو تجميلها.
- الاعتماد على المحتوى البصري السريع والقصير: بحكم طبيعة استهلاك جيل زد السريع للمحتوى، فإن هذا الجيل يتفاعل بدرجة أكبر مع الرسائل المختصرة ذات الطابع البصري، مثل الفيديوهات القصيرة على (TikTok / Reels)، والإنفوجراف، والرسائل المركزة التي تصل إلى الفكرة بسرعة دون إطالة، مع استخدام أمثلة واقعية ولغة قريبة من حياتهم اليومية.
- الوصول إليهم عبر المنصات التفاعلية: لا يقتصر حضور جيل زد على المنصات التقليدية مثل فيسبوك، بل يتحرك داخل مساحات أكثر خصوصية وتفاعلية مثل (Discord) و(Telegram) ومجتمعات الألعاب (Gaming Communities)، حيث يشعرون بقدر أكبر من الحرية والانتماء. ومن ثم فإن الوصول إليهم يتطلب التواجد داخل هذه البيئات وليس الاكتفاء بالمنصات العامة.
- عدم تأطير الخطاب: يميل جيل زد إلى رفض الاصطفافات التنظيمية الصلبة، ولا ينجذب بسهولة إلى الخطاب الحزبي أو المؤسسي المباشر. لذا يكون الخطاب الأكثر قبولًا هو الذي يَمُر عبر مبادرات شبابية وفرق عمل تطوعية أو مجتمعية، ويَظهر في صورة “مشروع” أو “حملة” أو “فكرة” أكثر من كونه دعاية لجماعة أو تيار، حتى لو كان يحمل خلفية فكرية أو قيمية معينة.
- الخطاب الإنساني: يتفاعل جيل زد مع الخطاب الذي يتجاوز الحدود الضيقة ويُركِّز على القِيَم الإنسانية الكبرى، مثل العدالة والكرامة وحقوق الإنسان، مع ربطها بالقضايا القومية والدينية التي تمسُّ وجدانهم. فكلما كان الخطاب جامعًا وغير إقصائي، ويؤكد التضامن مع المظلومين ويَطرح حلولًا واقعية، كان أكثر قدرة على التأثير وكسب الثقة.
خاتمة
تُظهِر هذه الورقة أن جيل زد لا يمكن اختزاله في توصيفات سطحية من قبيل «الجيل الضائع» أو «الجيل الرقمي المنفصل عن الواقع»، بل هو جيل تَشكَّل وعيه في قلب أزمات مركَّبة، وأعاد إنتاج أدوات الفعل الاجتماعي والسياسي بما يتناسب مع سياقه التاريخي والتقني.
فخصوصية هذا الجيل لا تكمن فقط في كونه رقميًّا أصليًّا، بل في قدرته على تحويل الفضاء الرقمي إلى مجال لبناء الهوية، وصياغة السرديات، وممارسة الضغط السياسي، وتشكيل شرعيات بديلة تتجاوز القوالب المؤسسية التقليدية.
وتُبيّن الورقة أن أنماط مشاركة جيل زد، رغم ما يعتريها من ضعف تنظيمي وافتقار إلى بدائل جاهزة لإدارة الشأن العام، تمثل في جوهرها تحوُّلًا بنيويًّا في مفهوم السياسة ذاته؛ من السياسة الهرمية المؤدلجة إلى سياسة شبكية، لامركزية، قائمة على القضايا والرموز والثقافة الشعبية.
وفي السياق المصري، يتقاطع هذا الوعي مع ميراث ثورة يناير، ليُنتِج جيلًا أكثر حذرًا، وأشد براعة في المناورة الرقمية، وأكثر ميلًا للخطاب الإنساني العابر للأيديولوجيات.
وعليه، فإن التعامل مع جيل زد بوصفه خطرًا أو عبئًا يُفَوِّت فرصة تاريخية لفهم أحد أهم محركات التغيير القادمة. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في كبح هذا الجيل، بل في بناء جسور شراكة معه، واستيعاب لغته وأدواته، وتحويل طاقته الاحتجاجية إلى مشروع سياسي واجتماعي قادر على إحداث تغيير مستدام، يوازن بين الطموح الثوري ومتطلبات الواقع.
([1])Pew Research Center, Where Millennials end and Generation Z begins, 17 January 2019, https://2cm.es/1j0j3
([2]) عربي بوست، نظرية الأجيال.. كيف تؤثر التجارب المشتركة على تشكيل الوعي الجماعي داخل المجتمع، 28 أغسطس 2024م، https://linksshortcut.com/Mfjks
[3] Dimock, Michael, Defining generations: Where Millennials end and Generation Z begins, Pew Research Center, 2019, P: 2-3, https://2cm.es/1o6I2
([4]) الجزيرة نت، الجيل زد.. الجيل الرقمي الأصلي الذي ولد في قلب التكنولوجيا، 18 سبتمبر 2025م، https://linksshortcut.com/FchAg
([5]) ثقافة البوب (Pop Culture) هي ببساطة كل ما هو رائج ومؤثّر في حياة الناس اليومية – خصوصًا عند الشباب – من ترفيه وإعلام وأسلوب حياة. هي الثقافة “السائدة” اللي نعيشها ونستهلكها كل يوم، أحيانًا بدون ما ننتبه. تشمل مثلًا: الأفلام، والمسلسلات، والموسيقى، والسوشيال ميديا، والموضة، والألعاب، والشخصيات المشهورة، و… إلخ.
([6])Insight Forward, Generation Z and the New Geography of Protest (Gen Z Global Protest Risk Index report), 27 October 2025, URL:https://linksshortcut.com/OchZi
([7]) الجزيرة نت، الجيل زد.. الجيل الرقمي الأصلي الذي ولد في قلب التكنولوجيا، 18 سبتمبر 2025م، https://linksshortcut.com/FchAg
([8])McKinsey and Company، True Gen: Generation Z and its implications for companies, 12 November 2018, URL: https://linksshortcut.com/Yszte
([9])McKinsey and Company، True Gen: Generation Z and its implications for companies, 12 November 2018, URL: https://linksshortcut.com/Yszte
([10]) الجزيرة نت، الجيل زد.. الجيل الرقمي الأصلي الذي ولد في قلب التكنولوجيا، 18 سبتمبر 2025م، https://linksshortcut.com/FchAg
([11])McKinsey and Company، True Gen: Generation Z and its implications for companies, 12 November 2018, URL: https://linksshortcut.com/Yszte
([12]) الجزيرة نت، الجيل زد.. الجيل الرقمي الأصلي الذي ولد في قلب التكنولوجيا، تاريخ النشر: 18 سبتمبر 2025م، https://linksshortcut.com/FchAg
([13])Rice, G., and Moffett, K. (2021). Generation Z: The Future is Now. Cicero Foundation. URL: https://www.cicerofoundation.org/wp-content/uploads/Rice_Moffett_Generation_Z.pdf
([14])Rice, G., and Moffett, K. (2021). Generation Z: The Future is Now. Cicero Foundation. URL: https://www.cicerofoundation.org/wp-content/uploads/Rice_Moffett_Generation_Z.pdf
([15]) الجزيرة نت، صراع الأجيال الغربية حول صورة إسرائيل، 21 يونيو 2025م، https://linksshortcut.com/nWKzS
([16]) CNN. (2025, October 29). Morocco charges more than 2,400 people over Gen Z protests, https://2cm.es/1j4Yp
([18]) Yerkes, S., and Selfe, K. (2025, October). Morocco’s Gen Z Uprising. Carnegie Endowment for International Peace, https://2cm.es/1j4-U
([19]) The Guardian. (2025, December 30). What drove Gen Z protests that brought down governments and called out corruption? Five activists explain, https://2cm.es/1j4-m
([20]) Human Rights Watch. (2025, November 19). Nepal: Unlawful Use of Force During Gen Z Protest, https://2cm.es/1j4Z9
([21]) Conciliation Resources. (2017). Nepal: Two Steps Forward, One Step Back – The Nepal Peace Process, https://2cm.es/1o77K
([22]) الجزيرة نت، جمهورية “الذات”: جيل زد العربي والهروب إلى تطوير النفس، 25 يناير 2025م، https://2cm.es/1o77D
([23]) نون بوست، جيل “زد” صداع في رأس السيسي؟، 17 ديسمبر 2025م، https://www.noonpost.com/347661/
([25]) الجزيرة نت، جمهورية “الذات”: جيل زد العربي والهروب إلى تطوير النفس، 25 يناير 2025م، https://2cm.es/1o77D
([26]) مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، آفاق اجتماعية – الجيل „Z“ .. ومستقبل الفجوة بين الأجيال، مايو 2022م، https://linksshortcut.com/HIjkn




