أوراق بحثية

مستقبل الاستراتيجية العسكرية المصرية في ضوء الحرب على إيران وتنامي الحروب غير المتماثلة

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

ملخص

كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عن تحولات جوهرية في طبيعة الصراعات المسلحة وكيفية إدارة العمليات خلال المعارك، سواء في الهجوم أو الدفاع، إذ أثبتت هذه الحرب أن الصواريخ الباليستية، والطائرات المُسيَّرة، والإعاقة الإلكترونية، والقدرات السيبرانية، لم تعد مجرد أسلحة معاونة، بل أصبحت عناصر أساسية في بيئة الحروب الحديثة.

كما برهنت الأحداث على أن الحشد الكمي للجيوش التقليدية وتراكم ترسانات الأسلحة لم يعد كافيًا لضمان الردع الاستراتيجي، أو توفير الحماية المطلقة للبنى التحتية المهمة والأهداف الاستراتيجية للدول في مواجهة التهديدات غير المتماثلة.

​وتكتسب هذه التحولات أهمية قصوى بالنسبة إلى الدولة المصرية بوصفها القوة العسكرية النظامية الرئيسة في محيطها الإقليمي، وكذلك بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي الهام في القلب من محيط جغرافي مضطرب يتسم بتداخل مسارح العمليات والتهديدات غير المتماثلة، سواء على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي، أو في عمق نطاق البحر الأحمر والمضايق الحاكمة، أو على امتداد حدودها البرية الشاسعة غربًا وجنوبًا.

​بناءً على ذلك، تفرض هذه المتغيرات تساؤلات جوهرية حول مدى مرونة الاستراتيجية العسكرية المصرية في استيعاب هذه التحديات، ومستوى الحاجة لإعادة هندسة العقيدة العسكرية، وإعادة ترتيب أولويات خطط بناء وتحديث القدرات المسلحة، لا سيما مع بروز “إشكالية التكلفة الاقتصادية للاعتراض” والفجوة الكبيرة بين قيمة الصواريخ الاعتراضية الثمينة والتكلفة الزهيدة للمسيرات الانتحارية والصواريخ الموجهة، وهو ما يتطلب حلولًا دفاعية غير تقليدية لحماية الأمن القومي المصري مستقبلًا.

تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الحروب غير المتماثلة لا تلغي دور الجيوش النظامية، لكنها تفرض الانتقال من عقيدة “الحشد الكمي للسلاح والردع التقليدي” إلى عقيدة “المرونة العملياتية والردع غير المتماثل”، وذلك عبر التوسع في التصنيع الدفاعي الوطني النوعي للمُسيَّرات الحديثة وبناء القدرات الصاروخية، ودمج التشكيلات المقاتلة بشبكات الدفاع الجوي والصاروخي، وتطوير تكتيكات مكافحة الأسراب المُسيَّرة، بالتوازي مع تسريع الاندماج التدريجي في مفاهيم الحرب متعددة المجالات.

​مقدمة

يمر الفكر العسكري العالمي بمرحلة حرجة من إعادة التقييم، مدفوعًا بالطفرات التكنولوجية المتسارعة التي أعادت تعريف مفهوم القوة العسكرية وأدواتها القتالية، والتي أنتجت أسلحة منخفضة التكلفة الاقتصادية لكنها ذات قدرة تدميرية كبيرة وأثر استراتيجي ومعنوي هائل.

وقد أثبتت الوقائع الميدانية نجاح أساليب وأسلحة الحرب غير المتماثلة في كسر احتكار الجيوش الكبرى التقليدية لعوامل التفوق، مما نقل الحروب غير المتماثلة من الهامش إلى صدارة المشهد العملياتي في الفكر العسكري.

وقد مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأبعادها الدولية والتدخل العسكري الأمريكي المباشر فيها خلال الفترة من 28 فبراير إلى منتصف يونيو 2026م أحد أبرز الاختبارات العملي  لأنماط الحروب المستقبلية. حيث كشفت الجولات الصاروخية والهجمات بالطائرات المُسيَّرة الكثيفة عن محدودية السيطرة الجوية التقليدية في تأمين العمق الاستراتيجي للدول أمام تكتيكات “التعمية الإلكترونية” و”الإغراق والتشبع” لشبكات الرادار والدفاع الجوي.

وبالنسبة إلى مصر، تكتسب هذه الدروس أهمية استثنائية؛ فهي تمتلك أضخم مؤسسة عسكرية تقليدية في المنطقة، وتعتمد على استراتيجية تشكَّلت ملامحها تاريخيًّا منذ معاهدة السلام، وارتكزت على الحفاظ على تفوق نظامي بري وبحري وجوي، بالاعتماد على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مع محاولات في تنويع مصادر السلاح زادت وتيرتها خلال العقد الماضي، ​حيث إن مسارح العمليات المحيطة بمصر وفي الشرق الأوسط عمومًا لم تعد تعترف بقواعد الاشتباك القديمة، إذ أظهرت العمليات العسكرية في قطاع غزة والتهديدات البحرية في البحر الأحمر، ثم الحرب على إيران أن القوى العسكرية من غير الدول، والخصوم الإقليميين، أصبحوا قادرين على تهديد الأمن القومي والمنشآت الحيوية في العمق الاستراتيجي للدول، وذلك باستهداف الممرات الملاحية، ومنشآت الطاقة، ومراكز الاتصالات، وهو ما يضع العقيدة العسكرية المصرية أمام واجبات التطوير الحتمي.

إشكالية الدراسة

​تتبلور إشكالية الدراسة في التساؤل الجوهري التالي: ما هي انعكاسات نجاح القدرات العسكرية والتأثيرات الاستراتيجية للحرب غير المتماثلة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على مستقبل الاستراتيجية العسكرية المصرية؟ وإلى أي مدى يمكن تطويع وتحديث العقيدة القتالية وتوزيع القوات المسلحة المصرية لضمان تفوقها في مواجهة التهديدات العابرة للحدود والأنماط القتالية المختلطة خلال العقد المقبل؟

​فرضية الدراسة

تقوم الدراسة على فرضية أساسية مفادها أن صعود الحروب غير المتماثلة والأنظمة الذكية لا يعني نهاية عصر الجيوش النظامية، بل يوجب عليها التوجُّه نحو نوعيات حديثة من التسليح، وأسلوب التعبئة والانتشار للقوات، وحسابات التكلفة الاقتصادية والتشغيلية لنوعيات الأسلحة سواء في الهجوم أو الدفاع، وذلك من خلال حتمية استراتيجية نحو توطين الصناعات الدفاعية، وإدخال منظومات اعتراض غير متماثلة تعتمد على تقنيات الطاقة الموجهة مثل أشعة الليزر والمدافع الذكية، ودمج الأسلحة التقليدية ضمن مظلة قيادة وسيطرة موحدة ومؤمنة سيبرانيًّا وضد الإعاقة الإلكترونية، وقادرة على إحباط تكتيكات الإغراق الراداري، وتحويل الجيش من قوة حشد وتصادم تقليدي إلى قوة استجابة دفاعية فورية، أو القدرة على تنفيذ ضربات جراحية استباقية تستهدف منصات الإطلاق طبقًا للتهديدات المحيطة أو في عمق مسرح عمليات الشرق الأوسط.

منهجية الدراسة

تعتمد الدراسة على ثلاثة مناهج علمية، حيث يُستخدَم المنهج الوصفي لرصد التحولات الناشئة في مسرح العمليات والأنظمة غير المأهولة. ويُوظَّف المنهج التحليلي كأداة رئيسة لتفكيك المبادئ العسكرية لحرب عام 2026م وإسقاط ذلك على البنية الحالية للجيش المصري، لقياس مدى ملاءمتها للتهديدات غير المتماثلة المستحدثة.

وتمَّ استخدام المنهج المقارن للمقارنة العملياتية والاقتصادية بين تكتيكات الحرب النظامية التقليدية والأنماط القتالية غير المتماثلة القائمة على التكنولوجيا رخيصة التكلفة وأسراب المُسيَّرات، بهدف تحديد حجم فجوة التكلفة الاقتصادية وتأثيرها على القدرات الدفاعية المصرية، واستشراف سيناريوهات تطوير العقيدة العسكرية المصرية بناء على معطيات واقعها الجغرافي والاقتصادي والسياسي.

أهمية الدراسة

تستمد الدراسة أهميتها من تزامنها مع إعادة صياغة التوازنات الدفاعية في الشرق الأوسط عقب التوصُّل لاتفاق وقف إطلاق النار بين إيران من جهةٍ والولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ أخرى في يونيو 2026م، وضرورة تقديم رؤية استشرافية لمتخذ القرار المصري حول كيفية حماية الأصول الاستراتيجية للدولة، مثل (قناة السويس، وحقول الغاز، والمجال الحيوي، والعمق الاستراتيجي للدولة) في بيئة حرب حديثة قائمة على الاستهداف السيبراني، والإلكتروني، والطائرات المُسيَّرة، والزوارق الانتحارية، والصواريخ الباليستية.

​أهداف الدراسة

  • ​استخلاص المبادئ العسكرية المستحدثة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران خلال عام 2026م وتأثيرها على نظريات الردع التقليدية.
  • ​قياس مستوى الفاعلية العملياتية للاستراتيجية الدفاعية المصرية الحالية في مواجهة أنماط “الحروب غير المتماثلة”.
  • ​رسم خارطة طريق مقترحة لتطوير العقيدة القتالية المصرية والتحول نحو تطوير أداء التشكيلات المقاتلة والتوجه نحو الصناعات العسكرية الوطنية.

​المحور الأول: الحرب على إيران والتحولات في مسرح العمليات المعاصر

لم تعد الصراعات المسلحة المعاصرة تُدار بالقواعد التقليدية ذاتها التي استقرت عليها الجيوش الكبرى في العقود الماضية. فقد قدمت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عام 2026م، بمواجهاتها المباشرة والتواجد العملياتي الأمريكي، دليلًا عمليًّا على أن أدوات إنتاج القوة العسكرية وأساليب إدارتها تمر بمرحلة تحول جذري في الفكر العسكري. حيث يمكن استخلاص أبرز هذه التحولات الحاكمة في النقاط التالية:

أولًا: تجاوز مفهوم السيطرة الجوية الشاملة

​لعقود طويلة استندت العقائد العسكرية إلى أن السيطرة على المجال الجوي تضمن القدرة على حسم المعركة وضمان حماية العمق الاستراتيجي للدول. إلا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أثبتت أن استراتيجيات الإغراق الصاروخي وحشد الطائرات المُسيَّرة قادرة على تحييد هذا التفوق. وذلك من خلال إطلاق مئات الطائرات المُسيَّرة الانتحارية وكذلك الصواريخ الباليستية في آن واحد، حيث نجح المهاجم نجاحًا مشهودًا في الوصول بشبكات الرادار ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة إلى نقطة التشبع التشغيلي(Saturation Point) ، وهي الحالة التي تعجز فيها منظومات الدفاع الجوي عن معالجة أو اعتراض الأهداف المعادية، نتيجة تدفقها بأعداد تفوق القدرة الاستيعابية القصوى لمستشعرات الرصد ومنصات الإطلاق في وقت واحد.

هذا الأسلوب يُنهِك بطاريات صواريخ الاعتراض ويعجزها عن التعامل مع كافة الأهداف المهاجمة المتزامنة، مما يَعني أن السيطرة الجوية التقليدية(Conventional Air Superiority) ، وهي الهيمنة الكاملة لسلاح الجو فوق مسرح العمليات لمنع طيران العدو من التدخل واختراق المجال الجوي، لم تعد توفر حصانة مطلقة للعمق الاستراتيجي للدول.

وقد تجلَّى هذا بوضوح في الهجمات الصاروخية المكثفة التي شنتها إيران في بدايات المعركة مع الولايات المتحدة، حيث أطلقت أسرابًا متزامنة من المُسيَّرات والصواريخ الباليستية، مما أدَّى إلى خلل في قدرات الرادارات الدفاعية، وأحدث ثغرات واضحة في منظومات الدفاع الجوي المتقدمة للخصوم في عدة مواقع حيوية([1]).

ثانيًا: معضلة الفجوة الاقتصادية بين تكلفة الهجوم والدفاع

​أبرزت الحرب فجوة اقتصادية خطيرة أثرت على حسابات الردع، وهي عدم التماثل في تكلفة السلاح بين الهجوم والدفاع (Cost Imbalance) وهي الفجوة المالية الحادة الناتجة عن اضطرار المدافع لاستخدام صواريخ تكنولوجية اعتراضية باهظة الثمن بملايين الدولارات، لصد مقذوفات أو مُسيَّرات انتحارية هجومية زهيدة التكلفة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات.

فالطرف المهاجم يعتمد على طائرات مُسيَّرة وصواريخ موجهة زهيدة التكلفة وسهلة التصنيع المحلي بكميات ضخمة، في حين يضطر الطرف المدافع إلى استخدام صواريخ اعتراضية حديثة تكلفتها تصل لملايين الدولارات لمنظومة تشغيل الإطلاق والصاروخ الدفاعي ذاته.

هذا الخلل يُحول معارك الدفاع الجوي إلى معارك استنزاف مالي واقتصادي حاد وكذلك ضعف القدرة على تعويض المستهلك من الصواريخ، حيث يمكن للخصم استهلاك مخزون الدولة المدافعة من الذخائر الثمينة بتكلفة مادية بسيطة واعتمادًا على الصناعات العسكرية المحلية، مما يعيد صياغة مفهوم الردع من حيث القدرة على الاستمرار في تحمل حرب استنزاف طويلة – وهو ما ظهر جليًّا خلال هذه الحرب – في ظِل هذه التكلفة الباهظة للدفاع.

وقد ظهرت معالم هذه الفجوة بوضوح بعد أسابيع من المواجهات المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ وإيران من جهةٍ أخرى، حيث أدَّت الكلفة التقديرية العالية للمواجهات – التي تضع صاروخًا اعتراضيًّا حديثًا تكلفته ملايين الدولارات في مواجهة مُسيَّرة انتحارية لا تتخطى كلفتها آلاف الدولارات – إلى استنزاف مالي حاد، مما أسفر عن مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج تحديًا حرجًا تمثَّل في التناقص السريع للذخائر ونفاد أجزاء رئيسة من المخزون الاستراتيجي من صواريخ الاعتراض الجوي([2])([3]).

ثالثًا: أساليب الحرب متعددة المجالات

​لم تعد المعركة معزولة في ميدان بري أو بحري أو جوي محدد، بل دارت خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عام 2026م عبر تداخل كامل للمجالات التقليدية في مسرح العمليات مع مجالات الفضاء، والعمليات السيبرانية، والإعاقة الإلكترونية، وهو ما يُعرَف بالعمليات متعددة المجالات (Multi Domain Operations)، وهو مفهوم قتالي يدمج وينسق العمليات العسكرية والتي قد تصل حتى خمسة مجالات أساسية متزامنة: البر، البحر، الجو، الفضاء، والفضاء السيبراني والإلكتروني، لتحقيق تفوق عملياتي موحد. وقد تجلَّى ذلك في أمرين:

  • التعمية الإلكترونية والشلل السيبراني: استخدام تكتيكات التشويش المكثف (Electronic Jamming)، وهي عملية إرسال موجات كهرومغناطيسية مشوشة على ذات ترددات رادارات العدو لتعطيلها أو منعها من استقبال البيانات الصحيحة، وكذلك هجمات سيبرانية منسقة لتعطيل شبكات الاتصال العسكرية وشل مراكز القيادة والسيطرة. وقد ظهر ذلك عمليًّا في الهجمات السيبرانية والإلكترونية المنسقة التي سبقت الضربات الصاروخية الجوية، حيث عُطلت مراكز الاتصال والقيادة الحيوية وشُلَّت قدرتها على التنسيق اللحظي([4]).
  • تداخل مسارح العمليات: ويعني ترابط جبهات القتال، حيث إن الحدث في النطاق البحري كمثال يتأثر فورًا بـالمعلومات الاستخباراتية لبدء الهجمات بالصواريخ الباليستية والقدرة على اعتراضها، مما يجعل النجاح العسكري في قيادة العمليات مرهونًا بقدرة القيادة على إدارة كل هذه الأبعاد في وقت واحد وبشكل مترابط ومؤمَّن. وقد تمثل ذلك في الربط الفوري بين بيانات الرصد المبكر من الأقمار الصناعية في مجال الفضاء وبين توجيه زوارق الدورية والاعتراض البحري في مضيق هرمز لصد الهجمات المتدفقة بشكل مترابط([5]).

رابعًا: الأثر التدميري لأساليب الحرب غير المتماثلة للأحزاب المسلحة وحركات المقاومة

​أثبتت النماذج الأخيرة في قطاع غزة والبحر الأحمر أن الجيوش الهجينة (Hybrid Armies)، وهي تشكيلات قتالية تجمع بين تكتيكات حرب العصابات غير النظامية خفيفة الحركة وبين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والمنظمة، أو الجماعات المسلحة المؤثرة من خارج الدول المعترف بها (Non-State Actors)، أصبحت تمتلك تكنولوجيا عسكرية وصناعة سلاح محلية تمنحها قدرة على تحقيق تأثيرات استراتيجية تتجاوز حجمها بكثير. فلم تعد حركات المقاومة والأحزاب تعتمد فقط على الأسلحة الخفيفة أو تكتيكات حرب العصابات التاريخية، بل تمكنت من استخدام الطائرات المُسيَّرة والصواريخ الدقيقة لتهديد ممرات ملاحية دولية حيوية، واستهداف موانئ وبنى تحتية مؤثرة للغاية على المدى البعيد، وشل حركة التجارة والاقتصاد، دون الحاجة للدخول في مواجهة برية مباشرة مع الجيوش النظامية الكبرى.

وفي الحرب على إيران، وأيضًا خلال الحرب على قطاع غزة، برز دور حركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن كنموذج تطبيقي بارز؛ حيث أسندت الحركة الجبهة الإيرانية والمقاومة في غزة عسكريًّا عبر إشعال جبهة موازية في البحر الأحمر، مستخدمةً المُسيَّرات الانتحارية والصواريخ الباليستية الموجهة لتهديد الملاحة الدولية واستهداف العمق الإسرائيلي، مما أحدث إرباكًا استراتيجيًّا في حسابات القوى النظامية الكبرى وحلفائها دون الحاجة لصدام بري مباشر([6]).

​المحور الثاني: الاستراتيجية العسكرية المصرية والتهديدات الإقليمية الناشئة

عند النظر إلى المؤسسة العسكرية المصرية، نجد أنها نتاج عقيدة تطورت منذ معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية وعلى مدى العقود الأخيرة وفق حسابات استراتيجية كلاسيكية ومحددات سياسية مرتبطة بالعلاقة بالولايات المتحدة الأمريكية وبرنامج المعونة العسكرية. ولفهم كيفية استجابة هذه الاستراتيجية للتحولات المعاصرة في مسارح العمليات، يتعين تحليل الواقع الهيكلي الحالي للجيش المصري والبيئة الأمنية المحيطة به.

أولًا: ميراث عقيدة الحشد الكمي والمركزية البرية

منذ توقيع معاهدة السلام في عام 1979م، استند الفكر الدفاعي المصري إلى بناء قوة ردع نظامية ضخمة ترتكز في الأساس على التفوق العددي والكمي، مع إعطاء مركزية واضحة للقوات البرية وسلاح المدرعات والمشاة الميكانيكي لحماية الحدود البرية الشاسعة من أي غزو تقليدي معادي.

ومفهوم الردع التقليدي(Conventional Deterrence)  يعني إحباط نية الخصم في الهجوم عبر استعراض الدولة لترسانة سلاح نظامية ضخمة تفرض عليه توقع كلفة بشرية ومادية باهظة في حال الصدام المباشر. وتتمثل هذه القوة في امتلاك مصر لواحد من أكبر أساطيل دبابات القتال الرئيسية في المنطقة، يشمل دبابات M1A1 Abrams المجمعة محليًّا، ودباباتM60 ، كجزء من بنية عسكرية مصممة تاريخيًّا لخوض معارك برية كبرى وصيانة توازن القوى الإقليمي([7]).

ثانيًا: قيود تبعية التسليح والارتباط السياسي

ارتبط برنامج تطوير الجيش المصري لعقود طويلة بـالمساعدات العسكرية الأمريكية، ورغم أن هذا التمويل منح مصر ميزة الحصول على دبابات متطورة ومقاتلات حديثة، إلا أنه فرض قيودًا هيكلية واضحة أثرت على استقلالية القدرة النوعية في اتجاهين:

  • تحديد المدى العملياتي والنوعي: حرمان مصر من الحصول على أسلحة هجومية بعيدة المدى أو شفرات تكنولوجية حساسة قد تخل بالتفوق النوعي الإسرائيلي. وقد تجلَّى ذلك بشكل صارخ في القيود الأمريكية المستمرة التي منعت تزويد مقاتلات F-16 المصرية بصواريخ جو-جو حديثة وعابرة لمدى الرؤية، مثل عائلة صواريخ (AMRAAM)، مما حصر تسليح سلاح الجو المصري في صواريخ أقصر مدى وأقل قدرة على المناورة في معارك الجو الحديثة([8]).
  • قيود الهندسة العكسية ونقل التكنولوجيا: اشتراط بقاء الأنظمة البرمجية الحساسة وعمليات التحديث الرئيسية تحت إشراف أو داخل منشآت أمريكية، مما حدَّ من قدرة القوات المسلحة المصرية على توطين تكنولوجيا الصيانة أو تعديل الأكواد البرمجية القتالية بشكل مستقل([9]).

ثالثًا: سياسة تنويع مصادر السلاح وعوائقها

في العقدين الأخيرين، اتخذت مصر قرارًا استراتيجيًّا بكسر الاحتكار التسليحي عبر تنويع الموردين والانفتاح على قوى دولية مثل فرنسا (شراء مقاتلات رافال وحاملات مروحيات ميسترال)، وروسيا، وألمانيا، والصين، وذلك لتقليل الاعتماد المطلق على واشنطن وتحقيق استقلالية أكبر في القرار السياسي والعسكري([10]).

ومع ذلك، اصطدمت هذه السياسة بنوعين من العوائق الحتمية:

  • العوائق السياسية والتشريعية الدولية: واجهت الإرادة المصرية ضغوطًا سياسية واقتصادية أمريكية حادة لمنعها من المضي قدمًا في الصفقات الشرقية النوعية. وتجلَّى ذلك بوضوح في إجبار مصر على تجميد وعدم استكمال صفقة مقاتلات التفوق الجوي الروسية الحديثة من طراز “سوخوي-35” (Su-35)، بعد أن لوَّحت واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية صارمة على القاهرة بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)، وهو التشريع الفيدرالي الأمريكي الذي يستهدف معاقبة أي دولة تُبرِم “صفقات ضخمة” مع قطاعات الدفاع أو الاستخبارات الروسية، مما حدَّ من قدرة مصر على تنويع الطائرات المقاتلة الحديثة لسلاحها الجوي([11]).
  • العوائق التشغيلية والتقنية: دمج الأسلحة المتنوعة اصطدم بمعضلة التكامل والربط البيني (Interoperability)، وهي قدرة المنظومات القتالية والرادارية ذات المنشأ المختلف تكنولوجيًّا “شرقي وغربي” على الاتصال وتبادل البيانات اللحظية والعمل كشبكة واحدة دون فجوات زمنية أو تقنية. فدمج رادارات وأنظمة دفاع جوي شرقية مع مقاتلات وغواصات غربية الصنع يتطلب حلولًا تقنية معقدة لمنع حدوث ثغرات في التنسيق أثناء الهجمات الخاطفة وحروب المُسيَّرات)([12]).

رابعًا: جغرافيا التهديدات متعددة المجالات المحيطة بمصر

لم تعد طبيعة التهديدات الموجهة للأمن القومي المصري محصورة في الجغرافيا البرية التقليدية، بل تحولت البيئة الإقليمية إلى مسرح مهدد بأدوات غير متماثلة عابرة للحدود:

  • النطاق البحري الجنوبي وحروب المضايق: تأثر أمن البحر الأحمر وقناة السويس بشكل مباشر بالتوترات الجيوسياسية عند مضيق باب المندب، حيث أثبتت الاستهدافات غير المتماثلة (بالصواريخ والمُسيَّرات رخيصة الكلفة) قدرتها على التأثير الكبير على حركة الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد، مما يمس مباشرة عوائد قناة السويس بوصفها شريانًا اقتصاديًّا حيويًّا للأمن القومي المصري([13]).
  • النطاق البري الممتد والتهديدات الهجينة: انهيار المؤسسات الأمنية في دول الجوار (مثل ليبيا والسودان) فرض على الجيش المصري عبء تأمين آلاف الكيلومترات من الحدود البرية ضد شبكات التهريب والتنظيمات الهجينة (Hybrid Organizations)، وهي فصائل أو جماعات مسلحة، تمزج في أسلوب عملها القتالي والتمويلي بين تكتيكات حرب العصابات الخفيفة، والجرائم المنظمة عابرة الحدود كالتهريب، وبين استخدام تكنولوجيات عسكرية حديثة كانت حكرًا على الجيوش النظامية، وهو ما يستلزم جهدًا ماديًّا وبشريًّا كبيرًا من القوات النظامية المعتادة على معارك الجبهات الثابتة([14]).

المحور الثالث: مدى توافق الاستراتيجية العسكرية المصرية مع القواعد الجديدة للحروب

​ هنا نصل إلى جوهر معضلة البحث: هل البنية العسكرية المصرية الحالية قادرة على مواجهة الأساليب القتالية المعاصرة والتحولات التي شهدتها مسارح العمليات الإقليمية؟

 نستعرض هنا الفجوة التشغيلية والاقتصادية بين الواقع الحالي والمتطلبات المستجدة للحروب غير المتماثلة، مع تقديم الرؤية الاستراتيجية للحلول المطلوبة.

أولًا: تقييم كفاءة الدفاع الجوي المصري

تمتلك مصر شبكة دفاع جوي تقليدية تعد من أعقد الشبكات وأكثفها في المنطقة من حيث التنوع الكمي والطبقي (منظومات قصيرة، ومتوسطة، وبعيدة المدى). ومع ذلك، فإن هذه الشبكة صممت أساسًا لـتحييد الطائرات المقاتلة التقليدية وصناعة مظلة حماية للقوات البرية المتقدمة([15]).

ولكن في مواجهة استراتيجيات الإغراق بأسراب المُسيَّرات الانتحارية والصواريخ الجوالة منخفضة الارتفاع، تظهر تحديات هائلة لمنظومة الدفاع الجوي المصري؛ حيث إن الرادارات التقليدية تجد صعوبة عملياتية في رصد الأهداف ذات المقطع الراداري الصغير (Low Radar cross Section)، وهو مقياس يحدد مدى قدرة الجسم على عكس موجات الرادار وتشتيتها، حيث تتميز المُسيَّرات الصغيرة بمقطع ضئيل يجعلها تظهر كطيور أو تختفي تمامًا عن شاشات الرصد التقليدية.

كما أن استخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن لإسقاط مُسيَّرة رخيصة يُعرِّض مخزون مصر الصاروخي للاستنزاف السريع في الأيام الأولى لأي مواجهة، وهو ما يفرض معضلة فجوة التكاليف الاقتصادية الحادة بين الهجوم والدفاع([16]).

ثانيًا: مرونة منظومات القيادة والسيطرة ضد الإعاقة الإلكترونية

تعتمد الإدارة العسكرية المصرية تاريخيًّا على المركزية الصارمة في اتخاذ القرار وإصدار الأوامر. في المقابل، تكشف معارك الحرب الإلكترونية المعاصرة (Electronic Warfare) أن التشويش المكثف على موجات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والاتصالات اللاسلكية يمكن أن يفصل القيادة العامة عن القوات في الميدان خلال وقت وجيز([17]).

لذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير منظومات اتصال وطنية الصنع مشفرة ومؤمنة تمامًا، تعتمد على بنية تحتية برمجية مستقلة، لتفادي خطر حدوث العزلة العملياتية (Operational Isolation)، وهي الحالة التي تفقد فيها الوحدات المقاتلة في الميدان اتصالها التكتيكي بشبكة القيادة والسيطرة المركزية نتيجة التشويش أو تدمير عقد الاتصال، مما يحرمها من تلقي الأوامر أو التعرُّف المبكر على معلومات المخابرات والاستطلاع، وتفرض هذه المخاطر المحتملة التحول نحو اللامركزية المرنة في اتخاذ القرار الميداني.

ثالثًا: واقع ومعوقات التصنيع الدفاعي الوطني

تمتلك مصر قاعدة صناعية عسكرية عريقة، تمثلها مصانع الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، لكنها لا تزال تركز في أغلبها على الصناعات التقليدية: إنتاج الذخائر التقليدية، تجميع الدبابات والمدرعات، وإصلاح القطع البحرية([18]). فهناك فجوة تكنولوجية واضحة في مجال صناعة البرمجيات العسكرية، والرقائق الإلكترونية، ومستشعرات الرصد الدقيق، والطائرات المُسيَّرة، والصواريخ الباليستية، مما يجعل الاكتفاء باستيراد السلاح المتطور عرضة للضغوط السياسية وتقلبات سلاسل التوريد الخارجية([19]).

رابعًا: الحل المقترح والمستقبلي للدولة المصرية

لإغلاق الفجوة التشغيلية والانتقال بالجيش المصري إلى مواكبة عقائد الحروب الحديثة متعددة المجالات، يجب حتمية تبني حزمة من الحلول الهيكلية([20])([21])، منها ما يلي:

  • إعادة هيكلة الدفاع الجوي بـأنظمة الدفاع النقطي رخيصة الكلفة: الانتقال من الاعتماد الحصري على الصواريخ الاعتراضية الموجهة باهظة الثمن، إلى إدراج منظومات الدفاع النقطي القائمة على المدافع الرشاشة ذات الكثافة النارية العالية والموجهة بالرادارات الميكروية البسيطة، والتشويش السيبراني الموجه (Counter-UAS Electronic Jamming)، لصد أسراب المُسيَّرات بكلفة اقتصادية تقترب من الصفر([22]).
  • التحول نحو اللامركزية الشبكية في القيادة والسيطرة: تبني مفهوم القيادة والسيطرة الموزعة Mission Command)، وهي عقيدة قتالية تمنح القادة الميدانيين الصغار حرية اتخاذ القرار وتكتيكات التنفيذ بناءً على فهمهم للموقف العام على الأرض، دون انتظار موافقة القيادة المركزية المعزولة إلكترونيًّا، وتأمين ذلك عبر شبكات اتصالات تكتيكية وطنية([23]).
  • توطين صناعة الأنظمة الذاتية المستقلة والتكنولوجيا البرمجية: يجب أن ينتقل التصنيع الحربي المصري من تجميع الهياكل الحديدية والميكانيكية إلى التركيز على الهندسة العكسية وتوطين برمجيات الطائرات المُسيَّرة الانتحارية، وأنظمة الرصد الكهروبصري المحلية، مع الاستفادة من الشراكات التكنولوجية مع قوى مثل الصين أو كوريا الجنوبية وتركيا لتأسيس خطوط إنتاج للرقائق والبرمجيات العسكرية الحرجة خارج مظلة القيود الغربية([24])([25]).

​المحور الرابع: محددات وسيناريوهات مستقبل العقيدة القتالية المصرية

إن عملية التطوير العسكري وإعادة صياغة العقائد الدفاعية ليست مجرد قرار فني معزول، بل هي محصلة تفاعل معقد وبنيوي بين الإمكانات الاقتصادية للدولة، وإرادتها السياسية، وقدراتها التكنولوجية والبشرية المتاحة.

أولًا: العوامل المحددة لعملية التحديث العسكري المصري

  • المحددات المالية والاقتصادية: تتطلب التكنولوجيات الفائقة المعاصرة المستجدة في مسارح العمليات الحديثة (مثل الدفاع الجوي المعتمد على أشعة الليزر، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في توجيه المُسيَّرات، وبنية الأمن السيبراني الدفاعي) ميزانيات ضخمة واستثمارات هائلة ومستدامة في البحث العلمي العسكري والتطوير. وفي ظِل الأزمات الاقتصادية العالمية وتصاعد الضغوط الهيكلية على الموازنة العامة للدولة، تجد الإدارة المصرية نفسها أمام معضلة الموازنة بين تطلعات التنمية الاجتماعية وبين التنمية في مجال الصناعات الدفاعية (Guns versus Butter Dilemma)، وهي المعضلة الاستراتيجية الكلاسيكية في الاقتصاد السياسي التي تفرض على صانع القرار المفاضلة في تخصيص الموارد المحدودة بين الإنفاق على الخدمات المدنية والتنمية المجتمعية، وبين تمويل التحديث العسكري المكلف للجيش([26]).
  • هامش المناورة والإرادة السياسية: يرتبط التحديث العسكري الحقيقي بمدى إدراك القيادة السياسية لطبيعة التهديدات الناشئة وتوفر المرونة الهيكلية لتعديل بنية المؤسسة العسكرية التقليدية. يتطلب هذا التحول اتخاذ قرارات حاسمة وشجاعة، مثل إعادة توجيه جزء من مخصصات الإنفاق على الأسلحة البرية والكمية التقليدية (التي استنزفت تاريخيًّا نصيب الأسد من الميزانيات) لصالح تمويل الفروع التكنولوجية الحاكمة في الحروب الحديثة، كالطائرات المُسيَّرة وبرامج الصواريخ وتطوير سلاح الإشارة والحرب الإلكترونية([27]).
  • اعتبارات العلاقات والتحالفات الدولية: تواجه أي توجهات مصرية لبناء قدرات ردع صاروخي وطنية بعيدة المدى، أو الحصول على تكنولوجيا هجومية ونوعية متطورة من شركاء دوليين منافسين للغرب (مثل الصين أو روسيا)، أو التوجُّه نحو هندسة عكسية لتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، بضغوط سياسية أو لوائح عقابية صارمة من الحليف الأمريكي كما ناقشته بالتفصيل أوراق معهد واشنطن حول لوائح قانون CAATSA وتأثيراتها على صفقات السلاح المصرية، هذا الأمر يجعل هندسة عملية التطوير بحاجة إلى إرادة سياسية صلبة متوازنة مع خطوات عملية شديدة الحذر والدبلوماسية والذكاء لتفادي الصدام مع الشركاء الدوليين([28]).

ثانيًا: سيناريوهات تطور العقيدة العسكرية المصرية

بناءً على تقدير المحددات العسكرية والسياسية والاقتصادية السابقة، يمكن استشراف ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل العقيدة العسكرية المصرية خلال العقد القادم، مع تحديد مدى الاحتمالية وفقًا لحسابات الواقع والمعطيات الحالية:

السيناريو الأول: التحديث المحدود والاستمرارية التقليدية

يفترض هذا السيناريو، وهو متوسط الاحتمالية، الحفاظ على الهيكل التنظيمي والكمي التقليدي الحالي للجيش المصري دون إحداث تغييرات جذرية في العقيدة، مع الاكتفاء بإجراء عمليات “تحديث موضعي وسد فجوات”، عبر شراء منظومات تجارية جاهزة مضادة للمُسيَّرات أو ترقية منظومات الدفاع الجوي الحالية.

الدافع إلى ذلك هو تقليل الكلفة المالية المباشرة إلى الحد الأدنى، وتجنُّب كلفة تفكيك أو إعادة هيكلة أفرع تنظيمية مستقرة وعميقة داخل المؤسسة العسكرية منذ عقود([29]).

ونتيجة ذلك هي أن يظل الجيش قادرًا على ردع التهديدات الحدودية التقليدية وحماية الجبهات الكلاسيكية، لكنه يبقى مكشوفًا تكتيكيًّا ومُعرَّضًا للخسائر البشرية والاستنزاف الاقتصادي الحاد أمام ضربات الهجمات غير المتماثلة والمُسيَّرات الانتحارية المتطورة([30]).

السيناريو الثاني: التوجُّه نحو التطوير المرحلي المتدرج

يقوم هذا السيناريو، وهو عالي الاحتمالية، على إحداث تحول تدريجي ومدروس بعناية؛ بحيث يتم الحفاظ على الهيكل النظامي القائم لحماية الحدود البرية الشاسعة، بالتوازي مع بناء واستحداث أفرع قتالية وتكنولوجية مستقلة ونوعية (مثل قيادة الحرب السيبرانية، وسلاح الطائرات المُسيَّرة المتطورة)، مع تسريع دمج الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدفاعية منخفضة الكلفة داخل منظومة الدفاع الجوي لحل معضلة الفجوة الاقتصادية في الاعتراض([31]).

الدافع إلى ذلك هو الموازنة الذكية بين تلبية متطلبات التحديث العسكري الحتمي المعاصر، ومراعاة الضغوط الاقتصادية الحالية([32])، وتجنُّب حدوث صدام مباشر أو قطع كامل لخطوط الإمداد مع الحلفاء الدوليين الغربيين([33]).

ونتيجة ذلك هي بناء قدرات دفاعية مرنة، متعددة المجالات، وذات كفاءة عالية في التعامل مع التهديدات الهجينة وغير المتماثلة، تمتلك تكنولوجيا نوعية لحماية الأهداف الاستراتيجية والحيوية للدولة (كحقول الغاز وقناة السويس)، دون خسارة ثقل وإمكانيات القوة النظامية التقليدية للجيش، وهو التوجُّه الذي يظهر في مناورات الجيش المصري الأخيرة والتعاون مع كل من باكستان وتركيا.

السيناريو الثالث: التحول الهيكلي الثوري المتسارع

هذا السيناريو، وهو منخفض الاحتمالية،  يفترض مسارًا جذريًّا راديكاليًّا يتضمن إعادة صياغة شاملة وسريعة لبنية القوات المسلحة المصرية، عبر خفض الحجم الكمي والعددي الضخم للقوات البرية وسلاح المدرعات التقليدي، وتوجيه هذا التوفير المالي الهائل لبناء جيش حديث متعدد المجالات يرتكز بالكامل على أنظمة القيادة والسيطرة الذكية، وتوطين التصنيع الدفاعي الوطني المتطور لأسلحة الحرب غير المتماثلة.

الدافع إلى ذلك هو تعرض الأمن القومي المصري لتهديدات وجودية مفاجئة ومباشرة، أو حدوث طفرة اقتصادية وصناعية وطنية غير متوقعة، مع توافر إرادة سياسية استثنائية تتيح الاستقلال التسليحي الكامل والقدرة على التحرر من القيود الخارجية.

ونتيجة ذلك هي قفزة نوعية وتاريخية في استقلال القرار الاستراتيجي المصري بما يحقق القدرة الكاملة على حسم وحصد نتائج الحروب المستقبلية.

السيناريو المُرجَّح:

السيناريو المرجح والواقعي خلال العقد القادم هو السيناريو الثاني: التطوير المرحلي المتدرج؛ وهو الخيار الأكثر عقلانية وقدرة على تلبية متطلبات صانع القرار العسكري المصري.

هذا الاختيار يفرض نفسه لأن مصر لا تملك رفاهية الذهاب نحو مسار “الاستمرارية المحافظة” (السيناريو الأول) الذي سيجعل مجالها الحيوي، وممراتها المائية الحيوية، وأعماقها البحرية مكشوفة أمام طفرة الحروب غير المتماثلة. وفي الوقت ذاته، تعوق مصر الضغوط الاقتصادية الراهنة وحسابات العلاقات الدولية المعقدة عن الاندفاع الفوري نحو “التحول الثوري الشامل” (السيناريو الثالث).

وبناءً عليه، فإن لجوء صانع القرار إلى “هندسة التطوير المتدرجة” هو الأوقع؛ بحيث يضمن تزويد الجيش النظامي الحالي بوحدات تكنولوجية متطورة، منخفضة التكلفة، وقادرة على تحييد أساليب الحرب الحديثة، مما يحقق التحول الاستراتيجي المطلوب ويحافظ في الوقت ذاته على الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدولة.

خاتمة وتوصيات:

​توصلت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عام 2026م أسست لقواعد اشتباك جديدة تجاوزت مفاهيم السيطرة والردع التقليدية، حيث منحت أساليب الحرب غير المتماثلة والأسلحة منخفضة التكلفة تفوقًا عملياتيًّا قادرًا على استنزاف أضخم الجيوش النظامية.

وتجد مصر نفسها بحكم موقعها الجغرافي والتهديدات المعقدة المحيطة بها، ملزمة بـإعادة النظر في آليات بناء قوتها العسكرية لضمان سد الفجوات التكنولوجية والاقتصادية في مواجهة التهديدات الحديثة في مسرح العمليات الإقليمي.

وثمَّة مجموعة توصيات عملياتية مقترحة، يمكن تقديمها لمتخذ القرار، منها ما يلي:

  • ​ كسر معضلة فجوة التكلفة الاقتصادية خلال عمليات الدفاع، وذلك بالإسراع في الحصول على منظومات الدفاع الجوي التي تعتمد على الطاقة الموجهة مثل أشعة الليزر والمدافع الرشاشة الذكية ذات الكثافة النيرانية العالية، لتقليل الاعتماد على الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن في مواجهة المُسيَّرات منخفضة التكلفة.
  •  تأسيس قيادة مستقلة للمجالات العسكرية الناشئة، كإنشاء “قيادة العمليات السيبرانية والفضاء العسكري”، لتكون مسؤولة بشكل مباشر عن تأمين شبكات القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية ضد حروب الإعاقة الإلكترونية.
  • تعديل استراتيجية الصناعات الدفاعية، بالتركيز على توطين صناعة البرمجيات، والذكاء الاصطناعي العسكري، والطائرات المُسيَّرة الحديثة، والصواريخ الباليستية، بدلًا من الصناعات الدفاعية المحدودة الحالية.
  • تطوير مرونة قيادة التشكيلات الميدانية، ومنح القادة الميدانيين في المناطق العسكرية الحدودية استقلالية عملياتية ولامركزية في اتخاذ القرار ضمن حدود الخطط العسكرية المسبقة، وذلك لضمان استمرار القدرة على القتال حتى في حالات انقطاع الاتصالات بفعل الإعاقة الإلكترونية المكثفة للعدو.

قائمة المصادر

The Washington Institute for Policy Analysis, “Understanding the Egyptian Military’s Perspective on CAATSA and Partner Diversification”, Publication Date: 22 June 2021, https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/understanding-egyptian-militarys-perspective-su-35-deal


([1]) CSIS, “Iran’s War Strategy: Don’t Calibrate-Escalate”, Publication Date: 16 March 2026. URL: https://www.csis.org/analysis/irans-war-strategy-dont-calibrate-escalate

([2]) CSIS, “The War May Be Ending. What Did Epic Fury Cost?”, Publication Date: 23 June 2026. URL: https://www.csis.org/analysis/war-may-be-ending-what-did-epic-fury-cost

([3]) Para Zero, “Winning the Cost Exchange War in Anti-Drone and Air Defense Systems”, Publication Date: 9 March 2026.URL: https://parazero.com/winning-the-cost-exchange-war-in-anti-drone-and-air-defense-systems

([4]) Foreign Affairs, “Losing the War of the Future: How New Technologies Threaten America’s Military Advantage”, Publication Date: 23 June 2026. URL: https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2026-06-23/losing-war-future

([5]) CSIS, “Unpacking Iran’s Drone Campaign in the Gulf: Early Lessons for the Future of Asymmetric Warfare”, Publication Date: 10 March 2026. URL: https://www.csis.org/analysis/unpacking-irans-drone-campaign-gulf-early-lessons-future-asymmetric-warfare

([6]) مركز الجزيرة للدراسات، “المكاسب والخسائر: تقييم مسارات الحرب على إيران”، إبريل 2026م،URL: https://studies.aljazeera.net/ar/reports/iran-war-assessment-2026

([7]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”, Publication Date: 28 February 2019. https://carnegieendowment.org/middle-east/research/2019/02/the-egyptian-military-a-slumbering-giant-awakes

([8]) The Washington Institute for Policy Analysis, “Understanding the Egyptian Military’s Perspective on the Su-35 Deal”, Publication Date: 22 June 2021. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/understanding-egyptian-militarys-perspective-su-35-deal

([9]) Ibid.

([10]) Carnegie Endowment for International Peace (Sada), “The Art of War in Egypt”, Publication Date: 24 January 2017. https://carnegieendowment.org/sada/2017/01/the-art-of-war-in-egypt

([11]) The Washington Institute for Policy Analysis, “The CAATSA Sanctions Target: Understanding the U.S. Pressure on Egypt’s Su-35 Deal”, Publication Date: 22 June 2021. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/understanding-egyptian-militarys-perspective-su-35-deal

([12]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”.

([13]) Carnegie Endowment for International Peace (Sada), “The Art of War in Egypt”.

([14]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”.

([15]) Ibid.

([16]) المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية(ECSS)، “الحروب السيبرانية والمسيرات: إعادة صياغة عقائد الدفاع الجوي في الشرق الأوسط”، 19 نوفمبر 2024م. https://ecss.com.eg/analysis/cyber-warfare-drones-airdefense

([17]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”.

([18]) Carnegie Endowment for International Peace (Sada), “The Art of War in Egypt”.

([19]) المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية(ECSS)، “الحروب السيبرانية والمسيرات: إعادة صياغة عقائد الدفاع الجوي في الشرق الأوسط”.

([20]) المصدر السابق.

([21]) Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Trends in International Arms Transfers and Military Indigenization in the Middle East”, Publication Date: 11 March 2024. https://www.sipri.org/publications/2024/sipri-fact-sheets/trends-international-arms-transfers-2023

([22]) المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية(ECSS)، “الحروب السيبرانية والمسيرات: إعادة صياغة عقائد الدفاع الجوي في الشرق الأوسط”.

([23]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”.

([24]) Carnegie Endowment for International Peace (Sada), “The Art of War in Egypt”.

([25]) Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Trends in International Arms Transfers and Military Indigenization in the Middle East”.

([26]) Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Trends in World Military Expenditure: Economic Dilemmas in the Middle East”, Publication Date: 22 April 2024, https://www.sipri.org/publications/2024/sipri-fact-sheets/trends-international-arms-transfers-2023

([27]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”.

([28]) The Washington Institute for Policy Analysis, “Understanding the Egyptian Military’s Perspective on CAATSA and Partner Diversification”.

([29]) Carnegie Endowment for International Peace, “The Egyptian Military: A Slumbering Giant Awakes”.

([30])  المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (ECSS)، “الحروب السيبرانية والمسيرات: إعادة صياغة عقائد الدفاع الجوي في الشرق الأوسط”.

([31])  المصدر السابق.

([32]) Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI), “Trends in World Military Expenditure: Economic Dilemmas in the Middle East”, Publication Date: 22 April 2024.

https://www.sipri.org/publications/2024/sipri-fact-sheets/trends-international-arms-transfers-2023

([33]) The Washington Institute for Policy Analysis, “Understanding the Egyptian Military’s Perspective on CAATSA and Partner Diversification”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى