مقالات

استهداف الدهابة السودانيين وتداعياته على الأمن القومي المصري

في 10 أكتوبر 2026م، تعرَّضت مواقع للتعدين الأهلي عن الذهب في منطقة «جبل العقيدات»، بالقرب من سوق «الأنصاري» ومنطقة شمال الوادي في شمال السودان، لغارات جوية متتابعة استهدفت تجمعات العاملين في التعدين قرب الحدود المصرية السودانية.

أفادت شهادات ميدانية وتقارير صحفية بتنفيذ خمس ضربات جوية على الأقل، فيما أشارت تحقيقات صحفية أخرى إلى أدلة تربط الهجمات بطائرات مقاتلة من طراز «إف-16» وذخائر مصرية الصنع من طراز «ناصر 400»، تزن الواحدة منها نحو 400 كيلوجرام.

كما أشارت أيضًا إلى إحداثيين لموقعين مرتبطين بالهجمات: 22.078340 شمالًا، 34.906890 شرقًا، و24.842480 شمالًا، 34.579230 شرقًا، دون أن يعني ذلك أن كل إحداثي يمثل ضربة مؤكدة أو أن المسؤولية النهائية حُسمت بتحقيق رسمي مستقل.

وتضاربت تقديرات الضحايا؛ إذ أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» مقتل 72 شخصًا على الأقل، بينما أوردت مصادر أخرى حصائل مختلفة، ثم نقلت صحيفة «الغارديان» في 18 أكتوبر تقديرًا أحدث بلغ 114 قتيلًا وفق المجموعة نفسها.

وفي المقابل، أعلنت «شبكة أطباء السودان» حصيلة أولية أقل، بلغت 13 قتيلًا و28 مصابًا، ما يعكس صعوبة التحقق المستقل من الحصيلة النهائية في هذه المنطقة النائية.

وقد أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، بينما قدمت القاهرة عملياتها الحدودية في إطار مكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب والتهريب، دون إقرار صريح في البيانات المشار إليها بتنفيذ الضربات داخل الأراضي السودانية.

وتكتسب الواقعة أهمية تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة، بالنظر إلى تزامنها مع استمرار الحرب السودانية، وتعقد العلاقة بين القاهرة والأطراف المتصارعة، وتعدد التحديات الأمنية على الحدود الجنوبية لمصر.

ومِن ثمَّ فإن التقدير لا يقتصر على تقييم جدوى استخدام القوة الجوية لمكافحة التعدين غير المشروع، بل يمتد إلى اختبار مدى اتساق القرار مع متطلبات الأمن القومي على المدى البعيد، وما قد يترتب عليه من تآكل الثقة الشعبية في الدور المصري، وتوسيع فرص خصومه في استثمار الحادث، وإضافة مصدر جديد للتوتر إلى بيئة إقليمية مضطربة في الأصل.

تأمين الحدود والقوة المفرطة

يُعد ضبط الحدود ومنع التهريب وحماية الموارد من الأنشطة غير القانونية أهدافًا مشروعة للدولة المصرية، خاصَّة في ظِل اتساع المساحات الصحراوية وصعوبة مراقبتها، وتداخل شبكات التعدين والتجارة غير الرسمية مع بيئة الصراع السوداني. غير أن مشروعية الهدف لا تعني بالضرورة سلامة الوسيلة المستخدمة لتحقيقه، إذ يتوقف التقييم الاحترافي للقرار العسكري على طبيعة التهديد، وهوية المستهدفين، وموقع العملية، وحجم القوة المستخدمة، ومدى توافر بدائل أقل تكلفة للخسائر في الأرواح من المدنيين.

وتثير التقارير المتعلقة باستخدام ذخائر جوية غير موجَّهة، تزن الواحدة منها نحو 400 كيلوجرام، أسئلة جدية بشأن مدى ملاءمة الوسيلة العسكرية المستخدمة لطبيعة الأهداف المعلنة. فهذه الذخائر التقليدية ذات التأثير المساحي لا توفر مستوى الدقة الذي توفره الأسلحة الموجهة، وقد يتسع نطاق آثار انفجارها وشظاياها، بما يزيد مخاطر إصابة الأفراد في التجمعات المكشوفة.

كانت هناك من حيث المبدأ، بدائل أمنية وعسكرية متعددة تستحق التقييم، من بينها تعزيز المراقبة والاستطلاع، وقطع مسارات التهريب، واستهداف معدات التعدين غير المشروع وفق القانون، واعتقال المتورطين عند الإمكان، والتنسيق مع السلطات السودانية، وتوجيه إنذارات محددة، واستخدام القوة المتدرجة وفق طبيعة التهديد.

وجود هذه البدائل يفرض التساؤل عن مدى دراسة استخدامها قبل اللجوء إلى القصف الجوي لمناطق التعدين.

وعليه، فإن جوهر الإشكالية لا يتعلق بحق مصر في تأمين حدودها، وإنما بمدى التناسب بين الهدف الأمني والوسيلة المستخدمة، وما إذا كان القرار قد راعى بصورة كافية حماية المدنيين السودانيين والعواقب السياسية المترتبة على العملية.

وإذا أثبت التحقيق أن الهجمات استهدفت مدنيين دون أساس قانوني يجيز ذلك، أو لم تراعِ القواعد الواجبة التطبيق، فإن المسؤولية تتجاوز مسألة سوء التقدير إلى ضرورة المحاسبة القانونية والمؤسسية.

صناعة العداء الشعبي

تتمثل إحدى أخطر التداعيات المحتملة للحادث في تأثيره على صورة مصر داخل المجتمع السوداني، لا سيما في المناطق التي تعتمد شرائح واسعة من سكانها على التعدين الأهلي كمصدر للرزق في ظِل الانهيار الاقتصادي واتساع رقعة الحرب.

فاستهداف تجمعات تضم عمالًا مدنيين، إذا تأكدت تفاصيله ومسؤولية الجهة المنفذة عنه، قد يحول الواقعة من حادث أمني حدودي إلى مظلمة جماعية حاضرة في الذاكرة الاجتماعية، تتوارثها الأسر والمجتمعات المحلية، وتؤثر في نظرتها إلى القاهرة لسنوات.

ولا تقتصر الخسارة هنا على ردود الفعل المباشرة، بل تمتد إلى احتمال تراجع الثقة الشعبية في الدور المصري، وتعزيز التصورات التي ترى في التحركات المصرية محاولة لفرض السيطرة على المناطق الحدودية أو الموارد الطبيعية. كما أن غياب نتائج تحقيق واضحة، أو الاكتفاء بتبريرات عامة تتعلق بمكافحة التهريب، قد يفاقم هذه التصورات ويمنحها قدرة أكبر على الانتشار.

ومن منظور استراتيجي، فإن النفوذ الإقليمي لا يعتمد على العلاقات الرسمية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى حد أدنى من القبول والالتفاف الشعبي، خصوصًا في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية أو صراع داخلي.

وإذا تحوَّلت مصر في نظر قطاعات من السودانيين من شريك محتمل في استقرار بلادهم إلى طرف يُنظر إليه باعتباره مصدر تهديد، فقد تتراجع قدرتها على التأثير في مسار التسوية السياسية، وتزداد كلفة تحركاتها الدبلوماسية والأمنية.

ولا يعني ذلك أن الحادث سوف يؤدي حتمًا إلى عداء سوداني شامل لمصر، أو أن اتجاهات الرأي العام يمكن حسمها من واقعة واحدة، لكن الخطر يكمن في توفير مادة واقعية قابلة للتوظيف في خطاب معادى للقاهرة، خاصَّة إذا اقترنت الخسائر البشرية الكبيرة بغياب الشفافية والمحاسبة.

توظيف الحادث لصالح حميدتي والإمارات

في بيئة الصراع السوداني، يمكن أن تتحوَّل الخسائر المدنية إلى أداة للتنافس على الشرعية والنفوذ، بما يتيح للأطراف المتحاربة توظيفها في حملاتها السياسية والإعلامية.

وفي هذا السياق، قد تستفيد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، من تصاعد الغضب الشعبي تجاه القاهرة، عبر تقديم نفسها باعتبارها طرفًا يدافع عن كرامة السودانيين وسيادة بلادهم، واستثمار الحادث في إضعاف صورة الجيش السوداني وحلفائه إذا ظهروا بمظهر العاجز عن حماية المواطنين أو المتردد في المطالبة بالمحاسبة.

وتزداد حساسية هذه المسألة بالنظر إلى علاقات القاهرة بالقيادة العسكرية السودانية، وإلى الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

فالتوتر الشعبي الناتج عن الحادث قد يتيح للإمارات أو الجهات المتعاطفة مع قوات الدعم السريع مساحة أوسع لتوظيف المظالم ضد الدور المصري، أو لتوسيع خطاب يربط بين مواقف القاهرة والجيش السوداني وبين ما حدث للمدنيين.

وتتمثل المخاطرة الاستراتيجية في أن تتحوَّل عملية هدفها المعلن ضبط الحدود إلى عامل يُضعِف البيئة السياسية التي تعتمد عليها القاهرة في السودان، ويمنح خصومها فرصة لتوسيع نفوذهم أو تحسين صورتهم لدى قطاعات من المجتمع.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تعقيد التوازنات بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع، وإلى تضييق هامش المناورة أمام مصر في إدارة علاقاتها مع القوى السودانية المختلفة.

كما أن استمرار الحرب يرفع قيمة الذهب بوصفه موردًا اقتصاديًّا ومصدر محتمل لتمويل الأطراف المتصارعة، ما يجعل مناطق التعدين الحدودية جزءًا من شبكة مصالح أوسع من مجرد مخالفات فردية.

ولذلك فإن التعامل مع هذه المناطق بمنطق أمني ضيق، دون فهم شبكات التهريب والتمويل والامتدادات الاجتماعية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويترك المجال مفتوحًا أمام قوى أخرى لاستثمار الفراغ والاحتقان.

وبناءً عليه، فإن المطلوب من القاهرة ليس التساهل مع التهريب، وإنما إدارة الملف بصورة تحرم الخصوم من استثمار المظالم، عبر كشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت المخالفة، وتعزيز التعاون الحدودي، وتجنب أي إجراءات تمنح الأطراف المنافسة فرصة مجانية لتوسيع نفوذها على حساب المصالح المصرية.

التداعيات المستقبلية للحادث

لا يمكن فصل حادث استهداف الدهابة عن السياق الإقليمي الأوسع الذي تواجه فيه مصر تحديات متزامنة على امتداد محيطها الجنوبي.

ففي الجنوب الغربي، تفرض الحرب السودانية وتعدد القوى المسلحة وتراجع قدرة الدولة على ضبط الأطراف الحدودية مخاطر تتعلق بالتهريب، وانتقال السلاح، وتحركات الجماعات المسلحة، واحتمالات اتساع نطاق عدم الاستقرار.

وفي الجنوب الشرقي، تتداخل التحديات المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي والتنافس على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي.

وفي هذا الإطار، فإن أي تدهور في العلاقات الشعبية والسياسية بين مصر والسودان قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى إدارة الحدود، ويُضعِف فرص التعاون المحلي في مواجهة الأنشطة غير القانونية، ويزيد قدرة الشبكات العابرة للحدود على استغلال التوترات.

كما أن اتساع مشاعر العداء لمصر قد ينعكس على بيئة عملها الدبلوماسي، ويزيد صعوبة بناء تفاهمات سودانية واسعة بشأن أمن الحدود ومستقبل الدولة السودانية.

ومن السيناريوهات المحتملة أن تتصاعد المطالبات السودانية بإعلان نتائج التحقيق ومحاسبة المسؤولين، وأن تتحوَّل القضية إلى عنصر ضغط على العلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي المقابل، يمكن أن تحد الاستجابة الشفافة والتعاون مع السلطات السودانية من الخسائر السياسية، وتمنع تحوُّل الواقعة إلى أزمة ممتدة. أما على مستوى التوازنات الإقليمية، فإن استفادة ميليشيات الدعم السريع أو الجهات الداعمة لها من الحادث تظل احتمالًا مرتبطًا بكيفية تطوُّر ردود الفعل السودانية، لا نتيجة حتمية.

ومع ذلك، فإن مجرد إتاحة فرصة كهذه يمثل تكلفة استراتيجية سلبية للغاية كان ينبغي إدراجها ضمن تقدير الموقف قبل اتخاذ القرار، إن ثبتت مسؤولية القوات الجوية المصرية عن الضربات.

ويفرض ذلك مراجعة أوسع لمنهج إدارة الأمن الحدودي، بحيث لا ينحصر النجاح في تدمير موقع أو تعطيل نشاط في الوقت الآني، وإنما يقاس أيضًا بقدرة الدولة على تقليل المخاطر المستقبلية، والحفاظ على الثقة مع المجتمعات المجاورة، ومنع الخصوم من استثمار الخسائر المدنية، وضمان عدم تحوُّل التدابير الأمنية إلى مصدر إضافي للتوتر الإقليمي.

خلاصة

تكشف واقعة استهداف مواقع التعدين الأهلي قرب الحدود المصرية السودانية عن مفارقة استراتيجية تستحق التحقيق والمراجعة: فالإجراء الذي يفترض أن يخدم أمن الحدود المصرية قد يتحوَّل، إذا ثبت استخدام القوة على نحو غير متناسب أو استهداف المدنيين، إلى مصدر لتهديدات سياسية وأمنية أوسع.

ولا تتوقف خطورة الحادث عند حصيلة الضحايا، بل تمتد إلى احتمال تآكل الثقة الشعبية في الدور المصري، وإتاحة فرص جديدة لخصوم القاهرة، وتعقيد العلاقات مع السودان في لحظة تحتاج فيها مصر إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ والتعاون والاستقرار على حدودها الجنوبية. إن التقدير العقلاني للمخاطر المستقبلية يقتضي التعامل بجدية مع هذه الاحتمالات، لا الاكتفاء بتبرير العملية بأهداف مكافحة التهريب وحماية السيادة.

إن حماية الأمن القومي لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بحسن تقدير الموقف، والتمييز بين التهديدات، واختيار الوسائل الملائمة، وحساب النتائج السياسية والاجتماعية لكل قرار.

وإذا ثبت أن العملية أوقعت خسائر واسعة بين المدنيين دون ضرورة أو أساس قانوني كافي، فإن كشف الحقيقة والمحاسبة وتصحيح المسار تصبح متطلبات للأمن القومي نفسه، لا تنازلات عنه.

إن الخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في خسارة معركة أو موقع حدودي، بل في أن تتحوَّل عملية عسكرية لم يتم تقديرها بدقة إلى سبب لتآكل النفوذ، وصناعة العداء، ومنح الخصوم فرصًا لم يكونوا يمتلكونها من قبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى