غير مصنفمقالات

أثر البنية السياسية الإسرائيلية على توجهات السياسة المصرية

لم تكن العلاقة المصرية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م علاقة ثابتة أو جامدة، بل اتسمت بطابع ديناميكي تأثر بالتحولات الإقليمية والدولية، وبالتحولات الداخلية في كل من القاهرة وتل‌أبيب. غير أن هذا التأثر لم يكن في معظمه مرتبطًا بتغير الأشخاص في قمة السلطة الإسرائيلية، بقدر ما كان متصلًا بطبيعة الأيديولوجيا الحاكمة وبالتحولات البنيوية داخل النظام السياسي الإسرائيلي وبالمكونات المشاركة في الائتلافات الإسرائيلية الحاكمة والخطاب السياسي الذي تستخدمه هذه المكونات.

ويمكن القول إن القاهرة في عهد الرئيس الأسبق، أنور السادات، اتخذت قرار السلام بوصفه تحولًا استراتيجيًّا شاملًا انعكس على موقع مصر السياسي، عربيًّا وإقليميًّا، واستفادت منه إسرائيل بقيادة مناحيم بيجين مؤسس حزب الليكود بالحصول على مكسبين كبيرين: أحدهما الاعتراف المصري الذي كسر عزلة إسرائيل الإقليمية، والآخر الأمن عبر إخراج مصر من حسابات المواجهة ووضع لبنة التنسيق الأمني مع إسرائيل.

أما في عهد حسني مبارك، الذي كرس نموذج “السلام البارد”[1] القائم على التنسيق الأمني والتعاون التجاري المحدودين والابتعاد عن التطبيع المجتمعي الواسع، فإن مصر حافظت على هامش واسع يتجنب التأثر، بقدر الإمكان، بالتغيرات السياسية في إسرائيل وتبدل حكوماتها، واكتفت بإدارة العلاقة ضمن سقف منخفض سياسيًّا وشعبيًّا، مقارنة بما حدث لاحقًا منذ عام 2013م. وهذا السقف كان يرتفع أحيانًا، وإن بقي في إطار رسمي بارد، انسجامًا مع المزاج الشعبي في مصر، مع بعض الحكومات الإسرائيلية، خصوصًا مع الحكومات التي قادها إسحاق رابين وشمعون بيرس، والتي استخدمت خطابًا منفتحًا على التسويات الإقليمية، وإبداء استعداد للقبول بحل الدولتين، والذي كان اتفاق أوسلو أحد أبرز مظاهره.

غير أن هذا النموذج التقليدي تعرَّض لاختلال جذري بعد انقلاب يوليو 2013م، الذي دشن مرحلة جديدة في السياسة المصرية تجاه إسرائيل، لم تعد فيها العلاقة محكومة فقط بإرث كامب ديفيد أو بإدارة الصراع العربي الإسرائيلي، بل أصبحت جزءًا من معادلة بقاء سياسي وأمني للنظام المصري الحالي.

يضاف إلى ذلك أن تغيُّر الأيديولوجيا الحاكمة في إسرائيل صار عاملًا أكثر تأثيرًا في صياغة توجهات السياسة المصرية، خصوصًا مع صعود اليمين الديني المتطرف داخل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

ويرصد المحللون تحول السياسة الخارجية المصرية في عهد السيسي لتصبح خاضعة للاعتبارات الداخلية، حيث أصبحت مكافحة “التهديد الداخلي”، الذي حددته الدولة بدرجة أساسية في جماعة الإخوان المسلمين، وبدرجة أقل في الحركات الإسلامية المسلحة، أولوية مطلقة للنظام.

وقد التقت هذه الأولوية مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية التي طالما اعتبرت الحركات الإسلامية، وخصوصًا الإخوان المسلمين، تهديدًا استراتيجيًّا. ومن هنا، نشأ تقارب أمني غير مسبوق كانت له مؤشرات كثيرة؛ من بينها موافقة إسرائيل على إدخال قوات مصرية إضافية إلى سيناء والتعاون الاستخباري معها لملاحقة العناصر “الجهادية”. والأخطر من ذلك ما كشف عنه الصحافي الأمريكي دافيد كيرك باتريك، في صحيفة نيويورك تايمز (فبراير 2018م)، من تنفيذ الطيران الإسرائيلي ضربات جوية داخل سيناء بتنسيق مع القاهرة[2]، وإن كانت القاهرة قد نفت حدوث ذلك فيما بعد. علاوة على ما ذكرته تقارير إسرائيلية عن بيع إسرائيل برامج تجسس لمصلحة مصر، استخدمتها القاهرة للتجسس على معارضين مصريين كان من بينهم أحمد طنطاوي[3].

وهذا يَعني أن القاهرة منذ لحظة الانقلاب جعلت أولويتها القصوى الحفاظ على النظام، علاوة على مراكمة النفوذ السياسي والاقتصادي للجيش إلى حدود غير مسبوقة على حساب أهداف السياسة الخارجية التقليدية. وبسبب هذه الأولويات الداخلية طور النظام تحالفا استراتيجيًّا عميقًا مع إسرائيل، حتى إن علاقة القاهرة بإسرائيل صارت توصف بأنها “حالة من التبعية السياسية”[4].

يضاف إلى ذلك أن أزمة الشرعية الداخلية الحادة التي شعر بها النظام في مصر في أعقاب الانقلاب، والسياق الإقليمي المضطرب الذي أعقب ثورات الربيع العربي، جعل القيادة المصرية في حاجة إلى إعادة تموضع استراتيجي سريع، وجدت فيه إسرائيلَ شريكًا محوريًّا في توفير الغطاء الدولي والدعم السياسي، خصوصًا لدى الولايات المتحدة ومراكز القرار الغربية[5].

ولم يكن هذا الدعم الإسرائيلي منفصلًا عن صعود اليمين المتشدد داخلها، حيث تبنت حكومات نتنياهو المتعاقبة مقاربة إقليمية تقوم على بناء تحالفات مع الأنظمة العربية السلطوية، باعتبارها أكثر استقرارًا وأقل حساسية للضغوط الشعبية، وهي مقاربة كانت معتمدة لدى الحكومات الإسرائيلية المختلفة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا في ظل حكومات نتنياهو المتتالية. وقد التقت هذه الرؤية مع حاجة النظام المصري بعد الانقلاب إلى الاعتراف الدولي والدعم السياسي، ما أفرز علاقة تبادلية قائمة على المصالح الأمنية قبل أي اعتبار آخر، مع ميل كبير لأن تكون إسرائيل صاحبة اليد العليا في ظل هذه التطورات. ولذلك ظلت المواقف المصرية باهتة تجاه أي غطرسة إسرائيلية أو حتى في أثناء الاعتداءات على قطاع غزة.

وعلى الرغم من محاولات حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد (يونيو 2021 – ديسمبر 2022م) تقديم خطاب أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية تجاه الإقليم، فإن أثرها كان محدودًا بحكم قصر عمرها. ومع عودة نتنياهو إلى الحكم أواخر 2022م، مدعومًا بأكثر الحكومات يمينية وتطرفًا في تاريخ إسرائيل، دخلت العلاقات المصرية الإسرائيلية مرحلة معقدة تتداخل فيها عناصر التعاون العميق مع “مظاهر” توتر سياسي وإعلامي متزايد.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المركزي هو مدى تأثر السياسة المصرية بتغير القيادة الإسرائيلية، إذ إن بنيامين نتنياهو ظل حاضرًا في المشهد السياسي الإسرائيلي أغلب سنوات حكم السيسي، باستثناء عام ونصف هي مدة حكومة بينيت/لبيد، بل بات السؤال يتعلق بتأثر القاهرة بالتحول الأيديولوجي والبنيوي داخل إسرائيل نفسها، والمتمثل في صعود اليمين القومي الديني، وضعف التيار العلماني في الوسط واليسار، وتحول الدولة العبرية تدريجيًّا نحو نموذج قومي ديني صدامي.

هذا التحول الأيديولوجي البنيوي، لا الشخصي، هو الذي رسم معادلة العلاقات المصرية الإسرائيلية، وفرض على القاهرة أنماطًا جديدة من البرجماتية السياسية والأمنية في التعامل مع الكيان الصهيوني، والتي تجلت في ملفات أمنية واقتصادية وتجارية كثيرة.

وقد أدت هذه التحولات الكبيرة في العلاقة بين النظام المصري وإسرائيل، والتي تجلت في التعاون غير المسبوق في ملفات سياسية وأمنية واقتصادية وتجارية، إلى وضع القاهرة أمام معادلة شديدة التعقيد، خصوصًا وأن هذا التعاون يأتي في ظل حكومات إسرائيلية شديدة التطرف والغطرسة في خطابها تجاه المنطقة والقضية الفلسطينية. فمن جهةٍ، يشعر النظام المصري بالحاجة إلى استمرار هذه الشراكة مع تل‌أبيب، ومن جهةٍ أخرى يجد نفسه مضطرًا إلى رفع منسوب التوتر الخطابي والاعتراض الإعلامي المعلن كلما ازدادت الحكومة الإسرائيلية تطرفًا، تجنبًا للاحتقان الداخلي.

وهكذا نشأت ثنائية مفادها: تعاون سياسي وأمني واستراتيجي واقتصادي، أغلبه يجري خلف الكواليس مع تسريبات يتعمدها الجانب الإسرائيلي أحيانًا لأغراض سياسية داخلية، وبعضه معلن كصفقات الغاز التي تنفذها عن مصر شركة دولفينوس الموصوفة بأنها شركة خاصَّة، بينما هي في الحقيقة مملوكة بأغلبية أسهمها لجهاز المخابرات العامة المصري.

وعادة ما يتقابل هذا التعاون، المعلن وغير المعلن، مع خطاب سياسي وإعلامي متوتر في العلن، وهو ما عكسته أحداث الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، من إغلاق لمعبر رفح، وعدم الضغط على إسرائيل، ومنع التفاعل الشعبي. ويظهر ذلك أيضًا في الموقف المصري من الدولة الفلسطينية؛ فرغم الموقف المصري الرسمي الذي يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م، فإن الواقع العملي يقوم على القبول بالوضع الراهن، بما في ذلك سياسة إسرائيل في إدارة الصراع وضم مناطق جديدة من الضفة والتوسع المستمر للاستيطان، وهو ما دفع بعض المحللين للتعبير عن حقيقة الموقف المصري بقولهم “إن تقديم المزيد من الدعم للفلسطينيّين لا يجب أن يكون مبررًا لخسارة إسرائيل كحليف مهم لمصر”[6].

ويمكن القول إن الموقف المصري الأكثر صلابة خلال عامي الحرب الماضيين تمثل في رفض سيناريو تهجير سكان القطاع إلى سيناء، إلا أن ذلك لم يصاحبه أي إجراء يتعلق بكسر الحصار وتخفيف حدة المجاعة في غزة، بل قامت مصر بعقد أكبر صفقة لاستيراد الغاز الإسرائيلي “المسروق” وُقِّعت في أغسطس 2025م، ووافقت عليها الحكومة الإسرائيلية في ديسمبر من العام نفسه.

يترافق ذلك كله مع تناقض واضح بين ما يتم ترويجه ثقافيًّا وتعليميًّا في مصر وإسرائيل؛ فبينما يتزايد المناخ التعليمي والثقافي في إسرائيل تشددًا وتطرفًا نحو الآخر ودعوة إلى التخلص منه، تشير تقارير عديدة، منها ما نشره الباحثان الإسرائيليان في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إلداد باردو، وعوفير وينتر، في فبراير 2024م[7]، عن عملية تدريجية لتعديل مناهج التعليم في مصر للتقليل من حدة الخطاب العدائي تجاه إسرائيل، وإزالة الصورة النمطية المعادية لليهود. وهذه التعديلات تتم بحذر بالغ، وتُقدم في إطار إصلاحات تعليمية شاملة، لا بوصفها استجابة مباشرة للتقارب السياسي مع إسرائيل، وهو ما يعكس إدراك النظام المصري لحساسية هذا الملف داخليًّا، ومحاولته الموازنة بين متطلبات التحالفات الخارجية وضغوط الرأي العام المحلي.

وهكذا فإن القراءة المتأنية لمسار العلاقات المصرية الإسرائيلية، خلال العقد الأخير، تشير إلى أن ما نشهده هو انفصام بين المستويين العلني والعملي. فعلى المستوى الخطابي، تحرص القاهرة على تبني مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حفاظًا على شرعيتها الإقليمية والوضع الداخلي. أما على المستوى العملي، فتستمر قنوات التعاون الأمني والاقتصادي في العمل بكفاءة عالية، بل وتتوسع أحيانًا رغم الأزمات السياسية.

ورغم أن مثل هذا الانفصام ليس جديدًا في العلاقات الدولية، فإنه في الحالة المصرية الإسرائيلية بلغ درجة غير مسبوقة من الوضوح. ويعود ذلك، بصورة أساسية، إلى طبيعة النظامين السياسيين في البلدين. إذ تقدم الحكومات الإسرائيلية منذ قدوم نتنياهو إلى السلطة أعلى درجات التطرف، وهو تطرف بلغت ذروته مع الحكومة الحالية التي تستند إلى خطاب أيديولوجي صدامي يصعب على أي نظام عربي المجاهرة بالتحالف معه. وفي المقابل، يعتمد النظام المصري على معادلة دقيقة توازن بين تناقضات تتمثل في علاقات وتعاون كبير مع حكومات تتبنى مثل هذه الأيديولوجيات، ومتطلبات البقاء السياسي والشرعية الشعبية.

من هنا، يمكن القول إن تغير الأيديولوجيا الحاكمة في إسرائيل، وليس مجرد تغير الأشخاص، هو العامل الحاسم في إعادة تشكيل أنماط التفاعل المصري الرسمي معها. فكلما ازدادت النزعة الدينية والقومية تطرفًا داخل الائتلاف الحاكم في تل‌أبيب، اضطرت القاهرة إلى رفع منسوب التباعد الخطابي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جوهر الشراكة الأمنية والاستراتيجية.

غير أن صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف أعاد إنتاج معضلة قديمة في سياق جديد: كيف يمكن لنظام عربي ذي قاعدة شرعية هشّة أن يحافظ على تحالف استراتيجي وثيق مع حكومة إسرائيلية تتبنى سياسات صدامية علنية؟ وقد أفرزت هذه المعضلة سياسة مزدوجة، تتجلى في تصعيد الخطاب العلني، حين تدعو الحاجة في وقت الأزمات الكبرى وتصاعد الجرائم الإسرائيلية في المنطقة، مقابل تعميق التعاون العملي.


[1] – Steven A. Cook: False Dawn. New York, Oxford University Press, 2017. p. 22.

[2]https://tinyurl.com/ycxb6qlb

[3]https://tinyurl.com/ylhv6pvo

[4] – Maged Mandour: Egypt as Israel’s New Ally. In: The Future of the Occupation of the Palestinian Territories after Gaza. Ed. Erwin van Veen. Palgrave, Macmillan 2025. P. 116.

[5]  – רן דגוני. חשש בישראל: הפסקת סיוע אמריקאי למצרים תסתכן את השלום, 04.07.2013.

https://tinyurl.com/27bs7osf

وانظر أيضا:

אלי ברדנשטיין. לבקשת בכירים בארה”ב: ישראל לחצה על סיוע למצרים. מקור ראשון 25/12/2013.

https://tinyurl.com/28evfwos

[6] – Mandour: P. 119.

[7] – E. Pardo & Ofir Winter. Israel and Jews in Egyptian Textbooks-A forward-Looking Perspective. INSS February 4, 2024.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى