غير مصنفمقالات

التنسيق الأمني المصري-الإسرائيلي: إدارة التناقض وحدود الثقة

تعود الترتيبات العسكرية والأمنية الصارمة بين مصر وإسرائيل إلى لحظة توقيع معاهدة السلام بينهما، والتي اشتملت على تحديد لوجود القوات المسلحة المصرية في سيناء، ونشر قوة مراقبين متعددة الجنسيات تُعرَف باسم (MFO)، والمعنية بمراقبة تطبيق بنود الاتفاق. ومنذ تلك اللحظة أصبح الجانب الأمني جزءًا لا يتجزأ من علاقة السلام، إذ ربطت بين السلام الرسمي وضرورة التنسيق الأمني والاستخباري لضمان عدم انزلاق الحدود المشتركة إلى نزاع جديد.

وحسب المنظور الإسرائيلي، فقد اكتسب التنسيق الأمني مع مصر بعد 2011م أهمية مضاعفة على وقع الثورة في مصر. فنتيجة للانشغال المصري الكبير بالوضع الداخلي أصبحت سيناء تعاني من شبه فراغ أمني، ومن ثم فقد حوَّلها ذلك من حاجز استراتيجي إلى مصدر تهديد غير تقليدي بالنسبة لإسرائيل، ما دفع المؤسسات الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم لبنود الملحق الأمني للمعاهدة والموافقة على دخول قوات مصرية إضافية وتسليح أثقل إلى سيناء، انطلاقًا من تخوف إسرائيلي بأن تستفيد فصائل المقاومة الفلسطينية من هذا الوضع في بناء قوتها العسكرية.

بين التعاون والخلاف

في مقال للمعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية (متفيم)، نشرته صحيفة هآرتس (31 ديسمبر 2025م)، تحدث أوفير وينتر، كبير الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عن المصالح الأمنية المشتركة ونقاط الخلاف بين مصر وإسرائيل. ووفقًا لقوله، فإن البلدين يتشاركان المصلحة في إضعاف حركة حماس، وتحييد قدراتها العسكرية، ورفض استمرارها في حكم غزة، بسبب الانتماء الفكري للحركة للإخوان المسلمين. وفي هذا السياق قامت مصر، إضافة إلى الأردن، بتدريب مئات ضبَّاط الشرطة الفلسطينيين من أجل تشكيل حكومة بديلة لحماس. بل إن مصر أبدت جاهزيتها للمشاركة في قوة دولية لإقرار الأوضاع في غزة، مع اشتراطها أن تكون هذه القوة محددة المدة، وأن تكون جزءًا من إطار سياسي يفضي في النهاية إلى حل الدولتين، لا أن تكون قوة شرطية تحارب حماس، وتحل محل الجيش الإسرائيلي.

أما في مسألة ضبط الحدود، فيتحدث وينتر عن إدراك مصري أن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 7 أكتوبر 2023م، ويُشير إلى تفهُّم مصر حاجة إسرائيل للحد من التهريب، حتى إنها، في أثناء الحرب، ناقشت مع إسرائيل والولايات المتحدة حلولًا تقنية وهندسية، بما في ذلك إنشاء حاجز جديد مزود بأجهزة استشعار لرصد محاولات التهريب تحت الأرض.

ثمَّة بُعد آخر يشير إليه وينتر يتعلق بمسألة الوعي التي يمكن أن تتعاون فيها مصر وإسرائيل. فالقاهرة، حسب الرؤية الإسرائيلية، لديها خبرة طويلة في محاربة الحركات الإسلامية، بدءًا من الإخوان ووصولًا إلى داعش. وهذه الخبرة بُنِيت على أساس أن هذه الحركات هي حركات فكرية يتطلب إضعافها حملات توعية، ومن ثم تبرز إمكانية تبني “النموذج الناجح” الذي نفذته مصر مع هذه الحركات لكن داخل قطاع غزة هذه المرة، فيتم الجمع بين التدابير الأمنية والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تغيير نوعية الخطاب المقدم في الإعلام والنظام التعليمي، بل وحتى في الخطب في المساجد.

لكن التوافق في مثل هذه النقاط لا ينفي وجود خلافات؛ بعضها يظهر بوضوح في ملف غزة، فدائمًا ما كانت إسرائيل تعتمد على الدور المصري سواء في ضبط الحدود أو الوساطة، لكنها تختلف مع القاهرة حول المقاربة الإنسانية والسياسية طويلة الأمد. إذ تنظر إسرائيل لغزة على أنها ساحة تهديد أمني محض، لكن التاريخ والمنطق في المقابل يقول إنها امتداد مباشر لأمن مصر القومي. وبعضها يخص موقف مصر تجاه السلطة الفلسطينية، فمصر ترى في السلطة الكيان الشرعي الوحيد القادر على حكم الضفة والقطاع، وأن الخطوات الإسرائيلية لإضعافها تعني أن البديل هو الاحتلال الجزئي أو الكامل، أو الفوضى أو حكم العشائر، أو بقاء سيطرة حماس.. وهي خيارات لا تريدها مصر لأنها تنذر بعدم الاستقرار الذي يمكن أن يمتد إلى الأراضي المصرية.

ثمَّة نقطة خلاف أخرى حول تكتيكات نزع سلاح حركة حماس، فبينما تريد إسرائيل نزعًا فوريًّا، طوعًا أو بالقوة، وتعتبر ذلك شرطًا للمضي قدمًا في خطة ترامب، تفضل مصر في المقابل عملية طويلة الأمد وتدريجية ومتفق عليها لنزع سلاح الحركة، بل وربما محاولة دمج عناصرها في آليات الأمن التابعة للسلطة، والسعي لتجنب أي إكراه عسكري من شأنه دفعها للتمسك بموقفها الرافض أصلًا لنزع سلاحها.

ويَظهر التباين كذلك في مقاربة الوجود العسكري المصري في سيناء، فيما تخطى بنود الملاحق الأمنية لمعاهدة السلام، إذ ترى القاهرة أن وجودها ضرورة في مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء، بينما تتعامل إسرائيل مع أي تغيير طويل الأمد بوصفه مسألة استراتيجية تتطلب رقابة دقيقة وضمانة دولية.

ومن اللافت ما تشير إليه مصادر إسرائيلية حول تقديرات باستعداد مصر، ولو عبر صمتها، لقبول السيطرة الإسرائيلية المؤقتة على محور صلاح الدين (فيلادلفي) وأن يكون لها، أي لإسرائيل، حرية العمل ضد ما تسميه “تهديدات إرهابية” في هذا المحور.

لكن على الرغم من حقيقة أن الوجود العسكري الإسرائيلي في محور صلاح الدين هو انتهاك صارخ لأحد الالتزامات التي تفرضها معاهدة كامب ديفيد، ويَمسُّ صلب الاتفاقية، فإن مصر سوف تستمر في التنسيق الأمني مع إسرائيل لمنع وقوع أية أخطاء قد تفضي إلى خروج الأوضاع عن السيطرة. ولذلك تحرص على إبقاء جميع آليات منع الصراع العرضي فعَّالة، ومن بينها هذا التنسيق. وفي الوقت نفسه ثمَّة تضارب في الأنباء حول مسألة التعزيزات العسكرية المصرية في سيناء؛ فمن المرجح، حسب مصادر مصرية، ألَّا تتراجع القاهرة عنها، والتي تراها ضرورية لمنع أية محاولة إسرائيلية مستقبلية محتملة لتهجير سكان القطاع قسرًا إلى مصر، أو دفع الحرب نحو الأراضي المصرية، وفقًا لتصريح مصدر عسكري مصري لصحيفة الشرق الأوسط (22 ديسمبر 2025م)، ما يَعني أن تل أبيب سوف تكون مطالبة بقبول هذا الواقع الأمني الجديد. لكن في مقابل ذلك، فإن تصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، تشير إلى سحب فعلي لقوات مصرية من سيناء، وأن ذلك كان شرطًا للمضي قدمًا في إتمام صفقة الغاز المقدرة بـ 35 مليار دولار.

التنسيق الأمني، وإدارة التناقض

تشير نقاط الاتفاق أو الاختلاف تلك إلى حقيقة أن التنسيق الأمني بين البلدين ليس علاقة طبيعية ولا تحالفًا تقليديًّا، بل معاهدة لإدارة التناقض: تعاون عميق دون تطبيع شامل. وهو من منظور إسرائيلي، إنجاز استراتيجي لا غنى عنه، وإن كان محفوفًا بالقلق من تحولات المستقبل الذي تستعد له إسرائيل جيدًا بامتدادات جيواستراتيجية في حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي، عبر شبكة علاقات وتحركات مباشرة وغير مباشرة تمس محيط الأمن القومي لمصر. أما من المنظور المصري فهو ضرورة أمنية ومصدر قلق في الوقت نفسه. أما دوليًّا، فهو نموذج هش لكنه ثابت وفعَّال طالما بقيت التوازنات الإقليمية والدور الأمريكي قائمين.

ويمكن القول أيضًا، إن هذا التنسيق هو في جوهره آلية إدارة قلق متبادل بين دولتين خرجتا من صراع قوي، ولم تنتقلا أبدًا إلى حالة ثقة استراتيجية. ما يجعل هذه العلاقة معقدة هو أنها تقوم على فرضية مزدوجة تبدو متناقضة: كل طرف يحتاج الآخر أمنيًّا في الحاضر، لكنه لا يثق به استراتيجيا في المستقبل. ففي المخيال الإسرائيلي، لا تعد مصر جارًا مسالمًا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي قوة كامنة. ولا يُقرأ السلام معها بوصفه تحولًا تاريخيًّا نهائيًّا، بل بوصفه تجميدًا طويل الأمد لإمكانية الحرب، وهو تصوُّر متجذر في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية منذ نشأة الكيان الصهيوني. وما فعلته معاهدة السلام بعد حرب 1973م أنها نقلت مصر من خانة التهديد الآني المباشر إلى خانة التهديد المؤجل.

في المقابل، تختلف المقاربة المصرية جذريًّا، فالقاهرة لا ترى في إسرائيل قوة كامنة بقدر ما تراها عامل اضطراب دائم في المنطقة. لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الصدام معها مكلف. لذا يُفهَم التنسيق الأمني في مصر بوصفه إدارة حدود لا شراكة أمنية. والفارق بين الاثنين جوهري، فالشراكة تفترض تقاربًا في الرؤية، أما الإدارة فتعني ضبط التداخل ومنع الانفجار. هذا الاختلاف في التعريف هو أحد مصادر التوتر الصامت غير المُعلَن. فحين تتحدث إسرائيل عن تعاون غير مسبوق، يكون بالنسبة للمصريين تفاهمات ظرفية. وحين تقلق إسرائيل من تعزيزات عسكرية مصرية في سيناء، تعبّر مصادر في القاهرة عن ممارسة حق سيادي مؤجل فرضته المعاهدة ثم أملته الظروف الأمنية لاحقًا.

ولا شك أن الاعتراف الإسرائيلي الأخير بأرض الصومال يدعم ويؤكد صحة التخوفات المصرية في ساحات أخرى، فقد جاء هذا الاعتراف لينتهك الأمن القومي المصري. إذ تبرز ساحة البحر الأحمر والقرن الإفريقي بوصفها أحد أكثر ميادين العلاقة المصرية-الإسرائيلية تعقيدًا وحساسية؛ لأنها تكشف بوضوح حدود التنسيق الأمني ونقاط الاختلاف البنيوي بين الطرفين. فمن ناحية يتقاطع الطرفان عند إدراك أهمية أمن الملاحة في البحر الأحمر، مع ملاحظة أن طول السواحل الفلسطينية المحتلة التي تسيطر عليها إسرائيل لا يتخطى 12كم فقط على خليج العقبة، أسست عليها ميناء إيلات، وهو ميناؤها الوحيد على البحر الأحمر. هذا بينما تمتد سواحل مصر على خليج العقبة وحده إلى أكثر من 200 كلم، ناهيك بالطبع عن سواحل تمتد بطول أكثر من 1700 كم على البحر الأحمر. لكن من جهة أخرى، يتحول هذا التقاطع ذاته إلى مجال خلاف تبدو فيه القاهرة حتى الآن مكتفية بالتنديد بالتحركات الإسرائيلية، حتى حين يصبح تمددها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ذا طابع نفوذي يشكل خطرًا محدقًا على أمن مصر القومي، سواء عبر حضور أمني واستخباراتي غير مباشر، أو عبر محاولات نسج علاقات خاصَّة مع كيانات ودول مطلة على هذا الفضاء الحيوي. فالبحر الأحمر بالنسبة لمصر هو امتداد طبيعي لأمنها القومي، يرتبط مباشرة بقناة السويس وموقعها الجغرافي ودورها التاريخي في تأمين الممرات البحرية، بينما تميل إسرائيل إلى التعامل معه كساحة استراتيجية مفتوحة، تسعى إلى ترسيخ وجودها فيها، وتقديم نفسها باعتبارها فاعلًا دوليًّا في أمن الملاحة العالمية. يتعمق هذا الخلاف مع انخراط إسرائيل في ملف أرض الصومال، سواء عبر الاعتراف السياسي أو التعاون الأمني المترتب على هذا الاعتراف، وهو ما تراه القاهرة مساسًا باستقرار القرن الإفريقي، فضلًا عن كونه محاولة لخلق موطئ قدم إسرائيلي دائم قرب باب المندب.

هنا، يتراجع منطق التنسيق ليحل محله منطق التحفظ والتهديد، فمِن المفترض أن مصر لا ترى في ذلك مسارًا للتعاون، بل عامل إرباك استراتيجي يفرض عليها تعزيز حضورها الإقليمي بدل الانخراط في ترتيبات مشتركة. وبهذا المعنى تكشف ساحة البحر الأحمر والقرن الإفريقي عن الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الطرفين: تقاطع أمني تحكمه الضرورة، يقابله تنافس جيوسياسي تحرز فيه إسرائيل نقاطًا أكبر في المجال الحيوي الجنوبي لمصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى