أوراق بحثية

التمييز بين أفراد الوطن وأثره في الانتماء: (الحالة المصرية نموذجًا)

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

ملخص

تقدم هذه الدراسة رصدًا وتحليلًا لقيم المواطنة بأركانها الأساسية من المساواة والحرية العدالة الاجتماعية وعدم التمييز، مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية والقدرات والمهارات التي يتمتع بها أفراد المجتمع كلٌّ على حدة. هذه القيم التي يمكن معها تعزيز الشعور بقيمة الانتماء لدى أبناء الوطن ومِن ثمَّ غرسها في الأجيال الجديدة. وتنعكس في الوقت نفسه آثار هذه القيم على علاقة الأفراد بعضهم ببعض؛ حيث يشعر كلٌّ منهم بالأهمية والتقدير والاحترام المتبادل، والذي ينعكس بدوره على المجتمع كله فيزداد ترابطًا وتماسكًا وتسود روح المَودَّة بين أبنائه. وتصبح ثقافة التسامح والتعايش وقبول الآخر سمتًا عامًا للمجتمع ككل.

لقد تناولت الدراسة توضيح المصطلحات، فعرضت شرحًا لغويًّا لمفهوم المواطنة وتأصيله، ثم انتقلت للمعنى الاصطلاحي لمفهوم المواطنة بأبعاده المختلفة، سواءً من الناحية القانونية أو السياسية أو الاجتماعية. وأوضحت أثر ترسيخ هذه القيم في بناء المجتمعات وترابط أبنائها وتماسكهم، وذكرت بعض النماذج التي تُعد أوفر حظًا في تطبيق قيم المواطنة بين أبنائها وأثر ذلك على تقدمها وتطورها؛ حيث اختارت ثلاث تجارب في ألمانيا وهولندا وسنغافورة. ويمكن للدولة المصرية الإفادة من هذه التجارب ومن الوسائل التي استعملتها والخطوات العملية التي انتقلت بها من مرحلة الاستبداد والنزاع والفقر إلى مراحل أكثر ديمقراطية، كما في تجربة ألمانيا، وأكثر تسامحًا وتعايشًا كما في تجربة هولندا، وأكثر رفاهية كما في حالة سنغافورة.

كما عرضت الدراسة لأهم المؤسسات المصرية التي سَعَت إلى إرساء هذه القيم بين أفراد الشعب ووسائلها المختلفة في ذلك؛ حيث قدمت مبادرات عديدة من أجل نشر الوعي بأهمية قيم المواطنة والمساواة في المجالات كافة.

ثم انتقلت الدراسة لعرض مفهوم التمييز وخطورته على السلم الاجتماعي. وركزت على توضيح أنواع التمييز وأهم مظاهره في المجتمع المصري، مع التأكيد على حرص الدولة المصرية على تجريم التمييز بكل أنواعه الطبقية والدينية الطائفية والقائمة على النوع، خاصَّة التمييز ضد المرأة، والتمييز ضد ذوي الهمم، والتمييز الجغرافي.

وقد اقترحت الدراسة، تدعيمًا للجهود التي تقوم بها الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة، وفي محاولة عملية للمساعدة في التغلب على أهم مشاكل الوطن، مجموعة من الوسائل التي من شأنها أن تُسهِم في تعزيز الانتماء وترسيخه وتدعم في الوقت نفسه تقوية الجبهة الداخلية وتماسكها؛ حيث شملت هذه الوسائل إصلاح السياسات العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز التعليم القائم على قيم المواطنة، مع التركيز على الأنشطة المشتركة بين شباب الجامعات في المحافظات المختلفة لتفعيل المشاركة وتشجيع الشباب على اقتراح المبادرات والأفكار التي تُسهِم في التغلُّب على أهم مشاكل الوطن. واتخاذ كل الإجراءات والخطوات الداعمة لنشر ثقافة التسامح والتعايش وقبول الآخر بين أفراد المجتمع.

مقدمة

إن الاختلاف والتنوُّع بين البشر سُنَّة كونية أرداها الله سبحانه وتعالى؛ حتى يتكامل الناس ويحتاج بعضهم إلى بعض في تعاملاتهم المختلفة، فيتعاونون على ما يحقق مصالحهم أجمعين. وهنا قد تتفاوت قدراتهم ومهاراتهم فيتمايزون فيما بينهم وفقًا لهذه القدرات والمهارات. وهكذا تُبنَى الأوطان بتكامل قدرات الأفراد ومهاراتهم.

وفي إطار ذلك يصطلحون فيما بينهم على معايير وقِيَم يَصُوغُونها في دساتير عامة وقوانين مُفَصِّلة لتنظم شؤون الحياة وتضع أسس الحقوق والحريات والواجبات والتكاليف المتبادلة فيما بينهم كأفراد، وبينهم وبين الوطن ككيان حاضن للجميع؛ بمعنى أن أبناء الوطن بمشاركتهم وتفاعلهم هم الذين يحكمون مجتمعهم ويختارون مَنْ يمثلهم في مؤسسات الوطن المختلفة وفقًا لقواعد متفق عليها بينهم، وهذا ما اصطُلِح عليه بالحكم الديمقراطي.

وعلى رأس هذه القيم التي تشملها الدساتير وتشرحها القوانين تأتي قيمة المواطنة بأركانها الأساسية من المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز. ومع استقرار هذه القيم كمنهج حياة بين أفراد الوطن تنظمها القوانين تنشأ الممارسة العملية للمواطنة في وجدان أبناء الوطن، فيَظهَر ما يُعرَف بالوطنية، وهي التجسيد والممارسة العملية للشعور الوجداني أو العاطفي للمواطنين بالولاء والانتماء للوطن.

تسعى هذه الدراسة إلى رصد بعض تجارب الشعوب التي أدركت أهمية قيم المواطنة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز في المحافظة على تماسك مجتمعاتها وترابطها، ومِن ثمَّ تعزيز الانتماء للوطن. ثم تحلل الدراسة الوسائل التي استعملتها هذه الشعوب للتخلص من مخاطر التمييز وآثاره السلبية المؤدية إلى تفكُّك المجتمعات. وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى إسقاط هذه التجارب على الحالة المصرية في محاولة للإفادة منها.

ويأتي ذلك انطلاقًا من فرضيتين: الأولى تتعلق بالعلاقة الطردية الوثيقة بين تحقق هذه القيم وتماسك الجبهة الداخلية وترابطها. والثانية تختص بفرضية العلاقة الطردية بين المجتمعات التي تسود فيها هذه القيم وحظها الأوفر من التقدم والتطور؛ أي أن ممارسة قيم المواطنة تُعَد عاملًا مهمًّا يقود إلى جبهة داخلية قوية ووطن متقدم ومتطور.

إشكالية الدراسة وتساؤلاتها

 تتمثل إشكالية الدراسة الأساسية في التساؤل حول كيفية تعزيز قيم المواطنة بأركانها الرئيسة: المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، في مواجهة التمييز بين أفراد المجتمع المصري، وكيفية ترسيخ هذه القيم بين هؤلاء الأفراد لتنمية روح الانتماء بين أبناء الوطن الواحد. ويتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات، أهمها:

  • ما أهمية قيم المواطنة ودورها في تعزيز الشعور بالولاء والانتماء بين أفراد الوطن؟
  • ما الوضع الحالي لهذه القيم بين أبناء المجتمع المصري؟
  • ما الوسائل التي تتخذها المؤسسات المصرية لتعزيز هذه القيم؟
  • هل يمكن أن تمثل هذه القيم حصانة للجبهة الداخلية ضد التحديات بمختلف أنواعها؟
  • ما الحلول العملية لترسيخ هذه القيم وتحويلها إلى سلوك مجتمعي؟

أهداف الدراسة

  • رصد أهمية قيم المواطنة وأركانها الأساسية من مساواة وحرية وعدالة اجتماعية في بناء الأوطان.
  • الوقوف على أضرار التمييز بين أفراد الوطن وانعكاسها على الاتنماء.
  • رصد واقع الحالة المصرية وموقفها من هذه القيم ومظاهرها.
  • تحليل دور المؤسسات المصرية لتعزيز هذه القيم بين أفراد الوطن.
  • تقديم مقترحات وحلول لمحاولة سد الفجوة بين مثالية النصوص والواقع العملي.    

منهجية الدراسة

تتبع الدراسة عدة مناهج لتحقيق أهدافها، وأهمها المنهج التاريخي لعرض بعض التجارب والأمثلة من تاريخ الشعوب التي نالت حظًّا من تطبيق قيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية، للتعرُّف على كيفية تغلبها على التمييز بين أفراد المجتمع، وانعكاس ذلك على تقدمها وتطورها.

وتستعمل الدراسة كذلك المنهج المقارن، بإسقاط هذه التجارب على الواقع المصري لتحديد أوجه الشبه والاختلاف. ويُكمِّل المنهجين السابقين المنهج الوصفي التحليلي النقدي الذي يَعرِض هذه التجارب ويصفها ثم يقوم بتحليلها وتقييمها.

أداوت الدراسة وحدودها

تعتمد الدراسة في الأساس على رصد مجموعة من الدراسات والأبحاث في المصادر والمراجع والمراكز والمؤسسات البحثية المتعلقة بقيم المواطنة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز، ومدى حضور هذه القيم لدى بعض الشعوب، ومِن ثَمَّ تحليل هذه التجارب وتقييمها وإسقاطها على الحالة المصرية وموقفها من هذه القيم؛ وبذلك تمتد حدود الدراسة من رصد بعض التجارب التاريخية وتحليلها إلى رفع الواقع الحالي للمجتمع المصري، ومِن ثمَّ تنتهي بتقديم رؤية استشرافية للمتوقع من ترسيخ هذه القيم وأثرها في تعزيز الولاء والانتماء للوطن.

محاور الدراسة

  • المحور الأول: المواطنة والمساواة وأثرهما في بناء المجتمعات.
  • المحور الثاني: المؤسسات المصرية ودعمها للمواطنة والمساواة.
  • المحور الثالث: مفهوم التمييز وأنواعه ومظاهره وخطورته على السِّلْم الاجتماعي في مصر.
  • المحور الرابع: وسائل تعزيز الانتماء وتقوية الجبهة الداخلية المصرية.

المحور الأول: المواطنة والمساواة وأثرهما في بناء المجتمعات

أولًا: المواطنة.. تعريفها وأبعادها:

تتنوع تعريفات المواطنة بين اللغوية التأصيلية والاصطلاحية التفصيلية، وتأخذ الأخيرة أبعادًا مختلفة بدورها، فمنها ما يُركِّز على البُعد القانوني المستمد بالضرورة من الدستور، والذي يُركِّز على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ومنها ما يَهتم بالبُعد السياسي ودور المواطن ومشاركته في الحياة السياسية، ومنها ما يجعل البُعد الاجتماعي الذي يربط الفرد بأرضه ومجتمعه محورًا رئيسًا لاهتمامه ويُركِّز على تحقيق جودة الخدمات والعدالة الاجتماعية بين المواطنين.

ولا ريب أن هذا التنوُّع يُثري مفهوم المواطنة ويجعلها ركيزة أصيلة في بناء الدولة؛ كواقع معيش وليس كتعريفات جامدة لا تخرج عن إطارها النظري. ولا يتحقق ذلك إلا بتكامل أدوار مواطنيها وإسهاماتهم من خلال أداء واجباتهم نحو وطنهم، خاصَّة إذا اطمئنوا إلى تمتعهم بحقوقهم كاملة في إطار من المساواة والعدالة والحرية والأمن.

المواطنة لغةً: يُعَرِّف مجمع اللغة العربية بالقاهرة المواطنة بأنها الانتماء إلى الوطن ومشاركة أهله دون تأثر باختلاف الدين أو اللون أو اللغة. ويُشير إلى اشتقاقها من الجذر (وَطَنَ)([1]). ويرد في المعجم الوسيط أن وَطَنَ بالمكان – (يَطِنُ) وطنًا: أقام به، وأوطن المكان: وطن به، والبلدَ: اتخذه وطنًا. والوَطَنُ: مكان إقامة الإنسان ومقره وإليه انتماؤه وُلِد به أو لم يُولَد([2]).

المواطنة اصطلاحًا: إذا كان المعنى الاصطلاحي يُشِير إلى المفهوم الدقيق المتفق عليه بين المتخصصين في علم معين؛ بحيث لا يدع مجالًا للخلط أو اللبس، فإنه بهذه الدلالة لا ينطبق على مفهوم المواطنة؛لأنه قد مرَّ، عبر التاريخ الإنساني، بمحطات عديدة. فالمواطنة مفهوم معقد ومتشابك منذ بداياته الجنينية في الدولتين الإغريقية والرومانية، وله أبعاد ودلالات عديدة في الحقول المعرفية الفلسفية والاجتماعية والسياسية والقانونية([3])؛ لذلك تجب الإشارة عند تعريف المواطنة اصطلاحًا إلى تفصيل هذه الأبعاد وتوضيحها، ومنها مجتمعة يخرج مفهوم عام للمواطنة.

أ- البُعد القانوني: يَدل مصطلح المواطنة في القانون على وجود صِلَة بين الفرد والدولة، وبموجب القانون الدولي المواطنة هي مرادفة لمصطلح الجنسية، على الرغم من أنه قد يكون لهما معان مختلفة وفقًا للقانون الوطني. والشخص الذي لا يَملِك المواطنة في أي دولة هو عديم الجنسية([4]). وهذا ما أشارت إليه كذلك موسوعتا “كولير” الأمريكية و”الكتاب الدولي”؛ حيث أشارت الأولى إلى مصطلح (citizenship) لكلٍ من المواطنة والجنسية دون تمييز، بما يُوحي بأنهما على المعنى نفسه. وجاء فيها أن المواطنة أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالًا، فالمواطن يدين بالولاء والطاعة لدولته وله حقوق وعليه واجبات ومسؤوليات لا يشاركه فيها غيره. أما موسوعة “الكتاب الدولي” فقد عرَّفت فكرة المواطنة على أنها: “عضويه كاملة في دولة أو في بعض وحدات الحكم، تمنح المواطنين بعض الحقوق، مثل حق التصويت، وحق تولِّي المناصب العامة، وتفرض كذلك عليه بعض الواجبات والمسؤوليات، مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم”. في حين حاولت “دائرة المعارف البريطانية” التمييز بين الجنسية والمواطنة من بعض الوجوه؛ حيث أشارت إلى أن المواطنة “citizenship” علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة. وتؤكد دائرة المعارف البريطانية أن المواطنة تدل ضمنيًّا على مساحة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات، وعلى الرغم من أن الجنسية غالبًا ما تكون مرادفة للمواطنة وتتضمن علاقة بين الفرد والدولة؛ إلا أنها تعني امتيازات أخرى خاصَّة، منها الحماية في الخارج([5]).

ب- البُعد الاجتماعي: يمكن القول إن مفهوم المواطنة نشأ وتطور بفعل نظرية العقد الاجتماعي([6]) وعلاقاتها بحقوق الأفراد وحرياتهم من جهةٍ، ومفهوم الدولة القومية أو الوطنية بوصفها الحاضن الأساس للمواطنين من جهةٍ أخرى. فنظرية العقد الاجتماعي مشغولة بتحديد حقوق المواطنين وواجباتهم إزاء الدولة أو السلطة، وحدود وضوابط تَدَخُّل السلطات في حياة المواطنين عبر الدستور والقانون وممارسة السلطة بطريقة مشروعة، بفضل إسهامات “توماس هوبز” (1588–1679م) و”جون لوك” (1632–1704م) و”جان جاك روسو” (1712–1778م)([7]). ويُطلَق على هؤلاء الفلاسفة الثلاثة (فلاسفة العقد الاجتماعي)، دون أن نتناسى إسهامات أخرى لهذه النظرية من جانب فلاسفة آخرين من أمثال “مونتسكيو” (1689- 1755م)، و”ديفيد هيوم” (1711- 1776م). وقد أثر هؤلاء جميعًا في العديد من الفلاسفة اللاحقين لهم. والملاحظ أن نظرية العقد الاجتماعي هي طرح لتفسير نشأة الاجتماع السياسي وبقائه واستمراره، وتنظيم الحياة المشتركة، وهي بمثابة وسيلة لإزالة التناقض بين ميول الإنسان الفردية وواجباته الاجتماعية، وأداة تحول دون تصعيد التنافس على المصالح. وإذا كان الإنسان يُولَد حرًّا حرية مطلقة وفق فلسفة القانون الطبيعي عند لوك من جهةٍ، وبما أنه حيوان اجتماعي لا يستطيع أن يحيا إلا في وسط اجتماعي من ناحيةٍ أخرى، فكان لا بد من القول بتعاقد اجتماعي بين الأفراد بهدف تحديد أسس الاجتماع البشري، فيتنازل كل فرد عن جزءٍ من حريته، وبذلك يُنهِي العقد حالة الطبيعة الأصلية ويعمل بدوره على إنشاء المجتمع المدني المنظم([8]).

ج- البُعد السياسي: يؤكد “ديريك هيتر” أن المواطنة تحدد علاقة الفرد، ليس بفرد آخر (كما هي الحال بالنسبة إلى الأنظمة الإقطاعية والملكية والاستبدادية)، ولا بمجموعة (كما في القومية)، ولكن بفكرة الدولة بشكل رئيس. والهُوية المدنية مَصُونة بالحقوق التي تسبغها الدولة وبالواجبات التي يؤديها المواطنون، الذين هم أشخاص مستقلون ومتساوون في أوضاعهم الشرعية. فالمواطنون الصالحون هم الذين يشعرون بالولاء للدولة، ويدفعهم الإحساس بالمسؤولية إلى تأدية واجباتهم. وبالتالي فهم يحتاجون إلى المهارات المناسبة لهذه المشاركة المدنية. ويضيف هيتر أن فكرتي الاستقلالية والمساواة في المكانة، والمشاركة المدنية في شؤون الدولة، تضعان المواطنية (المواطنة) نظريًّا، بمعزل عن الأشكال الإقطاعية والملكية والاستبدادية للهُوية الاجتماعية-السياسية([9]).

ويؤكد هيتر كذلك على أن الأبعاد الثلاثة القانونية والاجتماعية والسياسية قد جمعها الباحث “ت هـ مارشال” في مؤلفه المهم (المواطنية والطبقات الاجتماعية)؛ حيث حدد مارشال في المحاضرات التي ألقاها في عام 1949م، ثلاثة أشكال من المواطنية، وهي المدنية (مثلًا: المساواة أمام القانون)، والسياسية (التصويت، على سبيل المثال) والاجتماعية (نموذجها دولة الخدمات الاجتماعية) التي – بحسب الحجج التي ساقها – تطورت تاريخيًّا بهذا التسلسل. وقد قُوبل تحليله التفصيلي ببعض النقد، لا سيما أنه استمد معطياته من التجربة الإنجليزية. ويقول هيتر إنه على الرغم من التحفظات التي صدرت عن التعميم الذي أطلقه مارشال في محاضراته، من خلال دراسته لأوضاع محدودة وخاصَّة، فإن الفكرة الأساس، من المحتوى الثلاثي الأطراف لحقوق المواطنية بقيت مفيدة([10]).

ثانيًا: مفهوم المساواة وأنواعها:

أ- مفهوم المساواة: تُعد المساواة أحد أهم أركان المواطنة؛ فهي التجسيد العملي لترابط أبناء المجتمع وتماسكه والضمانة الرئيسة لعدم التمييز بينهم في الحقوق والحريات والواجبات والالتزامات. وهي ذاتها الدلالات التي يتضمنها تعريف الموسوعة العربية للمساواة؛ حيث تُعرِّفها بأنها: “تعني التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات بمقتضى القاعدة القانونية التي تنظم العلاقات الاجتماعية. وتحتل المساواة مكانًا مرموقًا ضمن المنظومات الحقوقية للدول المعاصرة؛ لأنها تُعد شرطًا للحرية، لذلك يَرى بعض الفقهاء أن المساواة هي أول الحقوق وأساسها([11]).

تضيف الباحثة إسلام سمور أن المساواة تعني كذلك: معاملة أفراد المجتمع كلهم على قدم المساواة دون تمييز على أساس العِرق، أو الجنس، أو الدين، أو الوضع الاجتماعي، أو الأصل، أو غيرها، وضمان حصولهم جميعهم على حقوقهم الإنسانية كاملة، ووصولهم المتساوي والعادل إلى موارد المجتمع([12]).

ب- أنواع المساواة: تتعدد أنواع المساواة وتتنوع وفقًا لمضمونها وغاياتها، وتتمثل أهم هذه الأنواع – وفقًا لما أوردته الموسوعة العربية – فيما يأتي:

1 – المساواة أمام القانون: ويتجلى هذا النوع من المساواة من خلال التزام الجهة المختصة بسَنِّ قاعدة القانون، بحيث لا ترتكب تمييزًا ومحاباة بين المخاطبين بها، وبوجوب أن تُعامَل كل المراكز المتماثلة بطريقة متطابقة، ومن خلال الالتزام الواقع على عاتق الجهات التي تطبق القاعدة القانونية، بأن لا ترتكب تمييزًا بين الخاضعين للقاعدة القانونية لا تنص عليه هذه الأخيرة.

2 – المساواة أمام القضاء: أي تساوي الجميع أمام القضاء، وممارسة جميع مواطني الدولة حق التقاضي على قدم المساواة أمام محاكم واحدة، ومن غير تمييز أو تفرقة بينهم، بسبب الأصل أو الجنس أو اللون أو اللغة أو العقيدة أو الآراء الشخصية، ويتفرع من مبدأ المساواة أمام القضاء النتائج الآتية:

  • وحدة القضاء: ويُقصَد بذلك أن يكون التقاضي لجميع المواطنين أمام القضاة أنفسهم الذين هم من الدرجة نفسها، مما يفرض بدوره عدم وجود محاكم خاصَّة أو استثنائية لأفراد معينين بذواتهم، أو لطوائف أو طبقات اجتماعية محددة.
  • المساواة أمام التشريعات والعقوبات المُطبَّقة: ويتمثل ذلك بضرورة تحقيق المساواة بين المتقاضين بالنسبة إلى القوانين التي تُطبَّق عليهم فيما يثور بينهم من منازعات، وتوقيع العقوبات ذاتها المقررة للجرائم نفسها على جميع مرتكبيها.
  • مجانية القضاء: فلكي تتحقق المساواة أمام القضاء، يجب أن يكون اللجوء إليه مجانيًّا، إلا أن ذلك يُعَد حتى اليوم مسألة نظرية؛ لأن وسائل اللجوء الى القضاء مكلفة في كثير من الأحيان، ولا سيما فيما يتعلق بالنفقات القضائية وأتعاب المحاماة.

3 – المساواة في استخدام المرافق العامة: فما دام المرفق العام نشاطًا تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجة من الحاجات التي تحقق المصلحة العامة، وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع، فمِن الطبيعي لذلك أن يتساوى في استخدامه الجميع من غير تمييز، أيًّا كان سببه.

4 – المساواة في نطاق الوظائف العامة: إذ يجب أن يتساوى الجميع في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة في نطاق الرواتب والأجور والترقيات والعلاوات، طالما كانت مراكزهم القانونية واحدة.

5 – المساواة في استخدام الأموال العامة: ولأن المال العام مُخصَّص للنفع العام فهو يُستخدَم حتمًا من قِبل الجمهور، وهو ما يُطلَق عليه اصطلاحًا تسمية الاستعمال العام للمال العام، وهو يقوم بصفة أساسية على مبدأ مساواة المنتفعين، أي المساواة بين جميع مستخدمي المال العام، ومِن ثمَّ فإن جميع الأفراد يجب أن يُعامَلوا على قدم المساواة في هذا المجال، ماداموا قد تساووا في مراكزهم القانونية.

6 – المساواة في التكاليف والأعباء العامة: إن تعبير التكاليف العامة يَعني كل النفقات التي تُدفَع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع، ومِن ثمَّ فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنى واحدًا في هذا النطاق، إذ تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها، وهذه الموارد يجب أن تُوزَّع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة، ما دامت تُدفَع في سبيل مصلحتهم جميعًا، لذلك لا يجوز أن يتحملها بعض الأفراد من دون بعضهم الآخر([13]).

ثالثًا: دور المواطنة في تحقيق الاستقرار والتنمية:

لما كانت المواطنة تتأسس على التفاعل بين أفراد أبناء الوطن والتفاهم فيما بينهم على الأصول والقواعد التي تحمي حقوق الجميع وتضمن أداءهم لواجباتهم؛ فإن النتيجة المرجوة من ذلك تنعكس على سلوكيات الجماعة واستقرارها، فيسود السِّلْم المجتمعي ويَنهَض الجميع لتحسين مستوى البيئة المحيطة بهم لتتحسن معها أحوالهم ومعيشتهم بالضرورة. ومن مجموع هذه البيئات ينسحب الأمر على الوطن بكامله فيتطور ويتقدم.

وبدرجة مراقبة أسس المواطنة وتحقيقها بين أفراد المجتمع يكون رد فعل المواطنين. فإذا كانت أركان المواطنة وأسسها من مساواة وعدل وحرية وتطبيق القانون مَصُونة بين الجميع، حينئذ تسود الروح الإيجابية بين المواطنين ويسعى الكلُّ إلى العمل والبناء راضيًا وفقًا لدوره وقدرته ومهاراته في إطار المجموع. وإذا كان العكس وطُبقت أسس المواطنة على فئةٍ دون الأخرى سادت الحالة السلبية بين المواطنين، خاصَّة الذين يشعرون بالظلم والإهمال وضياع حقوقهم، وسيبقى حبُّ الوطن والانتماء بينهم شعارات بلا معنى. ومن هنا تبرز أهمية ممارسة المواطنة وتحقيقها على مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع في استقرار الوطن وتنميته.

في هذا الصدد، نجد رصدًا مهمًّا للهيئة العامة للاستعلامات المصرية في توضيح دور المواطنة في استقرار الوطن وتنميته؛ يمكننا إجمال صياغته في النقاط الآتية:

  • لما كانت المواطنة فكرة اجتماعية وقانونية وسياسية فإنها تُسهِم في تطوُّر المجتمع الإنساني بشكل كبير بجانب الرقي بالدولة إلى المساواة والعدل والإنصاف، وإلى الديمقراطية والشفافية، وإلى الشراكة وضمان الحقوق والواجبات.
  • تتطلب متانة النسيج الوطني التسليم بمفهوم المواطنة، بوصفه مفهومًا تتحقق فيه المساواة بين البشر، ويَنال فيه الفرد موقعه الاجتماعي ووظيفته عن طريق كفاءته وقدراته ونزاهته، فالواقع يؤكد أن ثمَّة علاقة في المضمون بين مفهومي المواطن والمواطنة.
  • تضمن المواطنةُ المساواةَ والعدلَ والإنصافَ بين المواطنين أمام القانون وخدمات المؤسسات، وأمام الوظيفة العمومية والمناصب في الدولة، وأمام المشاركة في المسؤوليات على قدم المساواة، وأمام توزيع الثروات العامة، وكذلك أمام الواجبات من دفع الضرائب والخدمة العسكرية والمحافظة على الوطن والدفاع عنه.
  • تعترف المواطنة بالتنوُّع والتعدُّد العَقَدي والعرقي واللغوي والسياسي والثقافي والطائفي والاقتصادي والاجتماعي والاتجاه الأيديولوجي([14]).

رابعًا: تجارب دولية في ترسيخ المواطنة:

ثمَّة تجارب دولية مهمة تؤكد على جهود الشعوب في ترسيخ قيم المواطنة كأهم دعائم بناء الأوطان والحفاظ عليها وتنميتها، ومِن ثمَّ ضمان السلم الاجتماعي بين أفرادها واستقرارها وتطورها وتقدمها.

سوف تعرض الدراسة لثلاث تجارب مهمة، تمكَّنت الدولة في كل منها من إحداث التغيير في سلوكيات أفرادها، بتوفير الحد الأدنى من المساواة بينهم، عن طريق القضاء على أشكال التمييز والعنصرية فيما بينهم وتنمية الشعور بروح الانتماء للوطن رغم اختلافهم عرقيًّا ودينيًّا وطبقيًّا. وعملت هذه الدول كذلك على إشراك أفرادها في تنمية أوطانهم وتقدمها بالإفادة من قدرات الجميع ومهاراتهم، مع العمل في الوقت نفسه على تحسين هذه المهارات وتجويدها.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة مثل هذه التجارب الناجحة لشعوب أخرى لعلها تقدم دروسًا مفيدة وحلولًا مستدامة حول كيفية التغلب على كل ما يهدد السِّلْم المجتمعي ويساعد في إدارة التنوُّع العرقي والديني والطائفي، وبالتالي صياغة قيم المواطنة وأركانها بما يتناسب مع ظروف الحالة المصرية وواقعها المعيش، أملًا في أن ينعكس ذلك على بناء حياة مستقرة للمصريين في واقعهم الحالي وفي مستقبلهم القريب لأبنائهم والبعيد لأحفادهم وهكذا لكل الأجيال الآتية، مما يُعزز تنمية الشعور بالانتماء والولاء للوطن. وتتمثل هذه التجارب الثلاث في تجربتتن أوربيتين في ألمانيا وهولندا، وتجربة آسيوية في سنغافورة.

1 – قيم المواطنة لدى الألمان:

تعني المواطنة لدى الألمانالخلاص من العنصرية والعبودية والاستبداد الذى ساد ألمانيا على يد “هتلر” الذى عُيِّن فى منصب المستشار الألمانى في يناير سنة 1933م، ثم أصبح رئيس ألمانيا بدون إجراء انتخابات رئاسية عقب وفاة رئيسها “باول فون هيندنبورج” في أغسطس عام 1934م، وصدر في عهده مرسوم تحت عنوان: “حماية الشعب والدولة الألمانية”، حيث قام بتعليق مجموعة من الحريات الأساسية تحت شعار حماية الشعب والدولة، أهمها: الحرية الشخصية، وحرمة المسكن، وحرية التعبير، وحرمة المراسلات، وحرية الجمعيات، وحق الملكية. وعلى الرغم من ذلك حرص الشعب على قانون المواطنة الألماني الذي له جذور تاريخة حضارية عريقة؛ إذ أن قانون المواطنة الحالي، الصادر في 1 يناير سنة 2000م، مبني على مرسوم المواطنة الصادر سنة 1913م، والمعروف باسم القانون الأساس، الذي يَعتبر المنحدرين السابقين من السلالة الألمانية مواطنين ألمان([15]).

يتضح من ذلك أن حرص الشعب الألماني على المواطنة قد أتى لتغيير حالة من الاستبداد ومنع للحريات المهمة التي تتعلق بأشخاصهم ومساكنهم ومعاملاتهم؛ أي أن التجربة السلبية التي مَرَّ بها الشعب الألماني كانت هي الدافع الرئيس للتغيير؛ لذلك حرصت الحكومة الألمانية على إقرار مجموعة من المبادئ القائمة على قيم المواطنة في دستور 1947م، والذي يُعد امتدادًا لدستور 1913م، وأساسًا لدستور 2000م، فاستمرت هذه المبادئ في المجتمع الألماني وبين أفراده وساعدت على تقدم ألمانيا وتطورها. ويمكن إجمال أبرز هذه المبادئ المهمة على النحو الآتي:

  • مبدأ الدولة القانونية: يُطبَّق القانون بشكل عام من خلال ربط كل الأعمال والتعاملات بالقانون والحق. فضلًا عن هذا، وضع ضمانة للمواطنين تتمثل في الحق في الحرية، وبهذا تضبط وتحكم أعمال الدولة.
  • مبدأ الدولة الاجتماعية: وهو الذي يُلزِم الدولة بحماية المُستضعَفِين )المُهمَّشِين) اجتماعيًّا للوصول إلى عدالة اجتماعية للجميع ومساواة بين الرجل والمرأة.
  • مبدأ الدولة الديمقراطية: ويتفق المبدأ الديمقراطي مع مشاركة المواطن في تشكيل وتكوين المجتمع من خلال الاقتراع السري الحُر لاختيار نواب الشعب فى البرلمان.
  • مبدأ الدولة الاتحادية: أي الدولة المركزية القوية المبنية على أسس الديمقراطية.

والمؤكد أن طريقة الحكم الديمقراطية والدولة الاتحادية والدولة الاجتماعية، كلها مبادئ لا يجوز المساس بها من خلال تعديلات لاحقة على الدستور، أو حتى في حال صياغة دستور جديد للدولة. وتُعَد هذه المبادئ حجر الزاوية في بناء المواطنة الألمانية، وذلك في إطار الانتماء الوطني القومي والاعتراف بكرامة الفرد واحترامه([16]). وفى عام 1977م، صِيغ ما يتعلق بالمساواة فى الحقوق الزوجية والأسرية، بالإضافة لظهور العديد من الحركات الاجتماعية التى أسست بصورة أساسية المواطنة بمنظورها الاجتماعي والسياسي والقانوني مما أدَّى إلى زيادة الوعي للمواطنين الألمان وزيادة شعورهم بأهمية المشاركة فى الشأن العام([17]).

لقد انعكست أهم ثمار قيم المواطنة التي تبلورت في هذه المبادئ التي حرص الشعب الألماني على ترسيخها، رغم الظروف التاريخية الصعبة التي مرت عليهم، خاصَّة بعد الحرب العالمية الثانية، وأدَّت إلى تقسيم ألمانيا إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية ألمانيا الشرقية، أقول انعكست في إعادة الوحدة مرة أخرى بين الألمانيتين ليصبحا “ألمانيا الموحدة” بعد انهار جدار برلين عام 1990م.

2 – قيم المواطنة في التجربة الهولندية:

تتميز دراسة التجربة الهولندية في نجاحها في القضاء على أخطر مشكلة يمكن أن تهدد السِّلْم المجتمعي في أي بلد؛ حيث تجاوزت الطائفية الدينية، خاصَّة بين الكاثوليك والبروتستانت، كواحدة من أبرز الأمثلة على كيفية تحوُّل الصراعات الطائفية إلى تعايش مشترك. يُضاف إلى ذلك أن هولندا في مرحلة من التاريخ كانت تُعَد أكثر دولة في العالم طائفيةً؛ حيث وصلت لدرجة لم تسبقها إليها أي دولة أوروبية من حيث انقسام المجتمع بين الكاثوليك والبروتستانت. ونظرًا لهذا السبب تُعد دراستها مفيدة، خصوصًا حين نتحدث عن الدول التي لديها مشكلة شبيهة وتعمل على تجاوزها([18]).

لتوضيح الجهود التي بذلتها هولندا للتغلُّب على المشكلة الطائفية، نذكر باختصار تاريخ الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، وأهم مراحله، ثم أهم الإجراءات التي اتخذتها هولندا لتصل إلى مجتمع مستقر ومتسامح يحكمه مبدأ التعايش السلمي.

لقد بدأ الانقسام بين الكاثوليك والبروتستانت في هولندا مع حركة الإصلاح البروتستانتي التي قادها “مارتن لوثر” و”جون كالفن” في القرن السادس عشر. أدَّت هذه التحوُّلات الدينية إلى صراعات عنيفة، خاصَّة بعد تمرد المقاطعات الهولندية ضد الحكم الإسباني الكاثوليكي، والذي انتهى بإعلان استقلال هولندا عام 1648م، بموجب صلح “وستفاليا”([19]). خلال هذه الفترة، أصبحت البروتستانتية الكالفينية الدين الرسمي للدولة، وتعرَّض الكاثوليك للتمييز؛ حيث مُنِعوا من ممارسة شعائرهم الدينية علنًا. واستمرت التوترات حتى القرن التاسع عشر؛ حيث كانت المجتمعات الكاثوليكية تعيش في عزلة اجتماعية، محرومةً من الحقوق السياسية الكاملة. وبحلول القرن التاسع عشر، تبنَّت هولندا نظام “التقسيم العمودي”؛ بمعنى أن المجتمع الهولندي قد قُسِّم إلى “أعمدة” اجتماعية؛ حيث كان لكل مجموعة دينية أو فكرية مؤسساتها الخاصَّة، مثل المدارس، المستشفيات، الصحف، والنقابات. وعاش الكاثوليك، والبروتستانت، والليبراليون، والاشتراكيون ضمن مجتمعات شبه مستقلة، لكنها متوازنة في الحقوق والتمثيل السياسي([20]).

فيما يختص بأهم الإصلاحات والإجراءات التي أدَّت إلى التحوُّلات السياسية والاجتماعية وقادت إلى التعايش والتسامح، فأهمها ما يأتي:

  • الإصلاحات السياسية والقانونية: في عام 1917م، أُقِّرت المساواة في تمويل المدارس الدينية والعلمانية، مما منح الكاثوليك والبروتستانت حقوقًا متساوية في التعليم. ودُمِجَت القوانين التي تحظر التمييز على أساس الدين، مما أتاح للكاثوليك التمتع بحقوقهم المدنية والسياسية بالكامل.
  • صعود القومية الهولندية المشتركة: بعد الحرب العالمية الثانية، تضاءلت أهمية الهُويات الطائفية أمام الهُوية الوطنية الهولندية؛ حيث أصبح الولاء للدولة أكثر أهمية من الولاء الديني.
  • تأثير الحركات الاجتماعية: في الستينيات والسبعينيات، أدَّت حركات الشباب والثقافة المضادة إلى تفكيك القيود الدينية، وأصبح المجتمع أكثر انفتاحًا على الحريات الفردية والعلمانية. وقد عزز التعليمُ الحديثُ والإعلامُ التعدديةَ الثقافيةَ والفكريةَ، مما قلل من تأثير الخطاب الطائفي وفَتَح المجال لحوار ديني أكثر انفتاحًا.
  • مجتمع ما بعد الطائفية: تُعد هولندا، اليوم، من أكثر الدول تسامحًا وتعددية دينية في العالم؛ حيث تحترم الدولة حرية المعتقد الديني دون تدخل في الشؤون الدينية، ولم يَعُد للدين تأثير كبير في السياسات العامة أو هُوية المواطنين. ولكن رغم أن نسبة كبيرة من السكان غير متدينين، فإن المؤسسات الدينية لا تزال تلعب دورًا ثقافيًّا واجتماعيًّا مهمًّا([21]).

3 – تجربة المواطنة في سنغافورة:

إذا كان القاسم المشترك بين التجربيتن الأروبيتين، الألمانية والهولندية، هو تاريخهما العريق وتطوُّره من الحالة الاستبداية بالنسبة لألمانيا إلى الوحدة والتقدم والاستقرار، ومن الصراعات الطائفية في الحالة الهولندية إلى التسامح والتعايش، فإن تجربة سنغافورة تتميز بأنها حديثة من الناحية التاريخية، بالإضافة إلى مواجهتها لمجموعة أخرى من التحديات والمُعوقات والصعوبات التي نجحت البلاد في التغلُّب عليها وتجاوزها. فعند التأمل في حال الدولة السنغافورية، نجدها دولة مساحتها صغيرة، ومواردها ضعيفة، إن لم نقل معدومة، وتتكوَّن من أعراق وأديان مختلفة؛ فهي دولة حديثة العهد، نالت استقلالها سنة 1965م. ولكن هذه الدولة آمنت بشعبها، مصدر الغنى الحقيقي، فاستثمرت به وعملت على بنائه وتنميته تنميةً حقيقيةً، بالارتكاز إلى محورين رئيسين، هما التعليم والتدريب. كما أدركت أن الاقتصاد وما يتطلبه سوق العمل من أفراد مسلحين بالمهارات المناسبة، يجب أن يكون المحرك الأساس لدوران عجلات التنمية. لذلك، وازنوا بين مواردهم البشرية ومتطلبات السوق([22]).

وتتبادر إلى الذهن في ضوء ذلك عدة أسئلة تتعلق بالتجربة السنغافورية، لعل أهمها: كيف أصبحت سنغافورة، وهي مجرد جزيرة صغيرة في جنوب شرق آسيا، لا تملك أي موارد طبيعية، واحدة من أكثر الدول تطورًا في العالم؟ وكيف تمكَّن نظامها الحكومي وبنية السياسات القائمة فيها من إنشاء أهم الاقتصادات وخلق أكثر المجتمعات نجاحًا على مستوى العالم في غضون بضعة عقود لا أكثر؟ وما هو السر الكامن وراء نجاح سنغافورة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يذكر البروفيسور “كيشور محبوباني”([23]) عدة عوامل أدَّت إلى نجاح هذه التجربة، ومن أهمها ما يلي:

قيادة فريدة من نوعها، وبيئة السلام والاستقرار التي عززتها رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، والمركز الجغرافي الاستراتيجي، والمنهجيات السليمة المتبعة في رسم السياسات العامة، والخدمات المدنية العامة المؤهلة والفعَّالة([24]).

في هذا السياق، يضيف “محبوباني” أنه يُؤثَر عن لي كوان يو، رئيس الوزراء المؤسس لسنغافورة، قوله: “إذا أردت أن تُنشِئ حكومة جيدة، لا بد أن تُسلِّم زمام المسؤولية فيها لأشخاصٍ جيدين”. ولطالما دأبت الحكومة السنغافورية على العمل بهذا المبدأ؛ حيث كانت تختار أفضل الأشخاص للانضمام للقيادة السياسية، وخلقت لنفسها مصنعًا للمواهب يزود قطاع الخدمة المدنية بالكفاءات، من خلال نظام فعّالٍ للمنح الدراسية. وبالتالي تَمثَّلَ أحد الأسباب الرئيسة للنجاح الاستثنائي لسنغافورة، رغم كل العقبات والمصاعب المحيطة بها، في قدرتها على اكتشاف – والإفادة من – القدرات البشرية المبثوثة عبر نسيجها السكاني صغير العدد. وقد دعم وعزز هذا المسعى منهجية سنغافورة الراسخة في تفضيلها العقلانية الاقتصادية على تحقيق الإصلاحات السياسية. وهنا، حَريٌّ بالذكر أن الدروس المستفادة من السياسات التي انتهجتها سنغافورة قابلة للتطبيق في مختلف الدول الأخرى، مهما كان حجمها، سواء أكانت صغيرة أو كبيرة([25]).

يتضح من التجربة السنغافورية اهتمامها بالقدرات البشرية وتأهيل أفراد الشعب عن طريق التعليم والتدريب للمشاركة في المسؤولية ونهضة الوطن. وفي سعيها لترسيخ قيم المواطنة، طرحت الحكومة السنغافورية مجموعة من القيم المشتركة لمناقشتها وإقرارها في البرلمان؛ وهي خمسة مبادئ طرحتها الحكومة في يناير 1991م، موجهة إلى جميع السنغافوريين من مختلف المجموعات العرقية، وذلك لمواكبة مسيرة البلاد نحو القرن الحادي والعشرين. وكان الهدف من طرح هذه القيم هو وضع أيديولوجية وطنية تُجسِّد القيم الجوهرية للمجتمع السنغافوري وتُنمِّي الهُوية وتجمع بين مختلف جوانب التراث الثقافي المتعدد للبلاد، والقيم والمبادئ التي أسهمت في نجاح سنغافورة. وبعد مناقشات على مدى يومين، اعتُمدت في نهاية المطاف القيم الخمس الآتية:

1- الأمة قبل المجتمع، والمجتمع فوق الذات.

2- الأسرة كوحدة أساسية في المجتمع.

3- دعم المجتمع واحترامه للفرد.

4- التوافق لا الصراع.

 5- الوئام العرقي والديني([26]).

نختم التجربة السنغافورية باختيار مجموعة من أهم التوصيات التي أوردها “عبدالله الدرايسه” في مقاله([27])، خاصَّة في مجال التعليم، ويوجِّه هذه التوصيات تحديدًا للدول العربية:

  •  يجب أن تمتلك الدول العربية نظامًا تعليميًّا متماسكًا ومترابطًا، فهناك فجوة هائلة في العديد من البلدان، بين السياسات وتنفيذها على المستوى المدرسي.
  • اعتماد قيمتَي الجدارة والاستحقاق طريقًا للتقدُّم، والعمل على توفير زخم مجتمعي وشعور مشترك بالأهمية الوطنية للتعليم.
  • إعادة النظر في طريقة اختيار المعلمين، وطريقة اختيار الموظفين على مستوى المؤسسات التعليمية.
  • تطوير عمل معاهد التدريب المهني ومراكزه، بحيث ترتبط باحتياجات سوق العمل.
  • التعاون الإقليمي؛ حيث يمكن للدول العربية التعاون مع بعضها بعضًا ومع سنغافورة وغيرها من الدول، لتبادل الخبرات والمعرفة والاطلاع على أفضل الممارسات في مجال التعليم. وبالتالي، تحسين جودة أنظمتها ومخرجاتها.

تؤكد الدراسة بعد عرض هذه التجارب الثلاث بأن مصر ليست بعيدة عنها؛ حيث تحتل مصر مكانة متوسطة من بين أقل 89 دولة تمييزًا وعنصرية في العالم، وتأتي في المرتبة 39، وفقًا لإحصائيات موقع (World Population Review)([28]) لعام 2026م، في حين تحتل هولندا المرتبة الرابعة، وألمانيا المرتبة 19، وسنغافورة المرتبة 26.

ويمكن للدولة المصرية الإفادة من هذه التجارب ومن الوسائل التي استعملتها والخطوات العملية التي انتقلت بها من مرحلة الاستبداد والنزاع والفقر إلى مراحل أكثر ديمقراطية (كما في تجربة ألمانيا) في إطار من التسامح والتعايش (كما في تجربة هولندا) مع تحسين أوضاع الشعب من موارد محدودة وتحديات كبيرة إلى استقرار ورفاهية (كما في حالة سنغافورة)، إذا كانت هناك إرادة بالفعل من قِبل الدولة المصرية للتغيير والتطوير وتطبيق النصوص الدستورية والقانونية المهمة التي تُجرِّم التمييز والعنصرية على أرض الواقع لتصبح ثقافة مجتمعية تُعزز روح الولاء والانتماء للوطن.

المحور الثاني: المؤسسات المصرية ودعمها للمواطنة والمساواة

قبل عرض الحالة المصرية وتجربتها مع قيم المواطنة وأركانها الأساسية المتمثلة في المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وعدم التمييز، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من خصوصية كل دولة وفقًا لتاريخها وحضارتها وتجربتها الخاصَّة مع ممارسة المواطنة قولًا وعملًا، فإن هناك مجموعة من المقومات الأساسية المشتركة التي تقوم عليها المواطنة في مختلف المجتمعات الإنسانية، والتي تعد إطارًا عامًّا يحدد طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة، ويُعزز قيم الانتماء والمشاركة والمسؤولية. ومن أبرز هذه المقومات ما يأتي:

  • المساواة وتكافؤ الفرص؛ حيث يجب التساوي بين جميع أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات، وإتاحة جميع الفرص أمامهم باختلاف عقائدهم الدينية، ومعتقداتهم الفكرية، وانتماءاتهم السياسية؛ حيث يمكن تحقيق ذلك بوجود ضمانات قانونية وقضاء عادل ونزيه يُنصِف كل مَن تتعرَّض حقوقه للانتهاك.
  • المشاركة في الحياة العامة؛ حيث ينبغي فتح المجال للمواطنين للمشاركة في جميع المجالات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، بدءًا من حق الطفل في التربية والتعليم، ومرورًا بحرية الأشخاص الفكرية، وحقهم بالاستفادة من الخدمات العامة، ومشاركتهم بالأنشطة الثقافية المختلفة، وانتهاءً بحقهم في الانخراط بحرية في الأحزاب السياسية، وتولِّي المناصب العليا، والمشاركة في صنع القرار.
  • حق المواطنة، فهو لا يتحقق بالقوانين وحدها، لكن لابد أن ترتكز الممارسات أيضًا على المساواة الكاملة بين المواطنين، وعلى حكم القانون المطلق بينهم، فحق المواطنة هو الرابط بين الدولة والمجتمع وغياب حق المواطنة يجعل من الدولة سلطة فوقية معزولة عن مجتمعها([29]).

أولًا: دور المؤسسة التشريعية:

فيما يتعلق باهتمام الدولة بأهمية قيم المواطنة وترسيخها، فأول ما يجدر بنا الحديث عنه هو موقف الدستور المصري من هذه القيم المهمة؛ حيث يرد ذكر المواطنة كمبدأ رئيس في تعريف دستور جمهورية مصر العربية، في مادته الأولى، على النحو الآتي: “جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها جمهوري ديمقراطي، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون…”.

ثم ترد أركان المواطنة كذلك واضحة وصريحة بإقرار سيادة الشعب ووحدته على أساس مبادئ المساواة والعدالة في المادة الرابعة، على النحو الآتي: “السيادة للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدر السلطات، ويصون وحدته الوطنية التى تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وذلك على الوجه المُبيَّن فى الدستور”([30]).

فيما يختص بالإطار النظري للقوانين والتشريعات المصرية وما تضمه من نصوص مثالية في مضمونها، حالة تطببيقها وممارستها عمليًّا، لمظاهر المواطنة في مصر، فإنها تشير إلى أهم النقاط الآتية:

  • المساواة أمام القانون: لا فرق بين مسلم ومسيحي، رجل أو امرأة في الحقوق والواجبات.
  • التمثيل السياسي: مشاركة المواطنين في الانتخابات والاستفتاءات كحق وواجب.
  • الاندماج المجتمعي: التعايش بين فئات المجتمع المختلفة (مسلمين ومسيحيين، رجال ونساء، شباب وكبار).
  • الخدمات العامة: حق المواطن في التعليم المجاني والرعاية الصحية وفرص العمل.
  • المشاركة في التنمية: تشجيع الشباب على العمل التطوعي والمبادرات الوطنية([31]).

ثانيًا: دور المؤسسة التعليمية:

تأتي أهمية المؤسسات التعليمة ودورها في ترسيخ قيم المواطنة من كونها الحاضنة الثانية بعد الأسرة التي تتلقى الأطفال في مراحل التعليم الأولى من خلال المدارس، أو الشباب في مرحلة التعليم الجامعي.

وتتوفر لهذه المؤسسات، بطبيعة الحال، من الوسائل والإمكانيات ما لا يتوفر للأُسَر من المناهج التعليمة والمواد الدراسية علاوة على الأنشطة المختلفة التي يمكنها بالفعل أن تضبط ما قد يكون قد فات الأُسَر، لأسباب في معظمها اقتصادية، من التركيز على إرساء قيم المواطنة بأركانها الأساسية من المساوة والعدل والحرية بين الأطفال والشباب، مما يؤثر بدوره في انتماء هذا النشء والشباب وولائه للوطن مستقبلًا.

في ضوء ذلك، تُعد المؤسسات التعليمية ركيزة أساسية في ترسيخ هذه القيم عن طريق ضبط ما فات بعض الأُسَر الاهتمام به، أو البناء على ما أدركته بعض الأُسَر الأخرى.

ويمكن لهذه المؤسسات رصد واقع هذه القيم بين الأطفال والشباب من خلال استبيانات ودورات وأنشطة مختلفة لقياس مدى معرفة هؤلاء التلاميذ والطلاب بهذه القيم بل وممارستها.

وفي كل الأحوال، يجب أن تكون هناك خطة ذات رؤية وأهداف ووسائل واضحة للمؤسسات التعليمية لترسيخ هذه القيم من خلال المناهج الدراسية والبرامج التعليمية المختلفة، وذلك بالتنسيق بين وزارتي التربية والتعليم والتعليم الفني والتعليم العالي والبحث العلمي، تقوم على تحليل الاستبيانات ونتائج الأنشطة ومخرجات المواد الدراسية، ومِن ثمَّ تقييمها ومتابعتها دوريًّا على مراحل تبدأ مع انتهاء الفصل الدراسي ثم العام الدراسي كاملًا، ثم المرحلة الدراسية كاملة؛ لقياس التغيير الذي طرأ على سلوكيات الأطفال والشباب فيما يتعلق بممارسة هذه القيم في الواقع المعيش.

إذا كانت هذه الأفكار السابقة تمثل تحديًا كبيرًا لدور المؤسسات التعليمية في ترسيخ قيم المواطنة بين التلاميذ والطلاب وتكوين اتجاهات إيجابية نحوها، خاصَّة في ظِل منافسة شديدة من المؤسسات التعليمية الدولية التي تعمل داخل مصر على الترويج لقيم الدول التي ترعى هذه البرامج التعليمية، مثل المدارس الأمريكية أو البريطانية أو الألمانية وغيرها، فما أهم الوسائل التي تتخذها هذه المؤسسات التعليمية الوطنية في مصر لترسيح هذه القيم وغرسها في نفوس التلاميذ والطلاب في ضوء هذه التحديات؟

بالرجوع إلى موقع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية([32])، رصدت الدراسة حرص الوزارة، بالإضافة إلى البرامج التعليمية والكتب الإلكترونية، على تقديم المبادرات التي تربط التلاميذ بالوطن، مثل مبادرة “اتكلم عربي”؛ حيث توفر الوزارة على هذه الصفحة ستة ملفات رئيسة يندرج تحت كل منها ملفات فرعية تحمل المزيد من المعلومات، وتتمثل الملفات الستة الرئيسة في العناوين الآتية: شخصيات مصرية، لغتنا العربية، اعرف بلدك، مصر عبر العصور، الانتماء والمواطنة، أفلام وثائقية.

استوقف الدراسة ملفُ الانتماء والمواطنة، حيث رصدنا فيه بعض الموضوعات التي تُعرِّف التلميذ بوطنه وتاريخه ومشاريعه الوطنية، مثل موضوع علم مصر وتاريخه وألوانه، وموضوع قناة السويس وأهميتها، ثم ملف الوحدة الوطنية والتأكيد على أن مصر تعيش حالة من التلاحم التاريخي بين المسلمين والأقباط.

بالانتقال إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي([33])، رصدت الدراسة كذلك على موقع الوزارة مجموعة مهمة من الملفات والأنشطة التي تخدم رؤية الوزارة وأهدافها، وقد وفرت الوزارة ملفًا يقع في 38 صفحة يحمل عنوان: “الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي 2030م”. وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى رؤية الوزارة من خلال هذه الاستراتيجية ودور الشباب – الذي هو مُخْرَج العملية التعليمية فيها – في تطبيقها؛ حيث تنصُّ هذه الرؤية على ما يلي: “تقوم رؤية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي علي أساس النظر في الخطة الشاملة للدولة “مصر 2030م”، والتي تهدف إلى تحقيق رؤية شاملة لمصر في مجالات التنمية المتنوعة، وتعتمد في الأساس على دراسات المخطط الشامل للتنمية في القطر المصري وعلاقته بأهداف التنمية المستدامة ومجالات النمو الاقتصادي المتنوعة بهدف تعظيم دور مؤسسات الوزارة المتنوعة في تحقيق الدور الفاعل لدعم التنمية في مختلف المجالات الاقتصادية، الاجتماعية، العمرانية والبيئية”.

ومن أهم الأنشطة التي تُعزز قيم العمل الوطني والمشاركة والتفاعل بين شباب الجامعات، وقفت الدراسة على مجموعة من المبادارت، اخترنا واحدة منها كنموذج لتوضيح أهمية هذه الفعاليات، وهي بعنوان: “إطلاق الصالونات الثقافية بالجامعات المصرية”. وعلى هامش الفعاليات، وُقِّع بروتوكول تعاون بين التعليم العالي والنيابة العامة لتعزيز الوعي الوطني وترسيخ سيادة القانون.

وقد أكَّد المسؤولون، ومنهم وزير التعليم العالي والنائب العام ورئيسا جامعتي القاهرة وعين شمس، على أهمية فعاليات هذه الصالونات؛ حيث قال وزير التعليم العالي إن إطلاق الصالونات الثقافية يُعزز الحوار الفكري ويُحصِّن الشباب لمواجهة التحديات المعاصرة، مؤكدًا أن الجامعات تُعَد محورًا أساسيًّا في تشكيل وعي الشباب وإعدادهم للمشاركة الإيجابية، في إطار شراكة استراتيجية مع النيابة العامة لنشر الثقافة القانونية وبناء وعي طلابي مستنير.

وقال النائب العام إن تكامل النيابة العامة مع التعليم العالي يُعزز الوعي الوطني والقانوني لدى الشباب، مؤكدًا أن وعي الشباب يُمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات وحماية استقرار الدول.

وأكد رئيس جامعة القاهرة أن التعاون القائم يُمثل نموذجًا متقدمًا للتكامل المؤسسي وبناء الإنسان المصري على أسس وطنية راسخة، فيما أشار رئيس جامعة عين شمس إلى أن معركة الوعي تُعد امتدادًا لمعركة التحرير، وأن بناء العقول يُمثل خط الدفاع الأول عن الدولة.

في ضوء ما تقدم، يتضح أن المؤسستين التعليميتين الرئيستين في مصر تهتمان، نظريًّا، بوضع الخطط والمناهج التعليمية والأنشطة والمبادرات التي تهدف إلى ترسيخ قيم الموطنة، ومِن ثمَّ تعزيز الانتماء والولاء للوطن بين التلاميذ والطلاب، وإعدادهم لقيادة البلاد والعمل على تنميتها وتطويرها.

وهذا جهد طيب، يجب دعمه، ولكن حرصًا على استدامة العمل وتحقيق الأهداف من هذه الأنشطة، لابد من تقييم هذه الأنشطة والمبادرات في المؤسستين وقياس مردودها على التلاميذ والطلاب، للإفادة من الإيجابيات والبناء عليها، ومعالجة السلبيات والحد منها؛ لأن الواقع الفعلي يشهد بعكس ذلك؛ حيث تفيد تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بزيادة نسب التسرُّب من التعليم خاصَّة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وهو ما يتعارض بصورة واضحة مع الأهداف التي تسعى مبادرات ترسيخ قيم المواطنة إلى تحقيقها؛ إذ إن تعزيز قيم الانتماء والمشاركة والمسؤولية المجتمعية لا يمكن أن يتحقق بصورة فعَّالة في ظِل خروج أعداد متزايدة من الأطفال من المنظومة التعليمية مبكرًا. كما أن التسرُّب من التعليم يُضعِف قدرة المؤسسات التعليمية على أداء دورها التربوي والثقافي في بناء المواطن الواعي بحقوقه وواجباته، ويُفسِح المجال أمام مشكلات اجتماعية واقتصادية قد تؤثر سلبًا في تماسك المجتمع واستقراره.

ينعكس هذا التسرُّب سلبيًّا على المجتمع المصري؛ حيث يؤثر في الفرد والأسرة والمجتمع بكامله. وتتجسد أهم أثاره السلبية في زيادة الفقر والبطالة وزيادة معدل الجريمة، وانخفاض الوعي الصحي، مما يؤدي إلى انتشار الأوبئة والأمراض. بناءً على ذلك يجب على الدولة العمل على حل الأزمة من جذورها بتوفير الدعم المالي المناسب للأسر الفقيرة التي تلجأ تحت الضغط الاقتصادي والظروف الاجتماعية القاسية إلى إرسال الأطفال للأعمال الحرفية في سِن صغيرة للحصول على مصدر رزق تحتاجه الأسرة بشدة.

ثالثًا: دور المؤسسة الدينية:

تؤدي المؤسستان الدينيتان الرئيستان في مصر، الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وما يتبعهما من مؤسسات فرعية، دورُا مهمًّا في الحفاظ على وحدة الشعب المصري وترسيخ قيم المواطنة، وذلك عن طريق تعاليم المؤسستين الداعية إلى التعايش المشترك وقبول الآخر ونبذ التطرف.

وفيما يتعلق بأهم الجهود التي تبذلها هاتان المؤسستان في سبيل ترسيخ قيم المواطنة والتعايش المشترك، فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة عناصر رئيسة:

1 – دور الأزهر في ترسيخ قيم المواطنة:

تجدر الإشارة هنا، وقبل إجمال جهود الأزهر الشريف في هذا الصدد، إلى شهادة الكاتب والمفكر القبطى “جمال أسعد” عن دور الأزهر وجهوده في تعزيز قيم المواطنة؛ حيث يقول: إن ما ينقص الدولة فى تعزيز ثقافة المواطنة فى الشارع المصرى، هو تجديد الخطاب الثقافي والفكري والإعلامي، على غرار تجديد الخطاب الديني، الذى يقدمه الأزهر الشريف فى صورة مشرقة.

وأوضح أسعد فى حواره لـ “صوت الأزهر” أن الجهود التي قدمها الأزهر في دعم قضايا المواطنة، سبق بها جميع المؤسسات المصرية، مؤكدًا أن الأزهر الشريف بلا تنظير هو الذي يقود الآن قيم المواطنة، وهو أول مَن نادى بها فى مصر، بهذا الشكل الديني الذي يعمل على ترسيخ القيم الدينية مع الوطنية لتشكيل نسيج مصري واحد لا فرق فيه بين دين أو مِلَّة([34]).

ويمكن إجمال أهم جهود الأزهر في النقاط الآتية:

  • تجديد الخطاب الديني: يعمل الأزهر على تجديد فقه الواقع وإرساء دعائم التعايش وقبول الآخر.
  • مؤتمرات الحرية والمواطنة: عقد الأزهر مؤتمرات دولية (مثل مؤتمر 2017م) لمواجهة الفكر المتطرف وتعزيز السلام. وقد أعلن الأزهر في هذا المؤتمر كذلك عن المواطنة والعيش المشترك، وأكد على أن “المواطنة” مصطلح أصيل في الإسلام، ورفض مصطلح “الأقليات”، مشددًا على المساواة في الحقوق والواجبات.
  • الوسطية والاعتدال: يرسخ الأزهر قيم الوسطية عبر مؤسساته التعليمية والقوافل الدعوية محليًّا ودوليًّا.
  • تعزيز المواطنة عبر التاريخ: يركز الأزهر على أن الأرض والوطن جزء من العقيدة، وقد برز ذلك في مواقف تاريخية كحرب أكتوبر.

2 – دور الكنيسة في ترسيخ قيم المواطنة:

تؤكد الكنيسة المصرية دائمًا على أنها تقوم بدورها في ترسيخ قيم المواطنة، وذلك من خلال ما يلي:

  • التنشئة التربوية: تقوم الكنيسة بدور تعليمي وروحاني، وتغرس قيم الانتماء والمسؤولية والمواطنة لدى أقباط مصر.
  • دعم الدولة الوطنية: تؤكد الكنيسة على شراكتها الكاملة في الوطن، وتدعم جهود الدولة في تعزيز المواطنة والمساواة.
  • المشاركة في الوثائق الوطنية: شاركت الكنيسة بفاعلية في وضع الوثائق التي تضمن حقوق المواطنة والحرية الدينية.
  • المشاركة في خدمة المجتمع: تشارك الكنيسة في خدمة المجتمع المدني من خلال المركز الثقافي القبطي، وأسقفية الشباب، وأسقفية الخدمات العامة وأنشطة الكنيسة الاجتماعية، في إطار الاهتمام بالفرد ومنظومة التفقد([35]).

3 – المبادرات وآليَّات العمل المشترك:

  • تأسيس بيت العائلة (2011م): أُنشِئ بالتعاون بين الأزهر والكنائس المصرية لترسيخ التسامح، والحفاظ على وحدة النسيج الوطني، وتجاوز دور العبادة التقليدية إلى النشاط الاجتماعي والتربوي. وقد تفرعت عن “بيت العائلة” لجان متخصصة (لجنة التعليم، المرأة، الشباب) تعمل على نشر فكر المواطنة في المدارس والجامعات.
  • وثيقة الأخوة الإنسانية (2019م): التي وقعها شيخ الأزهر والبابا فرنسيس، والتي ترسخ قيم التعايش والسلام، وأقرَّت الأمم المتحدة بعدها يومًا دوليًّا للأخوة الإنسانية.
  • ورش عمل للقادة الدينيين: يتم تدريب الأئمة والقساوسة والراهبات على مهارات القيادة، والحوار، وإدارة الصراعات لتعزيز التعايش.
  • حماية دور العبادة: التنسيق المشترك لنشر ثقافة احترام الحريات الدينية وحماية دور العبادة([36]).

مع أهمية هذه الجهود التي تقوم بها المؤسستان الدينيتان الرئيستان في مصر، تظل الإشكالية قائمة حول كيفية ترسيخ هذه الجهود وانعكاسها على سلوكيات أفراد المجتمع؛ لأنه لو كان لهذا الخطاب المثالي الظاهر للجميع أثر عملي لما زادت حالات الاحتقان الطائفي، خاصَّة في صعيد مصر. والمسؤول عن ذلك هم أصحاب الخطاب المتطرف في الجانبين المسلم والمسيحي، خاصَّة بين أقباط المهجر، ولا يكفي استنكار الكنيسة لتصريحاتهم وتحريضهم وإساءتهم للإسلام والمسلمين.

رابعًا: دور المؤسسة الإعلامية:

يقوم الدور الإعلامي في الأساس بتشكيل الوعي المجتمعي تجاه قضايا الوطن، فيُبرِز الجوانب الإيجابية ويؤكد عليها. وفي الوقت نفسه، يُشِير إلى السلبيات وأضرارها، ليتخلص منها المجتمع. ويُطلَق على هذا النوع من الإعلام، الإعلام البنَّاء؛ لأنه يَهدِف إلى استقرار الوطن وسلامة أفراده وأمنهم بنقل الحقائق مع تعزيز القيم الإيجابية. وعلى رأس هذه القيم التي تؤكد على مبدأ المواطنة تأتي قيمة المساواة بين أفراد الوطن، فتركيز الإعلام على قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين مع عرض الحالات التي تؤكد ممارسة هذه القيم في الواقع المعيش يُعزز بلا شك من قيمة المساواة ويَنشُر التسامح والتعايش بين أفراده مما يدفعهم إلى العمل والإنتاج والنهضة بالوطن الذي يشعرون تجاهه بالولاء والانتماء. وفي هذا الصدد يُوجِّه هذا الإعلام كذلك إلى خطورة بعض السلوكيات التي تؤثر على قيم المساواة والعدل والحرية، كالاستبداد والظلم والتمييز بين أفراد المجتمع، ليَحدَّ منها، ويحافظ على السلم المجتمعي.

وعلى الجانب الآخر قد يؤدي الإعلام إلى التفكُّك المجتمعي وزيادة الإحساس بالظلم وعدم تكافوء الفرص بتركيزه على القضايا السلبية التي تزيد من الفجوة الطبقية بين أفراد المجتمع. فعلى سبيل المثال، يلاحظ المتابع لإعلانات التليفزيون المصري، خاصَّة قنواته الحكومية، وجود طبقتين متباعدتين اجتماعيًّا بين أفراد المجتمع المصري؛ حيث تختص مجموعة من الإعلانات بعرض الشقق والفيلات في المجمعات السكنية المغلقة أو المُسوَّرة (كمبوندات) التي تتكلف ملايين الجنيهات، وفي مقابلها نجد إعلانات عن التبرع للمستشفيات بأنواعها، الحروق والسرطان وغيرها، أو لبنوك الطعام ودور الأيتام.

ومما يزيد من استفزاز أبناء الطبقة المتوسطة أو الفقيرة أن مَن يقوم بالإعلان في الحالتين هم الأغنياء من الفنانين ولاعبي كرة القدم، دون أن يوضحوا هل تبرعوا هم أولًا كنموذج وقدوة لبقية الشعب أم لا؟

يزيد من الفجوة الاجتماعية بين أفراد الشعب ويعمق عدم المساواة كذلك سلوكيات بعض الإعلاميين الذين يطالبون الشعب بالتقشف والترشيد والصبر وتحمُّل ظروف البلد، فيما يُعرَف بالإعلام المُوجَّه، وهم في واد آخر من خلال ما يُنشَر في وسائل الإعلام المختلفة عن ثرواتهم واحتفالاتهم في مناسباتهم المختلفة. فيشعر أفراد الوطن بالكذب والتضليل ويفتر عندهم، في أحسن الأحوال، الشعور بروح الانتماء والولاء للوطن، مما يُسهِم أيضًا في إضعاف فرص المساواة والعدالة الاجتماعية.

لذلك انتشر بين أفراد المجتمع، بل وفي الأعمال الدرامية كذلك، مصطلحات خطيرة للغاية، وإن ظهر الأمر في بدايته كدعابة أو “تريند”، مثل مصطلح “أهل مصر”، إشارة إلى الفقراء وعموم الشعب المصري، في مقابل مصطلح “أهل إيجيبت”، في إشارة إلى صفوة المجتمع وأثريائه. ويرتبط بالصفوة كذلك مصطلح “الساحل الشرير” في حين يمكن أن تصل الطبقة المتوسطة إلى “الساحل الطيب”.

تدل هذه المصطلحات وغيرها على مدى عمق الفجوة بين أفراد الوطن الواحد. ولا شك أن تكرار استعمال هذه المصطلحات من شأنه أن يَخرج من إطار الدعابة و”التريند” إلى زيادة الفجوه بين أفراد المجتمع، وهو ما سيترتب علي تفكُّك مجتمعي قد يؤدي إلى صراع وعنف؛ لإحساس الطبقة الفقيرة بالظلم في ظِل غياب العدالة الاجتماعية، مما يهدد، بطبيعة الحال، تماسك الهُوية الوطنية ويضر بالأمن القومي للوطن.

نختم ما يتعلق بدور الإعلام في تعزيز قيم المساواة والعدل والحرية بالإشارة إلى أخطر وسائل الإعلام الحديثة، والتي يمكنها أيضًا أن تؤثر بشكل كبير في ترسيخ قيم المساواة أو إضاعفها لسرعة انتشارها واعتمادها بصورة كبيرة على الأفراد أكثر من الحكومات، كما في حالة وسائل الإعلام التقليدية؛ ونعني بها بوسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها المختلفة.

إن ھذه التقنیة سلاح ذو حدین؛ إذا أُحسِن استعمالها تُعد وسیلة ناجحة في نقل الأخبار والتعلیمات والوثائق والصور والأبحاث والأزمات والاحتفالات والأحداث بأسرع وقت وأقل تكلفة، حتى إن وسائل الإعلام، مثل التلفزیون وغیره، صارت تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي في نقل الحدث من مكانه بأقصى سرعة. لقد نجحت شبكات التواصل الاجتماعي في التغییر والتعبیر عما یكنُّه الشباب بداخلھم متأثرین بثقافة العصر والانفتاح على الثقافات العالمية. أما إذا أُسيء استعمال مواقع التواصل الاجتماعي بدون حسیب ولا رقیب، فسوف تتراجع منظومة القیم وتصبح أداة خطرة عندما تُزَوَّر الوقائع وتُفَبرَك الأحداث وتُنشَر الشائعات، فھي ذات آثار سلبیة على الفرد والمجتمع المحافظ على تقالیده ومبادئه وعاداته وثقافته. بل إن الإفراط في الاستعمال یؤدي إلى انعزال الفرد عن أسرته وجماعته والبُعد عن المشاركة الفعَّالة مع أفراد أسرته ومجتمعه([37]).

لأهمية دور الإعلام في تحقيق الاستقرار المجتمعي، يجب الاهتمام بإعداد الإعلاميين وتدريبهم على المهنية الإعلامية، بالتركيز على موضوعات المواطنة والمساواة والحرية المسؤولة وقبول الآخر والحوار في إطار المحافظة على وحدة الوطن وترابطه المجتمعي.

وفي هذا الصدد، يجب أن تشمل أجندة الإعلامي مفهوم “التمكين” على عدة أصعدة: تمكين المواطن اقتصاديًّا، وتبصيره بالفرص الاقتصادية المتاحة له. وتمكينه سياديًّا وتشجيعه على المشاركة في صنع القرار. وتمكينه اجتماعيًّا وتحفيزه على المشاركة في منظمات المجتمع المدني. وتمكينه ثقافيًّا، وتعليمه سُبُل احترام الآخر المختلف، نوعيًّا ودينيًّا([38]).

خامسًا: دور منظمات المجتمع المدني:

يختلف دور منظمات المجتمع المدني عن دور المؤسسات الحكومية، على الرغم من الاشتراك في كثير من الأهداف المتعلقة بنشر القيم المدنية والديمقراطية وكل ما مِن شأنه أن يُعزز قيم المواطنة والمساواة بين أفراد المجتمع. أقول يختلف دور هذه المنظمات في أنها تقوم على العمل التطوعي غير الربحي النابع من الإحساس بحق الوطن على المواطنين.

ويمكن وصف دور منظمات المجتمع المدني بأنه أحد أهم مظاهر المواطنة في شكلها العملي؛ لأنها انتقلت من ترديد شعارات حب الوطن والانتماء والولاء والاستعداد للتضحية من أجله إلى نطاق الممارسة وخدمة المجتمع عن طريق تبني مبادرات مجتمعية والعمل على تنفيذها، محاولةً بذلك مشاركة المؤسسات الحكومية في التغلُّب على ما يواجه الوطن من تحديات، بما يحفظ روح التعاون والتعايش والتسامح وقبول الآخر بين أفراد الوطن.

كذلك تؤدي منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًّا في تحسين جودة حياة الأفراد وتلبية احتياجاتهم الأساسية، وفي الدعوة إلى تعزيز التغيير الاجتماعي المستدام، سواء كان ذلك من خلال حملات الرأي العام، أو الحملات التوعوية بقضايا معينة، أو الدفاع عن حقوق محددة. كما تقدم المنظمات الفرص لتطوير مهارات الأفراد وتحسين مستوى التعليم.

يمكن أن تشمل هذه الجهود تقديم دورات تدريبية، وورش العمل، وبرامج تعليمية لتعزيز التنمية الشخصية والاحترافية، وأن تعمل المنظمات المجتمعية كجسر بين المجتمع والحكومة والقطاع الخاص؛ حيث يتحقق التنسيق والتعاون لتحسين الخدمات وتطوير المجتمعات. كما تسعى منظمات المجتمع المدني إلى حماية حقوق الإنسان وتعزيز العدالة الاجتماعية. ويشمل ذلك العملَ على مواجهة التمييز والظلم، والدفاعَ عن حقوق الفئات الضعيفة والمُهمَّشة([39]).  

يُحصِي الدكتور “محمود عبد العال”([40]) سبعة عشر ميدانًا تعمل فيها مؤسسات المجتمع المدني وتركز فيها أنشطتها من أجل تعبئة جهود الأفراد والجماعات لإحداث التنمية في المجتمع لصالح هؤلاء الأفراد والجماعات وحَلِّ مشكلاتهم والإسهام في مؤازرة جهود الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. نذكر من هذه الميادين الميدان التاسع لتركيزه على جهود هذه الجمعيات في توعية أفراد المجتمع بحقوقهم، مما يُسهِم في ترسيخ قيم المواطنة والمساواة بينهم؛ حيث يحمل هذا الميدان عنوان: “حقوق الإنسان”، وفيه توعية المواطنين بحقوقهم الدستورية عن طريق الندوات والمحاضرات والمؤتمرات والحلقات النقاشية وإجراء البحوث الميدانية وإصدار النشرات والإصدارات التعريفية بحقوق الإنسان.

نختم الحديث عن دور منظمات المجتمع المدني في ترسيخ قيم المواطنة والمساواة بتقديم نموذج عملي أسهمت فيه هذه المنظمات المدنية في تدعيم قيم المواطنة؛ كما تشير دراسة الدكتور “أحمد يوسف”([41]) المُطبَّقة على مركز التأهيل الشامل للمُعاقين بمدينة أسوان. وقد حددت الدراسة عينة من 60 فردًا من المعاقين حركيًّا على اختلاف أسباب الإعاقة، في مركز جمعية التأهيل الاجتماعي بمحافظة قنا، وقد اختاره الباحث لأنه المركز الوحيد الذي يعمل على التدريب المهني للمعاقين بالمحافظة، ولكثرة المترددين عليه لتقلي التدريب المهني، ومن مجمل الدراسات الميدانية والاستبيانات المختلفة عن دور المنظمات المدنية في تدعيم قيم المواطنة، انتهى الباحث إلى تسع نتائج مهمة، نكتفي هنا بذكر النتيجتين الآتيتين:

  • متوسط مستوى استجابات المبحوثين – وفقًا لمكونات المواطنة – مرتفع، وعلى رأس مكوناتها المشاركة المجتمعية داخل وخارج المجتمع وتطبيق القيم العامة في المجتمع.
  • متوسط إسهام المجتمع المدني في ممارسة حقوق المواطنة مرتفع، وأول هذه الحقوق إتاحة الفرصة للمعاقين للإبداع في الهواية.

سادسًا: تقييم فاعلية المؤسسات:

إن الجهود المبذولة من مؤسسات الدولة المختلفة، تشريعيًّا ودينيًّا وتعليميًّا وإعلاميًّا، علاوة على منظمات المجتمع المدني والعمل التطوعي غير الربحي، على الرغم من أهميتها في نشر الوعي وإرساء قيم المواطنة والمساواة وتوضيح الحقوق والواجبات، ومِن ثمَّ التعايش والتسامح والمشاركة وقبول الآخر، وجميعها أهداف نبيلة ومهمة لاستقرار الوطن وتنميته وتطوره وتقدمه، إلا أن هذه الجهود لا زالت في حاجة إلى المزيد من العمل والاستمرارية؛ حتى يظهر مردودها على عموم أفراد المجتمع في المجالات كافة؛ تعليمية وصحية واجتماعية، خاصَّة في ظِل الظروف والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانون منها؛ حيث يُثبت الواقع العملي تدني هذه الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، بل واقتصار الجيد والمتميز منها على الطبقات الثرية؛ أي على نسبة ضيئلة مقارنة بعموم الشعب.

نؤكد في هذا الصدد على ضرورة التنسيق بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني حتى يسير العمل وتنتظم الأنشطة في بيئة مستقرة بعيدة عن التخوين والاتهامات المتبادلة؛ حيث تركز المؤسسات الحكومية على إبراز الإيجابيات وتضخم منها وتتجاهل السلبيات أو تقلل منها – إن ذكرتها – لصالح السلطة الحاكمة. والعكس قد يحدث حينما تركز بعض منظمات المجتمع المدني على الجانب السلبي، ليس فقط للعمل على التغلُّب عليه لصالح أفراد المجتمع، وإنما لإثبات فشل الحكومة.

وأرى أن مَن ينتهج هذا النهج من الجانبين قد جانبه الصواب، فالمؤسسات الحكومية تجتهد وتبذل بالفعل جهودًا في سبيل تعزيز قيم المواطنة ولكنها قد تحتاج إلى توجيه في نوعية الأنشطة المتبعة ومتابعة نتائجها فضلًا عن أولوياتها، وليس من المنطقي أن تُوصَف كل أنشطتها بالفشل.

وكذلك بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني، من المهم عند الإشارة إلى السلبيات أن نذكر كذلك الجهود الإيجابية التي تقوم بها المؤسسات الحكومية، بل والعمل على الإفادة منها والتعاون معها من خلال تشجيع انضمام الشباب للعمل التطوعي، وإذا حدث ذلك سيكون من مصلحة المؤسسات الحكومية عدم عرقلة منظمات المجتمع المدني أو تكبيلها بكثير من القيود والإجراءات المحبطة عن العمل.

أُجمِل ما سبق في أن التنسيق بين مؤسسات الدولة الحكومية والتطوعية سوف يكون نموذجًا عمليًّا وتطبيقيًّا على التعاون والمشاركة والتعايش وقبول الآخر، رغم اختلاف الوسائل؛ لوحدة الهدف وهو استقرار الوطن وتقدمه، بترسيخ قيم المواطنة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية بين أبنائه، ومِن ثمَّ تنمية روح الانتماء والولاء للوطن.

المحور الثالث: مفهوم التمييز، وأنواعه ومظاهره، وخطورته على السلم الاجتماعي في مصر

أولًا: مفهوم التمييز:

التمييز لغة: التمييز مشتق من المَيْزِ، وهو التمييز بين الأشياء. تقول مِزْتُ بعضه عن بعض فأنا أَمِيّزُه مَيْزًا: عزلته وفرزته، وكذلك ميزته تمييزًا فانماز. وفي التنزيل “حتى يَميزَ الحبيثَ من الطيبِ”، ويُقال امتاز القوم إذا تميز بعضهم من بعض. وفي الحديث: لا تهلك أمتي حتى يكون بينهم التمايل والتمايز، أي يتحزبون أحزابًا، ويتميز بعضهم من بعض ويقع التنازع([42]).

التمييز اصطلاحًا: تُعرِّفه جمعية علم النفس الأمريكية بأنه المعاملة غير العادلة أو المتحيزة للأفراد والجماعات بناءً على خصائص مثل العرق، أو الجنس، أو العمر، أو الميول الجنسية. كما تشير إلى أن التمييز يُعَد واقعًا يوميًّا لكثير من الناس([43]).

لقد حرص الدستور المصري على التأكيد على المعاني التي وردت في تعريف التمييز ورفضه، بل شدَّد على تجريمه كذلك؛ حيث يرد في المادة (53) النصُّ الآتي: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يُعاقِب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، ويُنظِّم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض”([44]).

مع أهمية هذه المادة، ومع تحديدها الجيد لمبدأ المساواة وعدم التمييز، وتقديمها قائمة غير حصرية لأسس التمييز المحظورة، إلا أنها بالرغم من ذلك تتضمن أوجه قصور متعددة، من أهمها: أنها لا تقدم تعريفًا شاملًا للمساواة وعدم التمييز، بما في ذلك التفرقة بين التمييز المباشر وغير المباشر، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام التكيُّف مع عدد من أشكال التمييز الهيكلي، خصوصًا في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل الحرمان من فرص العمل أو السكن اللائق، بدعوى غياب النِيَّة أو القصد التمييزي لدى صانع السياسات([45]).

ثانيًا: أبرز أنواع التمييز في مصر ومظاهره:

أ – التمييز الطبقي: يُعد من أخطر أنواع التمييز في مصر، إذ يُرسِّخ استعلاء بعض أفراد المجتمع على بعض بسبب أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية؛ لذلك يُعرَف كذلك بالعنصرية الطبقية. وتبدو أهم مظاهر هذا التمييز في التفريق بين أبناء الوطن بقصر بعض الوظائف على فئات معينة؛ خاصَّة ما يتعلق بالجهات السيادية المرتبطة بالنظام الحاكم، فنجد أن بعض الجهات مثل: الهيئات القضائية والسلك الدبلوماسي والكلية الحربية وكلية الشرطة، تضع شروطًا غير مُعلنة تتعلق بـ”المستويين الاجتماعي والاقتصادي” للوالدين، أو اشتراط حصولهما على مؤهل عالٍ. هذا التمييز يُقصِي الكفاءات من أبناء الطبقات البسيطة، مثل أبناء عمال النظافة أو الحرفيين، مما يُعمِّق الشعور بالظلم الاجتماعي، ويزيد الفجوة الطبقية بين أبناء الوطن الواحد.

الأمر الوحيد الذي ساوت فيه هذه الجهات السيادية بين أبناء الوطن دون تمييز طبقي هو رفض الجميع إذا كان لأحدهم توجُّه سياسي معارض للسلطة الحاكمة. بل يتعدى الأمر ذلك إلى إنهاء خدمة المُعيَّنين بالفعل إن ثبتت معارضتهم لسياسات السلطة الحاكمة وقراراتها، رغم تصريحهم أن معارضتهم لصالح الوطن وليس تجاه أشخاص بأعينهم. ومظاهر هذا الأمر ليست ببعيدة عنا، كما حدث في الترشح لانتخابات جمهورية مصر العربية عام 2018م؛ حيث أعلن أكثر من مرشح ينتمي إلى المؤسسة العسكرية عن نِيَّته الترشح لمنصب الرئيس، فكان مصيرهم جميعًا إما السجن أو الإقامة الجبرية أو الجمع بين العقوبتين. ومثال السجن ينطبق على العقيد مهندس أحمد قنصوة؛ حيث قضت المحكمة العسكرية بسجنه 6 سنوات مع الشغل والنفاذ، بعد أن أدانته بـ”مخالفة النظام العسكري”، بعد نشره مقطع فيديو يعلن فيه عزمه الترشح للرئاسة وهو يرتدي الزي العسكري([46]). أما الإقامة الجبرية فكانت من نصيب الفريق أحمد شفيق، وذلك عندما أعلن عن ترشحه للانتخابات نفسها، ثم أعلن انسحابه لاحقًا، ولم يخرج من بيته منذ ذلك الوقت إلا في أضيق الحدود. أما الذي جمع بين السجن والإقامة الجبرية فهو الفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق ونائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أثناء إدارة المجلس شؤون البلاد عقب ثورة يناير2011م، بتهمة الترشح دون إذن قانوني.

وإذا كانت هذه الحالات قد حدثت مع منتسبين إلى المؤسسة العسكرية لعزمهم الترشح في انتخابات 2018م، فلا عجب إذًا أن يُسجَن مرشح مدني اتخذ قرار الترشح، وهو ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في عام 2024م، مع البرلماني أحمد طنطاوي؛ حيث حُكِم عليه لاحقًا بالسجن لمدة عام، بتهمة تزوير التوكيلات.   

ب – التمييز الديني والطائفي: إذا كان التمييز الطبقي يُقسِّم الوطن اقتصاديًّا واجتماعيًّا، فإن التمييز الطائفي يقسمه دينيًّا ومذهبيًّا، وهو من القضايا المعقدة التي تواجه السلطة الحاكمة في مصر دائمًا، خاصَّة مع وقوع بعض أحداث العنف الطائفي من حين لآخر، أغلبها في محافظات الصعيد، مع وجود مطالب مستمرة بتفعيل قوانين صارمة لمكافحة التمييز، وضمان حرية العبادة، وتمثيل عادل للأقباط. وتشمل أبرز مظاهره نزاعات حول بناء الكنائس والفتن الطائفية، وتتدخل الدولة أحيانًا بـ “جلسات عرفية” بدلًا من القانون.

وتحظى مصر بتنوع ديني واضح، فإلى جانب الأغلبية المسلمة والمسيحية واليهودية المعترف بهما، توجد أقليَّات أخرى غير معترف بها، من بينها البهائيون وشهود يهوه، وبعض الأقليَّات المسلمة، كالشيعة والقرآنيين والأحمديّين الذين لا يُعترَف بوجودهم من قبل المؤسسات الرسمية والدينية. ومع أن النظام القانوني لمصر يكفل نظريًّا المساواة وحرية الاعتقاد لجميع المواطنين، لكن تطبيق ذلك ليس مكفولًا لكافة الطوائف الدينية أو يخضع لاعتبارات معينة قد تقوِّض هذه الحقوق. إذ لا يُقرُّ النظام القانوني إلا الديانات السماوية الثلاث المعترف بها: الإسلام والمسيحية واليهودية، وليس للمواطن المصري أن يختار أي ديانة أخرى غيرها([47]).

على الرغم من هذا التنوع الديني الذي يوجد في مصر، تبقى علاقة المسلمين بالمسيحيين هي الأهم، وهذا ما أكَّد عليه الدكتور عمرو حمزاوي (مدير برنامج كارنيجي للشرق الأوسط)؛ حيث يقول: “إذا ما أردنا خلاصًا حقيقيًّا لمصر من الجرائم الطائفية وخطر العنف الطائفي ورغبنا في استعادة إنسانية نسيجنا الوطني بتغيير الوضعية الراهنة للأقباط كمواطنين من الدرجة الثانية وتجديد تماسكه … لا بديل أمام السلطوية الحاكمة وعلى المدى الزمني القصير سوى إدخال التعديلات القانونية (قانون دور العبادة الموحد، إلغاء خانة الديانة من بطاقات الهوية، وغيرها) والسياسية والإجرائية اللازمة لضمان أمن الأقباط وكفالة حرياتهم الدينية وتحسين نسب تمثيلهم في الأجهزة التنفيذية والإدارية والأمنية. أما الأغلبية المسلمة فعليها استعادة ماضي تسامحها وانفتاحها على الأقباط والتزامها بالشعار الخالد للوطنية المصرية “الدين لله والوطن للجميع” وترجمته في البيئة المجتمعية فعلًا جمعًيًّا صريحًا ومنتظمًا يرفض التمييز ضد الأقباط ويضيق الخناق على دعاة الطائقية ومروجي خطابات التطرف الإقصائية”([48]).

مع أهمية ما يطرحه د. حمزاوي كأحد حلول القضاء على التمييز الطائفي في مصر؛ إلا أنه يتجاهل الحقوق والامتيارات الواسعة التي يتمتع بها المسيحيون في مصر، ويُلقِى بالمسؤولية كاملة على المسلمين، ويُغفِل ما يجب أن يقوم به الأقباط أنفسهم من نبذ خطاب الكراهية وادعاء المظلومية دائمًا؛ خاصَّة بين أقباط المهجر، الذين يُسخِّرون قنواتهم الإعلامية للإساءة إلى الإسلام، ويضخمون من أي حادثة قد تقع بين المسلمين والمسحيين ولأسباب غير دينية شأنها شأن أي حادثة تقع بين المسلمين أنفسهم أو المسحيين أنفسهم، وهذا أمر طبيعي بين أي جماعة إنسانية تتعامل فيما بينها، أن تحدث خلافات ومصالحات، أما استغلال ذلك وتوظيفه من جانب أقباط المهجر فهو ما يساعد على تأجيج نار الفتنة.

ت – التمييز ضد المرأة: لقد أكَّد الدستور المصري على عدم التمييز ضد المرأة، ونصَّ في المادة (11) على ما يلي: “تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقًا لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلًا مناسبًا فى المجالس النيابية، على النحو الذى يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقها فى تولِّي الوظائف العامة ووظائف إلادارة العليا فى الدولة والتعيين فى الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمُسِنة والنساء الأشد احتياجًا”([49]).

على الرغم من أهمية هذه المادة وما تحويه من حقوق دستورية للمرأة، إلا أن الواقع المعيش للمرأة يؤكد التمييز ضدها مقارنة بالرجل. ومن مظاهر هذا التمييز: قلة أجرها في بعض قطاعات العمل الخاص مقارنة بالرجل، انخفاض نسبة تمثيلها في البرلمان.

في هذا السياق، تتزعم الحركات النسائية مبادرات للتنديد بالتمييز القانوني ضد المرأة، خاصَّة في قانوني الأحوال الشخصية والعقوبات، وترفض هذه الحركات ما تصفه بالقيود المفروضة على سفر النساء في حالات معينة، أو قِلَّة تمثيلهن في تولِّي المناصب القيادية([50]).  

ث – التمييز القائم على المظهر واللون: يَتعرَّض بعض ذوي البشرة السمراء، سواء كانوا مصريين من الجنوب أو لاجئين أفارقة، لممارسات تنمُّر أو تمييز في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي. كما يعاني ذوو الإعاقة غالبًا من نظرات مجتمعية دونية أو من السخرية والتهكم، بالإضافة إلى ضعف إتاحة الفرص المتكافئة في العمل والوصول إلى المرافق العامة، رغم الحماية القانونية لهم.

ومن أهم مظاهر التمييز وفقًا للمظهر كذلك ما يتعلق بالدعوات الإعلامية المستمرة لمهاجمة النقاب ومنع المنقبات من دخول الأماكن العامة. ولا يقتصر الأمر على النقاب، بل امتد كذلك إلى الحجاب؛ حيث تمنع بعض المطاعم والقرى السياحية والشواطئ دخول المحجبات. في حين يظهر التناقض صارخًا في فتح كل الأبواب أمام غير المحجبات، حتى وإن خالفت ملابسهن التقاليد والأعراف العامة، بدعوى أنها حرية شخصية، أو أنهن يمثلن الطبقة الراقية في المجتمع، الطبقة الأكثر ثراءً.

ج – التمييز ضد بعض المهن: من أنواع التمييز التي تُشعِر بالقهر ما تعاني منه بعض فئات المجتمع، مثل عمال النظافة والصرف الصحي، من نظرة مجتمعية سلبية تؤدي إلى تهميشهم اجتماعيًّا، مما يجعلهم وأبناءهم في مواجهة مستمرة مع حواجز تحول دون اندماجهم الكامل في المستويات المجتمعية كافة، فيتحولون إلى طبقة اجتماعية منعزلة.

ح – التمييز الجغرافي: يظهر هذا التمييز في التفاوت الملحوظ في جودة الخدمات الأساسية، من تعليم وصحة وتنمية واستثمار، بين سكان المدن الكبرى والمناطق “المُسوَّرة” (الكمبوندات) وسكان العشوائيات أو القرى النائية، وبين سكان محافظات مثل القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى نائية في الصعيد والدلتا وسيناء، مما يخلق شعورًا بوجود “مواطنة من درجات مختلفة”.

ثالثًا: آثار التمييز وخطورته على السلم المجتمعي في مصر:

مما لا شك فيه أن المجتمعات التي تتحقق فيها قيم المساواة بأنواعها المختلفة ستمتلك مقومات التقدم والتطور، وتكون أكثر قدرة على توفير الفرص المتساوية لأفراد المجتمع للتعايش والتسامح وقبول الآخر، مما ينعكس على تماسك المجتمع وترابطه، وبالتالي يحرص الجميع وهم مطمئنون آمنون على حقوقهم، وعلى أداء واجباتهم بحماس وإتقان، في إطار تكامل قدرات أفراد المجتمع ومهاراتهم، وهو ما سيعود على الجميع بتحسين جودة الحياة ومستوى المعيشة.

أما إذا غلبت على المجتمع ظاهرة التمييز بين أفراده، بأنواعها المختلفة، سابقة الذكر، فسيؤدي هذا بالضرورة إلى تمزق نسيج المجتمع وزيادة الكراهية والعدوان والعنف وفقدان الثقة في النفس وفي الغير، وبالتالي زيادة حالات الاكتئاب النفسي والعزلة الاجتماعية، وقد تأخذ بالبعض إلى اليأس من التغيير فيحاول أن يغير بنفسه، إما بالانتقام من الآخرين للإحساس بظلمهم الشديد له بسلب حقوقه واستعلائهم عليه، أو بالانتقام من النفس لفقدان الأمل وضياعه، وذلك بالإقدام على الانتحار، وهي الظاهرة التي باتت تشكل ظاهرة خطيرة في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة.

تحدد الباحثة في مجال حقوق الإنسان، “إيمالين سوكين هوبرتي”، عشرة أسباب لأهمية المساواة وعدم التمييز([51])، يمكن إسقاطها على الحالة المصرية، خاصَّة وقد ضربت “إيمالين” بعض الأمثلة عن أثر المساواة  الإيجابي على صحة الشعوب وأعمارها في مقابل الحالة العكسية؛ أي الأثر السلبي في حالات التمييز، بالدراسات التي أُجريت على شعوب مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا والبرازيل، ويمكن إجمال هذه الأسباب العشرة على النحو الآتي:

1 – المساواة تقلل من الفقر: وفقًا لمعلومات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن فجوة الفقر بين النساء والرجال تتسع بشكل ملحوظ بين الفئة العمرية ٢٥-٣٤ عامًا. ويُعدُّ وجود الأطفال عاملًا مؤثرًا، إذ إن النساء أكثر عرضة من الرجال للعيش في أُسَر تضم أطفالًا. ومن خلال تحديد أسباب هذا التفاوت بين الجنسين ومعالجته، يُمكن للعالم أن يبدأ مجددًا في خفض معدلات الفقر.

تظهر خطورة هذا الأمر المتعلق بالفقر في الحالة المصرية، في ضوء أوضاع كثير من الأُسَر المصرية الفقيرة بسبب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وقِلَّة الدخل المالي، سواء للرجل أو حتى للمرأة التي اضُطرت للعمل للمساعدة في تكاليف المعيشة، في وقوع حالات كثيرة، مع زيادة الضغوط، من الطلاق وتبِعاته من خلافات ونزاعات قضائية تؤدي في نهاية المطاف إلى تفكك أُسَري ومجتمعي.

2 – المساواة تؤدي إلى مجتمعات أكثر صحة: يرتبط التمييز على أساس العرق بمشاكل صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، وانخفاض وزن المواليد، وسوء الحالة الصحية العامة. لو انتهى التمييز؛ سواء أكان فرديًّا أو هيكليًّا وأصبح بإمكان الجميع الحصول على الرعاية الصحية على قدم المساواة، لكانت المجتمعات أكثر صحة.

3 – المساواة تطيل أعمار الناس: تُظهر الأبحاث باستمرار أن متوسط ​​العمر المتوقع يكون أسوأ في المجتمعات التي تعاني من تفاوت أكبر. وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2020م، حللت وضع البرازيل وإثيوبيا والولايات المتحدة، ودرس الباحثون فيها العلاقة بين الدخل القومي ومتوسط ​​العمر المتوقع في كل دولة، وجود صِلَة بين التفاوت وانخفاض متوسط ​​العمر المتوقع في الولايات المتحدة. في المقابل، في البرازيل وإثيوبيا، أدَّت المكاسب في مجالات مثل المساواة بين الجنسين إلى زيادة متوسط ​​العمر بأكثر مما كان متوقعًا بناءً على الدخل القومي. وبناءً عليه، إذا أرادت أي دولة زيادة متوسط ​​عمر سكانها، فينبغي أن تكون المساواة والبُعد عن التمييز أولوية قصوى.

4 – المساواة يمكن أن تقلل من العنف: وفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي، يعود العنف إلى ارتفاع مستويات عدم المساواة في الدخل. كما ترتبط أوجه عدم المساواة العرقية والجنسية بزيادة التعرُّض للعنف. وللحد من هذا العنف، لا بد من معالجة أوجه عدم المساواة، وهذا يعني تحديد أسبابها ومظاهرها والعمل على القضاء عليها.

5 – المساواة تُحسِّن التعليم: يُعدُّ الحصول على التعليم حقًّا من حقوق الإنسان، إلا أنه مجال لا تزال فيه فوارق كبيرة. لنأخذ الولايات المتحدة مثالًا. ففي عام ٢٠١٨م، وجد مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية أن الطلاب السود، والطلاب ذوي الإعاقة، والطلاب الذكور يتعرضون لإجراءات تأديبية غير متناسبة، بما في ذلك الطرد والإيقاف عن الدراسة. كما كشفت الأبحاث أن الطلاب الذين يعيشون في مناطق شديدة الفقر خلال المرحلة الثانوية كانوا أقل حظًّا في الالتحاق بدورات الإعداد الجامعي. وكانت نسبة الطلاب السود أو من أصول لاتينية في المدارس الأكثر فقرًا (٨٠٪). هذان مثالان فقط على أوجه عدم المساواة في النظام التعليمي الأمريكي. إن معالجة الفوارق التعليمية بين أبناء الوطن الواحد سوف تتيح للطلاب فرصًا أفضل بكثير في الحصول على تعليم أفضل وفرصة أكبر للنجاح في الحياة.

6 – المساواة من شأنها تحسين حقوق ذوي الإعاقة: يُعامل الأفراد والمؤسسات الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء أكانت ظاهرة أم خفية، معاملةً مختلفة عن غيرهم. ويُشكل ذوو الإعاقة 15% من سكان العالم، مما يجعلهم الفئة الأكثر تهميشًا. إن إعطاء الأولوية للمساواة يعني إدماج أكثر من مليار شخص، وذلك بإزالة الحواجز وتعزيز الحماية. وبذلك، سيحصل ذوو الإعاقة على فرص متساوية في كل شيء، من التعليم والرعاية الصحية إلى الوظائف اللائقة.

7 – المساواة مفيدة للاقتصاد: يُخلِّف التمييز ضد فئات معينة أثرًا اقتصاديًّا دائمًا، سواء على هذه الفئات نفسها أو على الاقتصاد ككل. في عام ٢٠٢٠م، أجرت “سيتي جروب” دراسة تناولت الأثر الاقتصادي للعنصرية ضد الأمريكيين السود، وسِلَّطت الدراسة الضوء على أربعة جوانب رئيسة: خسارة الإيرادات التجارية المحتملة نتيجة الإقراض التمييزي لرواد الأعمال السود؛ وخسارة الدخل بسبب تفاوت الأجور؛ والتمييز في قروض الإسكان؛ وخسارة الدخل على مدى العمر نتيجة التمييز في فرص الحصول على التعليم العالي. بلغ إجمالي الناتج المحلي المفقود ١٦ تريليون دولار. وتؤكد دراسات مماثلة أن عدم المساواة العرقية يضر بالاقتصاد.

8 – المساواة تعالج أنظمة العدالة غير العادلة: تُعدُّ أنظمة العدالة الجنائية بؤرًا خصبةً لعدم المساواة. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يُسجَن الأمريكيون السود في سجون الولايات بمعدل يقارب خمسة أضعاف معدل سجن الأمريكيين البيض. وتشير الأبحاث إلى أن هذا التفاوت غير عادل وغير مبرر. وقد كشف تحقيقٌ شمل مئات الآلاف من سجلات الاعتقال والإدانات الفيدرالية المتعلقة بالمخدرات أن السود يُعتقلون بوتيرة أعلى، ويُعاقبون بعقوبات أشد من البيض في جرائم المخدرات، على الرغم من أن المجموعتين العرقيتين تتعاطيان المخدرات بالمعدل نفسه. وللحَدِّ من عدم المساواة في نظام العدالة، تحتاج أمريكا إلى اتخاذ خطواتٍ مثل إصلاح نظام الأحكام، وتوفير دعم أفضل للمُفرَج عنهم من السجون، وإنشاء برامج فعَّالة للوقاية من الجريمة. وهذا أيضًا ما تؤكد عليه الدراسة وتطلبه من الدولة المصرية في إطار توفير نظام للعدالة يشمل الجميع دونما تمييز، أغنياء وفقراء.

9 – تتحقق المساواة من خلال الإنصاف: كثيرًا ما يُستعمَل مصطلحا المساواة والإنصاف بشكلٍ متبادل، لكن الإنصاف يُفضِي إلى المساواة. لننظر إلى حقوق ذوي الإعاقة على سبيل المثال، فهؤلاء يحتاجون إلى موارد مختلفة عن غيرهم. قد لا يبدو هذا “مساواة” ظاهريًّا، لكن توزيع الموارد على مَن هم في أمسِّ الحاجة إليها يُؤدي إلى تكافؤ الفرص. فبدون الإنصاف، لا يُؤدي التوزيع المتساوي للموارد إلا إلى استمرار عدم المساواة.

10 – المساواة مهمة لحقوق الإنسان: لا يمكن لحقوق الإنسان أن تزدهر حقًا في عالمٍ يسوده عدم المساواة. فحيثما وُجد عدم المساواة، وُجدت دائمًا قضايا تُهدد حقوق الإنسان، كالتفرقة بين الجنسين، والتمييز ضد ذوي الإعاقة، والفقر. ولهذا يَنصُّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “جميع الناس يولدون أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق”. وقد وردت كلمة “متساوين” (أو “المساواة”) في هذا الإعلان 13 مرة. ولخلق عالمٍ تتحقق فيه وعود حقوق الإنسان، يجب على العالم أن يلتزم بمعالجة عدم المساواة.

يتضح من هذه الأسباب العشرة لأهمية المساواة أنها تُعد بمثابة الأساس المتين الذي يُعزز قيم الانتماء والولاء للأوطان، مما يُسهِم حتمًا في نهضتها وتقدمها، هذا من ناحيةٍ، كما أنها تمثل حائط صد قوي أمام ظاهرة التمييز وأخطاره في أي مجتمع من المجتمعات، من ناحيةٍ أخرى.

وإذا رصدنا مدى تحقق هذه الأسباب في الحالة المصرية، في ضوء ما يعانيه المجتمع المصري من مشاكل لأدركنا مدى تفشي ظاهرة التمييز؛ حيث يعاني المجتمع المصري من مشاكل مزمنة، يأتي على رأسها الفقر، ثم سوء الرعاية الصحية، وضعف التعليم، فضلًا عن جودته، وغياب العدالة والإنصاف وحقوق الإنسان. تقود هذه المشاكل وغيرها، الناتجة عن التمييز بأنواعه المختلفة وغياب المساواة وتكافؤ الفرص، إلى تفكُّك المجتمع واغتراب أبنائه داخله. ويؤدي هذا إلى ضعف الانتماء والولاء، خاصَّة بين شريحة كبيرة من الشباب، الذين أصبح أكبر همهم هو البحث عن أي فرصة للهجرة من هذا الوطن، مشروعة كانت أو غير مشروعة، وأبرز مثال على ذلك هو ما نطالعه من آن لآخر بصورة شبه متكررة من حوادث غرق قوارب الهجرة غير الشرعية، سواء انطلقت هذه القوارب من مصر أو من دول الجوار، خاصَّة ليبيا([52]).

المحور الرابع: وسائل تعزيز الانتماء وتقوية الجبهة الداخلية

أولًا: إصلاح السياسات العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية:

إن العدالة الاجتماعية والمساواة بين أفراد المجتمع ليست هِبَة من سلطة حاكمة، من المفترض أنها جاءت بأصوات أفراد هذا المجتمع؛ وإنما هي حقوق أصيلة لهؤلاء الأفراد؛ لذلك تجتهد معظم الأنطمة الديمقراطية في العالم للمحافظة على شرعيتها بتطبيق مجموعة من السياسات العامة التي تلبي احتياجات الشعب، وتعمل على تحسين الوضع المعيشي للجميع، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحقق العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يترتب عليه استقرار المجتمع واستعداده للعمل على تنمية الوطن وتقدمه.

تعتمد الدراسة في موضوع إصلاح السياسات العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية على إصدارين مهمين على موقع منتدى البدائل العربي للدراسات، الإصدار الأول يحمل عنوان (السياسات العامة: صنع السياسات العامة وتحليلها والتأثير فيها)، ويحمل الإصدار الثاني عنوان (السياسات العامة والعدالة الاجتماعية في مصر) ([53]).

يورد الإصدار الأول تعريفين مهمين للسياسات العامة؛ الأول أنها: “النظام الذي يتضمن خطط العمل، والإجراءات التشريعية، والقوانين والأولويات التمويلية المعنية بقضية معينة والتي تصدرها الجهة الحكومية أو أي من ممثليها”، والتعريف الثاني يرى أنها: “أي خطة، برنامج، قرار أو قانون يتم اتخاذه من قِبل الحكومة بالتعاون مع فاعلين آخرين بغرض معالجة مشكلة أو قضية تهم قطاعًا عريضًا من الناس بما يهدف إلى حل هذه المشكلة أو منع حدوثها”.

أما الإصدار الثاني فنقترحه كنموذج عملي يمكن أن تفيد منه الدولة المصرية في ضوء ما توصَّلت إليه الدراسات في هذا الإصدار من نتائج، إذا كانت للدولة إرادة فعلية وجادة لتحقيق العدالة الاجتماعية؛ ولا تكتفي بتصدير المبادئ المثالية البراقة دون إسقاطها على أرض الواقع.

لقد تناولت هذه الدراسات الاهتمام بإصلاح السياسات العامة في أهم أربع قطاعات خدمية، يعاني معظم أفراد المجتمع المصري منها جميعًا، وهي: قطاع الصحة، وقطاع التعليم، وقطاع السكن، وقطاع الضمان الاجتماعي. ومما لا شك فيه أن هذه القطاعات يجب أن تحظى بأولوية في الاهتمام، بدلًا من التركيز على مشروعات، قد تكون مهمة مستقبلًا في حالة استقرار الشعب بحصوله على حقوقه الأساسية، ولكنها ليست من الضروريات المُلِّحة في حياة المواطنين الآنية، بل تُعد سببًا في تراكم الديون على الأجيال القادمة.

تتميز هذه الدراسات بعرضها لحال القطاع وأهم إشكالياته، وتحليل بيئته من حيث نقاط القوة ونقاط الضعف، وتحليل السياق المحيط من حيث الفرص والتحديات، وأيضًا أهم الإشكاليات المتعلقة بطريقة صنع السياسات العامة في كل قطاع ومنهجه على المستويين التشريعي والتنفيذي، وأخيرًا تقديم استراتيجيات للتعامل مع الإشكاليات المطروحة.

ويتضح من هذه الدراسة أنها لم تتوقف عند توصيف المشكلة وإنما حللتها وأوضحت كيفية الإفادة من نقاط القوة المتاحة في كل قطاع والبناء على الفرص في مقابل العمل على التقليل من نقاط الضعف والتحديات وتحويلها إلى قوة وفرص جديدة.

تؤكد الدراسة على أن الإصلاح يقتضي تشخيص العيوب مع تقديم حلول عملية لمعالجتها في المجالات كافة، فعلى سبيل المثال من الحلول العملية المهمة في أهم القطاعات الأربعة السابقة؛ وأعني به التعليم: أن تضع الدولة في سياساتها العامة المتعلقة بالتعليم استراتيجيات متكاملة لرفع جودة المعلم، وهو مفتاح الارتقاء بجودة التعليم، وتغيرات هيكلية وإدارية لعلاج القصور الشديد في مخرجات التعلم من حيث ضعف قدرات القراءة والكتابة والرياضيات والتي تظهر جليًّا في نسبة الأمية بين طلاب المرحلة الإعدادية.          

ثانيًا: تعزيز التعليم القائم على قيم المواطنة:

تجدر الإشارة هنا إلى أن مشكلة التعليم تدركها السلطة الحاكمة جيدًا، بل إن رأس السلطة نفسه قد صرَّح بذلك علنًا في أحد المؤتمرات الصحفية (في فرنسا 2017م)، عندما سُئِل عن حقوق الإنسان في مصر، فكانت إجابته إقرارًا بتفشي مجموعة من المشاكل على رأسها التعليم؛ حيث قال نصًّا: لماذا لا تسألني عن التعليم؟ ويجيب هو بنفسه: ليس عندنا تعليم جيد!

وهنا نؤكد على أن إدراك المشكلة أول درجات حلها، ويتوجب أن يترتب على ذلك خطوات عملية تضع هذه المشاكل في أولويات اهتمام الحكومة؛ فإذا أردنا أن نعزز قيم المواطنة والمساواة عن طريق التعليم فيجب أولًا أن نبدأ بإصلاحه وتحسينه. وهذا ما أكَّدته الدولة لاحقًا في تأكيدها على أن أهداف الدولة ورؤيتها لن تتحقق إلا في إطار تركيز الدولة على تحسين جودة التعليم وكذلك التركيز على الكفاءة والمهارة.

فالتعليم يُعد الوسيلة الناجزة لترسيخ المواطنة؛ لأنه يتلقى النشءَ منذ صغره ويتابعه تربيةً وتعليمًا حتى يتخرج من الجامعة وهي فترة إعداد لأبناء الوطن، إذا أُحسن التخطيط لها، من بنية تحتية جيدة بتوفير المدارس المناسبة، وإعداد الكوادر التعليمية المُوَهَّلة، ثم المناهج الدراسية المواكِبة لاحتياجات الوطن وسوق العمل والمعززة لقيم الانتماء والولاء، سيكون مخرج التعليم في معظمه مواطنين أسوياء مؤهلين لتحمل المسؤولية.

وإذا كانت المؤسسات التعليمية المصرية المختلفة، الجامعية وما قبلها، تعلن على مواقعها الرسيمة عن رؤيتها ورسالتها وأهدافها في نصوص تبدو مثالية، فيجب أن تشمل وسائل تحقيقها إلى جانب المناهج الدراسية، الأنشطة التي تعزز فهم الطلاب لقضايا الوطن، ومعرفة تاريخه ورموزه وتضحياتهم، وكذلك جغرافيته بزيادة الرحلات بين المحافظات المصرية لتعزيز ارتباط الشباب بأرضهم في ربوع مصر كافة، وإشراكهم في العمل التطوعي والمشروعات القومية.

إن مثل هذه الوسائل والأنشطة من شأنها أن تعزز قيم المواطنة بين الشباب والمجتمع ككل، مما يؤدي إلى تنمية روح الولاء والانتماء للوطن.        

ثالثًا: نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر:

يساعد الحرص على نشر ثقافة التسامح والتعايش وقبول الآخر بين أفراد المجتمع في الحد من زيادة الفجوة بين طبقاته، ويرتبط نشر هذه الثقافة كذلك بالتعليم؛ حيث تدخل ضمن المناهج الدراسية، وتُطبَّق بين الطلاب من خلال الأنشطة المختلفة.

وبالإضافة إلى التعليم، يجب أن تُسهِم المؤسسات الدينية في مصر، ممثلة في الأزهر الشريف والكنيسة، بدور فعَّال في ترسيخ هذه القيم، من خلال تعزيز الخطاب الوطني، والابتعاد عن الخطاب الطائفي، ومكافحة خطاب الكراهية والتمييز الذي يؤججه البعض من الطرفين، سواء داخل مصر أو خارجها، وإبراز المشروعات التطوعية التي يشترك فيها أبناء الوطن جمعيهم بصرف النظر عن الدين واللون والنوع. وأن تكون هذه المشروعات والأنشطة تحت مظلة الدولة ورعايتها لإشعار الجميع بالمساواة وتكافؤ الفرص، مع تشجيعهم على الابتكار والإبداع لتقديم أفكار تخدم مصالح الوطن، مما ينمي روح التنافس الشريف بين أبناء الوطن ويعزز تنمية روح الولاء والانتماء في الوقت نفسه. 

رابعًا: دور الإعلام في بناء الهوية الوطنية:

تناولت الدراسة في محورها الثاني دور الإعلام في تعزيز المساواة أو إضعافها، وعرضنا أهمية دوره في تشكيل الوعي المجتمعي بقضايا الوطن. ونركز هنا على قضية الهُوية الوطنية على وجه التحديد وأهم الخطوات العملية التي يجب أن يركز عليها الإعلام بوسائله المتنوعة، المرئية والمسموعة والمقروءة وبشقيه التقليدي والرقمي، للحفاظ على الهوية الوطنية في ضوء التحديات الداخلية المتعلقة بمشاكل المجتمع، وعلى رأسها التمييز بين أفراد الوطن وغياب العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والتحديات الخارجية المتمثلة في الغزو الثقافي، بما تحمله العولمة من بعض الأفكار والقيم التي لا تتوافق مع المجتمع المصري وتهدد هُويته الوطنية.

في ضوء رصد الدراسة للجهود المبذولة، سواء من قِبل المؤسسات الإعلامية المصرية عن طريق نشر الأبحاث في المجلات العلمية المتخصصة والمؤتمرات والنداوت، أو من قِبل الجهود الفردية لبعض الإعلاميين الذين تشغلهم قضية الهُوية الوطنية والسِّلْم المجتمعي، يمكن أن تركز وسائل الإعلام المصرية على الخطوات الآتية:  

  • المحافظة على التراث الثقافي؛ عن طريق توثيق التراث الثقافي الوطني وتاريخ الشعب ونقله ونشره بين أفراد المجتمع، ومِن ثمَّ تعزيز الوعي الوطني والانتماء بينهم.
  • إبراز القيم والمبادئ الوطنية، عن طريق تعزيز القيم والمبادئ التي تشكل جزءًا من الهُوية الوطنية، مثل اللغة والديانة والتقاليد.
  • إنشاء منصات للحوار والنقاش؛ حول مفهوم الهُوية الوطنية وكيفية تعزيزها وصيانتها، خاصَّة بين الشباب.
  • التوعية بتأثيرات العولمة، عن طريق تسليط الضوء على التحديات والفرص التي تأتي مع العولمة، مما يساعد في توعية الجمهور بأهمية الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية.
  • التواصل الدولي والتفاعل الثقافي؛ عن طريق تعزيز التواصل والتفاعل الثقافي مع العالم الخارجي، مما يساعد في تقديم صورة إيجابية عن الهوية الوطنية.
  • مراقبة الجودة والأخلاقيات؛ إذ يجب على وسائل الإعلام الالتزام بمعايير الجودة والأخلاقيات في تقديم المحتوى الثقافي والوطني([54]).

ولضمان معايير الجودة والأخلاقيات، وحتى تتمكن وسائل الإعلام المصرية من القيام بهذا الدور المهم في تعزيز الهُوية الوطنية، يجب أن تتطور؛ حيث لم يَعُد تطوير الإعلام المصري رفاهية، بل ضرورة تتطلب رؤية شاملة تعالج التحديات القائمة وتستثمر فى الفرص المتاحة، وأهم أوجه هذا التطوير يتمثل فيما يأتي:

  • تأهيل الكوادر الإعلامية؛ لأن المحتوى لا يصنعه إلا إنسان مدرب يمتلك أدوات العصر. ولذلك يجب: تطوير مناهج كليات الإعلام بما يواكب التغيرات العالمية، وتوفير برامج تدريبية عملية للإعلاميين الشباب، وتشجيع التخصصات الدقيقة، مثل صحافة البيانات، والإعلام البيئى، والإعلام الاقتصادى.
  • تنويع المحتوى وتحديث الرسالة؛ حيث إن الإعلام الفعَّال لا يقتصر على نشر الأخبار، بل يتجاوزها إلى صناعة الوعي وتقديم محتوى ثري يلبي احتياجات مختلف الفئات. ويمكن تحقيق ذلك من خلال: إنتاج برامج وثائقية وثقافية تعزز الهوية المصرية، وتشجيع الدراما والإنتاج الفني الذي يعكس الواقع بقوالب جذابة، والانفتاح على القضايا الشبابية والاجتماعية بأسلوب موضوعي.
  • ضمان حرية الإعلام ومصداقيته؛ إذ لا يمكن أن ينهض الإعلام من دون ثقة الجمهور. ومن هنا تأتى أهمية: دعم حرية الرأي والتعبير فى إطار المسؤولية المهنية، وتعزيز الشفافية، والابتعاد عن التوجيه المباشر فى الأخبار، والالتزام بمواثيق الشرف الإعلامي للحد من التضليل والشائعات([55]).

خامسًا: تمكين الشباب وإشراكهم سياسيًّا واجتماعيًّا:

إن القاسم المشترك بين الوسائل السابقة يتمثل في وجود الشباب كعامل رئيس، بدءًا من تحقيق العدالة الاجتماعية في توفير فرص عمل لعموم الشباب وفقًا لمهارتهم وقدراتهم وليس وفقًا لطبقتهم الاجتماعية أو معتقدهم الديني أو توجههم السياسي، مرورًا بتحصيلهم لتعليم جيد يؤهلهم معرفيًّا ومهنيًّا ومجتمعيًّا لقبول الآخر والتعايش وفق قيم التسامح ثم مخاطبتهم عن طريق الإعلام وتوفير المنصات التي يعبرون فيها عن آرئهم وأفكارهم بحرية مع تدريبهم المستمر وإعدادهم لتحمل المسؤولية والمشاركة في صنع القرارات التي تخدم الوطن وتُسهِم في تقدمه.

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدولة المصرية تعلن عن تبنيها لمبادرات وقيامها بجهود لتمكين الشباب سياسيًّا واجتماعيًّا، وتؤكد على أن ذلك يأتي ضمن أولوياتها الاستراتيجية، ووفقًا لرؤية 2030م، وأنها تضع لذلك خططًا ومبادرات ودورات، وذلك لكون الشباب القلب النابض لأي عملية تنموية تسعى إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. كما تؤكد أيضًا على أنها تتبنى – انطلاقًا من هذا الوعي – استراتيجيات طموحة تستهدف تمكينهم على جميع المستويات؛ إيمانًا منها بأن الاستثمار في الشباب هو استثمار في المستقبل.

وبحسب ما تعلنه الدولة، فإنها توزع هذه الجهود والمبادرات بين تطوير التعليم، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، ولا تكتفي بإشراك الشباب في برامج التنمية فقط، بل تسعى إلى منحهم الأدوات والفرص لقيادة مسارات التغيير بأنفسهم؛ ليصبح دورهم فعَّالًا في عملية التغيير.

وفي إطار رصد جهود الدولة المصرية في تمكين الشباب، نشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تقريرًا حديثًا عن هذا الأمر، أكَّد فيه أن هذه الفئة تمثل قوة دافعة لا غنى عنها لتحقيق “رؤية مصر 2030″، والإسهام في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ حيث يُعد تمكين الشباب من المحاور الرئيسة لتحقيق تنمية شاملة تراعي العدالة وتعزز التنافسية وتدعم المشاركة المجتمعية([56]).

مع أهمية هذه الجهود والمبادرات في دعم الشباب وتمكينهم، والتي يمكن أن تمثل ركيزة مهمة في بناء الوطن واستقراره، تطالب الدراسة الدولة المصرية بالنموذج العملي في المساواة وعدم التمييز بين الشباب، بمعنى ألا تكون هذه الجهود قاصرة على الشباب المنتمين إلى الكيانات والأحزاب المؤيدة للنظام فقط، وتهمل في الوقت نفسه شباب المعارضة على اختلاف توجهاتهم أو المنتقدين لسياسات الحكومة بشكل عام. لما يسببه ذلك من إيجاد شعور لدى هؤلاء الشباب بالظلم والاغتراب داخل الوطن، وبالتالي فقدان الثقة في التغيير والتطوير، مما ينعكس سلبًا على نسيج المجتمع ويُعمِّق الفجوة الطبقية، التي تتمثل خطورتها هذه المرة في أنها برعاية السلطة الحاكمة نفسها، وليست مجرد سلوكيات مجتمعية بين طبقات المجتمع المختلفة.

وحرصًا على تماسك المجتمع وترابطه وتعزيز روح الانتماء والولاء بين أفراده، توصي الدراسة في قضية تمكين الشباب على وجه التحديد، لأهميتها الشديدة، بأن تستمع الدولة لجميع وجهات النظر، المخالفة قبل المؤيدة، وأن توضح للشباب الحقائق والتحديات التي يواجهها الوطن بشفافية تشعر الجميع بمسؤوليتهم تجاه وطنهم وتحد من خطاب الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.

خاتمة

في ضوء ما تناولته الدراسة من محاور عامة وعناصر فرعية شملت أهم ما يتعلق بقيم المواطنة وأركانها الأساسية من المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وعدم التنمييز، وفي ضوء عرض تجارب بعض الدول التي ناهضت التمييز وعززت من قيم المواطنة والتعايش والتسامح بين أفرد المجتمع، اتضح للدراسة مجموعة من النتائج يمكن إجمال أهمها على النحو الآتي:

  • تحتل مصر مكانة متوسطة بين أقل دول العالم تمييزًا وعنصرية؛ حيث تقع في المركز التاسع والثلاثين من بين أقل 89 دولة تمميزًا وعنصريةً لعام 2026م، وفقًا لإحصائيات موقع (World Population Review).
  • من الناحية النظرية، حرصت الدولة المصرية على ترسيخ قيم المواطنة وتعزيزها بين أفراد المجتمع، بدءًا من إقرار ذلك في الدستور المصري في مواد متعددة، ومرورًا بإصدار مجموعة من القوانين التي تكفل تطبيق هذه المبادئ الدستورية، ولكن اتضح للدراسة مدى عمق الفجوة بين مثالية القوانين والواقع المعيش بين أفراد المجتمع.
  • المواطنة في الحالة المصرية تُعد عملية بناء مستمرة تتطلب تضافر الجهود التشريعية، والاجتماعية، والتنموية.
  • تُسهِم المؤسسات المصرية المختلفة في تعزيز قيم المواطنة والمساواة انطلاقًا من إقرارها في الدستور المصري؛ حيث اهتمت المؤسسات التعليمية بوضع هذه القيم في رسالة هذه المؤسسات وأهدافها بدءًا من إعداد النشء في المراحل ما قبل الجامعية ومرورًا بالفترة الجامعية التي حرصت على إكسابهم ترسيخ قيم المواطنة والمساواة إلى جانب مناهجهم التعليمية المتنوعة حتى تَخرِيج الطلاب وإعدادهم لسوق العمل.
  • كان للمؤسسات الدينية الرئيسة في مصر، ممثلة في الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، محاولات مهمة وجادة في مكافحة خطاب الكراهية والتمييز والدعوة إلى التعايش والتسامح بين أبناء الوطن جميعًا.
  • حاول الإعلام كذلك الإسهام في تعزيز هذه القيم ولكن كانت جهوده ضعيفة في هذا الإطار لتناقض الكثير من المادة الإعلامية المعروضة مع الواقع المعيش بين أفراد المجتمع؛ فالإعلام هو الذي أظهر بعض  المصطلحات الطبقية، مثل “أهل مصر” مقابل “أهل إيجيبت”، وإن كانت علي سبيل الدعابة أو “الترند” ولكنها زادت من عمق الفجوة الطبقية بين أبناء الوطن. هذا فضلًا عن استفزاز معظم الإعلاميين الموالين للنظام بعدم تطبيق ما يطالبون به الشعب من تحمل لظروف البلد والترشيد والتقشف على أنفسهم، مما أشعر الناس بتعمدهم تضليل الشعب للمحافظة على مصالحهم الخاصَّة.
  • أسهمت منظمات المجتمع المدني بجهود ملحوظة في العمل التطوعي لخدمة أبناء الوطن؛ حيث شملت هذه الجهود تقديم دورات تدريبية، وورش عمل، وبرامج تعليمية لتعزيز التنمية الشخصية والاحترافية. وقد عملت هذه المنظمات المجتمعية كجسر بين المجتمع والحكومة والقطاع الخاص؛ وذلك في إطار سعيها إلى حماية حقوق الإنسان وتعزيز العدالة الاجتماعية. وشمل عمل منظمات المجتمع المدني كذلك مواجهة التمييز والظلم، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة والمُهمَّشة.
  • أبرزت الدراسة حرص الدولة المصرية على تجريم التمييز بكل أنواعه الطبقية والدينية الطائفية والقائمة على النوع، خاصَّة التمييز ضد المرأة والتمييز ضد ذوي الهمم، والتمييز الجغرافي الذي يوفر معظم الخدمات والاستثمارات في المدن الكبرى مقابل تهميش العشوئيات والريف. مع التأكيد على المحاولات الإيجابية من قِبل الدولة المصرية بالتغلب على هذا التمييز الجغرافي بالاهتمام بالمناطق العشوائية والريف عن طريق طرح عدة مبادرات تشرف عليها الدولة مثل مبادرة (حياة كريمة).
  • اتضح للدراسة أنه مع اهتمام الدولة بترسيخ قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز؛ إلا أن مظاهر التمييز كانت حقيقة واقعة بين أفراد المجتمع المصري. وقد أشارت الدراسة إلى أهم هذه المظاهر المتمثل في قصر بعض الوظائف وحصرها في طبقات معينة من أبناء الوطن، خاصَّة فيما يتعلق بالوظائف في الجهات السيادية، في القضاء والسلك الدبلوماسي والكلية الحربية وكلية الشرطة. مما يؤدي إلى حرمان كثير من الكفاءات لاعتبارات طبقية اجتماعية واقتصادية.
  • رصدت الدراسة كذلك الحالة الوحيدة التي جمعت أبناء الشعب دون تمييز، رغم اختلاف الطبقات، وهي محاولة المساس بالسلطة أو الاقتراب منها، كما حدث من تنكيل لأبناء المؤسسة العسكرية نفسها عندما عزموا على الترشح لمنصب الرئاسىة في انتخابات 2018م؛ حيث وجهت لهم تهمة مخالفة القوانين العسكرية. مقابل البرلماني المدني في انتخابات 2024م، أحمد طنطاوي، والذي اتُهِم بتزوير التوكيلات.
  • رصدت الدراسة أهم مظاهر التمييز وغياب المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، خاصَّة بين شريحة الشباب؛ حيث لجأ كثير من الشباب إلى الهجرة خارج الوطن سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة، وكان من آثار الثانية كثرة حالات غرق مراكب الهجرة غير الشرعية التي كان من ضحاياها كثير من الشباب المصري. والبعض ممن لم يستطع الهجرة قاده الإحساس بالظلم إلى الانتحار، وأسعدهم حالًا من اكتفى بالعزلة الاجتماعية في حالة من الاغتراب داخل الوطن.
  • اقترحت الدراسة تدعيمًا للجهود التي تقوم بها الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة، في محاولة عملية للمساعدة في التغلب على أهم مشاكل الوطن، مجموعة من الوسائل التي من شأنها أن تُسهِم في تعزيز الانتماء وترسيخه وتدعم في الوقت نفسه تقوية الجبهة الداخلية وتماسكها؛ حيث شملت هذه الوسائل إصلاح السياسات العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز التعليم القائم على قيم المواطنة، مع التركيز على الأنشطة المشتركة بين شباب الجامعات في المحافظات المختلفة لتفعيل المشاركة وتشجيع الشباب على اقتراح المبادرات والأفكار التي تُسهِم في التغلُّب على أهم مشاكل الوطن، واتخاذ كل الإجراءات والخطوات الداعمة لنشر ثقافة التسامح والتعايش وقبول الآخر بين أفراد المجتمع، كما قدمت الدراسة بعض المعايير التي يجب أن يلتزم بها الإعلام ليتمكن من الإسهام في بناء الهُوية الوطنية والمحافظة عليها داخليًّا وخارجيًّا. وختمت الدراسة هذه الوسائل المُعزِّزة لقيم المواطنة وعدم التمييز بتمكين الشباب وإشراكهم سياسيًّا واجتماعيًّا.
  • تؤكد الدراسة على ثبوت العلاقة الطردية بين تطبيق قيم المواطنة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وممارستها في المجتمعات وتماسك الجبهة الداخلية وترابطها، هذا من ناحيةٍ. وكذلك ثبوت العلاقة الطردية بين المجتمعات التي تسود فيها هذه القيم وحظها الأوفر من التقدم والتطور، من ناحيةٍ أخرى.
  • تختم الدراسة رؤيتها للتجربة المصرية في مواجهتها للتمييز ومحاولاتها لترسيخ قيم المواطنة والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، بالتأكيد على أنها في حاجة إلى مزيدٍ من الجهود، للبناء على الجهود الموجودة بالفعل، وأنها قابلة للتطوير للأفضل في ظِل احتلال مصر لمكانة متوسطة بين دول العالم الأقل تمييزًا وعنصرية، وفي ضوء إتاحة مزيد من الحريات، خاصَّة للشباب، سواء أكانوا من الأحزاب الموالية للسلطة أم من قوى المعارضة على اختلاف توجهاتهم، والبُعد عن الاتهامات الجاهزة بالتخوين. هذا إذا أرادت الدولة المصرية إثبات حرصها على تقوية الجبهة الداخلية وتماسكها للحفاظ على الوطن ضد أي تحديات خارجية، وسينعكس هذا حتمًا على تحسين أوضاع المجتمع بالتغلُّب التدريجي على أهم مشاكله، ويُنمي روح الولاء والانتماء إلى الوطن والذي سيقود بدوره إلى جبهة داخلية قوية متماسكة ووطن متقدم ومتطور.

قائمة المصادر والمراجع

  • ابن منظور، لسان العرب، القاهرة: طبعة دار المعارف، 1986م.
  • إسحاق إبراهيم، الأقليات الدينية غير المعترف بها في مصر: الفيل الذي لا يراه المسؤولون، على الرابط الآتي: https://timep.org/post-arabic/
  • إسلام سمور: لماذا نحتاج للمساواة؟ أهمية المساواة في المجتمع وأثرها على حياة الإنسان، المقال متاح على موقع (منصة الشارقة 24) على الرابط الآتي: https://sharjah24.ae/ar/Articles/2024/10/30/NJ1087\
  • الصديق الصادقي العامري، دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز قيم المواطنة، مجلة مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، تحت إشراف البلاط السلطاني- سلطنة عمان، ضمن أعمال مؤتمر أسبوع التقارب والوئام الإنساني- الرابع، من 15-19 فبراير 2015م، الصفحات 165- 198.
  • الموسوعة العربية، على الرابط الآتي: https://mail.arab-ency.com.sy/details/8042
  • الهيئة العامة للاستعلامات: /https://sis.gov.eg/ar
  • آيات عبد الرحيم سيد عبد الرحمن، أصول نظرية العقد الاجتماعي، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، العدد الثالث والستون، أبريل 2022م، ص353- 366.
  • تقرير اللجنة العليا لحقوق الإنسان، بشأن الجهود الوطنية لتعزيز الحريات الدينية في مصر لعام 2021م، متاح على موقع الهيئة العامة للاستعلامات، على الرابط الآتي: https://hrightsstudies.sis.gov.eg/media/8162/arabic352022-1.pdf
  • جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة عادل زعيتر، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013م.
  • حسن قدور، التجربة الهولندية.. من أكثر دول أوروبا طائفية إلى مثال متفرد للتعايش السلمي، المقال متاح على الرابط الآتي: https://www.zamanalwsl.net/news/article/167331
  • حنا عيسى: البعد القانوني لمفهوم المواطنة، متاح على موقع مركز عدل لحقوق الإنسان، على الرابط الآتي:   https://adelhr.org/portal/9433
  • دستور جمهورية مصر العربية 2014م المعدَّل 2019م، الجريدة الرسمية-العدد 16 مكرر (و) في 23 أبريل سنة 2019م.
  • ديرك هيتر، تاريخ موجز للمواطنية، ترجمة: آصف ناصر ومكرم خليل، بيروت: دار الساقي بالاشتراك مع مركز البابطين للترجمة، 2007م، ص14-15.
  • سامح فوزي حسين، المواطنة والإعلام التنموي للأمام دُر، ط1، الناشر مطبعة سيوبرس- الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، 2009م، ص20-21.
  • عبد الله الدرايسة، ترجمة الأقوال إلى أفعال: التجربة السنغافوريّة في التعليم، المقال متاح على موقع منهجيات على الرابط الآتي: /https://www.manhajiyat.com/ar
  • علاء رشوان، منظمات المجتمع المدني أدوار ومسؤوليات، المقال متاح على موقع المركز العربي لاستدامة العمل الأهلي، على الرابط الآتي: https://asc-mek.org/ar/articles/26        
  • – عمرو حمزاوي، مصر.. عن الجرائم الطائفية ومسؤولية الأغلبية المسلمة، على الرابط الآتي: https://carnegieendowment.org/ar/posts/2016/08/msr-an-aljraem-altaefyh-wmsuwlyh-alaghlbyh-almslmh
  • عمرو الليثي، كيف نطور الإعلام المصري؟ المقال متاح على موقع صحيفة المصري اليوم، على الرابط الآتي: https://www.almasryalyoum.com/news/details/3552991
  • عيسى خنفير الذبياني، دور وسائل الإعلام في تشكيل الهُوية الوطنية والثقافة والتصدي لسلبيات العولمة في المجتمع السعودي، مجلة المعهد العالي للدراسات النوعية، مجلد 3، عدد1 يناير 2023م، الصفحات 111-150.
  • فيولا عبد المسيح بولس جرجس، الدور التربوي للكنيسة المصرية في تعزيز قيم المواطنة، مجلة كلية التربية- جامعة عين شمس، المجلد الثامن والأربعون (الجزء الثالث)، 2024م، ص313- 346.
  • كيشور محبوباني، ما سر نجاح سنغافورة؟، مقال متاح على موقع مجلة دبي للسياسات، على الرابط الآتي: https://dubaipolicyreview.ae/ar/
  • محمد العجاتي(تحرير): السياسات العامة والعدالة الاجتماعية في مصر، إعداد مجموعة من الباحثين، ط1، القاهرة: دار المرايا للإنتاج الثقافي، 2019م.
  • – محمد العجاتي(تحرير)، السياسات العامة صنع السياسات العامة وتحليلها والتأثير فيها، إعداد مجموعة من الباحثين، بيروت: منتدى البدائل العربي للدراسات، 2020م.
  • محمد يوسف سيد أحمد، إسهامات منظمات المجتمع المدني في تدعيم قيم المواطنة لدى المعاقين حركيًّا (دراسة تطبيقة على مركز التأهيل الشامل للمعاقين بأسوان)، مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، العدد الخامس أبريل 2021م، الصفحات 231- 276.
  • محمود محمد رياض عبد العال، مؤسسات المجتمع المدني في مصر، مجلة كلية الخدمة الاجتماعية للدراسات والبحوث الاجتماعية- جامعة الفيوم، المجلد 23، العدد 6، 2021م، الصفحات 377- 408.
  • مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، كيف تبني الدولة المصرية مجتمعًا متكاملًا من خلال تمكين الشباب؟ على الرابط الآتي: https://www.idsc.gov.eg/PodCast/details/1335
  • معتز بالله عثمان، الأبعاد القانونية للمواطنة وعلاقتها بحقوق الإنسان، متاح على موقع دراسات في حقوق الإنسان على الرابط الآتي: https://hrightsstudies.sis.gov.eg/
  • المعجم الوسيط، على موقع مجمع اللغة العربية، على الرابط الآتي: https://www.arabicacademy.gov.eg/ar/
  • مؤسسة قضايا المرأة المعاصرة: المرأة المصرية في ظل القوانين التمييزية، إعداد سهام علي، الصفحات 1-11.
  • موقع المكتبة الوطنية السنغافورية للمحفوظات: https://www.nlb.gov.sg/main/article-detail?cmsuuid=62f98f76-d54d-415d-93a1-4561c776ab97
  • موقع بي بي سي عربي: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-42417517
  • موقع صحيفة الشرق الأوسط: https://aawsat.com/
  • موقع الموسوعة البريطانية: https://www.britannica.com/event/Peace-of-Westphalia
  • موقع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية: / https://ellibrary.moe.gov.eg
  • موقع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: /https://mohesr.gov.eg/ar
  • نهلة محمد مصطفى جندية، مفهوم المواطنة والأسس التي تقوم عليها في ألمانيا ومصر دراسة مقارنة، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، المجلد 52، العدد 4، الرقم المسلسل للعدد 1، مايو 2021م، ص585 – 622.

([1]) مادة (المواطنة) في المعجم الوسيط، على موقع مجمع اللغة العربية، على الرابط الآتي: https://www.arabicacademy.gov.eg/ar/

([2]) المعجم الوسيط، ص1042.

([3]) انظر: معتز بالله عثمان، الأبعاد القانونية للمواطنة وعلاقتها بحقوق الإنسان، متاح على موقع دراسات في حقوق الإنسان، على الرابط الآتي: https://hrightsstudies.sis.gov.eg/

([4]) حنا عيسى، البُعد القانوني لمفهوم المواطنة، متاح على موقع مركز عدل لحقوق الإنسان، على الرابط الآتي: https://adelhr.org/portal/9433

([5]) نهلة محمد مصطفى جندية، مفهوم المواطنة والأسس التي تقوم عليها في ألمانيا ومصر دراسة مقارنة، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، المجلد 52، العدد 4، الرقم المسلسل للعدد 1، مايو 2021م، ص585- 622.

([6]) وضع جان جاك روسو كتابًا بعنون (العقد الاجتماعي) عن هذه النظرية، وفي هذا الكتاب حمل روسو على الرق وعدم المساواة، وناضل عن حقوق الإنسان وأقامها على طبيعة الأمور، وقال إن هدف كل نظام اجتماعي وسياسي هو حفظ حقوق كل فرد، وإن الشعب وحده هو صاحب السيادة. وكان يهدف إلى النظام الجمهوري، فتحقق هذا النظام بالثورة الفرنسية بعد ثلاثين سنة حين اتُّخِذ “العقد الاجتماعي” إنجيلَ هذه الثورة”. لمزيد من التفاصيل، انظر: جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة: عادل زعيتر، القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013م، ص15.

([7]) معتز بالله عثمان، مرجع سابق.

([8]) آيات عبد الرحيم سيد عبد الرحمن، أصول نظرية العقد الاجتماعي، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، العدد الثالث والستون، أبريل 2022م، ص353 – 366.

([9]) ديرك هيتر، تاريخ موجز للمواطنية، ترجمة: آصف ناصر ومكرم خليل، بيروت: دار الساقي بالاشتراك مع مركز البابطين للترجمة، 2007م، ص14 – 15.

([10]) الصدر السابق، ص16.

([11]) الموسوعة العربية، مادة المساواة، على الرابط الآتي: https://mail.arab-ency.com.sy/details/8042

([12]) إسلام سمور، لماذا نحتاج للمساواة؟ أهمية المساواة في المجتمع وأثرها على حياة الإنسان، المقال متاح على موقع (منصة الشارقة 24)، على الرابط الآتي: https://sharjah24.ae/ar/Articles/2024/10/30/NJ1087\

([13]) الموسوعة العربية، مرجع سابق.

([14]) الهيئة العامة للاستعلامات، مقال المواطنة في مصر، متاح على الرابط الآتي: https://sis.gov.eg/ar/

([15]) نهلة محمد مصطفى جندية، مصدر سابق، ص17 – 18.

([16]) المصدر السابق، ص19.

([17]) نفس المصدر، ص20.

([18]) حسن قدور، التجربة الهولندية.. من أكثر دول أوروبا طائفية إلى مثال متفرد للتعايش السلمي، المقال متاح على الرابط الآتي: https://www.zamanalwsl.net/news/article/167331

([19]) معاهدة وستفاليا، هي تسويات أوروبية لعام 1648م، والتي أنهت حرب الثمانين عامًا بين إسبانيا والهولنديين والمرحلة الألمانية من حرب الثلاثين عامًا. لمزيد من التفاصيل، راجع موقع الموسوعة البريطانية، على الرابط الآتي: https://www.britannica.com/event/Peace-of-Westphalia

([20]) حسن قدور، مصدر سابق.

([21]) المصدر السابق.

([22]) عبد الله الدرايسة، ترجمة الأقوال إلى أفعال: التجربة السنغافوريّة في التعليم، المقال متاح على موقع منهجيات، على الرابط الآتي: /https://www.manhajiyat.com/ar

([23]) البروفيسور “كيشور محبوباني” هو زميل متميز في معهد أبحاث آسيا (ARI) التابع للجامعة الوطنية في سنغافورة (NUS). حظي السيد محبوباني بفرصة العمل في مجالين متميزين، أحدهما في السلك الدبلوماسي (من عام 1971 إلى عام 2004م) والآخر في المجال الأكاديمي (من عام 2004 إلى عام 2019م). وهو كاتب غزير الإنتاج، ألقى محاضرات في العديد من أنحاء العالم. وشغل مناصب في كمبوديا وماليزيا وواشنطن العاصمة ونيويورك؛ حيث مثَّل سنغافورة لدى الأمم المتحدة مرتين، وترأس مجلس الأمن الدولي في يناير 2001 ومايو 2002م. كما شغل منصب وكيل وزارة الخارجية من عام 1993 إلى عام 1998م. ونظرًا لأدائه المتميز في مسيرته الدبلوماسية، منحته حكومة سنغافورة وسام الإدارة العامة (الذهبي) عام 1998م. لمزيد من المعلومات عن محبوباني، راجع الرابط الآتي: /https://mahbubani.net/about

([24]) كيشور محبوباني، ما سر نجاح سنغافورة؟، مقال متاح على موقع مجلة دبي للسياسات، على الرابط الآتي: https://dubaipolicyreview.ae/ar/

([25]) المصدر السابق.

([26]) ورد هذا المقال بعنوان (تبني القيم المشتركة)، على موقع المكتبة الوطنية السنغافورية للمحفوظات، على الرابط الآتي: https://www.nlb.gov.sg/main/article-detail?cmsuuid=62f98f76-d54d-415d-93a1-4561c776ab97

([27]) ترد التوصيات مُفصَّلة في مقال عبد الله الدرايسة: ترجمة الأقوال إلى أفعال: التجربة السنغافوريّة في التعليم، مرجع سابق.

([28]) هذه الإحصائيات متاحة على موقع (World Population Review)، على الرابط الآتي: https://worldpopulationreview.com/country-rankings/least-racist-countries

([29]) الهيئة العامة للاستعلامات، مرجع سابق.

([30]) دستور جمهورية مصر العربية لعام 2014م المعدَّل 2019م، الجريدة الرسمية، العدد 16 مكرر (و)، في 23 أبريل 2019م، ص6.

([31]) الهيئة العامة للاستعلامات، مرجع سابق.

([32]) موقع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصرية، متاح على الرابط الآتي: https://ellibrary.moe.gov.eg/

([33]) موقع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، متاح على الرابط الآتي: https://mohesr.gov.eg/ar/

([34]) حوار في مجلة صوت الأزهر، بعنوان: “المفكر جمال أسعد عبدالملاك: الأزهر سبق جميع مؤسسات الدولة فى دعم المواطنة”، أجراه حسن مصطفى، والحوار متاح على الرابط الآتي: https://azhar.eg/sawtalazhar/section6/ArtMID/7496/ArticleID/

([35]) فيولا عبد المسيح بولس جرجس، الدور التربوي للكنيسة المصرية في تعزيز قيم المواطنة، مجلة كلية التربية، جامعة عين شمس، المجلد الثامن والأربعون (الجزء الثالث)، 2024م، ص313 – 346.

([36]) تقرير اللجنة العليا لحقوق الإنسان، بشأن الجهود الوطنية لتعزيز الحريات الدينية في مصر لعام 2021م، متاح على موقع الهيئة العامة للاستعلامات، على الرابط الآتي: https://hrightsstudies.sis.gov.eg/media/8162/arabic352022-1.pdf

([37]) انظر: الصديق الصادقي العامري، دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز قيم المواطنة، مجلة مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، تحت إشراف البلاط السلطاني، سلطنة عمان، ضمن أعمال مؤتمر أسبوع التقارب والوئام الإنساني الرابع، من 15-19 فبراير 2015م، الصفحات 165 – 198.

([38]) راجع: سامح فوزي حسين، المواطنة والإعلام التنموي للأمام دُر، ط1، القاهرة: مطبعة سيوبرس، الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، 2009م، ص20-21.

([39]) انظر: علاء رشوان، منظمات المجتمع المدني أدوار ومسؤوليات، المقال متاح على موقع المركز العربي لاستدامة العمل الأهلي، على الرابط الآتي: https://asc-mek.org/ar/articles/26

([40]) محمود محمد رياض عبد العال، مؤسسات المجتمع المدني في مصر، مجلة كلية الخدمة الاجتماعية للدراسات والبحوث الاجتماعية، جامعة الفيوم، المجلد 23، العدد 6، 2021م، الصفحات 377 – 408.

([41]) محمد يوسف سيد أحمد، إسهامات منظمات المجتمع المدني في تدعيم قيم المواطنة لدى المعاقين حركيًا (دراسة تطبيقة على مركز التأهيل الشامل للمعاقين بأسوان)، مجلة مستقبل العلوم الاجتماعية، العدد الخامس، أبريل 2021م، الصفحات 231 – 276.

([42]) ابن منظور: لسان العرب، طبعة دار المعارف، ص4307.

([43]) التعريف متاح تحت مادة (Discrimination) على الرابط الآتي: https://www.apa.org/topics/racism-bias-discrimination/types-stress

([44]) الدستور المصري المعدَّل 2019م، الباب الثالث: الحقوق والحريات والواجبات العامة، مادة 53، ص 24.

([45]) لمزيد من التفاصيل راجع: دراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والتي تحمل عنوان: “نحو قانون للمساواة ومنع التمييز في مصر، المعايير والمبادئ التوجيهية”، ديسمبر 2024م، ص11.

([46]) راجع موقع بي بي سي عربي، على الرابط الآتي: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-42417517

([47]) راجع: إسحاق إبراهيم، الأقليات الدينية غير المعترف بها في مصر: الفيل الذي لا يراه المسؤولون، على الرابط الآتي: https://timep.org/post-arabic/

([48]) راجع عمرو حمزاوي، مصر.. عن الجرائم الطائفية ومسؤولية الأغلبية المسلمة، على الرابط الآتي: https://carnegieendowment.org/ar/posts/2016/08/msr-an-aljraem-altaefyh-wmsuwlyh-alaghlbyh-almslmh

([49]) الدستور المصري المعدَّل 2019م، الباب الثانى: المقومات الأساسية للمجتمع، الفصل الأول: المقومات الاجتماعية، مادة 11، ص9.

([50]) لمزيد من التفاصيل، راجع: دراسة مؤسسة قضايا المرأة المعاصرة: المرأة المصرية في ظل القوانين التمييزية، إعداد سهام علي، الصفحات 1 – 11، الدراسة متاحة على الرابط الآتي: file:///C:/Users/maria/Downloads/.pdf

([51]) تفاصيل هذه الأسباب العشرة، متاحة على موقع وظائف في مجال حقوق الإنسان، بهذا التوثيق: – Emmaline Soken-Huberty: 10 Reasons Why Equality Is Important. على الرابط الآتي: /https://www.humanrightscareers.com/issues/importance-of-equality

([52]) صحيفة الشرق الأوسط، على الرابط الآتي: https://aawsat.com/

([53]) الإصدارن (السياسات العامة صنع السياسات العامة وتحليلها والتاثير فيها) صدر عام 2020، و(السياسات العامة والعدالة الاجتماعية في مصر) صدر عام 2019، إعداد مجموعة من الباحثين، تحرير محمد العجاتي، ومتاحان على موقع منتدى البدائل العربي، الأول على الرابط المختصر:  https://www.afalebanon.org/ar/?p=8464، والثاني على الرابط المختصر: https://www.afalebanon.org/ar/?p=8091

([54]) راجع: عيسى خنفير الذبياني: دور وسائل الإعلام في تشكيل الهُوية الوطنية والثقافة والتصدي لسلبيات العولمة في المجتمع السعودي، مجلة المعهد العالي للدراسات النوعية، مجلد 3، عدد1 يناير 2023، الصفحات 111-150.

([55]) انظر: عمرو الليثي: كيف نطور الإعلام المصري؟ المقال متاح على موقع صحيفة المصري اليوم، على الرابط الآتي: https://www.almasryalyoum.com/news/details/3552991

([56]) لمزيد من التفاصيل حول هذه الجهود راجع: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، كيف تبني الدولة المصرية مجتمعًا متكاملًا من خلال تمكين الشباب؟ على الرابط الآتي: https://www.idsc.gov.eg/PodCast/details/1335

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى