تقدير موقف

الأزمة الإثيوبية الجديدة: من صراع تيغراي إلى حرب متعددة الجبهات

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

لم تعد الأزمة في إثيوبيا مجرد نزاع بين العاصمة أديس أبابا وإقليم تيغراي، بل أصبحت محاولة لربط حروب تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفار في جبهة سياسية وعسكرية واحدة ضد الحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد. وفي المقابل، فإن قدرة الحكومة على منع هذا الترابط، إلى جانب منع تحوُّل الخلاف مع إريتريا والسودان ومصر إلى امتداد إقليمي للحرب، سوف تحدد ما إذا كانت المواجهة ستظل حربًا محدودة أم تتحوَّل إلى أزمة تمس بنية الدولة الإثيوبية ذاتها.

فالمواجهة الراهنة في شمال إثيوبيا جاءت نتيجة تراكم اختلالات اتفاق بريتوريا الموقَّع في نوفمبر 2022م، والذي أنهى الحرب بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي دون أن يحسم قضايا الأرض والسلاح والنازحين ومستقبل السلطة في الإقليم. فقد بقيت أجزاء من غرب وجنوب تيغراي محل نزاع، وظل نحو 750 ألف شخص نازحين حتى منتصف 2026م، بينما تعثرت عملية نزع سلاح وتسريح وإعادة دمج قوات تيغراي، وتفاقمت الخلافات حول الوضع القانوني للجبهة وترتيبات الحكم الإقليمي. وبحلول مايو 2026م، أعاد البرلمان الإقليمي في تيغراي نفسه، وانتخب زعيم الجبهة دبرصيون غبرمكئيل رئيسًا للإقليم، في خطوة لم تعترف بها أديس أبابا، ما أوجد عمليًّا سلطتين متنافستين على الشرعية.

وتسارع الانتقال من حالة “اللا حرب واللا سلم” خلال سبتمبر 2026م، حيث أُعلِن تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء، جامعًا جبهة تيغراي مع حركة فانو القومية الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، وجبهة عفار الثورية الديمقراطية، وفصائل أخرى، رغم التناقضات العميقة بينها. وسيطرت قوات تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري واحتجزت عناصر اتحادية، ثم امتد القتال إلى عفار وأمهرة. وردت القوات الفيدرالية بهجمات مضادة جوية وبرية أعادت خلالها السيطرة على عدد من المواقع جنوب تيغراي.

أولاً: تطورات الأحداث والموقف الميداني

توقيت الأزمة:

يرتبط توقيت اشتعال الأزمة الحالية بعدة أحداث: تعثر اتفاق بريتوريا، وتراكم الحشود العسكرية حول تيغراي، وانتقال خصوم أبي أحمد إلى محاولة التنسيق والاتحاد لإسقاط الحكومة المركزية في أديس أبابا بعدما كانت كل جبهة تقاتل في إقليمها بشكل مستقل، رغم أن الأقاليم الثلاثة متجاورة ولها حدود خارجية مع إريتريا والسودان.

رصد مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها (ACLED) تعزيز قوات تيغراي لمواقعها على حدود عفار وجنوب الإقليم في منتصف سبتمبر، فيما حذَّر مسؤولون إثيوبيون دبلوماسيين أمريكيين وأوروبيين في 17 سبتمبر من تجدد القتال. وبعد ثلاثة أيام أُعلِن تحالف المعارضة، ثم بدأت العمليات الكبرى في 22-23 سبتمبر. وتقول قيادة جبهة تيغراي إن تحركاتها جاءت ردًا على هجمات وحشود فيدرالية، بينما اعتبرت أديس أبابا أن الجبهة هي التي بدأت الهجوم واسع النطاق.

الوضع الميداني:

ميدانيًّا، حققت قوات تيغراي في المرحلة الأولى مكاسب سريعة؛ فقد سيطرت على المطارات الثلاثة الرئيسة داخل الإقليم، بينما تحركت قواتها مع جبهة عفار الثورية الديمقراطية إلى داخل عفار وسيطرت على أبالا ثم إريبتي ومواقع أخرى متنازع عليها. وعلى المحور الجنوبي تعاونت قوات تيغراي مع عناصر حركة فانو باتجاه كوبو وسيكوتا وعلى امتداد الطريق المؤدية جنوبًا نحو وولديا.

وتكتسب جبهة عفار أهمية تتجاوز السيطرة على البلدات؛ لأن التقدم شرقًا في اتجاه أفديرا وسمرا يمكن أن يقترب تدريجيًّا من الممر الإثيوبي-الجيبوتي الذي تمر عبره النسبة الكبرى من تجارة إثيوبيا الخارجية.

إلا أن القوات الفيدرالية استعادت زمام المبادرة على المحور الجنوبي منذ 25 سبتمبر. فقد استعادت سيكوتا، ثم دخلت ألاماتا بحلول 28 سبتمبر، وتقدمت بعد ذلك إلى كوريم، ما وضع خط الاقتراب الجنوبي من ميكيلي مجددًا تحت الضغط. وفي عفار قال مسؤولون إقليميون في 1 أكتوبر إن القوات الحكومية والإقليمية استعادت إريبتي وأبالا. وعليه فإن الصورة حتى 1 أكتوبر هي تقدم اتحادي من الجنوب يقابله صراع متحرك على محور عفار شرق تيغراي، دون حسم نهائي.

أما التطور العسكري الأكثر دلالة فهو تحوُّل الطائرات المُسيَّرة من ميزة حكومية شبه احتكارية إلى سلاح يحتمل أن تستخدمه المعارضة أيضًا. فقد امتلكت أديس أبابا بعد حرب 2020-2022م، مخزونًا أكبر من المُسيَّرات وبدأت إنتاج بعضها محليًّا، بعد أن لعبت الطائرات التركية والصينية والإيرانية دورًا مهمًا في الحرب السابقة في تغراي. وتسببت الضربات الفيدرالية الحديثة في خسائر على جبهات تيغراي، بينما تشير تقارير إلى أن قطع الاتصالات داخل الإقليم استُخدم جزئيًّا لتقليل فعالية الاستهداف الحكومي بالطائرات المُسيَّرة.

لكن في 27 سبتمبر ظهرت تقارير عن مُسيَّرات انتحارية استهدفت قواعد أو مطارات في بيشوفتو وكومبولتشا وبالقرب من بحر دار. وفي ليلة 30 سبتمبر/1 أكتوبر سُمعت انفجارات في أديس أبابا، وادعى مصدر مرتبط بتحالف المعارضة تنفيذ ضربات بطائرات مُسيَّرة استهدفت، ضمن مواقع أخرى، مقرًّا عسكريًّا. وإذا ثبتت القدرة على تنفيذ مثل هذه الضربات، فإن أهميتها تتجاوز الخسائر المادية إلى تقليص عمق الأمان الذي تمتعت به العاصمة وإضعاف التفوق الجوي الحكومي التقليدي.

الوضع الإنساني:

إنسانيًّا، سجلت منظمة أطباء بلا حدود ارتفاع عدد جرحى الحرب في مستشفيي كوريم وألاماتا من نحو 180 إلى أكثر من 420 خلال 48 ساعة، ووَصَل أكثر من 300 مصاب إلى مستشفى سوهول في شيري حتى 25 سبتمبر، فيما عُلقت الأنشطة في مستشفى ألاماتا. كما أشارت تقديرات ميدانية إلى نزوح نحو 150 ألف شخص في عفار. وترافق ذلك مع تعطُّل الرحلات والاتصالات والخدمات المصرفية ونقص النقد والوقود، ما يعيد إنتاج الأزمة الإنسانية التي برزت في الحرب السابقة.

ثانيًا: مواقف الأطراف الداخلية

الحكومة الفيدرالية:

تنظر الحكومة الفيدرالية إلى المواجهة باعتبارها تحديًا مباشرًا لاحتكار الدولة للسلاح ولسلطتها الدستورية، وليس مجرد خلاف إقليمي. وتعتبر السيطرة على المطارات والتحالف العابر للأقاليم ومحاولة فتح جبهات في عفار وأمهرة دليلاً على انتقال جبهة تحرير تغراي (TPLF) من التفاوض حول تنفيذ بريتوريا إلى محاولة تغيير النظام السياسي بالقوة. ومن هنا تعمل على احتواء تغراي عسكريًّا، وضرب خطوط التواصل بين فصائل التحالف، ومنع وصول المعارك إلى الممر التجاري مع جيبوتي. كما تستفيد سياسيًّا من الموقفين الأمريكي والإماراتي اللذين حمَّلا قيادة جبهة تحرير تغراي مسؤولية التصعيد الأخير بدرجات مختلفة.

لكن الحرب تفرض على الحكومة مشكلة “تعدد الجبهات”، فهي تقاتل فانو في أمهرة منذ 2023م، وتواجه جيش تحرير أورومو، ثم تعود الآن إلى مواجهة تيغراي وعفار، بالتزامن مع التوتر مع إريتريا والسودان. ومِن ثمَّ فإن الهدف الحكومي الأساسي هو منع توحد هذه الجبهات؛ أما الخطر الأكبر فهو نجاح المعارضة في تحويلها إلى جبهة وطنية واحدة تستنزف الجيش وتضع المراكز الاقتصادية وممر جيبوتي والعاصمة ضمن دائرة التهديد.

جبهة تحرير شعب تيغراي:

تعيش جبهة تحرير شعب تيغراي انقسامات داخلية حادة بين جناح متشدد يقوده دبرسيون جبري ميكائيل يصر على المواجهة، وأجنحة أخرى متمسكة بالتسوية مع أديس أبابا. موقفها الحالي تحوَّل إلى خيار “الحرب الدفاعية الهجومية” عبر التحالف مع الخصوم التاريخيين لكسر الطوق المفروض عليها. سوف تتأثر الجبهة سلبًا بتدمير إقليمها مجددًا، لكنها تسعى لتحقيق مكاسب تعيد لها مكانتها السياسية. ومن هذه الزاوية كانت السيطرة على المطارات والانفتاح على عفار وربط نفسها بفانو وأورومو.

الجبهة تدخل الحرب الجديدة في وضع داخلي أضعف مما كانت عليه عام 2020م. فقد انقسمت تيغراي سياسيًّا، وانشق قادة عسكريون وشكَّل بعضهم قوة سلام تيغراي المتحالفة مع الحكومة الفيدرالية، كما ظهرت انتقادات للتجنيد القسري ولتدهور الاقتصاد. وفي 24 سبتمبر أفادت رويترز باحتجاز أربعة قادة عسكريين مخضرمين أبدوا تحفظات تجاه الحرب، بينهم تاديسي وردي. ولذلك تعوض الجبهة نقص التماسك الداخلي بتوسيع شبكة حلفائها، لكنها تصبح في المقابل أكثر اعتمادًا على تحالفات قد لا تستمر.

تحالف المعارضة المسلحة:

تحالف موسع يضم نحو 7 حركات مسلحة (منها فانو في أمهرة، وجبهة تحرير أورومو، وأفار، وأوغادين). وموقف هذه الحركات موحد ظاهريًّا حول إسقاط نظام أبي أحمد وإنهاء الهيمنة القومية الأحادية. يتأثر التحالف سلبًا بتعارض الأجندات والأيديولوجيات بين مكوناته، لكنه يرى في الضغط العسكري المشترك فرصة تاريخية لتغيير معادلة الحكم في البلاد.

بالنسبة إلى فانو، يوفر التحالف وسيلة لاستنزاف الحكومة التي تخوض الحركة ضدها تمردًا مفتوحًا منذ 2023م؛ فكل قوة تُسحب من أمهرة إلى تيغراي أو عفار تخفف الضغط عنها. لكن علاقتها بجبهة تحرير تيغراي مؤقتة، إذ يتنازع الطرفان السيادة على أجزاء من غرب وجنوب تيغراي، وهي أراضٍ تعتبرها قوى أمهرية جزءًا تاريخيًّا من أمهرة.

أما جيش تحرير أورومو (OLA) فيستفيد من تحويل تمرده من صراع محلي إلى جزء من جبهة وطنية ضد الحكومة الفيدرالية، بما يمنحه ثقلاً تفاوضيًّا أكبر. ومع ذلك لم تكن هناك، في الأيام الأولى من الحرب، أدلة مماثلة لحجم التنسيق الميداني الذي ظهر بين تيغراي وفانو وعناصر عفار. كذلك لدى أورومو خلافات مع فانو بشأن الأرض والهويات المحلية.

ثالثًا: مواقف الأطراف الخارجية

الاتحاد الإفريقي والإيجاد:

يتعامل الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيجاد (الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا) مع اتفاق بريتوريا باعتباره الإطار القانوني والسياسي الذي ينبغي العودة إليه. ففي 23 سبتمبر طالب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي بضبط النفس وخفض التصعيد، وانتقد السيطرة على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري واحتجاز أفراد يتبعون الحكومة الفيدرالية، مع الدعوة إلى محادثات مباشرة. واتخذت الإيجاد موقفًا مماثلًا وطالبت دول الجوار بالامتناع عن أي خطوات تغذي الحرب. ويعكس هذا الموقف مصلحة واضحة، فانهيار بريتوريا يعني فشل أهم عملية وساطة إفريقية في السنوات الأخيرة ويهدد بدمج أزمات إثيوبيا والسودان والبحر الأحمر في منظومة صراع واحدة.

إريتريا:

تمثل إريتريا العامل الخارجي الأكثر حساسية، فقد كانت حليفًا عسكريًّا لأبي أحمد ضد تيغراي في حرب 2020-2022م، لكنها انتقلت تدريجيًّا إلى علاقة عدائية مع أديس أبابا بعد استبعادها من ترتيبات بريتوريا، ثم بسبب حديث الحكومة الإثيوبية المتكرر عن ضرورة الوصول إلى البحر الأحمر عن طريق الأراضي الإريترية، وخصوصًا ميناء عصب. واتهم قائد الجيش الإثيوبي إريتريا بتمويل ودعم المعارضة، كما اتهم مسؤول في عفار قوات إريترية بدخول الإقليم، لكن إريتريا نفت دعم الجماعات المسلحة واتهمت إثيوبيا بمحاولة تحميلها مسؤولية أزمتها الداخلية.

استراتيجيًّا، يمكن لإريتريا أن ترى في إضعاف قدرة أديس أبابا العسكرية وسيلة لتقليل أي ضغط مستقبلي يتعلق بميناء عصب، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بإحياء جبهة تيغراي، خصمها التاريخي، وبالانجرار إلى حرب إثيوبية-إريترية مباشرة. لذلك علاقتها بالقوى المعارضة أقرب إلى توافق مؤقت ضد خصم مشترك.

السودان:

رفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية للسودان بدعم المعارضة، ووصفها بأنها بلا أساس، ثم اتهم إثيوبيا في المقابل بتسهيل دعم ميليشيات الدعم السريع. وبذلك أصبحت الحرب الإثيوبية متداخلة بصورة متزايدة مع الحرب السودانية؛ إذ توجد عناصر تيغرانية على الجانب السوداني، بينما تنظر الخرطوم بعين القلق إلى أي دعم قد يصل إلى ميليشيا الدعم السريع عبر الأراضي الإثيوبية.

قد يمنح ضعف أديس أبابا السودان هامشًا أكبر في ملفات الحدود والأمن، لكنه يحمل مخاطر أكبر تتمثل في فتح جبهة جديدة في وقت ما زالت تخوض فيه حربها الداخلية، وخلق موجات نزوح وتهريب سلاح، وتحويل شرق السودان إلى منطقة خلفية للصراعات المتبادلة.

مصر:

اتهم رئيس الأركان الإثيوبي مصر ضمن القوى التي قال إنها تدعم المعارضة، لكن القاهرة رفضت الاتهامات مؤكدة احترامها سيادة ووحدة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وتتزامن الأزمة مع استمرار الخلاف المصري-الإثيوبي بشأن مياه النيل وسد النهضة، ما يجعل أي تصعيد داخلي في إثيوبيا يُقرأ ضمن بيئة تنافس إقليمي أوسع، من دون وجود دليل علني يثبت مشاركة مصر عسكريًّا في الحرب الحالية.

وتمثل التصعيد الأبرز بين البلدين في تبادل طرد الدبلوماسيين، حيث طلبت إثيوبيا من أحد أعضاء السفارة المصرية مغادرة أديس أبابا خلال 48 ساعة، ورَدَّت مصر بالمثل، حيث طلبت من مستشار السفارة الإثيوبية مغادرة القاهرة خلال 48 ساعة.

ومن منظور المصالح، يمكن لتراجع قدرة إثيوبيا على توظيف ثقلها الإقليمي أن يمنح القاهرة أوراقًا دبلوماسية إضافية.

الولايات المتحدة والصين والخليج

اتخذت واشنطن موقفًا أكثر وضوحًا تجاه التصعيد، إذ قال السفير الأمريكي إرفين ماسينغا في 23 سبتمبر إن قيادة تيغراي اختارت شن هجوم واسع بدل الحوار، وحذَّر من إمكانية فرض عقوبات إضافية، مع التمسك بوساطة الاتحاد الإفريقي. والهدف الأمريكي الرئيس منع إعادة إنتاج حرب 2020-2022م ومنع تداخلها مع السودان والبحر الأحمر.

أما الصين فترتبط بأديس أبابا بشراكة استراتيجية، وهي أكبر شريك تجاري ومصدر رئيس للاستثمار والمقاولات، ومِن ثمَّ فإن استقرار الدولة والممرات التجارية والبنية التحتية يمثل مصلحة صينية مباشرة؛ وقد أكدت بكين خلال 2026م دعمها “للتنمية المستقرة” في إثيوبيا والتعاون للحفاظ على السلام الإقليمي.

وخليجيًّا، فلا توجد سياسة واحدة لجميع الدول الخليجية. الإمارات اتخذت الموقف الأكثر وضوحًا، إذ أدانت هجمات جبهة تيغراي وتحالف المعارضة وأعلنت تضامنها مع الحكومة الإثيوبية ورفض تغيير النظام الدستوري بالقوة؛ وهو موقف ينسجم مع الشراكة الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية الوثيقة بين أبوظبي وأديس أبابا. واتخذت قطر موقفًا قريبًا في التأكيد على وحدة وسيادة الدولة ورفض التصعيد ضد القوات الفيدرالية، مع تشديد أكبر على الحوار. أما السعودية فلم يظهر حتى 1 أكتوبر موقف علني مماثل في الوضوح، بينما تظل أولويتها استقرار البحر الأحمر ومنع توسيع عسكرة الإقليم.

الخلاصة والسيناريوهات المستقبلية

تكشف الأزمة الراهنة عن تحوُّل نوعي في طبيعة الصراع الإثيوبي. ففي حرب 2020م، كان الانقسام واضحًا بين حكومة اتحادية مدعومة من (إريتريا وقوى أمهرة) في مواجهة جبهة تيغراي المعزولة؛ أما في 2026م، فقد تبدلت التحالفات: إريتريا أصبحت على خصومة مع أديس أبابا، وفانو التي قاتلت جبهة تيغراي باتت تتعاون معها، وأضيفت أورومو وفصائل عفار وغيرها إلى معسكر واسع هدفه المعلن إنهاء حكم أبي أحمد. وفي المقابل ما زالت الحكومة تمتلك الجيش النظامي الأكبر والتفوق الجوي والمُسيَّرات ومؤسسات الدولة واعترافًا خارجيًّا واسعًا. لذلك فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمَن يسيطر على ميكيلي أو ألاماتا، وإنما بما إذا كان يمكن للمعارضة العمل بتكامل عسكري وسياسي ومدى قدرتها على استدامة ذلك.

السيناريو الأول: (احتواء التصعيد والعودة إلى تسوية معدلة لبريتوريا)

 يقوم السيناريو الأول على توقف الهجمات الكبرى واستئناف وساطة الاتحاد الإفريقي، مع معالجة ملفات الأراضي والنازحين ووضع جبهة تيغراي ونزع السلاح بصورة محددة وعملية. ومن مؤشرات هذا المسار إعادة فتح المطارات والطرق والاتصالات، وعودة المراقبين، وانخفاض الضربات بالطائرات المُسيَّرة. وهذا السيناريو لا يعيد الوضع إلى ما قبل سبتمبر؛ لأن التحالفات الجديدة أوجدت واقعًا سياسيًّا يتجاوز ملف تيغراي وحده.

السيناريو الثاني: (حرب إثيوبية متعددة الجبهات)

يتحقق هذا السيناريو إذا توسعت عمليات فانو وأورومو بالتزامن مع جبهتي تيغراي وعفار، وإذا أثبت تحالف المعارضة امتلاكه قدرة فعلية على استخدام المُسيَّرات بعيدًا عن خطوط الجبهة. وفي هذه الحالة تصبح المشكلة الرئيسة أمام الحكومة هي توزيع القوات بين الشمال وأمهرة وأوروميا وحماية أديس أبابا والممر التجاري إلى جيبوتي. وأخطر مؤشرات هذا المسار هي وصول القتال إلى نقاط أقرب إلى العاصمة، وتصاعد هجمات الطائرات المُسيّّرة على القواعد الجوية والمطارات.

السيناريو الثالث: (تدويل الحرب)

ويظهر هذا السيناريو إذا تحولت الاتهامات المتبادلة مع إريتريا إلى اشتباكات مباشرة، أو أصبحت الحدود السودانية قناة ثابتة لنقل المقاتلين والسلاح، أو دخلت المنافسة المصرية-الإثيوبية بصورة أكثر مباشرة في حسابات الصراع. وسوف يحوِّل ذلك الحرب من أزمة داخلية إلى صراع إقليمي يعيد تشكيل توازن القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مع ارتباطها بالحرب السودانية وأمن الممرات البحرية.

السيناريو الرابع: (تفكك تحالف المعارضة)

فالتناقض بين جبهة تيغراي وفانو حول غرب وجنوب تيغراي، وبين فانو وأورومو حول قضايا الأرض والهوية، والانقسامات داخل تيغراي نفسها، يمكن أن يمنع إنشاء قيادة عسكرية وسياسية موحدة. وفي هذه الحالة قد تنجح الحكومة في منع إسقاط النظام دون أن تنجح في إنهاء الحروب الإقليمية، لتعود إثيوبيا إلى نمط أكثر استنزافًا: دولة مركزية باقية لكنها تقاتل عدة تمردات في آن واحد.

السيناريو المرجح:

السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير هو “استمرار حرب استنزاف متعددة الجبهات دون حسم سريع لأي طرف”.

 ويعود ذلك إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في تيغراي وحدها وامتدت لجبهات أمهرة وعفار وأوروميا، ما يفرض على الحكومة الفيدرالية توزيع قواتها على أكثر من مسرح عمليات، ويمنح فانو وجيش تحرير أورومو وقوات تيغراي فرصة لزيادة الضغط على أديس أبابا.

ومع ذلك، لا تبدو المعارضة حتى الآن قادرة على تحقيق تقدم كبير أو حسم المعركة. فالحكومة ما تزال تحتفظ بالتفوق في مجال المقاتلات والطائرات المُسيَّرة، وبقدرة أكبر على تحريك القوات واستخدام مؤسسات الدولة، كما أظهرت قدرتها على استعادة بعض المواقع بعد التقدم الأولي لقوات تيغراي. في المقابل، يعاني تحالف المعارضة من تناقضات داخلية، خاصة بين تيغراي وفانو بشأن الأراضي، وبين القوى الأمهرية وأورومو حول قضايا الهوية وشكل النظام الفيدرالي.

كما أن تحوُّل الحرب إلى صراع إقليمي شامل لا يزال أقل ترجيحًا؛ إذ لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة على تدخل عسكري مباشر من إريتريا أو السودان أو مصر، رغم استمرار الاتهامات المتبادلة.

لذلك، فإن المسار الأقرب هو “استمرار القتال على عدة جبهات مع بقاء الحكومة المركزية قادرة على الصمود، ولكن عاجزة عن حسم المعركة”. وإذا فشل تحالف المعارضة في الحفاظ على تنسيقه، فقد تتحول الأزمة لاحقًا إلى نمط طويل من التمردات الإقليمية المتفرقة بدلًا من جبهة موحدة قادرة على إسقاط الحكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى