ترجمات

مودرن دبلوماسي: دور مصر في طريق الحرير العسكري الصيني – قواعد الإمارات والاستراتيجية المشتركة

في الخامس عشر من مايو، نشرت “مودرن دبلوماسي” Modern Diplomacy – وهي منصةً إلكترونية مهمّة تُعنى بتقييم وتحليل القضايا الدولية المعقدة التي غالبًا ما تقع خارج نطاق وسائل الإعلام الغربية السائدة والأوساط الأكاديمية – نشرت مقالًا بعنوان: “دور مصر في طريق الحرير العسكري الصيني: قواعد الإمارات العربية المتحدة والاستراتيجية المشتركة” لـ “د. نادية حلمي” ، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة بني سويف، والخبيرة في السياسة الصينية، والعلاقات الصينية الإسرائيلية، والشؤون الآسيوية، والباحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط (CMES) بجامعة لوند، السويد، كمديرة لوحدة دراسات جنوب وشرق آسيا.

تقول الباحثة إن “الصين تشجع وجودًا عسكريًا مصريًا في دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك اعتبارًا من شهر مايو 2026م بهدف حماية المصالح الاستراتيجية لدولة الإمارات كبديل إقليمي للردع الأمريكي”. حيث تعتقد بكين أن القوات العسكرية المصرية والإماراتية المنسقة معًا يمكن أن تشكل ضامنًا أمنيًا إقليميًا، مما يقلل الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي التقليدي ويسهل النفوذ الاقتصادي والعسكري للصين في منطقة الخليج خاصة والشرق الأوسط بشكل عام.

وتتوقع الباحثة أن التحالف المحتمل بين مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الصين الشعبية قد يتحول من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى التكامل العملياتي. حيث ستقوم مصر ودولة الإمارات بتوفير المجال والشرعية لحماية المصالح الصينية مقابل الحصول على تكنولوجيا عسكرية متطورة ودعم سياسي واقتصادي صيني. ومن شأن هذا التحالف المحتمل للدول الثلاث أن يغير المشهد الأمني جذريًا في المنطقة، والذي طالما هيمنت عليه واشنطن لفترة طويلة في دولة الإمارات ومنطقة الخليج والشرق الأوسط عمومًا.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته مودرن دبلوماسي، المنصة الإلكترونية المتخصصة في تقديم تحليلات نوعية محايدة وغير متحيزة في صورة تعليقات سياسية، ودراسات سياساتية، ومقابلات معمَّقة، وتقارير وبحوث خاصة، للدكتورة نادية حلمي، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة بني سويف، والخبيرة في السياسة الصينية، وذلك على النحو التالي:

دور مصر في طريق الحرير العسكري الصيني

قواعد الإمارات والاستراتيجية المشتركة

تشجع جمهورية الصين الشعبية وجودًا عسكريًا مصريًا في دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك مع حلول شهر مايو من عام 2026م من أجل حماية المصالح الاستراتيجية لدولة الإمارات كبديل إقليمي للردع الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية. وتعتقد بكين أن القوات العسكرية المصرية والإماراتية المنسقة معًا قادرة على تشكيل ضمانة أمنية إقليمية، مما يقلل الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي التقليدي ويسهل النفوذ الاقتصادي والعسكري الصيني في منطقة الخليج، والشرق الأوسط عامة.

واستنادًا إلى التطورات الاستراتيجية الراهنة في المنطقة في أعقاب الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يشهد الشرق الأوسط ومنطقة الخليج ودولة الإمارات ومصر عملية إعادة تشكيل للتحالفات العسكرية بدعم من جمهورية الصين الشعبية. حيث تلعب الشراكة المصرية الإماراتية الصينية دورًا محوريًا في هذا التعاون العسكري المتنامي.

ويعتمد توسع الصين، القائم على مبادرة طريق الحرير العسكري (أو استراتيجيتها لحماية مصالحها الخارجية)، على شركاء إقليميين موثوقين. حيث تُعتبر مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة ركيزتين أساسيتين لهذا التوسع، لا سيما في ظل تزايد شكوك دولة الإمارات وكذلك بقية دول الخليج بشأن الاعتماد كليًا على الوجود الأمريكي وقواعده العسكرية في منطقة الخليج، خاصة في أعقاب الحرب مع إيران.

وفي هذا السياق، تُحلل أجهزة الاستخبارات الصينية انتشار القوات المصرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال تحليلات أجرتها أجهزة الجيش الصيني والاستخبارات التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني. حيث يُعزى وجود القوات المصرية، بما فيها طائرات رافال المقاتلة فرنسية الصنع، إلى التواجد العسكري المصري الاستشاري والأمني ​​في دولة الإمارات، لا سيما بعد تقارير صدرت في مايو 2026م والتي أفادت بتمركز طائرات عسكرية مصرية هناك. وتعتبر الصين هذا التواجد العسكري المصري في الإمارات جزءًا من دعم مبادرة “طريق الحرير الجديد” العسكرية الصينية، بهدف تأمين مصالحها الخارجية.

كما تعتقد الصين أن هذا التواجد يُعزز أمن الطرق البحرية والجوية الصينية الممتدة من جيبوتي (قاعدة الصين على البحر الأحمر) إلى الخليج العربي. وتُفضل الصين أيضًا التعامل مع الدول ذات الاستقرار الاستراتيجي، كمصر والإمارات، بدلًا من الدخول في تحالفات عشوائية أو مناطق توتر عالية المخاطر.

ولذلك، تُشجع الصين الدخول في شراكات عسكرية جديدة مع مصر والإمارات، كما تُعزز نفوذها العسكري (تجاه مصر)، كما يتضح من مناورات “نسور الحضارة” العسكرية المشتركة التي تمت بين مصر والصين. وتعتبر الصين هذه التدريبات الجوية مع مصر فرصة لدمج الطائرات الصينية، مثل (J-10C)، مع الأنظمة الغربية والروسية الحالية في مصر، وبالتالي تعزيز قدرات كلا الجانبين.

الوجود العسكري الصيني في الإمارات

جدير بالذكر هنا أن الوجود العسكري الصيني في دولة الإمارات العربية المتحدة ليس تطورًا جرى حديثًا في أعقاب الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م)، بل إن الصين كانت تستعد لهذا الوجود قبل ذلك بسنوات عديدة.

وتشير تقارير استخباراتية أمريكية مسربة، انتشرت مطلع عام 2026م، إلى تزايد النشاط العسكري الصيني داخل دولة الإمارات، مما يعكس استراتيجية بكين لتوسيع نفوذها في منطقة الخليج العربي. وقد تم تحليل هذا الحشد العسكري الصيني (الذي تراقبه الولايات المتحدة) في الإمارات كجزء من جهود أوسع نطاقًا لتأمين المصالح الاقتصادية الصينية وخطوط إمداد الطاقة، وليكون بمثابة بديل استراتيجي للنفوذ الغربي والأمريكي، وحجر الزاوية في مبادرة الحزام والطريق العسكرية الصينية الجديدة.

ووفقًا للتقييمات التي جرت حتى عام 2026م، فإن أبرز مواقع الانتشار العسكري الصيني، وتحديدًا مواقع جيش التحرير الشعبي الصيني، في دولة الإمارات تتركز في مدينة زايد العسكرية (بإمارة أبوظبي). وتم تقييم الوجود الصيني بناءً على وجود عناصر من جيش التحرير الشعبي الصيني داخل هذه القاعدة منذ عام 2020م.

كما لوحظ وجود أفراد صينيين يقومون بتشغيل طائرات بدون طيار وأنظمة دفاع صاروخي باليستي في مواقع عسكرية إماراتية داخلية، والتي تُحيط بها السرية بشكل تام. وعلى أرض الواقع، تم منع مسؤولين أمريكيين من دخول أجزاء من مدينة زايد العسكرية، مما أثار مخاوف جديّة بشأن طبيعة الأنشطة العسكرية والاستخباراتية الصينية هناك.

ولوحظ أيضًا تزايد الوجود العسكري الصيني في ميناء خليفة (بإمارة أبوظبي)، حيث أعلنت الصين عن وجودها هناك لتنفيذ أعمال بناء وإنشاءات. وقد سرّبت الولايات المتحدة هذا الخبر، معلنةً اكتشاف معدات تجسس في موقع بناء يُشتبه في أنه موقع صيني في ميناء خليفة (أبوظبي).

وعلى إثر ذلك، توقف العمل الصيني في الموقع مؤقتًا عام 2021م بعد ضغوط مارستها الولايات المتحدة الأمريكية على الإمارات، ولكن لوحظت لاحقًا أنشطة لاستئناف أعمال البناء الصينية داخل الميناء الإماراتي.

ويُنظر إلى الغرض من وراء هذا الوجود الصيني الكبير في الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا في الموانئ الإماراتية، على أنه جزء من خطة بكين لإنشاء شبكة لوجستية عسكرية عالمية. وقد تُوِّجت هذه الخطة بإجراء مناورات “درع الصقر – 2025” (من 9 إلى 22 ديسمبر 2025م) بين الصين والإمارات العربية المتحدة، في إطار تعاونهما الجوي المشترك.

وقد مثّلت هذه المناورات الجوية المشتركة، “درع الصقر – 2025″، علامة فارقة في التعاون العسكري الصيني الإماراتي، حيث نشرت الصين طائرات مقاتلة من طراز J-10، وطائرات إنذار مبكر، ومعدات تزويد بالوقود جوًا في دولة الإمارات العربية المتحدة في شهر ديسمبر من عام 2025م.

ويشير تحليل استراتيجي للأهداف العسكرية والاستخباراتية التي تستهدفها جمهورية الصين الشعبية داخل الإمارات العربية المتحدة إلى أنها تهدف بالأساس إلى حماية مبادرة الحزام والطريق الصينية وتأمين بنيتها التحتية العسكرية لطريق الحرير الجديد.

وتسعى هذه الاستراتيجية إلى حماية استثمارات الصين التجارية الضخمة ومواردها من الطاقة في منطقة الخليج من خلال إنشاء قواعد لوجستية، لا سيما في دولة الإمارات. وبالإضافة إلى ذلك، يعمل هذا الوجود العسكري الصيني في دولة الإمارات على تسهيل جمع المعلومات الاستخباراتية من خلال تواجد الصين بالمنطقة.

وتخشى الولايات المتحدة من أن يستخدم الجيش الصيني هذه المواقع داخل دولة الإمارات ودول خليجية أخرى لجمع معلومات عن القوات الأمريكية المتمركزة في قاعدة الظفرة الجوية القريبة، مما يُضعف النفوذ الأمريكي بالمنطقة لصالح الصين.

وبالتالي، تسعى بكين جاهدةً لتعزيز نفوذها في الخليج كبديل استراتيجي لتقليل الاعتماد الإقليمي على واشنطن (أو بالأحرى على الحماية التي كان يُعوّل على الولايات المتحدة بأن توفرها لدول الخليج ضد أي خطر خارجي، كالتهديد الذي تمثله إيران، على سبيل المثال).

ويتحقق ذلك من خلال التدريب على استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تطورها صينية. وقد نُقلت التكنولوجيا الصين، عبر شركات مثل G42، لتحسين أنظمة توجيه الصواريخ الصينية. ويشير هذا إلى تعاون أمني وتكنولوجي صيني عميق مع دولة الإمارات ردًا على النفوذ الأمريكي المتزايد في المنطقة.

لذلك، كان الرد الذي قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة على هذه الاتهامات الأمريكية بشأن تزايد الوجود العسكري الصيني داخل أراضيها هو نفي وجود أي اتفاقيات لاستضافة قواعد عسكرية صينية بشكل دائم. وأكدت دولة الإمارات أن هذا التعاون يندرج ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية بين جمهورية الصين الشعبية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

ومع ذلك، تواجه دولة الإمارات معضلة صعبة تتمثل في كيفية الموازنة بين حليفها الأمني ​​التقليدي (الولايات المتحدة الأمريكية) وشريكها الاقتصادي الأكبر (جمهورية الصين الشعبية).

ونتيجة لذلك، تواصل الولايات المتحدة مراقبة الأنشطة الصينية داخل الإمارات بقلق بالغ، وتضغط على أبوظبي للحد من هذا التقارب مع الصين، معتبرةً إياه تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية في الخليج والمنطقة بأسرها.

ماذا عن مصر؟

يمكننا هنا تحليل الطرق التي قد تستفيد بها مصر من وجود القواعد العسكرية الصينية والأنشطة العسكرية الصينية في دولة الإمارات العربية المتحدة. حيث تسعى مصر، من خلال هذا التقارب مع الصين، إلى تحقيق أهداف استراتيجية عديدة، منها: تنويع مصادر التسلح، حيث تُوفر الصين بديلًا استراتيجيًا لمصر (عن الغرب والولايات المتحدة)، لا سيما مع التقارير التي تُفيد بتعاقد مصر على طائرات WJ-700 الصينية بدون طيار، واهتمامها بطائرات J-10C/J-35، ومفاوضاتها مع الصين بشأن غواصات من فئة “يوان”.

كما يُمكن للجيش المصري الحصول على تكنولوجيا دفاعية متقدمة من خلال نشر قواته العسكرية في دولة الإمارات، وتفعيل الاتفاقيات المصرية الصينية، وخاصة مع مجموعة “القلعة – رد فلاج” الإماراتية الصينية، لتوطين الصناعات الدفاعية في مصر، وتعزيز الردع في منطقة شرق المتوسط ​​والبحر الأحمر، وذلك عبر استخدام الجيش المصري لأنظمة الليزر الصينية المضادة للطائرات بدون طيار من طراز “سايلنت هانتر” (Silent Hunter) لحماية المنشآت الحيوية في كل من مصر ودولة الإمارات.

ويُمكن تفسير ذلك على أنه شراكة أمنية شاملة بين الدول الثلاث، مصر والصين والإمارات، تقوم (من جانب مصر) على استفادة القاهرة من الوجود الصيني في دولة الإمارات لتعزيز العمق الاستراتيجي لمصر في منطقة الخليج. وهذا كفيل بأن يعزز مكانتها كلاعب أمني رئيسي في المنطقة، بمساعدة الصين وجيش التحرير الشعبي، لمواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة.

وفي هذا السياق، فيمكن لهذه الشراكة الأمنية تحقيق تأمين النقاط الاستراتيجية لطريق الحرير العسكري الصيني الجديد بمساعدة مصرية إماراتية. وقد تم إنشاء هذا الطريق عبر خطوات عملية مشتركة بين الدول الثلاث (مصر والصين والإمارات)، والمعروفة بمحور جيبوتي-الإمارات-مصر. حيث تستخدم الصين قاعدتها العسكرية في جيبوتي كنقطة انطلاق، بينما تُشكّل دولة الإمارات مركزًا لوجستيًا متقدمًا للصين، وتقوم مصر بتأمين مصر البحر الأحمر من خلال قواعدها الجديدة. ومن شأن ذلك أيضًا أن يعزز التكامل الدفاعي بين مصر والصين والإمارات في السودان ومنطقة القرن الأفريقي.

ويشير تحليل قام به المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) عام 2026م إلى تشكيل تحالف عسكري رباعي يضم مصر والإمارات والصين وتركيا، لدعم القوات المسلحة السودانية. ومن شأن ذلك أن يضمن النفوذ الصيني في مناطق التوتر ويؤمن الساحل الغربي للبحر الأحمر، مما يؤدي إلى تبادل الخبرات العملياتية.

(ملحوظة: قد تكون الإشارة لهذا التحالف الرباعي هنا غير دقيقة حيث يتناول تحليل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS المشار إليه والمعنون “تشكيل تحالف رباعي جديد في الشرق الأوسط”، إعادة تنظيم إقليمي ودعمًا عسكريًا للقوات المسلحة السودانية، ولكنه يذكر مجموعة مختلفة تمامًا وهي: مصر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان، حيث لا تزال الإمارات ومصر منقسمتين بشدة بشأن دعمهما للأطراف المتحاربة في السودان. انتهى).

وقد جرت على سبيل المثال مناورات “نسور الحضارة – 2025” العسكرية المصرية الصينية المشتركة، التي نُفذت بين شهري إبريل ومايو 2025م، في قواعد مصرية مثل وادي أبو الريش، ما يُمثل تطبيقًا عمليًا لخطط الدفاع المصرية الصينية المشتركة.

وإلى جانب الدعم الصيني للجيش المصري، تُدرك الصين أهمية الجيش المصري كحصن منيع يمكن أن يكون عاملًا هامًا ضد تفتيت المنطقة. ولذلك، تُؤيد الصين بقوة تحديث البنية التحتية العسكرية المصرية، وتعتبر القواعد المصرية الجديدة ركيزة استراتيجية لحماية مصالحها.

واستنادًا إلى التحليل والفهم السابقين، يمكننا أن نرى كيف يمكن للتحالف بين مصر والإمارات والصين أن يتحول بحلول عام 2026م من مجرد تنسيق سياسي إلى تكامل عملياتي. حيث ستقوم كل من مصر والإمارات بتوفير المجال والشرعية لحماية المصالح الصينية مقابل الحصول على تكنولوجيا عسكرية متطورة ودعم سياسي واقتصادي من الصين. ومن شأن هذا التحالف أن يُغير المشهد الأمني ​​جذريًا، والذي هيمنت عليه واشنطن لفترة طويلة في الإمارات والخليج والشرق الأوسط عمومًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى