ترجمات

ذي ناشيونال إنتريست: هل مصر هي الخاسر الأكبر في الحرب الإيرانية؟

في الثامن عشر من مايو 2026م، نشرت مجلة “ذي ناشيونال إنتريست” (The National Interest)، وهي مجلة أمريكية نصف شهرية متخصصة في الشؤون الخارجية والسياسة الدولية أُسست عام 1985م؛ وتركز بشكل أساسي على قضايا الدفاع، الأمن القومي، الشؤون العسكرية، والسياسة الخارجية؛ وتعكس آراء ومواقف قريبة من تيار المحافظين الجدد – مقالًا بعنوان: “هل مصر هي الخاسر الأكبر في الحرب الإيرانية؟” للباحث والمسؤول الأمريكي السابق “ديفيد شينكر“.

وشينكر هو زميل أول في معهد واشنطن، وكان قد شغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى من عام 2019 إلى عام 2021م. وكان شينكر قد عمل أيضًا زميلًا في معهد واشنطن في برنامج أوفزين، ومديرًا لبرنامج بيث وديفيد جيدولد للسياسة العربية وذلك في الفترة من عام 2006 إلى عام 2019م، قبل انضمامه لاحقًا إلى وزارة الخارجية.

يقول شينكر إن الجنرال عبد الفتاح السيسي أصبح يعتمد بشكل كبير على التمويل الذي يحصل عليه من دول الخليج، وأن الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى انقطاع هذا التمويل. فقد قامت إيران والميليشيات التابعة لها بقصف جيرانها العرب بالصواريخ والطائرات المسيّرة طوال مدة سريان الحرب (حتى التوصل لاتفاق لاحقًا).

ويُضيف: “على الرغم من أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تشن أي هجوم (طوال فترة الحرب) على مصر التي تبعد 1,400 ميل عن خط المواجهة، لكن الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان لم تخرج سالمة مما يحدث في المنطقة جرّاء هذه الحرب الضروس. وقد تكون التكاليف طويلة الأمد للحرب بالنسبة لمصر أكبر بكثير من تلك التي تكبدتها الدول العربية المستهدفة بالقصف الإيراني أصلًا. ويقول شينكر إنه على الرغم من أن الحرب لم تنتهِ بعد (المقال نُشر في الثامن عشر من مايو)، إلا أنه من الواضح بالفعل أن مصر هي من أكبر الخاسرين فيها.”

ويُذكر أن الكاتب، ديفيد شينكر، كان قد عمل في مكتب وزير الدفاع كمدير لشؤون بلاد الشام، وهو أعلى مستشار سياسي في البنتاجون لشؤون الدول العربية في بلاد الشام، وذلك من عام 2002 إلى عام 2006م. وقبل انضمامه إلى الحكومة عام 2002م، كان شينكر يركز على قضايا الحكم العربي كباحث في معهد واشنطن، وعمل منسقًا للمشاريع لدى شركة متعاقدة مقرها بيثيسدا، مسؤولة عن برامج كبيرة ممولة مركزيًا من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مصر والأردن.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته مجلة “ذي ناشيونال إنتريست” الأمريكية، للباحث والمسؤول الأمريكي السابق “ديفيد شينكر“، وذلك على النحو التالي:

هل مصر هي الخاسر الأكبر في الحرب الإيرانية؟

طوال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قامت الجمهورية الإسلامية والميليشيات التابعة لها بقصف جيرانها العرب بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وعلى الرغم من أن إيران لم تشن أي هجوم من هذا القبيل على مصر، التي تبعد 1,400 ميل عن خط المواجهة، إلا أن الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان لم تخرج أبدًا سالمة من هذه الحرب. وقد تكون التكاليف طويلة الأمد المترتبة على مصر جراء هذه الحرب أكبر بكثير من تلك التي تكبدتها الدول العربية التي استهدفها القصف الإيراني. قد لا تكون الحرب قد انتهت بشكل كامل بعد، لكن من الواضح بالفعل أن مصر هي من أكبر الخاسرين فيها.

في الحقيقة، الخاسر الأكبر هو الاقتصاد المصري، الذي كان يعاني، حتى قبل الحرب، من ديون متراكمة نتيجة لسوء إدارة الجنرال عبد الفتاح السيسي وإفراطه في الإنفاق. وتتجاوز العملات الأجنبية اللازمة لسداد هذه الالتزامات حاليًا احتياطيات القاهرة من النقد الأجنبي. ومن أجل العمل على سد هذا العجز، تقوم مصر بإصدار سندات خزانة عالية العائد، إلا أن مليارات الدولارات من هذه الأموال الساخنة هربت خارج البلاد عندما بدأت الولايات المتحدة و إسرائيل قصف إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير. وستشكل خدمة فوائد سندات الخزانة وبقية ديون مصر الهائلة هذا العام 64% من الميزانية العامة المصرية السنوية. كما أن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة خلال الحرب يزيد من هذا العجز.

ولطالما اعتبر كثير من دول الخليج أن مصر هي “أكبر من أن تسقط” (أو أن تُترك لينهار اقتصادها). ولذلك، فمن أجل دعم اقتصادها الهش، قامت دول الخليج باستثمار مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة في مصر، واستحوذت على مساحات شاسعة من العقارات المطلة على الشواطئ البكر لمشاريع التطوير. وتمول دولة الإمارات العربية المتحدة وكذلك دولة قطر بشكل منفصل مشاريع بقيمة 35 مليار دولار و30 مليار دولار على التوالي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بينما تتطلع المملكة العربية السعودية إلى إقامة مشروعها الخاص بها على ساحل البحر الأحمر. وتشير التقارير إلى أن دولة الكويت تجري محادثات لتحويل 4 مليارات دولار من ودائعها لدى البنك المركزي المصري إلى استثمارات مباشرة أخرى.

وفي خضم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة و “إسرائيل” على إيران، بات هذا السخاء مهددًا الآن. وقد أدان نظام السيسي الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي ودعا إلى خفض التصعيد، لكن عواصم الخليج اعتبرت إدانات القاهرة شكلية وباهتة. والأسوأ من ذلك، أن بعض التعليقات التي تم بثها على التلفزيون المصري الرسمي والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي من شبكة الإنترنت المصرية، الذي يخضع عادةً لرقابة مشددة، أظهرت نبرة شماتة (فيما تتعرض له دول الخليج). ومن بين هذه التعليقات، منشور انتشر على نطاق واسع على موقع إكس، تويتر سابقًا، لوزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، والذي بدا فيه وكأنه يعرب عن أسفه لأن (تداعيات) هذه الحرب قد تفيد إسرائيل في تعزيز مكانتها الإقليمية، “دون إظهار أي اكتراث بالتهديد الذي تشكله إيران”.

وبعد سنوات من الدعم الذي قدمته دول الخليج لمصر، كانت هذه الدول، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، تتوقع المزيد من جانب القاهرة. فخلال حملته الانتخابية عام 2014م، صرّح السيسي قائلًا: “إذا تعرّضت أي دولة عربية للتهديد، فسنكون نحن موجودين هناك، فقط مسافة السكة”. وفي عام 2018م، أعلن مجددًا أن بلاده ستحشد قواتها إذا تعرّض أمن الخليج لتهديد مباشر. ولكن بعد أسابيع من اندلاع الحرب الحالية، كرّر السيسي، ولكن بفتور (هذه المرّة)، التزامه “بتقديم جميع أشكال الدعم اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار” دول الخليج. ولكنه لم يُقدّم أي دعم فعلي لهم.

وكانت انتقادات دولة الإمارات العربية المتحدة – الهدف العربي الأبرز للقصف الإيراني – لمصر لاذعة بشكل خاص. ففي خضم القصف المتواصل من جانب إيران، تساءل أنور قرقاش، عميد السلك الدبلوماسي الإماراتي: “أين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟ أين أنتم اليوم في أوقات الشدة؟”

وقد بدت همهمات مصر سيئة بشكل خاص عند مقارنتها بالدعم القادم من الدول الأخرى التي نشرت قواتها وأصولها بسرعة للمساعدة في الدفاع عن الخليج والدول العربية الأخرى عندما شنت إيران هجماتها. فقد أرسلت المملكة المتحدة طائرات يوروفايتر إلى دولة قطر من أجل تعزيز سرب مشترك متمركز في الجزيرة العربية. ونشرت فرنسا طائرات رافال في دولة الإمارات العربية المتحدة للمساعدة في مواجهة الطائرات بدون طيار الإيرانية، كما أرسلت مجموعة هجومية بحرية إلى البحر الأبيض المتوسط ​​لحماية الأردن. كما أرسلت أستراليا، وكذلك إيطاليا، أصولًا بحرية و معدات دفاع جوي إلى المنطقة. والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن “إسرائيل” نفسها قامت للمرة الأولى بوضع نظام قبة حديدية تديره قوات إسرائيلية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقال مسؤول إماراتي كبير لموقع “أكسيوس”: “لن ننسى ذلك”، مضيفًا: “لقد كانت لحظة حقيقية لتفتح أعيننا. لنرى من هم أصدقاؤنا الحقيقيون”.

لم يتوقع إلا القليل من الناس أن تسارع مصر للدفاع عن الدول العربية التي تتعرض لهجوم إيراني. فعلى الرغم من أن مصر تمتلك أكبر جيش في العالم العربي، إلا أن قدراته ونطاق عملياته محدودان. ومع ذلك، ونظرًا لاعتماد مصر على دول الخليج (اقتصاديًا)، لم تكن توقعات الإمارات وغيرها من الدول بتقديم مصر لدعم مادي فوري في غير محلها. حيث تشير التقارير إلى أن القاهرة نشرت أخيرًا بعض أنظمة الدفاع الجوي لحماية حلفائها الخليجيين الرئيسيين في شهر أبريل.

قد يُؤدي تقاعس مصر خلال الحرب إلى تداعيات مالية طويلة الأمد. وعلى أقل تقدير، يبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تم استهدافها بنحو 3000 من أصل 7000 طائرة مسيرة وصاروخ أطلقتها إيران على دول الخليج، عازمة على معاقبة القاهرة على غيابها (عن المشهد). وكان انسحاب دولة الإمارات المفاجئ من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في 28 أبريل بمثابة رفض واضح للتكتل الاقتصادي العربي. ومن المرجح أن يُنذر هذا الانسحاب بتراجع التزام دولة الإمارات بدعم شبكة الأمان المالي لمصر.

قد تشعر المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وهما من أبرز داعمي عبد الفتاح السيسي، بالإحباط نفسه (الذي شعرت به الإمارات)، لكنهما ستكونان أقل ميلًا إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد مصر. فلطالما انحازت مصر إلى جانب السعوديين في خلافهم المستمر مع الإماراتيين. ومع ذلك، فستدفع مصر ثمنًا باهظًا (لمواقفها إبّان الحرب). فقبل الحرب الإيرانية، دفع بعض التراجع الاقتصادي المملكة العربية السعودية إلى تجميد أو تقليص العديد من المشاريع الضخمة في المملكة.

وفي أعقاب هذه الحرب، فإن انقطاع صادرات الطاقة ونفقات إعادة الإعمار المحلية قد ينعكس في أن يقوم السعوديون والقطريون بتقليص مساعداتهم واستثماراتهم الأجنبية. فعلى الرغم من أن لدى دول الخليج هذه تقليد طويل في إنقاذ مصر (من أزماتها الاقتصادية)، لكن أولويتها بعد الحرب ستكون بالتأكيد التركيزَ على الجبهة الداخلية. إن مراوغة السيسي في زمن الحرب ستكلف بلاده الكثير لسنوات قادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى