في الثاني عشر من إبريل 2026م، نشرت صحيفة “ذا جلوب آند ميل“، وهي من كبريات الصحف الكندية، إذ تُعدُّ الصحيفة الأكثر قراءةً في كندا، بعدد قراء يربو عن 6 ملايين قارئ أسبوعيًا، مقالًا بعنوان: “مصر بمثابة مؤشر إنذار مبكر لأزمة ديون عالمية” لـ “إريك ريجولي”، رئيس المكتب الأوروبي للصحيفة الكندية، ومقره في روما، إيطاليا.
يقول ريجولي إن كثيرًا من الاقتصاديين ووزراء المالية عبر العالم يراقبون الموقف في مصر عن كثب، حيث ينظرون إلى القاهرة على أنها بمثابة مؤشر خطر وإرهاص إنذار مبكر لأزمة ديون عالمية تلوح في الأفق.
فعلى الرغم من أن مصر، الدولة الواقعة في شمال إفريقيا التي يبلغ تعداد سكانها 120 مليون نسمة، لم تتعرض لهجمات إيرانية ولم تكن جزءًا من الحرب الدائرة في المنطقة، إلا أنها تعاني من تداعيات تقلبات الأسعار وتقلبات التجارة الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران.
ويضيف إريك ريجولي أنه في الثلاثين من مارس 2026م، أطلق الجنرال عبد الفتاح السيسي تصريحات إعلامية ناشد فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يوقف تلك الحرب، وذلك أثناء حضوره مؤتمرًا مصريًّا للطاقة عُقد في القاهرة، حيث بدت عباراته وتصريحاته تلك وكأنها نداء استجداء عاطفي من أجل إحلال السلام في المنطقة حتى تتمكن بلاده من تجنب تفاقم المعاناة الاقتصادية والمالية الكبيرة التي تعيشها بالفعل جراء تداعيات الحرب.
وفيما يلي يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية“ ترجمة كاملة للمقال الذي نشرته صحيفة “ذا جلوب آند ميل” لـ “إريك ريجولي”، رئيس المكتب الأوروبي للصحيفة الكندية، وذلك على النحو التالي:
مصر بمثابة مؤشر إنذار مبكر لأزمة ديون عالمية
لم يكن الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي مؤيدًا للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولم يكن أبدًا بحاجة إليها. وعندما ارتفعت أسعار النفط إلى 115 دولارًا للبرميل، أي ما يقارب ضعف سعرها في شهر ديسمبر 2025م، قام عمليًّا، في الثلاثين من مارس 2026م، بالتوسل إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيقاف طائراته الحربية (التي تحلق في أجواء طهران وتستهدفها بالقصف).
وقال السيسي في مؤتمر مصري للطاقة عُقد في القاهرة:
“أنا أقول للرئيس ترامب لن يستطيع أحد إيقاف الحرب في منطقتنا، في الخليج، إلا أنت، وأنا أكلمك باسم الإنسانية، وباسم كل محبي السلام، وأنت فخامة الرئيس من المحبين للسلام. أوجه لك رسالة مباشرة باسمي وباسم كل المنطقة وباسم كل العالم … من فضلك يا فخامة الرئيس، من فضلك، من فضلك، ساعدنا في إيقاف هذه الحرب وأنت قادر على ذلك”.
(جدير بالذكر أن تصريحات السيسي جاءت أثناء فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة “إيجبس 2026” في نسخته التاسعة، والتي انطلقت يوم الاثنين 30 مارس 2026 واستمرت حتى يوم الأربعاء 1 إبريل 2026م).
كانت هذه الصرخة من جانب السيد السيسي أمرًا غير معتاد بالنسبة له، وهو الذي يحرص دائمًا على الحديث في العلن (لعموم المصريين) بلهجة آمرة وإظهار سلوك متسلط، بل وغير مبالي (في معظم الأحيان). لكن في هذه الحالة، على وجه الخصوص، كانت تصريحاته (خاصة رسالته إلى ترامب) تبدو وكأنها نداء استجداء عاطفي من أجل إحلال السلام حتى تتمكن بلاده من تجنب (استفحال) المعاناة الاقتصادية والمالية (التي تعيشها) جراء الحرب.
ومن الجدير بالذكر، أن مصر تستورد من الطاقة أكثر مما تصدره. كما أنها مثقلة بالديون وتعاني من تضخم ذي خانتين (أي معدلات تضخم تجاوزت الـ 10%). كما أنه من شبه المؤكد أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيؤدي حتمًا إلى رفع معدلات التضخم والفائدة كذلك، مما يجعل سداد ديون مصر وغيرها من الدول النامية المقوَّمة بالدولار أكثر تكلفة.
ويراقب الاقتصاديون ووزراء المالية حول العالم مصر عن كثب، وينظرون إليها على أنها بمثابة مؤشر خطَر وإرهاص إنذار مبكر على أزمة ديون عالمية تلوح في الأفق. فعلى الرغم من أن مصر، ذات الاقتصاد الإقليمي الكبير، حيث يبلغ تعداد سكانها 120 مليون نسمة، لم تتعرض لهجمات من قِبل إيران، إلا أنها معرضة تمامًا لتداعيات تقلبات الأسعار والتجارة الناجمة عن تلك الحرب.
وقد بات من المعلوم الآن أن الأزمات المالية نادرًا ما تكون معزولة (عن الظروف المحيطة بها)، وأن العدوى المالية قد تنتشر وتستشري بسرعة كبيرة (انظر إلى الأضرار التي خلفتها أزمة الديون اليونانية عام 2010م على أوروبا). إن أزمة اقتصادية في بلد بحجم مصر لن تكون محصورة أو يمكن احتواؤها؛ بل إنها قد تنتشر بسرعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وما وراءه.

(زبائن في محطة وقود بالقاهرة في الأول من أبريل. حيث تستورد مصر طاقة أكثر مما تصدر. سيد حسن/ Getty Images)
وتُفسر هشاشة الوضع الاقتصادي والديون المتراكمة في مصر مساعيها لإنهاء الحرب التي لم يكن لها أبدًا أي دور في إشعالها. وبينما قادت باكستان محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، أشار محللون جيوسياسيون إلى أن القاهرة قد لعبت دورًا محوريًا من خلف الكواليس في صياغة اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم الأربعاء الموافق 8 إبريل 2026م، أي بعد يوم واحد من التحذير الذي أطلقه ترامب من أن “حضارة بأكملها ستنهار الليلة” ما لم تُعد إيران فتح مضيق هرمز.
ومن جهته، أشاد الجنرال عبد الفتاح السيسي بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقال في بيان له (نشره على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي): “…أدعو الله -عز وجل- أن يُكلل هذا التطور الإيجابي باتفاق دائم لوقف الحرب في المنطقة، واستعادة الأمن والاستقرار فيها، وتحقيق ما تتطلع إليه شعوبها من تنمية وتقدم وازدهار”.
وبحلول يوم الجمعة، 10 إبريل 2026م، كان وقف إطلاق النار يبدو هشًا. فقد رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إعلان باكستان بأن وقف إطلاق النار يشمل أيضًا وقف الهجمات الإسرائيلية على الجمهورية اللبنانية، وقال إنه سيواصل توجيه الضربات ضد حزب الله بالقوة، في إشارة إلى المقاتلين اللبنانيين المدعومين من إيران. ووصف وزير إيراني الضربات الإسرائيلية على لبنان بأنها “انتهاك خطير” (لوقف إطلاق النار).
وفي تلك الأثناء، ظل مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم، مغلقًا إلى حد كبير، كما استأنفت أسعار النفط مسارها التصاعدي بعد انخفاضها الحاد في وقت سابق من هذا الأسبوع. حيث بلغ سعر الخام البرنت، المعيار الدولي، 97 دولارًا أمريكيًّا للبرميل بحلول يوم الجمعة، 10 إبريل، مرتفعًا من أدنى مستوى له خلال الأسبوع عند 92 دولارًا أمريكيًا للبرميل الواحد.
وكان احتمال انهيار وقف إطلاق النار نبأً سيئًا بالنسبة لمصر ولعشرات الاقتصادات الناشئة الأخرى التي تعاني من ديون ضخمة بالعملات الأجنبية وعجز كبير في الميزانية ومعدلات تضخم مرتفعة. وتُعدّ الاقتصادات التي تعتمد على استيراد النفط والغاز من الخارج أكثر عرضةً للاضطرابات الاقتصادية المحتملة.
ومن المعروف أنه ليس لدى مصر هامش كافٍ لاستيعاب أي ضربة اقتصادية قاسية. حيث تشير الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي ومعهد التمويل الدولي إلى أن الدين الخارجي للبلاد وحده يبلغ حوالي 170 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.
وتشكل مدفوعات فوائد الدين أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي، بينما يُتوقع أن يبلغ عجز الموازنة لهذا العام 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن معدل التضخم يبلغ 13%، وأن البلاد تعاني من عجز كبير في الحساب الجاري (أي أنها مقترض صافي من دول أخرى)، حيث انخفضت قيمة عملتها المحلية (الجنيه المصري) بنحو النصف مقابل الدولار الأمريكي منذ عام 2023م.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة من شأنه أن يزيد من أعباء خدمة الدين في وقت تشهد فيه فواتير استيراد الطاقة في البلاد ارتفاعًا حادًا. وقد صرّحت الحكومة في مصر بأن تكاليف استيراد الطاقة ستصل إلى 2.5 مليار دولار أمريكي في شهر مارس، مقارنةً بـ 1.2 مليار دولار أمريكي في شهر يناير. وللحد من الطلب على الطاقة وترشيد الاستهلاك، فقد صدرت أوامر حكومية بإغلاق المتاجر والمطاعم بحلول الساعة التاسعة مساءً.

(بعض الناس وهم يمرونّ أمام متاجر أغلقت أبوابها مبكرًا امتثالًا لقرار الحظر الذي فرضته الحكومة في وسط القاهرة يوم 2 أبريل 2026. وكانت الحكومة المصرية قد أصدرت أوامر بإغلاق المتاجر والمطاعم والمراكز التجارية بحلول الساعة التاسعة مساءً، أملًا في خفض فواتير الطاقة التي تضاعفت أكثر من مرتين بسبب الحرب مع إيران: خالد دسوقي/وكالة فرانس برس/ Getty Images)
في الحقيقة، يلوح في الأفق سيناريو كارثي، بالنسبة لمصر وغيرها من الدول التي تعاني من أوضاع مالية هشة، وهو: تكرار أزمة الديون التي شهدها العالم أوائل ثمانينيات القرن الماضي، والتي نجمت عن ارتفاع أسعار النفط والزيادات السريعة في أسعار الفائدة بالولايات المتحدة الأمريكية لكبح جماح التضخم بعد اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979م. وكانت المكسيك وعشرات الدول الفقيرة والنامية قد عجزت تمامًا عن سداد ديونها المقوَّمة بالدولار عند نهاية عام 1982م.
وعلّق كريم عبادير، الخبير الاقتصادي المصري والأستاذ الفخري في الاقتصاد القياسي المالي في إمبريال كوليدج لندن والأستاذ الزائر المتميز في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، على ذلك قائلًا: “كان جانب الطلب في الاقتصاد العالمي يعاني من الضعف قبل الحرب بفترة طويلة”.
وأضاف: “والآن، هناك صدمة في العرض سيكون لحجمها ومدتها عواقب طويلة الأمد، لا سيما فيما يتعلق بالتضخم، ولكن أيضًا فيما يتعلق بدفع العالم إلى ركود اقتصادي، والذي سيبدأ بفقدان الوظائف”.
إن الحروب العسكرية اليوم هي حروب “محلية” أو إقليمية، أما الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل فهي “عالمية”. وبالتالي فإن فاتورة ذلك ستتحملها الدول الأقل قدرة على تحمل ذلك أصلًا.




