ترجمات

المجلس الأطلسي: مصر تراهن على تسييل الأراضي

في السابع من مايو 2026م، نشر “المجلس الأطلسي” (Atlantic Council) – وهو مؤسسة بحثية أمريكية غير حزبية مؤثرة في مجال الشؤون الدولية تأسست عام 1961 في واشنطن دي سي، وتدير عشرة مراكز إقليمية وبرامج وظيفية تتعلق بالأمن الدولي والازدهار الاقتصادي العالمي، وتعمل على “صياغة حلول للتحديات العالمية” – مقالًا بعنوان: “مصر تراهن على تسييل الأراضي” لـ “أمير أسمر“، وهو زميل أول غير مقيم في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط التابعة لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، وهو أيضًا أستاذ مساعد لشؤون الشرق الأوسط في جامعة الاستخبارات الوطنية، حيث شغل سابقًا منصبًا تنفيذيًّا رفيعًا ومحللًا لشؤون الشرق الأوسط والإرهاب في وزارة الدفاع الأمريكية.

يقول الباحث أمير أسمر إنه من المرجح أن يستمر لجوء مصر المتزايد إلى تسييل الأراضي، مما سيساعد في سد فجوات التمويل، بما في ذلك عجز الموازنة وضغوط ميزان المدفوعات؛ كما أن تسييل الأراضي يُتوقع أن يساهم في الحد من الاقتراض غير المستدام، وجلب العملات الأجنبية، وتطوير الأراضي غير المستغلة، واستقطاب الخبرات الإدارية، والمساعدة في استقرار العملة. ومع ذلك، فإن عائدات بيع الأراضي تُستخدم عادةً لتمويل الالتزامات الجارية ولا تُسهم بالضرورة في خفض الدين القائم إلا إذا خُصصت صراحةً لسداد الديون، وهو ما يتم التخطيط له بجزء فقط من الإيرادات المُتحصلة.

ويؤكد الباحث على أنه بالرغم من الدعم المؤقت للاقتصاد الذي يوفره رهان مصر على تسييل وبيع الأراضي، إلا أن الإصلاحات الأعمق هي فقط مفتاح انتعاش مصر على المدى الطويل. ويضيف بأنه على الرغم من النصائح التي قدمتها المنظمات الدولية لمصر، لم تنفذ الحكومة أي إصلاحات هيكلية تؤدي إلى تقليص عجز الموازنة، وخفض الدين، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتحسين مناخ الاستثمار، وغير ذلك من إجراءات ضبط مالي مستدامة وكافية، والتي من شأنها أن تُحفّز تحقيق نمو اقتصادي أسرع.

وفيما يلي يقدم منتدى الدراسات المستقبلية ترجمة كاملة للمقال الذي نشره “المجلس الأطلسي” (Atlantic Council) الأمريكي، لـ “أمير أسمر“، الزميل الأول غير المقيم في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط التابعة لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي ، وذلك على النحو التالي:

مصر تراهن على تسييل الأراضي

شهدت الديون المترتبة على مصر في السنوات الأخيرة ارتفاعًا حادًا. حيث بلغ الدين الخارجي للبلاد 163 مليار دولار أمريكي في شهر مارس لعام 2026م، مما يستلزم من الحكومة دفع فوائد على هذه الديون تُقدر بنحو 8 مليارات دولار أمريكي سنويًّا.

وبذلك تستنزف إدارة الدين جزءًا كبيرًا من موارد النقد الأجنبي والميزانية العامة، بينما تُقيّد قدرة الحكومة على تمويل المشاريع التنموية من خلال الاقتراض الجديد، لا سيما من المؤسسات الأجنبية.

ولطالما اعتمدت القاهرة على التمويل الخارجي كأداة أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال مزيج من المساعدات الخارجية، وشرائح صندوق النقد الدولي، وتجديد الديون.

وكانت مصر قد بدأت في السنوات الأخيرة بالتحول من المشاريع الممولة بالديون إلى استثمار الأراضي وتطويرها عبر شراكات صينية وعربية – كأداة للتخفيف من آثار تغير المناخ. وزادت الحكومة في مصر منذ عام 2015م من مساهمتها بالأراضي العامة كحصة في رأس المال، بينما يقدم المستثمرون الأجانب رأس المال والخبرة التنموية وتنفيذ المشاريع.

وبمجرد اكتمال المشروع، تُقسّم الإيرادات وفقًا لتقسيم متفق عليه مسبقًا. وقد حظي هذا النهج بتأييد ضمني من البنك الدولي عندما قامت مصر في عام 2023م بتعيين مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي كمستشار لها في برنامج تسييل الأصول، مستفيدةً من خبرتها في دعم الأسواق الناشئة.

ورغم تجربة تسييل الأراضي في أماكن أخرى، تُعدّ المشاريع التي يتم تنفيذها في مصر من بين الأكبر فيها. ولا شكّ في أنه يُرجى أن تحقق هذه المشاريع فوائد اقتصادية ملموسة. فعلى سبيل المثال، بدأت نسبة الدين العام المصري من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بالانخفاض، ومن المتوقع أن يستمر هذا الانخفاض في السنوات القادمة. ومع ذلك، من غير المرجح أن تُسهم مشاريع تسييل الأراضي، بمفردها، في إنعاش اقتصاد البلاد ووضعه على أسس متينة.

وضع اقتصادي مزري

من المعلوم أن ما يقارب 30 بالمئة من المصريين يعيشون تحت خط الفقر الوطني. ورغم أن معدل البطالة الرسمي كان معتدلًا في أواخر 2025م، حيث يبلغ ما يزيد قليلًا عن نسبة 6 بالمئة، إلا أن التوقعات لعام 2026م بشأن نسبة المشاركة في القوى العاملة، والتي تبلغ حوالي 43 بالمئة، تعد منخفضة للغاية.

وهذا يشير إلى أن البطالة الحقيقية قد تكون أعلى بكثير من تلك النسب المعلنة، إذ يبدو أن العديد من المصريين الراغبين في العمل قد يئسوا من البحث عن وظيفة. والحقيقة أن قياس معدل التوظيف في مصر أمر صعب نظرًا لحجم الاقتصاد غير الرسمي الكبير في البلاد.

وبحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024م، شكّلت العمالة غير الرسمية نحو 67% من إجمالي الوظائف في مصر، ما يُشير إلى قصور الاقتصاد الرسمي في استيعاب جميع البالغين الباحثين عن عمل.

ومن المتوقع أن يُساهم توفير فرص العمل في المشاريع المختلفة التي أُتيحت بفضل تمويل الأراضي في معالجة البطالة، سواءً خلال مراحل التطوير أو بعد اكتمال المشاريع، على الرغم من أن النمو السكاني والوظيفي في مصر يشهدان تنافسًا مستمرًا.

ويعود الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري – من 0.70 جنيه للدولار الأمريكي الواحد عام 1988م إلى 53 جنيهًا للدولار الأمريكي اليوم – إلى الاعتماد على السلع المستوردة، وارتفاع الدين الخارجي، ونقص العملات الأجنبية، بالإضافة إلى عمليات تخفيض قيمة العملة القسرية الدورية عندما يتعذر الحفاظ على سعر الصرف الرسمي. ويمكن إرجاع معظم الانخفاضات الأخيرة في قيمة العملة إلى الحرب في إيران، التي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع السياحة بشكل حاد.

ونظرًا لارتباط الحياة اليومية في مصر ارتباطًا وثيقًا بالسلع المستوردة، فإن انخفاض قيمة الجنيه يؤثر مباشرة على المواطن المصري العادي بشكل فوري ومؤلم. كما أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت مشاريع تسييل الأراضي ستمنع تراكم الديون بشكل كافٍ لتحقيق استقرار دائم للجنيه المصري.

كيف يعمل تسييل الأصول؟

في مشروع رأس الحكمة الواقع على الساحل الشمالي لمصر، ساهمت الدولة بحوالي 40,600 فدان من الأراضي المطلة على البحر الأبيض المتوسط. وقد خصصت دولة الإمارات العربية المتحدة (عبر صندوق أبوظبي السيادي ADQ) ما يقارب 35 مليار دولار أمريكي، وهو أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر. وبموجب ذلك، حصلت مصر على تدفقات فورية من العملات الأجنبية مقابل الأرض، وحصة 35% في المشروع، بالإضافة إلى حصة في الأرباح على المدى الطويل.

والمعلوم أنه عندما توقع مصر اتفاقية مثل اتفاقية رأس الحكمة، يصل رأس المال بالدولار، مما يزيد من احتياطياتها من العملات الأجنبية، ويحسن وضع ميزان المدفوعات، ويتيح لها سداد ديونها القائمة، وربما يؤهلها للحصول على المزيد من القروض، ويخفف الضغط على العملة. كما أن هذا النقد، على عكس الاقتراض، يُعد استثمارًا في رأس المال، ولا يتطلب سدادًا.

كما أن هناك مشروعًا آخر مماثل لمشروع رأس الحكمة، يقع أيضًا على الساحل الشمالي، وهو مشروع “علَم العروم / سملا” بالقرب من مرسى مطروح. حيث تستثمر شركة الديار القطرية، المرتبطة بجهاز قطر للاستثمار، ما يقارب 30 مليار دولار أمريكي، تشمل دفعة أولية قدرها 3.5 مليار دولار لشراء قطعة أرض مساحتها حوالي 20 مليون متر مربع، وحوالي 26 مليار دولار لاستثمارات التطوير. ويتضمن الاتفاق أن تكون حصة مصر من الإيرادات (15% بعد استرداد التكاليف).

ويوجد ترتيب آخر يخص العاصمة الإدارية الجديدة لمصر (NAC). فالعاصمة الإدارية الجديدة تقع على بعد حوالي ثلاثين ميلًا شرق القاهرة، وهي مصممة لتكون مقر الحكومة ومركزًا تجاريًّا. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي تكاليف التطوير يصل إلى 58 مليار دولار أمريكي، بما في ذلك البنية التحتية والمناطق الحكومية والتجارية والسكنية. ويلعب الاستثمار الأجنبي المباشر دورًا في مكونات فرعية محددة مثل منطقة الأعمال المركزية ومشاريع المناطق الحرة المستقبلية.

وقد قدمت البنوك الصينية، بقيادة بنك الصين الصناعي والتجاري، 85% من تمويل عشرين برجًا في المنطقة التجارية المركزية (CBD). وقامت شركة هندسة البناء الحكومية الصينية بتطوير المنطقة التجارية المركزية (CBD)، بينما قام مستثمرون خليجيون (مثل شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية – DP World) بتطوير قطع الأراضي التجارية.

وقامت الدولة المصرية ببيع الأراضي تدريجيًّا لصالح العاصمة الإدارية الجديدة، وساهمت مبيعات القطع في تمويل التطوير، دون زيادة ديون مصر. وتشمل الفوائد المتوقعة للعاصمة الإدارية الجديدة تخفيف الازدحام الموجود في القاهرة، وإبراز قدرة الدولة، وزيادة الإيرادات، وتعزيز مكانة مصر الإقليمية.

وقد ساهم نمط مماثل في تطوير المدن الواقعة في ضواحي المدن مثل مدينة الشيخ زايد ومدينة السادس من أكتوبر، وذلك قبل عقود. وكان التمويل في المقام الأول من خلال رؤوس أموال خليجية، حيث وفرت مصر أراضي صحراوية. وحقق المطورون أرباحًا من خلال مبيعات العقارات.

وكان صندوق أبوظبي للتنمية (ADFD) قد قدم تمويلًا كبيرًا لإنشاء مدينة الشيخ زايد (التي سميت على اسم الشيخ زايد آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة)، بما في ذلك المرافق وأنظمة مياه الشرب ومستشفى بسعة مائتي سرير والمدارس والمساجد وغيرها من البنية التحتية كجزء من البناء الأولي للمدينة.

وفي مدينة السادس من أكتوبر، قامت مجموعة ماجد الفطيم الإماراتية بتطوير مشروع “مول مصر” ومشاريع تجارية أخرى، بينما تقوم شركة سايك موتور SAIC Motor الصينية ببناء مصنع لسيارات إم جي MG. وفي عام 2024م، أعطت القاهرة الضوء الأخضر لبيع قطع أراضٍ في ثماني مدن لأربع وثلاثين شركة أجنبية، جميعها بأسعار مقوَّمة بالدولار الأمريكي.

وفي نموذجٍ مُغاير، ساهمت مصر بأراضٍ في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عبر عقود إيجار طويلة الأجل. وقام مستثمرون أجانب – من الصين الشعبية والمملكة العربية السعودية وكذلك دولة الإمارات العربية المتحدة – بتطوير مناطق صناعية، دون أن تتنازل مصر عن ملكية الأراضي، وحققوا عائدات بالعملات الأجنبية من خلال الصادرات.

مصر وشركاؤها

وتتخذ القاهرة جميع القرارات الاقتصادية المتاحة من أجل تخفيف عبء الديون عن كاهل البلاد. حيث يجري تسييل الأراضي باستخدام أساليب متنوعة، لكن ذلك يتم في ظل ضائقة مالية تعاني منها البلاد، وقد تعود المكاسب طويلة الأجل بالفائدة بشكل غير متناسب على المستثمرين الأجانب.

وغالبًا ما تكون شروط هذه المشاريع غير واضحة؛ إذ إن سيطرة الدولة على أولويات التنمية محدودة، حيث يختار المطورون المشاريع التي يرونها مربحة بالنسبة لهم.

ويتماشى انخراط الصين (في الاستثمار في مصر) مع اهتمامها طويل الأمد بتوسيع نفوذها الاقتصادي وكذلك نفوذها الدبلوماسي في الشرق الأوسط. أما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فيدفعهما حرصهما على أمن نظاميهما، لاعتمادهما على مصر – الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان – كركيزة عسكرية وسياسية في المنطقة، وخوفهما من أن يمتدّ عدم الاستقرار في مصر إلى دولتيهما.

وقد عانى الاقتصاد المصري كثيرًا بعد انتهاء التجربة الديمقراطية للربيع العربي في عام 2013م، نتيجة لتأثير الحرب الأوكرانية على أسعار القمح العالمية، وبسبب جائحة (كوفيد-19).

ومع تعافي القاهرة من هذه الأزمات رويدًا، قلّ اهتمام دول الخليج بالمساعدات غير المشروطة، وبدأت بالبحث عن فرص استثمارية في مصر. علاوة على ذلك، تُبدي المؤسسات الإسلامية وصناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) اهتمامًا بالاستثمارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وهو ما وظّفته مصر في نموذج لتسييل الأراضي، حيث تُستخدم الأراضي كضمان لإصدار السندات الإسلامية.

خلاصة القول

من المنافع التي يجلبها تسييل الأراضي أنه يساهم في الحد من الاقتراض غير المستدام، ويساعد على جلب العملات الأجنبية عالية القيمة، وتطوير الأراضي غير المستغلة، واستقطاب الخبرات الإدارية، والمساعدة في استقرار العملة. ويُعدّ التدفق النقدي الفوري للبلاد بالغ الأهمية لإدارة ميزان المدفوعات في مصر، ويُستكمَل ذلك بحصص الأرباح طويلة الأجل، بالإضافة إلى الإيرادات الضريبية.

ومن المرجح أن يستمر لجوء مصر المتزايد إلى سياسة تسييل الأراضي، مما سيساعد في سد فجوات التمويل، بما في ذلك عجز الموازنة وضغوط ميزان المدفوعات. ومع ذلك، فإن العائدات الناتجة عن ذلك تُستخدم عادةً لتمويل الالتزامات الجارية أو التضمين في استثمارات أخرى؛ إذ إنها لا تُسهم بالضرورة في خفض الدين القائم إلا إذا خُصصت صراحةً لسداد الديون، وهو ما يُخطط له بجزء فقط من الإيرادات المُتحصلة.

كما صرح الخبير الاقتصادي محمد فؤاد لصحيفة الأهرام الأسبوعية بأنه في حالة تحويل أراضي الدولة غير المستغلة إلى بنية تحتية مدرّة للدخل، فإنه يتحتم على مصر تجنب أن تصبح دولة شبه ريعية تعتمد على مصادر التمويل القائمة على الريع بدلًا من اقتصاد غير مقيَّد.

وعلى الرغم من النصائح الكثيرة التي قدمتها المنظمات الدولية لمصر، فإن الحكومة المصرية لم تُنفّذ إجراءات ضبط مالي مستدامة وكافية – أي إصلاحات هيكلية تُفضي إلى تقليص عجز الموازنة، وخفض الدين، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتحسين مناخ الاستثمار، وغيرها – والتي من شأنها أن تُحفّز نموًا اقتصاديًّا أسرع، وذلك وفقًا لتصريحات صندوق النقد الدولي.

وخلاصة القول إن مبيعات الأراضي قد تُوفّر دعمًا مؤقتًا للاقتصاد، لكن الإصلاحات الأعمق هي مفتاح انتعاش مصر الاقتصادي على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى