مقدمة
يعتمد التقرير على تعريف الأمن الشامل الذي يجمع بين أمن الدولة وأمن المجتمع، حيث إن الدولة تتبنى إطار أمن الدولة المرتبط بالسيطرة وحماية النظام، وليس الأمن الشامل المتعلق باستقرار الحياة اليومي وشعور أفراد المجتمع والأسرة بالأمن. وتعمل أجهزة الدولة الأمنية على إحكام القبضة والسيطرة على المجال العام ومنع أي تهديدات سياسية أو مجتمعية يمكن أن تشكل خروجَ المجتمع للشارع بحرية، وهو ما يُعَد تكريسًا لمفهوم (الاستقرار الأحادي) من جهة الدولة على حساب المجتمع، أي أن أجهزة الدولة تعمل على تحقيق استقرار النظام عبر الردع والهيمنة الأمنية من دون أن يرافقه بالضرورة تحسُّن في مؤشرات الثقة المجتمعية أو العدالة أو التماسك الاجتماعي.
ومِن ثمَّ لا يتعامل التقرير مع الاستقرار باعتباره نتيجة نهائية، بل كحالة قابلة للاهتزاز، وترتبط استدامتها بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة التهديدات إلى معالجة الجذور البنيوية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي الزاوية التي يَسعى التقرير إلى تفكيكها عبر مقارنة سردية الدولة بقراءات أخرى.
تعكس الحالة الأمنية في مصر خلال عام 2025م فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي تروج له مؤسسات الدولة، وبين صورة معقدة يفرضها الواقع الميداني وتقديرات أطراف بحثية وإعلامية مستقلة.
ففي الرواية الرسمية، تؤكد وزارة الداخلية المصرية أن الأجهزة الأمنية نجحت في “ترسيخ الاستقرار” وفرض السيطرة على المجال العام، عبر استراتيجية أمنية وصفتها بالشاملة، تتبنى نهج “الضربات الاستباقية”، وتحديث وتطوير أدوات المراقبة، والتوسُّع في العمل الاستخباراتي، وهو ما تقول إنه انعكس في تراجع معدلات الجريمة وتحسُّن ترتيب مصر في عدد من المؤشرات الدولية ذات الصلة بالأمن والسلام. وذلك بحسب ما أصدره المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، حيث أشار إلى تقدم مصر 38 مركزًا في مؤشر السلام العالمي منذ عام 2014م، وكذلك هبوط مصر في مؤشر الإرهاب لعام 2014م من المركز 11 إلى 29 عام 2025م([1]). وكذلك مؤشر إدراك الجريمة، وهو أكثر مؤشر سجلت مصر فيه قفزة كبيرة؛ إذ انتقلت من المركز 143 في عام 2014م إلى المركز 32 في عام 2025م، أي أن التحسُّن بلغ نحو 111 مركزًا([2]).
كل تلك الأرقام توظفها الدولة المصرية رسميًّا في محاولة لتكريس سردية الدولة المستقرة في إقليم مضطرب، وللدلالة على تصاعد الإحساس بالأمن والاستقرار، رغم الجدل المستمر حول دلالات هذه المؤشرات وحدود قدرتها على عكس الواقع الأمني والاجتماعي بكل تعقيداته. وتعزو الدولة ذلك إلى انخفاض وتيرة الجرائم العنيفة وتراجع الاحتجاجات وأعمال العنف السياسي. وتعزز هذه السردية بتصريحات دولية، كتلك التي وَصَف فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصرَ بالخالية من الجريمة وأشاد فيها بنجاح السيسي في بسط الاستقرار([3]).
غير أن هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة للوضع الأمني، خاصَّة فيما يتعلق بطبيعة الجرائم غير المعلنة، وحدود الشفافية في تداول البيانات، واتساع مفهوم الأمن ليشمل السيطرة السياسية والاجتماعية أكثر من كونه أمنًا مجتمعيًّا بالمعنى الضيق الذي تحرص فيه الدولة على توظيفه في خطابها؛ فبعض تلك المؤشرات مرتبط بمعايير منهجية محددة، أو بتراجع أنماط معينة من العنف، دون أن يَعني ذلك بالضرورة تحسُّن شامل في شعور المواطنين بالأمان أو في مؤشرات العدالة وسيادة القانون.
وفي السياق نفسه، فإن تركيز الدولة على الأمن الصلب ومكافحة التهديدات السياسية يُخفي تحولات أخرى في أنماط الجريمة الاجتماعية والاقتصادية، لا تحظى بالقدر نفسه من الاعتراف الرسمي أو النقاش العام والدراسة الموسعة. لذلك فإن الحالة الأمنية في مصر محكومة بازدواجية واضحة من حيث السردية الرسمية التي تقدمها الدولة بوصفها إنجازًا مدعومًا بأرقام وتصنيفات دولية منتقاة، مقابل الواقع الأمني والاجتماعي الميداني الأكثر تعقيدًا وتشابكًا، حيث إن الاستقرار الذي تروج له الدولة في مصر تحقق بكلفة سياسية وحقوقية مرتفعة، تمثلت في تضييق غير مسبوق على المجال العام، واستهداف المعارضين، واستمرار أنماط ممنهجة من انتهاكات حقوق الإنسان.
شرعنة استراتيجية الضربات الاستباقية
على المستوى الميداني، يُعتبر تحسُّن المؤشرات الأمنية مرتبطًا بشكل كبير بتصعيد وتيرة الحملات الأمنية، وتوسيع نطاق الرقابة، وتحديث آليَّات التدخل السريع، باعتبارها ركائز أساسية في المقاربة الأمنية التي تعتمدها أجهزة الدولة. ويأتي ذلك في سياق ما شهده العام 2025م، بإقرار قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي مَنح النيابة العامة صلاحيات كبيرة وغير مسبوقة، شملت مراقبة الاتصالات، والتنصُّت على المكالمات الهاتفية، وتتبع الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، بموافقة وتنسيق بين وزارة العدل والداخلية والاتصالات، بدعوى تعزيز القدرة على الضبط الاستباقي للجرائم قبل وقوعها([4]).
وتُعتبر تلك التعديلات تحولًا نوعيًّا في بنية النظام الجنائي؛ لأنها تعكس انتقال الدولة من منطق الاستجابة اللاحقة للجريمة إلى منطق الوقاية الاستباقية، وهو ما يُثير في الوقت نفسه جدلًا كبيرًا حول حدود تلك الصلاحيات، وتوازنها مع الضمانات الدستورية وحقوق الخصوصية في المجال العام. وبالرغم من ذلك الجدل إلَّا أن القانون يُمثل خطوة نحو تقنين السلوكيات التي كانت تنتهجها الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية، بل ووَضع إطار مؤسسي يُنظِم العلاقات والصلاحيات بين المؤسسات الثلاثة المعنية بذلك، وعليه فهو ليس إطارًا جديدًا للعمل بقدر ما هو تنظيم لسلوك فعلي يمارس على الأرض. ومن المقرر أن يتم العمل بالقانون في أكتوبر القادم لعام 2026م، بحسب ما نُشِر في الجريدة الرسمية([5]). وقد جاء في سبب التمديد أنه لإتاحة وقتٍ كافٍ للقضاء والنيابة العامة ومأموري الضبط القضائي للإلمام بالأحكام المستحدثة والبنية التكنولوجية التي سوف تنشأ لهذا الغرض ([6]).
وقد بررت الحكومة هذه الإجراءات بأنها ضرورية لحماية الأمن القومي، ومواكبة التحولات المتسارعة في أنماط الجريمة، وذلك في إطار استراتيجية الدولة ووزارة الداخلية في نهجها الأمني الاستباقي في عملها في كل ملفات “مكافحة الإرهاب” والجريمة المنظمة، وكذلك التصدي للجرائم المُستحدَثة، مثل القرصنة الإلكترونية وتزييف العملات، بوصفها تهديدات مباشرة للاقتصاد والأمن المجتمعي. واستشهدت الوزارة بأنها كشفت العديد من الجرائم الكبرى التي شغلت الرأي العام وأعلنت نتائج التحقيق خلال أيام قليلة، معتبرة ذلك مؤشرًا على فاعلية المنظومة الأمنية وقدرتها على السيطرة والردع في المجال العام.
ووفقًا للبيانات والإحصاءات الرسمية، شهد عام 2025م تسجيل أرقام قياسية في عدد القضايا المضبوطة، ولا سيما في ملف مكافحة المخدرات، حيث أعلن عن ضبط أكثر من 95 ألف قضية، شملت مصادرة نحو 8 أطنان من الحشيش و1.5 طن من الهيروين، بقيمة تصل إلى نحو 7 مليارات جنيه. أما في ملف مكافحة الأسلحة غير المرخصة، فقد أسفرت حملات الأمن العام عن ضبط عشرات الآلاف من قطع السلاح الناري والذخائر، إلى جانب إغلاق ورش محلية متخصصة في تصنيع الأسلحة، وهو ما ترى وزارة الداخلية أنه أسهم بشكل مباشر في خفض معدلات جرائم العنف والقتل، بالتوازي مع تنفيذ مئات الآلاف من الأحكام القضائية خلال العام، خاصَّة في القضايا المصنفة باعتبارها خطرة أو مرتبطة بالعنف المنظم([7]). ويأتي نشر تلك الإحصائيات في سياق إبراز فاعلية المقاربة الأمنية الرسمية تحت ما تقوم بالترويج له بعنوان (استعادة هيبة الدولة) و(ترسيخ سيادة القانون)، مقابل استمرار الجدل حول دلالات هذه الأرقام وحدود انعكاسها على الواقع الاجتماعي الأوسع.
ويمكن تقسيم المشهد الأمني الداخلي إلى قضايا ذات بُعد سياسي بنسبة أكبر، وأخرى ذات بُعد اجتماعي. وذلك على النحو التالي:
القضايا ذات البُعد السياسي والإقليمي
1 – استمرار ظاهرة الإخفاء القسري:
استمرت ظاهرة الإخفاء القسري في عام 2025م، على نحو يُكرِّس من حالة استقرار أحادي البُعد، حيث تفرض حالة من الهدوء الظاهري عبر سيطرة أمنية مشددة، تقابلها حالة من الاحتقان المكتوم والتوتر الاجتماعي الذي يَتغذى من تلك السياسات الأمنية نفسها.
وقد رصدت العديد من المنظمات والتقارير الحقوقية ظهور العشرات من المختفين قسريًّا بعد فترات غياب لعدة أشهر، مع توجيه اتهامات نمطية لهم، مثل نشر أخبار كاذبة، والانضمام إلى “جماعة إرهابية”، دون تحقيقات علنية أو أدلة معلنة، وهو النمط المستخدم في القضايا ذات الطابع السياسي، وعلى وجه الخصوص القضايا المنظورة أمام نيابة أمن الدولة العليا.
وكانت الاعتقالات خلال عامي 2024 و2025م مرتبطة بالتضامن مع الفلسطينيّين الذين يتعرضون للإبادة الجماعية في قطاع غزة، حيث وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عشرات القضايا. وقد طالت الاعتقالات أعضاء أحزاب سياسية قانونية ونشطاء طلابيّين على خلفية نشاط تنظيمي أو رقمي، بما في ذلك منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاركات داخل الجامعات، حيث وَثَّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية خلال الربع الأول من عام 2025م إخفاء عدد من طلاب جامعتي القاهرة وعين شمس بعد توقيفهم على خلفية منشورات داعمة لغزة، قبل ظهورهم لاحقًا أمام نيابة أمن الدولة العليا. وتضم هذه القضية 64 شخصًا، من بينهم أحمد بهجت عزت([8])، وكذلك الطالب معاذ الشرقاوي الذي أعيد اعتقاله لاحقًا ومُنِع من حضور الامتحانات بكلية الحقوق بجامعة طنطا. وقد دخل هذا الطالب في إضراب عن الطعام في محبسه في ديسمبر 2025م([9]).
وبالتوازي مع ذلك، استمر نمط التجديد الروتيني للحبس الاحتياطي لآلاف المعتقلين السياسيّين دون تقدُّم فعلي في مسار التحقيقات.
ولم تنجح الدعوات المتكررة من قوى سياسية وحقوقية لتفعيل النصوص الدستورية المتعلقة بتحديد مدد الحبس الاحتياطي، أو الإفراج الصحي عن المرضى، في إحداث تغيير ملموس في النهج الأمني المعتمد، مما يؤكد أن الحديث شِبه الرسمي من مقربين من النظام المصري عن مبادرات إفراج رئاسي عن المحبوسين محدودة الخطوات وغير فعَّالة. فالعفو الصادر عن 130 شخصًا ورفع أسمائهم من قوائم الإرهاب تبعه بالتوالي إضافة 121 شخصًا إلى قوائم جديدة([10])، كما أدرجت وزارة الداخلية 21 كيانًا و81 شخصًا جديدًا في قوائم الأشخاص والكيانات “الإرهابية” لمدة 5 سنوات، وهو ما يَعكس تباينًا في جدية المبادرات التي تنظمها الدولة من خلال وسطاء لها([11]). وقد أعربت 137 دولة عضوًا في الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء التدهور المستمر لحالة حقوق الإنسان في مصر، وحَثَّت السلطات المصرية في بيان لها على اتخاذ إجراءات لتحسين ملف حقوق الإنسان([12]).
إلى جانب ذلك، رُصِد تصاعدُ ما يُعرَف بـ”العقاب بالوكالة”، من خلال اعتقال أو ملاحقة أقارب معارضين وصحفيّين مقيمين خارج البلاد للضغط عليهم سياسيًّا. وقد وَصَف المرصد الدولي لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان هذا النمط بأنه انتهاك جسيم لمبدأ شخصية العقوبة، وامتداد لاستخدام أدوات الأمن والقضاء في إدارة الخلاف السياسي، وليس في مواجهة جرائم جنائية محددة([13]).
2 – احتواء أحداث قسم المَعصرة:
مَثَّلت أحداث قسم شرطة المَعصرة، في يوليو 2025م، حالة استثنائية من التوتر الأمني والسياسي والاجتماعي، وذلك بعد انتشار مقاطع مصورة لمجموعة من الشباب داخل مكتب الأمن الوطني بقسم شرطة المَعصرة في حلوان، وهم يَحتجزون ضبَّاطًا لبضع ساعات، احتجاجًا على موقف الدولة من غلق معبر رفح والحرب على غزة، في تحرُّك غير مسبوق منذ عام 2013م.
ورغم نفي وزارة الداخلية صِحَّة الفيديو وحديثها عن فبركة المقاطع والوثائق، فإن مساحة الجدل الداخلي والتغطية الإعلامية والمعالجات الحقوقية عززت الانطباع بوقوع خلل أمني حقيقي أو على الأقل استنفار أمني واسع في محيط القسم.
وقد أدَّت الواقعة إلى تشديد الإجراءات حول أقسام الشرطة والمنشآت الحساسة، وارتفاع وتيرة الملاحقات والاعتقالات في عدة محافظات، ما أعاد فتح النقاش حول كفاءة المنظومة الأمنية من جهةٍ، وحدود المقاربة الأمنية في التعامل مع غضب اجتماعي وسياسي مرتبط بالقضية الفلسطينية من جهةٍ أخرى([14]). وقد ساهم الحدث في صناعة حالة ترقب مجتمعي دفعت النظام لتبني خطاب يميل تجاه غزة بالمقارنة مع سلوكه قبل الحدث([15]).
3 – تقويض نشاط تنظيم ولاية سيناء:
استمرت استراتيجية الدولة في سيناء لعام 2025م في إطار ما تصفه بـ”التحييد والسيطرة”، وفق البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية والقوات المسلحة المصرية، حيث نجحت العمليات العسكرية والأمنية خلال الأعوام الماضية في تقليص نشاط تنظيم ولاية سيناء المرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحَصْر قدرته على تنفيذ هجمات، مع تسجيل انخفاض واضح في عدد العمليات مقارنة بذروة العنف بين عامي 2014 و2017م.
هذا التراجع لا يعكس بالضرورة حسمًا نهائيًّا بقدر ما يُعبّر عن انتقال الصراع إلى مرحلة احتواء طويل الأمد، حيث تعمل تلك الاستراتيجية على إدارة للتهديد بهدف خفض كثافته ومنع تمدد التنظيم، أكثر من كونها استراتيجية شاملة تعالج الجذور الاجتماعية والاقتصادية للصراع في سيناء.
4 – قضية حركة “حسم”:
في سياق آخر، أعلنت وزارة الداخلية المصرية، في يوليو 2025م، عن إحباط مخطط لما وصفته بعناصر تابعة لحركة “حسم”، وزعمت أن الحركة المذكورة قد عملت على إعادة إحياء نشاطها، وذلك بعد مداهمةٍ لمقرٍ بمحافظة الجيزة، بحسب ما أشار البيان، والذي ذكر وقوع اشتباكات انتهت بمقتل عنصرين من الحركة وضبط أسلحة ومتفجرات([16]).
وقد جَرَى إبراز هذه العملية بوصفها دليلًا على يقظة الأجهزة الأمنية وقدرتها على إجهاض المخططات قبل تنفيذها([17]). فيما غابت شهادات أو تحقيقات ميدانية مستقلة تؤكد أو تنفي رواية الأجهزة الأمنية.
5 – رقابة حركة المال:
في مطلع عام 2025م، صور مسؤولون مصريون سياسة “مكافحة الإرهاب” على أنها تركز بشكل متزايد على قطع التمويل للجماعات المتطرفة، كضرورة استراتيجية هامة، وكمهمة لدول الإقليم من خلال تعزيز التنسيق البيني بين الدول.
ويعكس هذا الخطاب امتدادًا لسياسة الدولة فيما تطلق عليه “تجفيف مصادر التمويل”، وعلى وجه الخصوص تمويل جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من خلال المراقبة المالية للمعاملات للمشتبه بهم، والتعاون الأمني عبر تتبع شبكات جمع التبرعات الإلكترونية، وأنظمة التحويل غير الرسمية، وقنوات التمويل السرية([18]).
وتتماشى تلك السياسة مع استراتيجية الدولة المتمثلة في توجيه الضربات الاستباقية للجمعيات المرتبطة بالتيارات الإسلامية، حيث سيكون التنسيق منصبًّا على مواءمة القوانين المحلية مع أطر مكافحة تمويل الإرهاب الأوسع نطاقًا([19]).
وفي إطار تلك الرؤية، شاركت وزارة الداخلية المصرية في الدورة الثانية والأربعين لمجلس وزراء الداخلية العرب، في تونس، في فبراير 2025م، حيث ناقش وزراء الداخلية ملف “الإرهاب”، والجرائم الإلكترونية، وغيرها من التهديدات العابرة للحدود. وأكدوا في بيان المجلس على تعزيز التعاون الأمني العربي المشترك، بما في ذلك آليَّات تبادل المعلومات، والتنسيق بشأن استراتيجيات مكافحة الإرهاب، وتنفيذ الاتفاقيات العربية لمكافحة الإرهاب وتمويله([20]).
القضايا ذات البُعد الأمني الاجتماعي
1 – الجرائم الجنائية (الجرائم التقليدية):
أشار وزير الداخلية في أحد خطاباته إلى انخفاض معدل ارتكاب الجرائم الجنائية بنحو 14% عن العام السابق 2024م، بحسب إحصائيات قطاع المعلومات الجنائية بوزارة الداخلية([21]). وربطت الوزارة هذا التراجع بتكثيف الحملات الأمنية، وتوسيع استخدام قواعد البيانات الجنائية، وتبني نهج استباقي في استهداف “البؤر الإجرامية الخطرة”، مع الإشارة إلى ضبط تشكيلات عصابية في مجالات السرقة بالإكراه، والاتجار بالبشر، وتهريب الآثار، إلى جانب سرعة كشف ملابسات قضايا حظيت بمتابعة واسعة من جانب الرأي العام، وتقديم ذلك بوصفه دليلًا على تطوُّر قدرات البحث الجنائي، وازدياد الاعتماد على تقنيات التحليل الرقمي وتتبع كاميرات المراقبة، وإن كانت هذه السردية الرسمية لا تُقابَل بإحصائيات مستقلة تسمح بالتحقق المقارن من اتجاهات الجريمة.
في المقابل، تعكس بعض المؤشرات غير الرسمية صورة مختلفة حول اتجاهات الجريمة والعنف المجتمعي في مصر، حيث تُظهِر بيانات منصة Numbeo أن مصر سجَّلت نحو 47.3 نقطة على مؤشر الجريمة في تقديرات 2024/2025م([22])، وهو مستوى يَضع مصر ضمن الدول ذات المعدل المتوسط المرتفع للجريمة المدركة مقارنة بعدد من الدول العربية والإفريقية. كما أشار الموقع أيضًا إلى أن مصر تشهد اتجاهًا متصاعدًا للجرائم خلال آخر 5 سنوات ماضية، وعلى وجه الخصوص العاصمة القاهرة([23]). ويَعتمد المؤشر على استجابات المستخدمين وانطباعاتهم الذاتية وليس على إحصائيات شرطية رسمية. مما يجعلها صورة متباينة مع الرواية الرسمية عن معدلات الجرائم.
وقد شهدت مصر العديد من الجرائم غير المألوفة التي حظيت بتغطية كبيرة خلال العام الماضي، وفي مقدمتها وقائع لجرائم قتل واعتداءات بَدَت عشوائية، أو ناتجة عن خلافات ثانوية في محافظات مثل الأقصر والفيوم والقاهرة خلال العام. ولكن تعتبر الحوادث اللافتة هي تلك التي كان فيها استهداف متعمد للضبَّاط، مما يُعد تصاعدًا غير مألوف في أنماط العنف والاحتكاك المباشر بين المجتمع وأفراد الشرطة، مما يحولها من مجرد وقائع فردية إلى مؤشر أوسع على توتر العلاقة مع الأجهزة الأمنية.
وتُعَد حادثة مقتل العقيد فتحي سويلم داخل فرع بنك مصر بمحافظة الفيوم، على يد عميل أثناء تدخله لفض مشاجرة لحظة صادمة([24])؛ حيث أعادت طرح أسئلة حول انفجار العنف في فضاءات يُفترَض أنها آمنة. كما تزامن ذلك أيضًا مع وقائع اعتداء على ضبَّاط شرطة في محافظات الصعيد، من بينها حادثة قنا التي وثقتها مقاطع مصورة وانتشرت على نطاق واسع، واضطرت على إثرها وزارة الداخلية المصرية لإصدار بيان رسمي([25]).
كما تداولت وسائل الإعلام ومنصات التواصل مشاهد احتكاك عنيف في الشارع، مثل محاولة سائقٍ الفرار بسيارته بينما يتمسك بها أمين شرطة، وهي وقائع أثارت تساؤلات حول أساليب الضبط وحدود استخدام القوة([26]).
وبالتوازي، فجَّرت قضايا وفاة مواطنين على خلفية توقيفهم أو احتجازهم داخل أقسام الشرطة تساؤلات حول ظروف الاحتجاز والمساءلة، حتى في الحالات التي لم تكن موجهة ضد ضبَّاط الشرطة مباشرة([27]). فضلًا عن حوادث شغب وتجمهر انتهت باحتكاكات مع قوات الأمن وأسفرت عن إصابات في صفوفها.
ترسم هذه الوقائع صورة مكثفة عن عنف مبطن داخل المجتمع، وهي تعتبر نماذج يمكن أن تعطي مؤشرًا على تصاعد أنماط من “العنف اليومي”، أو ما يمكن وصفه بـ”العنف العشوائي” المرتبط بضغوط اقتصادية وسياسية ونفسية متعددة الأبعاد. وعلى الرغم من عشوائيتها إلَّا أنها تعطي دلالة على احتمال تحولها إلى “ظاهرة منظمة”، خاصَّة مع تآكل الطبقة الوسطى وضعف آليَّات الضبط المجتمعي.
2 – العنف الأسري:
بَرَز العنف الأسري خلال العام المنقضي كأحد أخطر الظواهر المتنامية، والتي تُعتبَر أحد مؤشرات التفكك الاجتماعي؛ حيث أخذ يتحول من وقائع فردية متفرقة إلى نمط متكرر بقوة على المشهدين الإعلامي والأمني.
فوفق أحدث البيانات المتاحة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (المسح الصحي الأسري)، فإن نحو 31% من النساء المصريات المتزوجات حاليًّا أو سابقًا تعرضن لأشكال من العنف الجسدي أو النفسي داخل الأسرة في عام 2021م([28])، وهي نسبة لا تزال تُستدعَى في تحليل وقائع 2025م، رغم صدورها قبل سنوات، لغياب بيانات رسمية أحدث.
وقد أكدت أحداث العام هذا الاتجاه، مع تواتر جرائم قتل بين الأزواج والآباء والأبناء في محافظات مختلفة، عكست درجة غير مسبوقة من القسوة، وأعادت طرح سؤال تحوُّل العنف الأسري من استثناء إلى ظاهرة اجتماعية كامنة، تتغذى على الاحتقان اليومي داخل البيوت قبل أن تنفجر في المجال العام([29]). ولعل أبرز تلك الوقائع هو إقدام شخص على قتل زوجته وأولاده الثلاثة في محافظة الجيزة([30])
يتقاطع تصاعد العنف الأسري مع مؤشرين اجتماعيّين، وهما ارتفاع معدلات الطلاق واتساع رقعة الفقر، حيث تشير أحدث النشرات الإحصائية عن الزواج والطلاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد حالات الطلاق السنوية في مصر تجاوز حاجز 250 ألف حالة في الأعوام الأخيرة، حيث بلغ في عام 2023م نحو 265 ألف حالة طلاق، وارتفع الرقم في 2024م إلى ما يقرب من 274 ألف حالة، مع رصد زيادة مستمرة في الطلاق خلال السنوات الأولى من الزواج([31])، وهو ما يُعبّر عن هشاشة البنية الأسرية، خاصَّة ما تواجهه من ضغوط وأزمات اقتصادية واجتماعية. بينما بلغت نسبة الفقراء وفق خط الفقر الوطني نحو 29.7٪ في عام 2019م([32])، مع احتمال أن يكون قد تجاوز 35٪، أي أن أكثر من ثلث السكان في مصر يعيشون في فقر.
هذا التداخل بين الفقر والطلاق والعنف الأسري، ومساهمة الضغوط الاقتصادية في تآكل الدخل وتراجع قدرة الأسرة الممتدة وشبكات التضامن التقليدية على امتصاص الصدمات، كلها أمور تُحوِّل الخلافات الأسرية البسيطة إلى صدامات عنيفة، وتزيد من قابلية الأسر للانهيار المبكر، وهو ما يجعل العنف الأسري مؤشرًا معبرًا عن ظاهرة تفكك اجتماعي أعمق تتغذى على الأزمات المعيشية المتراكمة، مما يحولها إلى أزمة مزمنة.
3 – الجرائم الإلكترونية (بناء الردع الافتراضي وتعزيز صورة الدولة الإفتراضية):
قدمت الأجهزة الأمنية ملف الجرائم الإلكترونية كأحد أكثر الملفات نجاحًا على الصعيد الأمني خلال 2025م، وذلك في ظِل تصاعد الرقمنة واتساع الفضاء السيبراني. وأكدت وزارة الداخلية أن مكافحة الاختراقات المعلوماتية والاحتيال الإلكتروني ونشر المحتوى غير القانوني باتت جزءًا من منظومة “الأمن القومي”. وقد أشارت الوزارة إلى أن مصر ضمن الفئة الأولى في المؤشر العالمي للأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات عام 2024م([33])، باعتباره دليلًا على تطور البنية التحتية الرقمية والقدرات المؤسسية في حماية البيانات.
وعلى المستوى العملي، أعلنت الوزارة ضبط عشرات قضايا الاحتيال عبر الإنترنت، وتفكيك شبكات ابتزاز إلكتروني واستغلال جنسي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكذلك إحباط محاولات اختراق مواقع حكومية وأنظمة بنكية، بالتنسيق مع أجهزة مختصة بالاستجابة للطوارئ المعلوماتية. وقد استُخدمت هذه الوقائع لترسيخ سردية مفادها أن “الدولة حاضرة في العالم الافتراضي كما هي في الشارع”.
وتحرص وزارة الداخلية على نشر العديد من تلك الوقائع على حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي بما يُعزز من ترسيخ تلك الصورة في العقل الجمعي للشعب، وعلى وجه الخصوص فئات الشباب الأكثر استخدامًا لمنصات التواصل، مما يصنع “ردعًا افتراضيًّا” لكل مَن يسعى لتوظيف المنصات لأهداف يمكن أن تدرجها أو تصنفها وزارة الداخلية تهديدًا للأمن القومي. وتوظف وزارة الداخلية عمليات المراقبة ومكافحة الجرائم الإلكترونية ضمن أدواتها في قمع الحريات ومطاردة المعارضين للنظام السياسي أو المختلفين في الرأي ضمن إطار “المجرم الإلكتروني”، وهو ما يَصنع قلقًا واضطرابًا لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في التعبير عن آرائهم.
استشراف الوضع الأمني لعام 2026م
يمكن استشراف المشهد الأمني في مصر خلال عام 2026م بوصفه امتدادًا لنموذج “الاستقرار المُدار”، أكثر من كونه انتقالًا إلى نموذج جديد للأمن الشامل. فالمؤشرات القائمة لا توحي بتغيُّر استراتيجي بقدر ما تشير إلى تثبيت المسار القائم عبر شرعنة المتعارف عليه من صلاحيات واسعة تتمتع بها أجهزة الأمن حتى تنظمها بشكل أكثر تنسيقًا بهدف تقليل كلفة التدخل المباشر ليأخذ إطارًا مؤسسيًّا.
ولذلك، يُتوقع أن يشهد عام 2026م استمرار منطق الردع الاستباقي، عبر توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية أو عبر الاستخدام الأوسع للأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في الرصد والتنبؤ بالسلوكيات عالية المخاطر.
وتستمر حالة توظيف واستخدام مفهوم الأمن القومي بصيغته الواسعة والمرنة كإطار لتبرير هذا التوسُّع، مع استمرار الدمج بين الأمن الجنائي، والأمن السياسي، والأمن الرقمي في منظومة واحدة.
على المستوى التشريعي والمؤسسي، يُرجَّح أن يتحول قانون الجنايات الجديد من مجرد إطار مُشرعَن إلى أداة تشغيلية كاملة تعيد تنظيم العلاقة بين وزارات الداخلية والعدل والاتصالات، بما يسمح بسرعة أكبر في تنفيذ الحملات الأمنية ميدانيًّا، وتكثيف الاعتماد على الأدلة الرقمية بدلًا عن الإدارة البشرية لتوسيع نطاق التجريم الوقائي.
هذا التطور سوف يَرفع من قدرة أجهزة الأمن على توسيع نطاق عملها الميداني، وسوف يُعمِّق الفجوة بين الدولة والمجتمع بشكل أكبر، والأخطر أن ذلك سوف يُكرِّس الإحساس بأن المجال العام بات فضاءً، مما سيردع أي معارضة أو تنظيم جماهيري في الشوارع، وهو ما سيزيد من التراكمات السلبية شعبيًّا.
اجتماعيًّا، سوف يَحمل عام 2026م مخاطر تراكم (الاحتقان الصامت). فاستمرار الضغوط الاقتصادية وغياب حلول ملموسة للفئات الهشة، مع تآكل شبكات التضامن التقليدية، قد يَدفع أنماط العنف اليومي والعشوائي إلى مزيد من الانتشار. وفي هذا السياق، يصبح الخطر الحقيقي ليس في اندلاع احتجاجات سياسية منظمة، بل في تحول الأزمات المعيشية أو الحوادث الفردية إلى شرارات توتر واسعة يصعب احتواؤها بالمنطق الأمني وحده، خاصَّة مع غياب الحضور السياسي المعبر للمجتمع في ظِل انتخابات لا تمثله ولم يشارك فيها.
في الفضاء الرقمي، يُتوقع أن تدخل الدولة مرحلة الإدارة الدقيقة للخوف القانوني بدل الاكتفاء بالردع الصريح. أي تقليص عدد القضايا الرمزية عالية الضجيج، بحيث يتحول صنَّاع المحتوى إلى فاعلين منضبطين ذاتيًّا، يراقبون أنفسَهم قبل أن تراقبهم الدولة، وهو ما قد يضمن هدوءًا نسبيًّا وسلوكًا منضبطًا من قبلهم، لكنه في الوقت نفسه سوف يُفرِّغ المجال الافتراضي من دوره كمساحة لتنفيس الاحتقان أو تداول البدائل.
خاتمة
يمكن تلخيص الاستراتيجية الأمنية خلال عام 2025م بأنها تبنَّت نهج الضربات الاستباقية وتعزيز بناء الردع الميداني بجدار ردع افتراضي، بما يُعزز من هيبة الدولة وحضورها الأمني المتغول على المجال الأمني العام، مستخدمًا مقاربة “السيطرة والاستقرار”، متجاوزا بذلك المجال العام السياسي والمجتمعي.
وتكشف قراءة الحالة الأمنية في مصر خلال العام عن نموذج استقرار متماسك في ظاهره، يعتمد على السيطرة الأمنية، لكنه في جوهره يحمل قدرًا من الهشاشة البنيوية. وقد ظهر ذلك بشكل واضح خلال أحداث قسم المعصرة وما تبعه من حالة ترقب وتفاعل شعبي سياسي. فمن منظور الدولة نجد مؤسسات الدولة وفي مقدمتها وزارة الداخلية تحتفي بالوضع القائم باعتباره إنجازًا ناتجًا عن مسار طويل من إعادة هندسة المجال الأمني، وما استخدمه من أدوات لضبط المجال العام والسيطرة عليه لتكريس منطق “التدخل الاستباقي” لمواجهة أي حدث من منظور يهدد الأمن القومي بمفهومه الشامل، خاصَّة مكافحة “الإرهاب” والجريمة المنظمة. ويوظف عددًا من المؤشرات الأمنية العالمية في خطابه بشكل انتقائي ومقارن مع عام 2014م، كدلالة على تحقيق تقدم في المجال الأمني ميدانيًّا.
غير أن المقاربة التحليلية التي اعتمدتها الأجهزة الأمنية تُظهِر أن هذا الاستقرار، رغم قدرته على فرض الهدوء ومنع الانفلات في الشارع، إلَّا أنه لا يرقى إلى مستوى الأمن الشامل وضمان ديمومته. فالدولة، عمليًّا، أعادت تعريف الأمن على نحو يختزله في أمن النظام، ويضعه في مواجهة مستمرة أمام المجتمع، لا باعتبار المجتمع شريكًا في إنتاج الاستقرار، بل باعتباره مصدر تهديد ومجالًا يجب ضبطه والتحكم في حركته. وهنا يتبلور ما يمكن وصفه بـ (الاستقرار الأحادي البُعد)، وهو استقرار يتحقق بالقوة والردع والرقابة، دون أن ينعكس في مؤشرات الثقة المجتمعية أو العدالة أو التماسك الاجتماعي.
ويأتي إقرار قانون الجنايات الجديد كإطار مشرعن للسلوكيات المتعارف عليها خلال العقد الماضي، لكن في إطار منظم للسطوة، لتحقيق فاعلية أكبر من حيث الفعل والتنسيق بين أجهزة الدولة، وخاصَّة وزارات الداخلية والعدل والاتصالات.
وقد تجاوزت كلفة تبني هذا النموذج المجال السياسي والحقوقي وبدأت تتسرب إلى البنية الاجتماعية ذاتها. فتصاعد أنماط العنف اليومي والعشوائي، واتساع دائرة العنف الأسري، وتكرار وقائع الاحتكاك المباشر بين المواطنين والمنتمين لأجهزة الأمن، تعطي مؤشرات على احتمال تحولها لظاهرة واسعة، كنتيجة للاحتقان المكتوم الذي يتغذى على ضغوط اقتصادية ومعيشية، وبشكل متراكم، دون أن تقدم الدولة حلولًا ملموسة، خاصَّة للطبقة الفقيرة، أو ما دون خط الفقر.
بالرغم من أن الأحداث التي وقعت لا تحمل طابعًا سياسيًّا مباشرًا، إلَّا أنها تعكس توترًا بنيويًّا يدحض سردية الدولة وأجهزتها الأمنية؛ حيث إن متلازمة السيطرة والاستقرار التي تبنتها أجهزة الدولة جعلت المجتمع أقل قدرة على امتصاص الصدمات، بل ساهمت في تآكل آليَّات الضبط المجتمعي التقليدية، لتجعل قابلية انفجار المجتمع في لحظات الأزمات الكبرى أمرًا محتمل الوقوع، خاصَّة إذا صاحب ظرفًا سياسيًّا.
وفي الفضاء الرقمي، نجحت الدولة في نقل منطق السيطرة إلى العالم الافتراضي، وبناء ما يشبه “الردع الرقمي”، عبر توسيع المراقبة وربط الجرائم الإلكترونية بمفهوم الأمن القومي. ووظفت في سبيل تكريس تلك الصورة اعتقال عدد من المشاهير وصانعي المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، بما يُحول صانعي المحتوى لأدوات غير مباشرة في تنفيذ رؤيتها وبناء حائط الردع الافتراضي. غير أن هذا الحضور الكثيف، وإن عزز قدرة الدولة على الضبط، فإنه أسهم في الوقت ذاته في تقليص هامش التعبير، وتحويل الفضاء الرقمي من مجال للنقاش العام إلى مساحة خاضعة للرقابة الذاتية والخوف القانوني.
خلاصة الأمر هي أن استقرار 2025م هو استقرار مُدار لا مُستدَام؛ استقرار ينجح في تأجيل الأزمات أكثر مما ينجح في معالجتها. فالأمن الذي يقوم على السيطرة وحدها يَظل أمنًا مؤقتًا، مرتبطًا بقدرة الدولة على الاستمرار في إدارة التهديدات لا في تفكيك أسبابها وجذورها. ومن دون انتقال حقيقي من منطق الضبط إلى معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأزمات، يبقى هذا النموذج مفتوحًا على احتمالات الاهتزاز، مهما بَدَا صلبًا في لحظته الراهنة.
([1]) Institute for Economics & Peace (IEP), Global Terrorism Index 2025: Measuring the Impact of Terrorism (Sydney: Institute for Economics & Peace, March 2025), PDF, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1isRG
([2]) رئاسة مجلس الوزراء، صفحة المكتب الإعلامي على الفيس بوك، مصر أكثر دول العالم تحسنا بمؤشر السلام العالمي، 15 يناير 2026م، https://2cm.es/1nsGT
([3]) Egyptian Streets, “Trump Praises ‘No Crime’ in Egypt, ‘Powerful Friend’ Sisi as Gaza Summit Kicks Off,” Egyptian Streets, October 13, 2025, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1nsJw
([4]) رئاسة الجمهورية، السيد الرئيس يصدر قانون الإجراءات الجنائية الجديد بعد موافقة مجلس النواب وزوال أسباب الاعتراض عليه، 12 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1iJsu
([5]) اليوم السابع، بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد فى أكتوبر 2026م، 13 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1iJrS
([6]) Egypt (Arab Republic), Law No. 174 of 2025: Enacting the Criminal Procedure Law, Official Gazette, Issue 45 bis D, November 12, 2025, PDF hosted by Youm7, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1nsJX.
([7]) الوطن، “حصاد الداخلية في 2025.. استراتيجية الضربات الاستباقية واليقظة الأمنية تجفف منابع الجريمة”، 2 يناير 2026م، https://2cm.es/1hEPv
([8]) المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لدعمهم فلسطين .. إحالة 64 للمحاكمة من بينهم أحمد بهجت عزت المختفي منذ 19 شهرًا، 9 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1iJrI
([9]) المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، معاذ الشرقاوي يبدأ إضرابًا عن الطعام بعد حرمانه من دخول امتحاناته، 29 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1iJrx
([10]) العربي الجديد، مصر: إدراج 121 اسماً على قوائم الإرهاب بقرارات نهائية، 3 فبراير 2025م، https://2cm.es/1nJKb
([11]) Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS), Egypt Adds Human Rights Defenders to New Terrorism Lists After Launch of ‘National Dialogue’, May 8, 2023, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1mCUx
([12]) International Court of Justice (ICJ), Egypt Requests the ICJ to Indicate Provisional Measures to Halt the Implementation and Execution of the Death Penalty in the Receiving State in the Pending Case, February 28, 2025, PDF, https://2cm.es/1nJKO
([13]) International Federation for Human Rights (FIDH), Egypt: Families of Exiled Journalists, Activists and Human Rights Defenders Held Hostage by the Authorities through Punishment by Proxy, Statement, November 12, 2025, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1mCUn
([14]) مدى مصر، تصاعد الملاحقات الأمنية في عدة محافظات.. ومحامٍ يتوقع تشديدات بالمقار الأمنية بعد فيديو “المعصرة”، 18 يوليو 2025م، https://2cm.es/1iJr9
([15]) Middle East Eye, “Young Egyptians Storm Police HQ over Gaza Blockade in Rare Act of Resistance,” Middle East Eye, July 28, 2025, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1mC2z
([16]) اليوم السابع، الداخلية: مقتل عنصرين من حركة حسم فى تبادل لإطلاق النار ببولاق الدكرور، 20 يوليو 2025م، https://2cm.es/1iJqL
([17]) Ahram Online, “Egypt Interior Ministry Kills 2 as It Foils Terrorist Plot by Hasm Movement,” Ahram Online, July 20, 2025, accessed January 5, 2026, https://english.ahram.org.eg/News/549880.aspx.
([18]) Ahram Online, “Egypt Interior Ministry Kills 2 as It Foils Terrorist Plot by Hasm Movement,” Ahram Online, July 20, 2025, accessed January 5, 2026, https://english.ahram.org.eg/News/549880.aspx.
([19]) MENA Rights Group, Transnational Repression in the MENA: The Role of Regional Organisations Engaged in Counter-Terrorism, July 4, 2024, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1mCV6
([20]) Anadolu Agency, “42nd Arab Interior Ministers Meeting Concludes with ‘Constructive Outcomes’ for Joint Arab Security,” Anadolu Agency, February 17, 2025, accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1mCVn
([21]) اليوم السابع، وزير الداخلية: انخفاض معدل ارتكاب الجرائم الجنائية بنسبة 14%، 22 يناير 2025م، https://2cm.es/1iJqw
([22]) Numbeo, Crime Index by Country 2024, Numbeo Crime Index by Country, accessed January 5, 2026, https://www.numbeo.com/crime/rankings_by_country.jsp?title=2024.
([23]) Numbeo, Crime in Cairo, Egypt, Numbeo Crime Index, accessed January 5, 2026, https://www.numbeo.com/crime/in/Cairo-Egypt.
([24]) سكاي نيوز عربية، يعمل محاميا.. مسلح يقتل عقيد شرطة داخل بنك مصر، 21 يناير 2025م، https://2cm.es/1nJPx
([25]) CNN عربية، مصر.. الداخلية تكشف ملابسات تعدي شخصين على ضابط شرطة بالصعيد، 17 مارس 2025م، https://2cm.es/1iJm7
([26]) Al Arabiya (TikTok user @alarabiya_egy), TikTok video, TikTok, [15 Apr 2025], accessed January 5, 2026, https://2cm.es/1nJPb.
([27]) قناة الشرق، “الظابط رفض يعملي محضر”.. وفاة موظف بنك داخل قسم شبرا ، ايه الحكاية ؟!، 17 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1iJpo
([28]) Ahram Online, “31% of Egyptian Wives Experienced Domestic Abuse in 2021: CAPMAS,” Ahram Online, November 27, 2022, https://english.ahram.org.eg/News/480568.aspx.
([29]) Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS), Egypt: Government’s Unrelenting Criminalization of Human Rights Work through Legislation and Retaliation Detailed in UPR Report, thematic report, January 23, 2025, accessed January 6, 2026, https://2cm.es/1iJmh.
([30]) الشرق الأوسط، «جريمة مفزعة» تهز الرأي العام في مصر، 27 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1iJoV
([31]) Ahram Online, “Egypt Sees 2.5% Drop in Marriages, 3.1% Rise in Divorces in 2024: CAPMAS,” Ahram Online, November 30, 2025, accessed January 6, 2026, https://2cm.es/1isRd.
([32]) United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA), Ministry of Planning, Economic Development and International Cooperation, Ministry of Social Solidarity, Central Agency for Public Mobilization and Statistics (CAPMAS), United Nations Children’s Fund (UNICEF), and Oxford Poverty and Human Development Initiative (OPHI), Multidimensional Poverty in Egypt: An In-Depth Analysis (Beirut: ESCWA, 2024), PDF, accessed January 6, 2026, https://2cm.es/1nsIg.
([33]) National Telecommunications Regulatory Authority (TRA), Egypt Classified in Tier 1 According to ITU-Global Cybersecurity Index, press release, September 18, 2024, accessed January 6, 2026, https://2cm.es/1nsI4.




