مقدمة
تكتسب دراسة الحالة العسكرية المصرية أهمية خاصَّة في ظِل المتغيرات المتتالية والتحوُّلات العميقة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، وما يترتب على هذه المتغيرات والتحوُّلات من تحديات وتهديدات متزايدة للأمن القومي المصري.
ويأتي هذا التقرير ليُسلِّط الضوء على أداء المؤسسة العسكرية خلال عام 2025م، بوصفها فاعلًا مركزيًّا في إدارة التهديدات التي تواجه الأمن القومي المصري، ومسؤولةً عن حماية المصالح الاستراتيجية للدولة، في مرحلةٍ تتسم بتعدد بؤر الصراع في دائرتي الجوار المباشرة وغير المباشرة، وما يصاحب ذلك من تصاعدٍ في حدة التهديدات وتشابك مساراتها، الأمر الذي يَفرِض على الجيش أدوارًا متزايدة في الردع والحماية وإدارة المخاطر.
يَعتمد التقرير منهجًا وصفيًّا تحليليًًا، يَجمع بين رصد الوقائع وتفكيك أنماط السلوك العسكري، واستنباط المؤشرات والدلالات، وصولًا إلى رصد الملامح الحاكمة للأداء.
ويتناول التقرير محاور عدة، تشمل تعامل الجيش مع ملفات الأمن القومي، في قطاع غزة وسيناء والسودان وليبيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وعلاقاته العسكرية الخارجية، وعمليات التسليح والتحديث، والفعاليات الداخلية للمؤسسة العسكرية، ودورها المتنامي في الشأن العام، وصولًا إلى استشراف ملامح هذا الدور خلال عام 2026م.
أولًا: الجيش وملفات الأمن القومي
تعاملت المؤسسة العسكرية المصرية مع ملفات عديدة للأمن القومي في عام 2025م، في سياق إقليمي بالغ التعقيد والتوتر، اتسم بتعدد بؤر التهديد وتشابك المخاطر، ما فرض عليها إدارة تحديات متزامنة، ومواءمة دقيقة بين التحركات العسكرية والحسابات السياسية.
1 – ملف سيناء وقطاع غزة:
أدَّى استمرار الحرب في قطاع غزة خلال عام 2025م إلى تعميق التهديدات الموجَّهة للأمن القومي المصري من جهتين رئيستين:
أولاهما خطر تهجير سكان قطاع غزة القسري إلى سيناء، الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه على مصر، وهو ما يُمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري؛ إذ يخلق بيئة أمنية هشَّة في شمال سيناء، ويُغيّر تركيبتها الديمغرافية، وينقل عبء الأزمة الفلسطينية إلى مصر بدل إسرائيل، فضلًا عن توفير ذريعة لتدخلات إسرائيلية مستقبلية لملاحقة المقاومة.
وثانيهما محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، حيث استمر احتلال إسرائيل للمحور، وأصبح جيش الاحتلال على تماس مباشر مع الحدود المصرية، وهو ما يُمثل خرقًا للترتيبات الأمنية واتفاقية السلام التي تسمح فقط بقوات عسكرية محدودة، وتمنع نشر أسلحة ثقيلة على مسافة 2.5 كم على طول الحدود.
لمواجهة احتمالية التهجير القسري وموازنة التواجد الإسرائيلي على الناحية الفلسطينية من الحدود، عززت مصر تواجدها العسكري في شمال سيناء، وذكرت تقارير أن الجيش المصري دفع بنحو 42 ألف جندي، إلى جانب أكثر من 1500 دبابة وآليَّة مدرعة، فضلًا عن تطوير قواعد عسكرية ومَدارج طائرات وأنظمة دفاع جوي في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة([1]). وعلى الرغم من تأكيد القاهرة أن انتشار القوات المسلحة في شمال سيناء جاء في ظِل تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام، في إشارة إلى إسرائيل، إلَّا أن الأخيرة طالبت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل والضغط على مصر لتقليص التعزيزات العسكرية في سيناء، باعتبارها تمثل “انتهاكات جسيمة” لاتفاقية السلام([2]).
وفي ديسمبر 2025م، ذكر تقرير إسرائيلي أن مصر استجابت لطلب إسرائيلي، بتقليص وجودها العسكري في سيناء، وأن هذا التقليص جزئي لقوات الجيش والشرطة، بما في ذلك المناطق القريبة من الحدود مع إسرائيل، ولكن حجم الانتشار العسكري المصري لا يزال أعلى من مستواه قبل الحرب([3]). وقد ربط البعض بين إعادة تمركز القوات المصرية في سيناء وموافقة إسرائيل على صفقة الغاز الكبرى مع مصر، بعد شهور من المماطلة([4]).
تُشِير هذه المعطيات مجتمعة إلى تصاعد القلق المصري إزاء الأهداف الإسرائيلية بعيدة المدى في قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، وتعكس موقفًا حاسمًا من الجيش المصري برفض سيناريو التهجير القسري لسكان قطاع غزة إلى سيناء، باعتباره خطًّا أحمر يَمسُّ جوهر الأمن القومي المصري. وفي الوقت ذاته، تُظهِر تحركات الجيش استعدادًا عسكريًّا محسوبًا للتعامل مع أيّ تطورات محتملة على الحدود الشرقية، مع الحفاظ على خطاب رسمي يؤكد الالتزام باتفاقية السلام، بما يَسمح لمصر بإدارة توازن دقيق بين الردع العسكري وضبط إيقاع التصعيد أو التهدئة وفق تطورات البيئة الإقليمية.
ولكن في الوقت نفسه، أصبح ملف الغاز عامل ضغط على الجيش المصري، إذ يُقيِّد هامش الخيارات العسكرية إزاء إسرائيل، ويَربط ترتيبات الانتشار والردع بحسابات سياسية واقتصادية معقدة. ويُهدِّد هذا الربط بتحويل الطاقة إلى أداة ابتزاز مستدامة، تُضعِف استقلال القرار العسكري وتَحدُّ من قدرة مصر على فرض معادلات ردع فعَّالة ومؤثرة.
2 – ملف السودان:
تُشكِّل تطورات الأزمة السودانية مجموعة متداخلة من المخاطر الجسيمة على الأمن القومي المصري، إذ يُفضِي قيام كيان مسلح تقوده ميليشيات الدعم السريع على الحدود الجنوبية الغربية لمصر إلى فتح مسارات واسعة لتهريب السلاح والمقاتلين والمخدرات والهجرة غير الشرعية، بما يمثل تهديدًا أمنيًّا مباشرًا. كما قد يؤدي غياب الدولة المركزية وتفكُّك السلطة إلى خلق بيئة خصبة لتمدد جماعات مسلحة ومتطرفة عابرة للحدود، بما يَفرِض ضغوطًا أمنية مستقبلية متزايدة على الجيش المصري. ويُفاقِم من هذه المخاطر تعاظم نفوذ قوى إقليمية معادية داخل المجال الحيوي الإفريقي لمصر عبر دعمها السياسي والمالي والعسكري للميليشيات، فضلًا عن احتمالات تهديد الأمن المائي المصري نتيجة تراجع التنسيق حول إدارة مياه النيل في ظِل سيناريوهات عدم الاستقرار أو انقسام السودان.
لم تُقدِم مصر على تدخل عسكري مباشر في السودان، ولكن ثمَّة اتهامات من جانب ميليشيات الدعم السريع للقاهرة بدعم الجيش السوداني وتزويده بذخائر وأسلحة ومساعدته في قصف مناطق تسيطر عليها الميليشيات بطائرات يقودها طيَّارون مصريون([5]). كذلك، ذكرت تقارير أن مصر قدَّمت للجيش السوداني دعمًا عسكريًّا متواصلًا منذ اندلاع الحرب، وهو ما تنفيه القاهرة.
ولكن مع تسارع التطورات العسكرية، وسقوط مدينة الفاشر في أكتوبر 2025م، وتَقدُّم ميليشيات الدعم السريع في دارفور وكردفان، واقترابها من الحدود المصرية، واتجاه التطورات نحو انفصال غرب السودان وانقسام البلاد بحكم الأمر الواقع، غيَّرت القاهرة استراتيجيتها جذريًّا، وعزز الجيش المصري وجوده على الحدود السودانية الليبية، وأطلق دوريات جوية مستمرة لرصد أيّ تحركات مريبة.
وقد نقل تقرير عن مصدر رفيع في الاستخبارات العسكرية المصرية قوله إن “التعاون جارٍ بين الجيشين المصري والسوداني لتشكيل قوة قيادة مشتركة لردع قوات الدعم السريع ومنع أيّ تسلل محتمل إلى مصر عبر الحدود مع السودان أو ليبيا”، وأكد المصدر أن هذا التعاون أثمر عن غرفة عمليات مشتركة في شمال كردفان، بالإضافة إلى تقديم أنظمة رادار جديدة للإنذار المبكر، وأن هذه الخطوات تزامنت مع زيارة لرئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد فتحي، إلى بورتسودان، حيث نسَّق مع القيادات السودانية الخطط الميدانية على الحدود المشتركة([6]).
في هذا السياق، أعلنت مصر في ديسمبر 2025م، خطوطها الحمراء في السودان، مؤكدةً دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه ورفضها لأيّ انفصال أو كيانات موازية، مع التلويح بخيار التدخل العسكري كملاذٍ أخيرٍ([7]).
استندت القاهرة في التلويح بالتدخل العسكري إلى اتفاقية الدفاع المشترك، والمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بما يُوفر غطاءً قانونيًا وشرعية دولية لأيّ تحرك محتمل، ويَعكِس سعيًا إلى تأطير استخدام القوة ضمن إطار الدفاع عن النفس وحماية الأمن القومي، لا بوصفه تدخلًا في الشأن الداخلي السوداني، بل كإجراء ردعي استثنائي مرتبط بتجاوز الخطوط الحمراء وتهديد الحدود المصرية ووحدة الدولة السودانية.
يَدلُّ الموقف المصري المُلوِّح بالخيار العسكري على ترسيخ اعتبار السودان امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وعلى انتقال القاهرة من الدبلوماسية الحذرة إلى تبنِّي سياسة ردع صريح تهدف إلى منع تفكُّك الدولة السودانية أو قيام كيانات مسلحة موازية على حدودها الجنوبية. كما يَعكِس هذا الموقف دعمًا واضحًا للمؤسسة العسكرية السودانية بوصفها الجهة الشرعية الوحيدة، مع توجيه رسالة ردع إقليمية للأطراف الداعمة للميليشيات.
3 – ملف ليبيا:
رغم ما أثير عن وجود خلافات بين القاهرة وبنغازي، بسبب مواقف متعارضة بين الطرفين، يَرتبط أبرزها بالحرب في السودان وانحياز حفتر إلى ميليشات الدعم السريع ومشاركة قوات تابعة له في هجوم شنته الميليشيات على منطقة في المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا([8])، إلَّا أن العام المنقضي شهد مظاهر اهتمام مشترك بتعزيز التعاون العسكري بين القوات المسلحة المصرية وما يُعرَف بـ»الجيش الوطني« في شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، وولديه: نائب القائد العام صدَّام حفتر، ورئيس الأركان خالد حفتر.
تجلَّى هذا الاهتمام في تعدد الزيارات التي قام بها حفتر وولداه إلى مصر ولقائهم السيسي وكبار قيادات الجيش المصري، إذ زار حفتر القاهرة مرتين في يناير ويونيو، واصطحب معه في زيارته الثانية ولديه للقاء السيسي، وزار صدام حفتر القاهرة في يونيو، ومن بعده خالد حفتر في سبتمبر، والتقى كل منهما برئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية.
أكَّدت لقاءات قيادات الجيش المصري بحفتر وولديه على تعزيز التنسيق العسكري والأمني، وتأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، إلى جانب الاتفاق على برامج التدريب وتبادل الخبرات، ودعم بناء مؤسسة عسكرية ليبية منضبطة باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار ليبيا وأمن المنطقة([9]).
هذه اللقاءات كانت بمثابة رسالة، مفادها أن العلاقات العسكرية بين القاهرة وبنغازي استراتيجية، وتحظى بأهمية مشتركة، ولن تتأثر بسبب خلافات وتباينات ظرفية في إدارة بعض الملفات السياسية والإقليمية.
كما أنها حملت دلائل عديدة، أبرزها استمرار قنوات التواصل العسكري رفيع المستوى بين الجانبين رغم وجود تباينات سياسية أو إقليمية، واعتماد القاهرة على قوات الشرق الليبي بوصفها شريكًا رئيسًا في تأمين الحدود الغربية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، إلى جانب ترسيخ مركزية مصر كشريك عسكري أساسي لقوات حفتر، بما يَعكِس اعتمادًا كبيرًا على القاهرة في ملفات التدريب والتنسيق والدعم، فضلًا عن تعزيز شرعية القيادة العسكرية في شرق ليبيا عبر الظهور المتكرر لها في القاهرة بوصفها فاعلًا إقليميًّا مركزيًّا.
4 – ملف أمن البحر الأحمر:
واجهت مصر في عام 2025م تصاعدًا غير مسبوق في المخاطر البحرية، أبرزها الهجمات الحوثية على السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وباب المندب، وما نتج عنها من تهديد مباشر لأمن الملاحة الدولية. كما بَرزت مخاطر التدويل العسكري المتزايد للبحر الأحمر نتيجة انتشار الأساطيل الأجنبية، وتكثيف التنافس بين القوى الكبرى. إلى جانب ذلك، مثَّلت محاولات بعض القوى الإقليمية غير المشاطئة، وعلى رأسها إثيوبيا، السعي للحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر، عامل ضغط إضافي على الأمن القومي المصري.
لم تشارك مصر في عمل عسكري ضد الحوثيّين رغم خسائرها في إيرادات قناة السويس؛ لأن التحالف البحري الذي قادته الولايات المتحدة كان يَهدِف إلى حماية إسرائيل وكَسْر الحصار البحري عن ميناء إيلات، وهو ما يَجعل مصر شريكًا علنيًّا في حماية إسرائيل في حال مشاركتها في مهاجمة الحوثيّين. كما أن ضغط الحوثيّين على إسرائيل لرفع الحصار عن غزة كان يَخدم أمن مصر القومي ويَمنع سيناريو تهجير الفلسطينيّين إلى سيناء([10]). ولهذا نفت مصر، مطلع العام 2025م، مزاعم إسرائيلية بوجود استعدادات مصرية للتدخل في اليمن([11]).
تعاملت مصر مع التهديدات في البحر الأحمر من خلال تعزيز التعاون العسكري مع الدول المتشاطئة، فشاركت في مناورات بحرية، مثل »الموج الأحمر 8«، التي نظمتها السعودية في نوفمبر، بمشاركة الأردن والسودان واليمن وجيبوتي، ورَكَّزت على توحيد مفاهيم العمل المشترك، ومواجهة التهديدات البحرية غير التقليدية، وتأمين الممرات الاستراتيجية([12]).
كما انتقلت القاهرة من إطار المناورات الدورية إلى مسار التحالفات المؤسسية عبر توقيع بروتوكول تعاون بحري مع السعودية، في سبتمبر، لتوسيع التعاون في مجال الأمن البحري، والدفع نحو تشكيل قوة بحرية مشتركة تحت مظلة »مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر« ([13]).
عكست التحركات المصرية عددًا من المؤشرات اللافتة، أهمها الانتقال من رَدِّ الفعل إلى الفعل الاستباقي في إدارة أمن البحر الأحمر، وتصاعد وتيرة التنسيق المصري–السعودي على المستوي العسكري. كما تشير المناورات وتوسيع دائرة المشاركين فيها إلى إدراك مصري متزايد بأن التهديدات البحرية باتت مركَّبة وغير تقليدية، وتتطلب مقاربات عسكرية جماعية عربية بدل الاعتماد على التحالفات الدولية وحدها. ويُعَد الإصرار المصري على رفض أي وجود عسكري لدول غير مشاطئة مؤشرًا واضحًا على محاولة ضبط معادلة الأمن الإقليمي.
5 – ملف القرن الإفريقي:
تُمثِّل منطقة القرن الإفريقي عمقًا استراتيجيًّا للأمن القومي المصري؛ لارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وحماية الملاحة في قناة السويس، فضلًا عن اتصالها بقضية مياه نهر النيل، ودورها في موازين النفوذ الإقليمي والدولي المحيطة بمصر.
وقد شهدت هذه المنطقة تصاعدًا في المخاطر التي تهدد الأمن القومي المصري، متمثلةً في التنافس الإقليمي والدولي وبناء القواعد العسكرية الأجنبية، وتنامي النفوذ الإثيوبي والإسرائيلي والتركي، وتهديد أمن البحر الأحمر، إلى جانب انعكاسات أزمة سد النهضة.
لمواجهة المخاطر المتصاعدة في القرن الإفريقي، انتهجت مصر مقاربة شاملة، عملت من خلالها على إعادة هيكلة تحالفاتها بدول المنطقة، عبر تعزيز التعاون بأشكاله المختلفة، ومنها العسكري، بهدف موازنة نفوذ القوى الإقليمية، ومنع أي ترتيبات إقليمية تهدد مصالحها.
في هذا السياق، كَثَّفت مصر لقاءاتها العسكرية رفيعة المستوى مع قيادات صومالية وجيبوتية وإريترية، ووَقَّعت اتفاقيات تعاون دفاعي شملت التدريب، وتبادل الخبرات، ودعم القدرات العسكرية. وفي ديسمبر، أفادت مصادر أن الجيش المصري سوف يقوم بتطوير موانئ استراتيجية في إريتريا وجيبوتي، بموجب اتفاقية لزيادة طاقتها وإنشاء أرصفة للسفن الحربية، وإتاحة إمكانية نشر قوات عسكرية صغيرة([14]).
كان التطور الأبرز في المقاربة المصرية هو موافقة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي على طلب مصري بنشر قوات مصرية في الصومال، تحت مظلة بعثة الاتحاد التي تشمل مهامها دعم الجيش الوطني الصومالي في محاربته لـ»جماعة الشباب« وتأهيله لاستلام المسؤولية الأمنية([15]). جاءت الخطوة المصرية بعد قيام إثيوبيا بتوقيع اتفاقية مع إقليم أرض الصومال الانفصالي (صوماليلاند)، للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
اعتبرت إثيوبيا الوجود العسكري المصري في الصومال محاولة لمحاصرتها، وقال رئيس الأركان الإثيوبي إن القوات المصرية تُمثِّل “تهديدًا أمنيًّا متصاعدًا”، وتحمل “نوايا استراتيجية” قد تزعزع استقرار إثيوبيا([16]).
تشير التقديرات إلى أن الصدام العسكري المباشر بين مصر وإثيوبيا يَظل مستبعدًا، بفعل الضغوط الدبلوماسية الإقليمية والدولية، والتحديات الداخلية لكلا البلدين، إضافة إلى انشغال إثيوبيا بصراعات مسلحة داخلية، مع ترجيح توجيه أيّ تصعيد إثيوبي مستقبلي نحو إريتريا أكثر من مصر. إلَّا أن احتمالات الصراع غير المباشر تبقى قائمة عبر حروب بالوكالة، سواء داخل الصومال، أو عبر توظيف جماعات محلية، في إطار تنافس استراتيجي محدود الكلفة([17]).
6 – ملف سد النهضة:
في ظِل فشل المسارات الدبلوماسية والسياسية المصرية في ملف سَدِّ النهضة، واستمرار إثيوبيا في إجراءاتها الأحادية التي أفضت إلى اكتمال السد وفرض الأمر الواقع، عاد الحديث في 2025م عن الحل العسكري إلى الواجهة مجددًا، بوصفه خيار ردع أخير.
فقد فسَّر مراقبون التصعيد في الخطاب الرسمي المصري، من خلال اعتبار سد النهضة تهديدًا وجوديًّا للأمن القومي، مع إعلان فشل المسار التفاوضي، والتأكيد على حق الدفاع الشرعي وفق القانون الدولي، وربط الملف بالأمن الإقليمي، بأنه تلويح بالعمل العسكري([18]).
ولكن هل يمكن لمصر أن تقوم بعمل عسكري ضد سد النهضة؟ لقد كان الحديث يَدور قبل بناء السد واكتمال عمليات تخزين المياه عن وجود صعوبات متعددة تحول دون تنفيذ السيناريو العسكري، أبرزها البُعد الجغرافي، وتعقيدات عبور أجواء دول أخرى، وقوة التحصينات الخرسانية للسد وامتلاك إثيوبيا منظومات دفاع جوي.
بعد اكتمال البناء وتخزين أكثر من 70 مليار متر مكعب من المياه، تواجه الضربة العسكرية قيودًا كبيرة، أبرزها مخاطر الفيضانات الكارثية على السودان ومصر معًا، والحسابات الإقليمية والدولية، واحتمال محدودية الأثر العسكري. الأمر الذي يَجعل الخيار العسكري حاليًا أداة ردع وضغط أكثر منه قرارًا قابلًا للتنفيذ.
ملامح عامة
في نهاية هذا المحور، يمكن تحديد عدد من الملامح العامة لطريقة تعامل الجيش المصري مع ملفات الأمن القومي في 2025م، وهي على النحو الآتي:
- اعتماد مقاربة “الردع المَرِن”، عبر التلويح بالخيار العسكري دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة، مع توظيف الانتشار العسكري وإعادة التموضع كأدوات ضغط استراتيجي.
- أولوية حماية الحدود والعمق الحيوي، بوصفها خطوطًا حمراء غير قابلة للمساومة، خاصَّة في سيناء والحدود الجنوبية.
- الدمج بين العمل العسكري والتحالفات الإقليمية، بما يَحدُّ من كلفة التدخل المباشر ويُعزِّز شرعية التحركات المصرية.
- إدارة التوازن بين الالتزامات الإقليمية والدولية ومتطلبات الأمن القومي، مع الحفاظ على هامش مناورة سياسي وعسكري.
- تصاعد النزعة الاستباقية في مواجهة التهديدات المُركَّبة وغير التقليدية، بدل الاكتفاء بردود الفعل.
ثانيًا: علاقات الجيش الخارجية
تُعَد العلاقات الخارجية للجيش أحد المكونات الأساسية للسياسة الدفاعية للدولة؛ إذ تؤدي دورًا محوريًّا في تعزيز القدرات العسكرية، وتوسيع مجالات التعاون، وإدارة التوازنات الاستراتيجية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
1 – التعاون الدولي:
عزز الجيش المصري تعاونه مع الدول الخارجية، عبر الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، وتوقيع الاتفاقيات العسكرية، وتبادل الخبرات، وترسيخ الشراكات الدفاعية المشترك.
في هذا السياق، تبادل وزير الدفاع، الفريق أول عبد المجيد صقر، ورئيس الأركان، الفريق أحمد فتحي خليفة، الزيارات مع قيادات عسكرية كبرى من كل من الكويت، وفرنسا، وقبرص، والإمارات، ونيوزيلندا، وباكستان، وتنزانيا، والسعودية، وإيطاليا، وروسيا، وكوريا الجنوبية، للبحث في سُبُل تعزيز أوجه العلاقات العسكرية، وتبادل الرأي حول التطورات الإقليمية والدولية.
واستقبل وزير الدولة للإنتاج الحربي، محمد صلاح الدين مصطفى، مسؤولين من دول مثل سنغافورة، وكوريا الجنوبية، للبحث في إمكانيات فتح آفاق جديدة للتعاون في مجال التصنيع العسكري والمدني.
وعلى هامش هذه الزيارات، تمَّ توقيع مجموعة اتفاقيات للتعاون العسكري، كاتفاقية التعاون بين مصر والكويت، لنقل الخبرات في العديد من المجالات العسكرية، وتوحيد الجهود، وتعزيز التنسيق، ورفع مستوى الجاهزية. وبروتوكول تعاون لدعم جهود الأمن البحري. ومذكرة التفاهم بين الهيئة العربية للتصنيع وكبرى الشركات الباكستانية (GIDS)، لتعميق التصنيع وتوطين التكنولوجيا في مجال الصناعات الدفاعية([19]).
2 – مفاوضات شراء الأسلحة:
أجرت مصر مفاوضات مع دول عديدة من أجل عقد صفقات تسليح جديدة، في إطار تنويع مصادر التسليح، كان أبرزها ما ذكر عن مفاوضات مع كوريا الجنوبية حول إمكانية حصول مصر على طائرة القتال الخفيفة (FA-50)، وصواريخ (TAipers) المضادة للدروع، وراجمات الصواريخ (K239 Chunmoo). والمفاوضات مع فرنسا من أجل شراء دفعة جديدة من مقاتلات »رافال«، لتوسيع أسطول مصر من هذه الطائرات([20])، رغم امتناع فرنسا حتى الآن عن تزويد مصر بصواريخ (Meteor) في الصفقات السابقة، لضمان تفوق إسرائيل العسكري، والاكتفاء بتسليح هذه الطائرات بصواريخ (MICA) الأقصر مدى.
كذلك أبدت مصر اهتمامًا بالدبابة الكورية الجنوبية (K2 Black Panther)، وبالدبابة الفرنسية (Leclerc). يأتي هذا الاهتمام في إطار سَعْي القاهرة للحصول على دبابات من الجيل الجديد ضمن خطة طويلة الأمد لتحديث القدرات القتالية البرية.
كما تمَّ تحريك مفاوضات بين مصر وإسبانيا حول صفقة غواصات متطورة، من طراز (S-80)، التي تعد من أكبر الغواصات غير النووية. ولا تسعى القاهرة إلى مجرد شراء الغواصات، بل تهدف إلى نقل تكنولوجيا التصنيع إلى الداخل، من خلال شراكة مع الجانب الإسباني تسمح بإنتاج أجزاء من هذه الغواصات في حوض الإسكندرية لبناء السفن.
وجددت أوساط عسكرية وإعلامية الحديث عن صفقة تسليح ضخمة بين مصر وإيطاليا، يعود التفاوض حولها إلى عام 2020م، وتتجاوز 10 مليارات يورو، وتهدف إلى إحداث نقلة نوعية في قدرات القوات البحرية والجوية المصرية، حيث تتضمن 6 فرقاطات، إلى جانب 24 مقاتلة، و20 منصة إطلاق صواريخ، وأسلحة أخرى.
3 – التصنيع العسكري المشترك:
لم تقتصر المفاوضات مع الدول الخارجية على شراء الأسلحة، بل تضمَّنت أيضًا التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا العسكرية وتوطينها في مصر.
في هذا الإطار، ذكرت تقارير أن مفاوضات – غير مؤكدة – قد جَرَت بين مصر وفرنسا، تضمَّنت اتفاقًا لنقل التكنولوجيا، يُتِيح لمصر تصنيع بعض مكونات الطائرة »رافال« محليًّا.
كذلك، أعلنت القاهرة عن مفاوضات مع كوريا الجنوبية للإنتاج المشترك لدبابة القتال الرئيسة »بلاك بانثر«، مع نقل تكنولوجيا التصنيع إلى مصر.
وفي مؤشر على التقارب العسكري بين مصر وتركيا، وَقَّعت وزارة الإنتاج الحربي اتفاقية مع شركة »هافيلسان« التركية لإنتاج الطائرة المُسيَّرة »تورخا« في مصر، التي تستخدم أحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي لجمع المعلومات والاستطلاع والمراقبة([21]). كما أن مصر صارت تقترب من الانضمام إلى مشروع تطوير المقاتلة الشبحية التركية من الجيل الخامس »قآن«، التي تطورها شركة الصناعات الجوية التركية (TAI)، وتُعَد من أهم المشاريع الاستراتيجية الدفاعية لتركيا([22])، ويمكن أن تقلل الفجوة التكنولوجية في القوات الجوية بين البلدين وإسرائيل، في ظِل التزام الولايات المتحدة بضمان التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي وحرمان البلدين من الحصول على طائرات أمريكية حديثة، مثل (F-35) التي تملكها إسرائيل وأظهرت كفاءتها في الحرب مع إيران.
4 – المناورات المشتركة:
شاركت مصر في عدد كبير من المناورات العسكرية المشتركة مع دول أجنبية، اتسمت بتنوُّع الشركاء المشاركين، وشملت تدريبات برية وبحرية وجوية ومتعددة الأفرع، بما عكس توجهًا مصريًّا نحو تعزيز الجاهزية القتالية، وتوسيع دوائر التعاون العسكري، واستخدام المناورات كأداة استراتيجية لإدارة العلاقات الإقليمية والدولية.
من هذه المناورات مناورة »النجم الساطع«، في نسختها الـ19 (أغسطس 2025م)، مع الولايات المتحدة، وبمشاركة دول أخرى، وهي أضخم التدريبات المشتركة في الشرق الأوسط، وتُعد مظهرًا للعلاقة الأمنية الاستراتيجية والشراكة التاريخية بين مصر وأمريكا.
وشهد العام المنقضي توجهًا نحو الشرق، تمثل في مناورة بحرية مع روسيا، أُطلِق عليها اسم »جسر الصداقة« (أبريل 2025م)، وأخرى جوية مع الصين، أُطلِق عليها اسم »نسر الحضارة« (مايو 2025م)، في دلالة واضحة على رغبة مصر في تعزيز التوجُّه نحو تنويع الشراكات الدولية دون التزام أيديولوجي، وموازنة النفوذ الأمريكي والغربي، من خلال كَسْر نمط الاعتماد التقليدي على الشركاء الغربيّين، بما يُقلِّل من قابلية الضغط السياسي من طرف واحد. ولكن هذا لا يَعني انضمام مصر إلى محور مضاد للولايات المتحدة والغرب.
وشاركت مصر في مناورة »ميدوزا 14« البحرية الجوية (نوفمبر 2025م)، ومناورة »كليوباترا« البحرية (ديسمبر 2025م)، مع دول من قبيل اليونان وقبرص وفرنسا، وهي الدول المناوئة لتركيا في أوروبا، خاصَّة اليونان وقبرص اللتين شكلتا مع مصر وإسرائيل محورًا ضد تركيا في شرق المتوسط. ولكنها شاركت مع تركيا أيضًا، في مناورة »بحر الصداقة« البحرية (سبتمبر 2025م)، في دلالة على استعداد مشترك من البلدين لتجاوز مرحلة التوتر وفتح صفحة تعاون عملي على أساس المصالح المشتركة.
وقد عبَّرت أوساط إسرائيلية عن قلقها من عودة المناورات العسكرية بين مصر وتركيا بعد انقطاع لسنوات، خاصَّة لتزامنها مع تصاعد حِدَّة التوتر بالشرق الأوسط([23]).
كذلك شاركت مصر في مناورة »الأسد الإفريقي« (مايو 2025م)، في تونس والمغرب وغانا والسنغال، والتي شهدت مشاركة إسرائيلية من لواء غولاني المشارك في حرب الإبادة بقطاع غزة، وقد بَرَّرت القاهرة مشاركتها بأنها كانت للمراقبة والاطلاع فقط([24]). في المقابل، رفضت مصر المشاركة في المناورة التي نظمتها لجنة الدفاع بمنطقة شمال إفريقيا (NARC)، في الجزائر، في مايو 2025م؛ لمشاركة جبهة البوليساريو فيها([25]).
5 – العلاقات مع الولايات المتحدة:
تتسم العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة بطابع استراتيجي مُركَّب، يقوم على مزيج من الشراكة الأمنية والمصالح المتبادلة، في إطار ترتيبات إقليمية ودولية أوسع، ظلَّت تحكم هذا المسار منذ 1979م، مع ما يَعتريها أحيانًا من توترات مرتبطة باعتبارات سياسية وحقوقية.
كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد أقدمت في أوائل يناير 2025م على خفض جزء صغير من المعونة العسكرية لمصر، في خطوة ارتبطت بانتقادات بشأن سجل حقوق الإنسان، مع الإبقاء على إجمالي المعونة السنوية البالغة نحو 1.3 مليار دولار.
ومع عودة دونالد ترامب للحكم، وتوجُّه مصر إلى دول مثل الصين وروسيا لشراء أسلحة متقدمة، مارست واشنطن ضغوطًا على مصر من أجل التراجع عن إبرام صفقات مع الدولتين، تشتمل على طائرات شبحية متقدمة، لاعتبارات كثيرة، على رأسها المحافظة على التفوق النوعي لسلاح الجو الإسرائيلي، وضمان عدم خروج القاهرة من دائرة النفوذ الأمريكي.
وبالتوازي مع هذه الضغوط، أقدمت واشنطن على دعم القدرات العسكرية المصرية عبر صفقات تسليح نوعية، أبرزها الموافقة على صفقات تشمل منظومة الدفاع الجوي »ناسامز« (NASAMS)، وصواريخ »أمرام« (AMRAAM)، ما يَعِكس حرص واشنطن على الحفاظ على مصر كحليف رئيسي من خارج حلف الناتو، دون السماح بحدوث اختلالات جوهرية في توازنات القوة الإقليمية.
كذلك جَرَت مفاوضات حول تسليح الجيش المصري بالطائرة الأمريكية (F-15)، ولكن الصفقة ما زالت تواجه عراقيل بسبب جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الكونغرس، خاصَّة أن مصر تريد النسخة الأحدث من الطائرة، في حين تطرح الولايات المتحدة تقديم نسخة أقل حداثة من التي قدمتها لدول أخرى بالمنطقة([26]).
وعلى صعيد التعاون التدريبي، استمرت المناورات المشتركة، خاصَّة مناورات »النجم الساطع 2025م«، التي تركز على مكافحة الإرهاب وتعزيز القدرة على العمل المشترك.
في المقابل، برزت مؤشرات على توترات محدودة، منها وجود توجُّه أمريكي لخفض المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، بداية من عام 2026م([27])، ومنع قاذفات أمريكية من طراز (B52) من عبور الأجواء المصرية لعدم الحصول على التصاريح اللازمة.
6 – »الناتو العربي«:
عاد الحديث عن إحياء المبادرة المصرية، التي كانت قد طرحتها في 2015م، بإنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، فيما يُعرَف إعلاميًّا باسم »الناتو العربي«، في سبتمبر 2025م، في ظِل تدهور أمني إقليمي، خاصَّة بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة([28])، وتنامي الشكوك في المظلة الأمنية الأمريكية لدول الخليج.
كان من المُفترَض أن تقوم مصر بدور محوري في هذه المبادرة، ولكن هذا التحالف العسكري تَصعُب إقامته؛ لغياب التوافق العربي، وتَعارُض التحالفات الإقليمية والدولية للدول العربية. وبدلًا من أن تتجاوب دولة مثل السعودية مع المبادرة المصرية، لجأت إلى باكستان، وعقدت معها اتفاقية دفاع مشترك، ولم تلجأ إلى مصر التي لا تمتلك الردع النووي، ولم تُحوِّل تعهدها بحماية أمن الخليج إلى واقع ملموس، حينما رفضت المشاركة في الحرب ضد الحوثيّين. بل إن مصر نفسَها سارت على خطى السعودية، وبدأت في توثيق علاقاتها العسكرية مع باكستان.
ملامح عامة
في نهاية هذا المحور، يمكن تحديد عدد من الملامح العامة للعلاقات الخارجية للجيش المصري في 2025م، وهي على النحو الآتي:
- تنوع الشراكات، من خلال التحركات العسكرية الخارجية، باعتماد سياسة تنويع مصادر التسليح والمناورات المشتركة، دون الوصول إلى قطيعة مع الحليف الاستراتيجي الأمريكي.
- الاهتمام بالتصنيع العسكري كأولوية استراتيجية، من خلال الاتجاه المتزايد نحو التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا العسكرية وتوطينها، في محاولة لتقليل الاعتماد الخارجي.
- تجاوز المناورات المشتركة وظيفتها التدريبية، لتصبح وسيلة لإرسال رسائل سياسية وإعادة تموضع إقليمي، خاصَّة في ظِل التنافس الدولي على النفوذ في الشرق الأوسط.
- ارتباط العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة بالشروط السياسية والأمنية، وعلى رأسها ضمان التفوق النوعي لإسرائيل ومنع القاهرة من الانفتاح الكامل على بدائل استراتيجية منافسة.
- محدودية القدرة على بناء ترتيبات أمنية عربية جماعية، في ظِل تضارب المصالح والتحالفات، وضعف الثقة المتبادلة بين الفاعلين الإقليميّين.
- الاعتماد على سياسة مرنة تقوم على إدارة التوازنات، وتفادي الانخراط في محاور صلبة، بما يحافظ على هامش المناورة الاستراتيجية في ظِل المتغيرات والتوترات الإقليمية.
ثالثًا: تسليح الجيش
أكَّدت التطورات الإقليمية، خاصَّة المواجهات العسكرية الأخيرة بين إسرائيل وإيران، أن التفوق العسكري بات مرهونًا بامتلاك تسليح متطور، ولا سيما القوة الجوية ومنظومات الدفاع الجوي الحديثة، ما يُعزِّز أهمية استمرار مصر في تحديث قدراتها التسليحية في ظِل سباق التسلح الذي تشهده المنطقة.
1 – استلام أسلحة جديدة:
شهد عام 2025م تقدمًا في تسليم طائرات »رافال« الفرنسية إلى مصر، بعد أن تسلَّم سلاح الجو مقاتلتين جديدتين ضمن الدفعة الثانية التي طلبتها مصر، والتي تشمل 30 طائرة، تقدر قيمتها بحوالي 3.75 مليار يورو، ويُموَّل العقد من خلال قرض تمويلي تصل مدته إلى 10 سنوات.
هذه الصفقة لا تشمل صواريخ جو-جو بعيدة المدى من طراز »ميتيور«، التي لم تُضمَّن في الصفقة للحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة([29]).
وللدفاع الساحلي، استوردت مصر من كوريا الجنوبية 51 مركبة قيادة وتحكُّم ناري من طراز (K11)، إلى جانب 216 مدفع هاوتزر ذاتي الحركة من نوع (K9A1)، بعد إجراء تعديلات مخصصة لتلبية متطلبات المهام المضادة للسفن.
كذلك رُصِد وصول طائرات نقل عسكرية صينية إلى مصر، منتصف العام الماضي، في ظِل تواتر تقارير عن صفقات تسليح غير معلنة بين البلدين.
2 – الكشف عن أسلحة في حوزة الجيش:
كشفت القوات المسلحة المصرية، لأول مرة في 2025م، عن أسلحة جديدة تمتلكها بالفعل، منها أسلحة خاصَّة بالدفاع الجوي، كالمنظومة الروسية بعيدة المدى (S-300VM)، التي حصلت عليها مصر ضمن صفقة سرية تعود إلى عام 2014م، ما يَعني أن هذا النظام المتقدم قد دخل الخدمة الفعلية منذ سنوات دون إشارة رسمية. والمنظومة الصينية (HQ-9B)، التي تُشبه في أدائها منظومة »إس-400« الروسية، وتمَّ الإعلان عنها كجزء من مكونات نظام الدفاع الجوي في مصر، بعد أن كان شراؤها موضع تكهنات منذ عام 2017م.
كذلك تمَّ الكشف عن منظومات رادارية، منها رادار الإنذار المبكر فرنسي الصنع (GM400)، وهو من أحدث أنظمة الرصد ثلاثية الأبعاد بعيدة المدى، ورادار منظومة الدفاع الجوي الألمانية (IRIS-T SLM)، الذي يتميز بقدرته على رصد وتتبع الأهداف الجوية بدقة.
امتلاك هذه المنظومات يُعَد إضافة نوعية لقوات الدفاع الجوي، ويَمنحها عمقًا استراتيجيًّا في مواجهة التهديدات الجوية المعقدة، بما في ذلك الهجمات الصاروخية والطائرات الشبحية([30]).
3 – منتجات عسكرية مصرية الصنع:
ثمَّة رافد آخر من روافد التسليح في الجيش المصري، بالإضافة إلى الاستيراد، وهو التصنيع العسكري المحلي. وقد شهد عام 2025م مؤشرات على اهتمام مصري بالعودة إلى التصنيع العسكري، بعد عقود من التراجع.
كان معرض »إيديكس 2025م« فرصة لعرض منتجات عسكرية مصرية، منها ما هو جديد، مثل: الطائرة المُسيَّرة الانتحارية »جبَّار«، التي يَرى خبراء أنها مستلهمة من المُسيَّرة الإيرانية »شاهد 136«، وتُعَد أول طائرة من هذا النوع تُصنَّع محليًّا بالكامل([31]). وراجمة الصواريخ الموجهة المجنزرة »ردع 300«، التي تهاجم أهدافًا على مسافة 300 كيلومتر. ومركبة الإصلاح والنجدة »سيناء 806«، التي تعمل ضمن تشكيلات المركبات المدرعة.
ومن المنتجات العسكرية المعروضة بالمعرض ما هو مُطوَّر، مثل: المدفع المضاد للطائرات الذي تمَّ تطويره وتحميله على عربة خفيفة. والصلب المُطوَّر الذي يَدخل في إنتاج الدبابات والمدرعات القتالية. والراجمة »رعد 200«، التي تمَّ تعديل نظام التحكُّم بالقاذف ليكون هيدروليكيًّا بدلًا من نظام التحكم الكهربي.
ومن المنتجات العسكرية ما يُصنَّع عبر شراكة مع دول أخرى متقدمة في الصناعات العسكرية، كمنظومة المدفعية الذاتية الحركة، الهاوتزر (K9 A1 EGY)، التي تمَّ الإعلان عن إطلاق مشروع إنتاجها بالتعاون مع كوريا الجنوبية([32]). إلى جانب الإعلان عن التصنيع المحلي لأجزاء من الطائرة المقاتلة الفرنسية »رافال« التي تُشكِّل أحد الأعمدة الرئيسة للقوات الجوية المصرية.
لا شك أن التصنيع العسكري خطوة جيدة نحو الاكتفاء الذاتي والتخلص من الضغوط الخارجية، ولكن حجم التصنيع العسكري المصري لا يمكن أن يُلبي الاحتياجات الفعلية للجيش، حتى إن مصر تُعَد واحدةً من أكبر مستوردي السلاح على مستوى العالم في العقد الأخير، غير أن وزير الدولة للإنتاج الحربي، محمد صلاح الدين، صَرَّح بأن المنتجات المصرية العسكرية تبعث رسالة ردع لكل مَن يحاول تهديد أمن البلاد، ورسالة طمأنة للشعب المصري، فيما اعتبر آخرون أن مصر أصبحت الآن تصنع سلاحها، لتجنب ضغوط الدول المصدرة للسلاح وقت الحرب([33])، وهو أمر أبعد ما يكون عن الواقع حتى الآن.
4 – الاتجاه إلى السلاح الصيني:
تواترت أنباء في العام الماضي عن وجود مفاوضات بين مصر والصين للحصول على الطائرات المقاتلة الصينية من الجيل الرابع (J-10C)، لتحل محل طائرات غربية قديمة، ولتعزيز القدرات الجوية المصرية في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي، بعد رفض الولايات المتحدة طلبًا مصريًّا لشراء مقاتلات (F-35)، وتجميد صفقة مقاتلات »سوخوي 35« الروسية بعد تهديد أمريكي بفرض عقوبات على مصر.
الصفقة التي تحتوي على صواريخ جو-جو بعيدة المدى، تتيح لمصر – بحسب خبراء – تحدي التفوق الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، وهي الصواريخ التي ترفض الولايات المتحدة ودول أوروبية بيعها لمصر، حتى تحافظ على التفوق النوعي لإسرائيل.
ولكن في أغسطس 2025م، أفادت تقارير أن مصر قررت صرف النظر عن (J-10C) وستشتري، بدلًا من ذلك، طائرات مُسيَّرة صينية من طراز (WJ-700)، التي تعد خيارًا اقتصاديًّا جيدًا، ومتقدمة تقنيًّا، وأقل حساسية من الناحية السياسية، لكنها لا ترقى إلى مستوى المقاتلات، وتسد فقط بعض الفجوات في الدفاع الجوي.
ذكر خبراء أن تراجع مصر عن صفقة الطائرة الصينية لم يكن بسبب ضعف أدائها القتالي، بل نتيجة اعتبارات عملية مُركَّبة؛ أبرزها الكلفة المالية الباهظة، وصعوبة دمجها ضمن أسطول جوي متنوع المصادر، فضلًا عن الحاجة إلى منظومات مساندة مكلفة تفرض أعباءً تشغيلية واستراتيجية طويلة الأمد([34]). فيما ذكر مراقبون أن واشنطن وراء هذا التراجع؛ لأنها لا ترغب في أن تقتني مصر مقاتلات متطورة، ومجهزة بصواريخ طويلة المدى، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل. ولهذا مارست ضغوطًا على القاهرة للتراجع عن الصفقة.
5 – إلغاء صفقة مقاتلات روسية:
كشفت تقارير غربية أن مصر ألغت صفقة لشراء 26 مقاتلة »سوخوي 35«، كانت قد أبرمتها مع روسيا في 2018م، بقيمة 3 مليار دولار. ونسبت هذه التقارير إلى مسؤول عسكري مصري أن إلغاء الصفقة رسميًّا يعود إلى تقييم فني شامل كشف عن أوجه قصور خطيرة في أنظمة الطائرة، بما يجعلها لا ترقى إلى تطلعات القوات الجوية المصرية([35]).
مصادر متابعة للصفقة ترى أن الأسباب التي دفعت مصر إلى التراجع عن استلام الطائرات ليست تقنية في جوهرها، بل سياسية بامتياز. فقد لوحت الولايات المتحدة بفرض عقوبات بموجب قانون »كاتسا« على أي دولة تبرم صفقات تسليح كبرى مع روسيا، خاصَّة بعد الحرب في أوكرانيا. إلى جانب الضغط الأمريكي، تشير بعض التقارير إلى دور إسرائيلي ضاغط لمنع القاهرة من التزود بطائرات تُعتبَر متفوقة من حيث المدى والتسليح على طائرات مثل »رافال« الفرنسية أو »إف-16« الأمريكية، التي تملكها مصر حاليًا([36]).
ملامح عامة
في نهاية هذا المحور، يمكن تحديد أهم الملامح العامة لتسليح الجيش المصري في 2025م، وهي على النحو الآتي:
- استمرار مسار التحديث العسكري باعتباره ضرورة فرضتها التحولات الإقليمية وتسارع سباق التسلح في الشرق الأوسط.
- ثمَّة أولوية للقوة الجوية والدفاع الجوي في خطط التسليح، لمواجهة التهديدات الجوية والصاروخية المتطورة، والتي ظهرت في المواجهات العسكرية بالمنطقة.
- محاولة تنويع مصادر السلاح، مع السعي لتقليل الاعتماد على طرف واحد، رغم القيود السياسية المفروضة على نوعية التسليح.
- ثمَّة تأثير للضغوط الخارجية، خاصَّة الأمريكية والإسرائيلية، على قرارات التسليح وحدود التفوق النوعي المتاح للجيش المصري.
- تنامي دور التصنيع العسكري المحلي كرافد داعم للتسليح ورسالة ردع، دون بلوغه بعد مستوى الاكتفاء الذاتي.
- اتباع نهج براغماتي في الصفقات العسكرية يوازن بين الكلفة، والجدوى التشغيلية، والاعتبارات السياسية والاستراتيجية.
رابعًا: الفعاليَّات الداخلية للجيش
تعددت مظاهر الفعاليَّات الداخلية للمؤسسة العسكرية، بما عكس تركيزًا على رفع الجاهزية والكفاءة العملياتية، وتأمين الاتجاهات الاستراتيجية للدولة، وإعادة تدوير القيادات العسكرية، إلى جانب إبراز الشراكة الأمنية مع الشرطة، في ظِل تصاعد الانتقادات الحقوقية وتنامي التحديات المرتبطة بالأمن القومي.
1 – إبراز الجاهزية والاستعداد:
كان لافتًا خلال العام المنقضي حرص قيادات الجيش على إبراز مظاهر الجاهزية والتأكيد المتكرر على الاستعداد لمواجهة التهديدات المحتملة، من خلال ما يلي:
- تكثيف التفقدات الميدانية واللقاءات المباشرة، بهدف الوقوف على مستوى الجاهزية القتالية للوحدات المختلفة.
- التأكيد المتكرر من القيادات العسكرية على جاهزية القوات لتنفيذ أي مهمة تُكلَّف بها في أي وقت، بما يَعكِس استعدادًا عمليًّا ونفسيًّا للتعامل مع مختلف السيناريوهات.
- إبراز السَّعْي لامتلاك أسلحة حديثة وتبرير اقتنائها، من خلال ربط سياسات التسليح بتصاعد التهديدات واستشراف المخاطر، وباعتبارها ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومي.
- عقد لقاءات مباشرة مع الضبَّاط والجنود، لتوحيد المفاهيم ووجهات النظر تجاه القضايا الداخلية والإقليمية، وشرح سياسات الدولة، وضمان الانضباط والاصطفاف المؤسسي خلف القيادة السياسية والعسكرية.
- تعزيز التواجد العسكري في الاتجاهات الاستراتيجية، كإجراء وقائي ورَدْعي يَعكِس القدرة على الانتشار السريع والتعامل مع السيناريوهات الطارئة.
هذا التأكيد على الجاهزية والاستعداد حمل رسالة ردع للخارج، ورسالة طمأنة للداخل، في ظِل بيئة إقليمية مضطربة، بسبب الحرب في غزة، والتطورات الإقليمية المتسارعة.
2 – الأنشطة التدريبية:
نفذت القوات المسلحة العديد من الأنشطة التدريبية على مدار العام، في إطار خطة التدريب القتالي للتشكيلات والوحدات المختلفة.
من هذه الأنشطة مشروع مراكز القيادة التعبوي لأحد تشكيلات القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي، ومشروع مراكز القيادة التعبوي للجيش الثالث الميداني، ومشروع مراكز القيادة التعبوي للأسطول الشمالي بقيادة القوات البحرية، ومشروع مراكز القيادة التعبوي للمنطقة الغربية العسكرية (بالقرب من الحدود الليبية)، والمشروع التكتيكي الذي نفذته إحدى وحدات المنطقة الغربية العسكرية باستخدام الذخيرة الحيَّة، والرماية الصاروخية لعناصر من قوات الدفاع الجوي.
تهدف التدريبات العسكرية إلى رفع كفاءة وجاهزية القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على إدارة العمليات واتخاذ القرار في الظروف المفاجئة، وتطوير التنسيق بين الأفرع والتشكيلات المختلفة، بما يضمن تأمين المجال الجوي والحدود، والاستعداد الفوري لمجابهة التهديدات المحيطة بالأمن القومي المصري.
3 – تأمين الاتجاهات الاستراتيجية:
واصلت القوات المسلحة مساعيها لتأمين الاتجاهات الاستراتيجية، من خلال إحكام السيطرة على حدود الدولة البرية والبحرية، وحماية المنافذ الحيوية، لمَنْع تسلل التهديدات الخارجية والأنشطة غير المشروعة التي قد تمسُّ الأمن القومي.
وذلك من خلال تكثيف الدوريات البرية والبحرية والجوية، لضمان السيطرة المستمرة على المناطق الحدودية، ورصد أي تحركات غير مشروعة أو محاولات تسلل على مدار الساعة، وتأمين المعابر والموانئ والطرق والمحاور الاستراتيجية، وتنفيذ عمليات انتشار وقائي، والتنسيق العملياتي بين الأفرع المختلفة، ولا سيما بين حرس الحدود والجيوش الميدانية والقوات البحرية والجوية، بما يضمن سرعة الاستجابة وتكامل الجهود في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.
في هذا الإطار، أعلنت القوات المسلحة عن تنفيذ عمليات عديدة لضبط وإحباط التهريب، عبر استهداف شبكات تهريب الأسلحة والذخائر والمواد المخدرة، سواء عبر المنافذ البرية أو المسطحات البحرية.
4 – حركة التنقلات:
اعتمد السيسي، في يونيو 2025م، حركة التنقلات الاعتيادية داخل الجيش المصري، والتي تضمنت تغيير قائد القوات الجوية، وقائد القوات البحرية، ورئيس الهيئة الهندسية، وقائدي الجيشين الثاني والثالث الميدانيّين، وقائد حرس الحدود، ورئيس هيئة التنظيم والإدارة، وقائد المنطقة الشمالية، ورئيس هيئة التنظيم والإدارة ومدير الشرطة العسكرية.
حركة التنقلات الاعتيادية ترتب عليها تغيير تشكيلة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بحلول القيادات الجديدة محل القيادات التي تمَّ استبعادها بالتقاعد أو بتولي مناصب أخرى.
وبهذا يكون المجلس قد شهد تغيير 10 أعضاء في حركة التنقلات الأخيرة، ولم يتبق فيه من تشكيلته في 2013م غير اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية، والذي لا يتولى قيادة عملياتية أو ميدانية، ما يُفسِّر استمراره حتى الآن.
تقوم استراتيجية السيسي على سرعة التغيير والتدوير للقيادات؛ لإغلاق الطرق على أيّ مراكز قوى قد تتشكل داخل الجيش المصري، مستندًا إلى القانون العسكري الذي أصدره في 2021م، ويَنصُّ على تقليص مدة بقاء قادة الأفرع والهيئات في مناصبهم إلى سنتين فقط، وهو ما يترتب عليه تغيير بعض أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع كل حركة تنقلات([37]).
5 – العلاقة بين الجيش والشرطة:
عكست مظاهر التقارب الرمزي والمؤسسي بين القوات المسلحة ووزارة الداخلية خلال عام 2025م حرصًا رسميًّا على إبراز وحدة الجبهة الأمنية، سواء عبر التصريحات أو الفعاليات.
فقد أكد السيسي، في حفل عيد الشرطة الـ73، على استمرار الوحدة بين الجيش والشرطة في مواجهة التهديدات التي تواجه مصر، مكرسًا صورة المؤسستين كركيزتين لحماية الوطن.
هذا الخطاب تُرجِم إلى فعاليات من جانب الجيش، حيث أهدت إدارة الشؤون المعنوية أغنية إلى وزارة الداخلية، حملت اسم “عايشين الحياة مع بعض”، في دلالة على وحدة المصير بين الجيش والشرطة. كذلك نظمت القوات المسلحة احتفالية بعنوان “معًا نحمي الوطن”، استقبلت فيها قادة وضباط من الشرطة، تأكيدًا على الشراكة المؤسسية([38]).
إلَّا أن هذا التناغم اصطدم بواقع مغاير في ديسمبر 2025م، حينما انتشرت أنباء عن وقوع احتكاك بين ضابط جيش وضبَّاط شرطة في الإسماعيلية، انتهى بمحاصرة قسم شرطة من جانب الشرطة العسكرية، بعد تعرُّض ضابط الجيش لمعاملة خشنة.
تدل هذه التطورات على وجود فجوة بين الخطاب الرسمي الذي يُروِّج لوحدة وتناغم مؤسستي الجيش والشرطة، والواقع العملي الذي يشهد توترات كامنة واختلالًا في توازن القوة بينهما، بما يَعكِس طبيعة العلاقة غير المتكافئة وحدود الشراكة المؤسسية المعلنة. ورغم ذلك فإن هذا لا يَعني أن الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين قابلة للانهيار، بقدر ما يَعكِس توترات ظرفية ناتجة عن وجود خلل في توزيع النفوذ والأدوار داخل المنظومة الأمنية.
6 – الانتقادات الحقوقية:
استنكرت »مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان« تكريم أحد المسلحين في ميليشيا اتحاد قبائل سيناء الموالية للجيش، خلال فعاليات الندوة التثقيفية الـ41 التي أقامتها المؤسسة العسكرية بمناسبة الاحتفال بيوم الشهيد، على الرغم من تورطه – بحسب منظمات مصرية ودولية – في إعدامات ميدانية لمدنيّين عُزَّل([39]).
كذلك أصدرت المؤسسة بالتعاون مع منظمة (Forensic Architecture) تقريرًا بعنوان “قتلوا بدم بارد”، كشف عن وجود مقبرة جماعية بشمال سيناء، قالت إن قوات الجيش أنشأتها وأخفتها لسنوات، وتضم مئات الجثث لمواطنين قُتِلوا خارج إطار القضاء، بما يَدحض رواية “الاشتباكات المسلحة”([40]).
ملامح عامة
في نهاية هذا المحور، يمكن تحديد الملامح العامة للفعاليات الداخلية الجيش، وهي على النحو التالي:
- حرص المؤسسة العسكرية على الحفاظ على حالة استعداد دائم، وتوجيه رسالة ردع داخلية وخارجية مفادها امتلاك القدرة على التعامل السريع مع التهديدات المحتملة.
- تصاعد إدراك المخاطر الحدودية والإقليمية، واعتماد مقاربة أمنية وقائية تقوم على السيطرة والانتشار المكثف بدل الاكتفاء بردود الفعل.
- سَعْي القيادة السياسية والعسكرية إلى إحكام السيطرة على هرم القيادة، ومنع تشكُّل مراكز نفوذ مستقلة، وضمان الولاء المؤسسي واستمرارية الانضباط الداخلي.
- محاولة ترسيخ صورة وحدة المنظومة الأمنية أمام الرأي العام، في ظِل توازنات حساسة تحكم العلاقة بين ركيزتيها: الجيش والشرطة، ورغم وجود خلل في العلاقة بينهما.
خامسًا: الجيش والشأن العام
انخرطت المؤسسة العسكرية في الشأن العام خلال عام 2025 بصورة لافتة، عبر توسيع أنشطتها الاقتصادية، وتعميق عسكرة المُكوِّن المدني، وتعزيز ارتباط المجتمع بالجيش، بما يَعكِس توجهًا ممنهجًا للتواجد في الشأن العام.
1 – التوسُّع الاقتصادي:
اتسم موقف »صندوق النقد الدولي« من الأنشطة الاقتصادية للجيش المصري في عام 2025م بازدواجية واضحة؛ فبينما وَجَّه في المراجعة الرابعة انتقادات حادة لاستمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على قطاعات اقتصادية مدنية واسعة، معتبرًا ذلك عائقًا أمام المنافسة العادلة ونمو القطاع الخاص، شهدت المراجعتان الخامسة والسادسة تحولًا ملحوظًا في لهجة الصندوق نحو التهدئة. ورغم إقرار الصندوق بعدم تحقق التخارج الحقيقي للدولة، خاصَّة مؤسستها العسكرية، فإنه خفف من ضغوطه المباشرة، مكتفيًا بدعوات عامة لتسريع الإصلاحات الهيكلية.
وقد شهد العام المنقضي جملة من الأنشطة الاقتصادية للجيش، تدل على أن المؤسسة العسكرية غير جادة في القيام بتخارج حقيقي من الشأن الاقتصادي، بل مقبلة على مزيدٍ من التوسع في إنشاء المصانع والدخول في شراكات ومجالات اقتصادية جديدة.
فبينما كانت الحكومة تتابع إجراءات طرح شركات مثل »صافي« و»وطنية« التابعتين للقوات المسلحة في البورصة أو لمستثمر استراتيجي، كان الجيش يُوسِّع على مدار العام أنشطته الاقتصادية، ليؤكد على أن طرح بعض الشركات ما هو إلَّا خطوة شكلية من جانب الدولة لإرضاء المؤسسات المالية الدولية.
تنوَّعت مظاهر التوسُّع في الأنشطة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، ومنها – على سبيل المثال – ما يأتي:
- افتتاح مصانع جديدة، مثل مصنع إنتاج الطلمبات الغاطسة، داخل شركة قها للصناعات الكيماوية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي.
- إقامة مشاريع ضخمة، مثل مشروع »جريان« العقاري الفاخر، بتكلفة تتجاوز تريليون جنيه، ويُمثل الدولة فيه »جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة«، الذراع الاقتصادي للقوات الجوية.
- الإعلان عن الإعداد لإنشاء مصانع جديدة، مثل مصنع إنتاج ألبان الأطفال، لحساب »جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة«.
- توقيع اتفاقيات شراكة مع جهات أجنبية للتوسُّع في الصناعات المدنية، مثل اتفاق وزارة الإنتاج الحربي مع شركة سويسرية لإنشاء مصنع لإنتاج المحركات الكهربائية، واتفاق الهيئة العربية للتصنيع مع مستثمرين إماراتيّين لإنشاء 3 مصانع جديدة لإطارات السيارات والأخشاب.
- توقيع اتفاقيات تصنيع لحساب جهات حكومية مدنية، مثل اتفاق شركة الصناعات الديناميكة التابعة للهيئة العامة للتصنيع مع مركز البحوث الزراعية على إنتاج السماد العضوي.
- الاستحواذ على حصص من شركات قائمة، كاستحواذ جهاز مستقبل مصر على حصة تقترب من 89.66% من رأسمال شركة العربية لاستصلاح الأراضي.
- افتتاح منشآت خدمية جديدة، مثل النوادي والفنادق، في القاهرة والإسماعيلية وبنها، إضافة إلى منافذ بيع المنتجات.
سيطرة المؤسسة العسكرية على قطاعات واسعة من الاقتصاد لا تخلو من مظاهر فساد، في ظِل غياب الشفافية والرقابة البرلمانية والمحاسبة المؤسسية. وقد شهد العام المنقضي مثالًا لهذا الفساد، حيث تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو منسوب لأحد قيادات الجيش المصري، يَحتوي على مساومات ومقايضات مالية ورشوة جنسية تتعلق بتمرير بنود في عقود أو قرارات تمليك شركة محطات »شيل« ([41]).
2 – عسكرة المُكوِّن المدني للدولة:
شهد العام المنقضي تسارعًا في وتيرة عسكرة المكون المدني للدولة، في ظِل قناعة السيسي بأن المواطن هو سبب الأزمة التي تعيشها مصر، وأن الحل لتصويب “عوار” هذا المواطن والحفاظ على الوطن من “الثورات” هو أن يتعلم “الانضباط والوطنية”، وذلك بأن يَمر بمرحلة تأهيل وإعداد في الأكاديمية العسكرية قبل تعيينه في إدارات الدولة([42]).
في إطار هذه الرؤية التي تقوم على ضبط المدنيّين العاملين في إدارات الدولة وفقًا للمعايير العسكرية للانضباط والمفاهيم العسكرية للوطنية، شهدت الأكاديميات والكليات العسكرية تخريج دورات لفئات مدنية مختلفة بعد الحصول على هذا التأهيل والإعداد، عبر دورات لمدة 6 أشهر، وتمتد إلى سنتين للحاصلين على درجة الدكتوراه، منها ما يأتي:
- تخريج الدورة الخامسة لفنيي السكة الحديد، في الكلية العسكرية التكنولوجية، لتأهيلهم للعمل بالهيئة القومية للسكك الحديدية التابعة لوزارة النقل.
- تخريج الدورة الثانية لتأهيل أئمة وزارة الأوقاف في الأكاديمية العسكرية، بعد إتمام خطة تدريبية متكاملة لبناء الوعي وتصحيح الخطاب الديني، وأداء قسم مُستحدَث لهم.
- تخريج الدورة الثالثة للمعينين بالهيئات القضائية، والدورة الأولى للمعينين في مصلحة الطب الشرعي، في الأكاديمية العسكرية، بالتعاون مع وزارة العدل.
- تخريج دورتين من المعلمين ومديري المدارس بعد انتهاء فترة تأهيلهم داخل الأكاديمية العسكرية.
انتقد مراقبون هذا التوجُّه الذي يهدم الهُويَّة المدنية للدولة، ويُرسِّخ لعدم الثقة في المدنيّين، ويُعظِّم من شأن العسكريّين الذين اعتادوا على إصدار الأوامر وانصياع الآخر لها، ولا يقبلون النقد والاتهام بالفشل، ما يؤدي إلى انهيار تجاربهم القائمة على العسكرة التي تتناقض مع التنوع الفكري والمشاركة وحرية التعبير عن الرأي والابتكار، وتُحوِّل البلد إلى ثكنة عسكرية.
ثم إن اختزال مفهوم الوطنية في الإطار العسكري ليس دور المؤسسة العسكرية، التي ينحصر دورها في حماية البلاد، أمَّا تشكيل الوعي الوطني وصياغة الثقافة العامة فيَحتاج إلى المثقفين والسياسيّين والعلماء من جميع التخصصات، كالتربية والاقتصاد والاجتماع([43]).
كذلك فإن انخراط المؤسسة العسكرية في الشأن العام يَضرُّ بصورتها لدى المواطن الذي يَرصد أي مظهر من مظاهر الفساد أو الاستغلال المرتبط بهذا التدخل، ويَنسِبه إلى المؤسسة بشكل عام. فعلى سبيل المثال، كشف قضاة جدد أن الأكاديمية العسكرية فرضت عليهم رسومًا إلزامية للتدريب تتجاوز المائة ألف جنيه، وأن قرارات تعيينهم في هيئاتهم القضائية لم تصدر إلَّا بعد سداد هذه الرسوم([44]).
3 – ربط المجتمع بالجيش:
حرصت المؤسسة العسكرية على ربط المجتمع – أفرادًا ومؤسسات – بالجيش، وفق توجُّه ممنهج لتوسيع حضورها في الشأن العام، وعبر أدوات عديدة، كالتوعية والتثقيف، والمشاركة المجتمعية، والشراكات المؤسسية.
هذا الربط تجلَّت مظاهره في عديد من الأنشطة والفعاليات، التي تهدف إلى تشكيل الوعي العام وفق المعايير العسكرية، وتعزيز الولاء والانتماء للدولة عبر المؤسسة العسكرية، وبما يضمن تكريس مركزية الجيش كفاعل مركزي في إدارة المجتمع وحماية البلاد. ويمكن حَصْر أبرز الأنشطة والفعاليات في المجموعات التالية:
- تنظيم زيارات ميدانية للمدنيّين إلى مقرات ومنشآت عسكرية، لإطلاع فئات المجتمع على إمكانيات وقدرات القوات المسلحة التي تمكنها من الحفاظ على الوطن. كزيارة وفد من الطلاب والإعلاميّين إلى قيادة قوات الصاعقة.
- فتح قنوات التواصل مع شيوخ القبائل وممثلي المجتمع المدني في المحافظات والمناطق الحدودية، في مطروح وسيناء وحلايب وشلاتين، والتأكيد على تقديم كافة أوجه الدعم لهم ضمن جهود التنمية.
- تنظيم المحاضرات والندوات التثقيفية، في الجامعات والمؤسسات التعليمية، ومقار الهيئات الحكومية، لرفع مستوى الوعي وبناء القناعات من منظور المؤسسة العسكرية، وشرح التحديات الداخلية والإقليمية، وتسويق دور الجيش في التنمية وحماية الأمن القومي.
- ربط الجامعات والمؤسسات البحثية بالمؤسسة العسكرية، من خلال توقيع بروتكولات تعاون، كبروتكول التعاون بين الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا وأكاديمية السادات للعلوم الإدارية وجامعة أسيوط، وبين الهيئة العربية للتصنيع ومركز البحوث الزراعية، وبين الهيئة الهندسية والجامعة المصرية الصينية.
- توقيع بروتكولات تعاون بين المؤسسات العسكرية والإدارات المدنية، مثل بروتوكولات التعاون بين إدارة الخدمات الطبية بالقوات المسلحة ووزارة الصحة، وبين الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الزراعة، وبين الهيئة العربية للتصنيع ونقابة الصحفيّين، وبين قيادة قوات الدفاع الشعبي ووزارة الشباب والرياضة.
- تقديم المساعدات للأسر الفقيرة، ضمن حملة »بُشرة خير« لدعم الأسر الأولى بالرعاية، وهو ما حدث في محافظة أسيوط، بمشاركة صندوق »تحيا مصر«.
كذلك شهد المجتمع المصري تمددَ ولاية القضاء العسكري إلى قضايا مدنية تمسُّ الأمن المجتمعي، فيما يمكن اعتباره رسالة ردع مجتمعية، من خلال تعريف جرائم اجتماعية بوصفها قضايا أمن قومي، وتحتاج إلى تدخل المؤسسة العسكرية لسرعة الحسم، الأمر الذي يُرسِّخ مركزية الجيش كضامن للأمن والنظام الداخليّين في القضايا الحساسة من جهةٍ، ويُلمِّح إلى أفضلية القضاء العسكري على القضاء المدني في الحسم وسرعة التقاضي من جهةٍ أخرى.
فقد تدخل القضاء العسكري في قضية مدرسة »سيدز«، وطلبت النيابة العسكرية استكمال التحقيق في القضية التي أثارت الرأي العام، بعد أن تعرَّض عدد من أطفال المدرسة للاعتداء الجنسي من جانب عاملين بها([45]).
ملامح عامة
في نهاية هذا المحور، يمكن استخلاص جملة من الملامح العامة لعلاقة الجيش بالشأن العام في مصر خلال عام 2025م، أبرزها ما يأتي:
- استمرار تعميق الدور الاقتصادي للجيش، بوصفه فاعلًا مركزيًّا في قطاعات اقتصادية متنوعة، مع غياب مؤشرات جادة على التخارج الحقيقي، والاكتفاء بخطوات شكلية لتهدئة الضغوط الدولية.
- تزايد عسكرة الدولة المدنية عبر إخضاع قطاعات إدارية وقضائية ودينية وثقافية لمنطق التأهيل والانضباط العسكري، بما يُضعِف الهُويَّة المدنية للمؤسسات العامة ويتجاوز الدور التقليدي للجيوش، وهو الدفاع عن الحدود والأمن القومي.
- اتساع حضور الجيش المجتمعي من خلال أدوات التثقيف، والشراكات، والأنشطة الخدمية، بهدف إعادة تشكيل الوعي العام وتوجيه الولاء والانتماء وفق معايير عسكرية.
- إعادة تعريف الأمن المجتمعي بما يسمح بتدخل القضاء العسكري في قضايا مدنية، وترسيخ مركزية الجيش كضامن للنظام الداخلي.
استشراف الحالة العسكرية في 2026م
على ضوء معطيات عام 2025م، يمكن القول إن ملامح الحالة العسكرية المصرية في 2026م سوف تكون امتدادًا لمسار إدارة التهديدات والتحديات المتعددة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع تعاظم الضغوط التي تقيد خيارات المؤسسة العسكرية، داخليًّا وخارجيًّا.
فالجيش المصري يدخل عام 2026م وهو أكثر انتشارًا جغرافيًّا، وأكثر انخراطًا في ملفات الأمن القومي، لكنه في الوقت نفسه أقل تحررًا في قراره الاستراتيجي بسبب ما تواجهه الدولة من تشابك العوامل السياسية والاقتصادية، على المستويين الإقليمي والدولي.
على الصعيد الإقليمي، يُرجَّح أن يستمر الجيش في تبنّي مقاربة “الردع المَرِن” التي برزت بوضوح في 2025م.
فعلى الحدود الشرقية، سيَظل سيناريو التهجير القسري للفلسطينيّين من قطاع غزة إلى سيناء خطًّا أحمر، ما يَعني الإبقاء على مستوى عالٍ من الجاهزية والانتشار في شمال سيناء، مع تجنب أي صدام مباشر مع إسرائيل التي تتمسَّك باحتلال محور »فيلادلفيا«، وتستخدم ملف الغاز كأداة ضغط فعَّالة، يمكن أن تقيد هامش المناورة العسكرية المصرية، وتربط الردع بحسابات اقتصادية دقيقة.
وعلى الحدود الجنوبية، يُتوقَّع أن يشهد عام 2026م مزيدًا في الانخراط في التعاون العسكري مع الجيش السوداني في مواجهة ميليشيات الدعم السريع، خاصَّة إذا استمرت مؤشرات تفكُّك الدولة أو اقتراب الميليشيات المسلحة من الحدود المصرية. ويَظل خيار التدخل العسكري المصري المباشر قائمًا، حتى وإن كان تدخلًا محدودًا، بوصفه آخر الملاذات، بعد أن أعلنت القاهرة خطوطها الحمراء التي قد تتجاوزها ميليشيات الدعم السريع بمساعدة من الدول التي تقف وراءها، وعلى رأسها الإمارات.
أمَّا على الحدود الغربية، فالمتوقع استمرار الشراكة العسكرية مع قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، رغم ما يطرأ من تباينات سياسية بين الطرفين. فمصر ترى في هذه القوات ركيزة أساسية لضبط الجبهة الغربية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، مع استخدام العلاقات العسكرية كأداة لإدارة الخلافات وليس لقطعها.
على مستوى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، يُرجَّح أن يشهد عام 2026م مزيدًا من الانخراط المصري في الترتيبات الأمنية الإقليمية، عبر التحالفات والمناورات والاتفاقيات المشتركة، دون التدخل العسكري المباشر. فالقاهرة – التي ترفض التدويل العسكري الواسع للمنطقة – سوف تسعى إلى تثبيت معادلة أمن جماعي عربي–إفريقي، مع تعزيز حضورها في الصومال وإريتريا وجيبوتي، بما يحول دون تمدد النفوذ الإثيوبي والإسرائيلي والتركي. وفي ملف سد النهضة، سوف يَظل الخيار العسكري أداة ردع سياسية أكثر منه سيناريو عملي، بسبب القيود الجغرافية والمخاطر الإقليمية والدولية.
وإذا انتقلنا إلى العلاقات العسكرية الخارجية، فمِن المُرجَّح أن يَستمر مسار تنويع الشراكات في 2026م، مع استمرار السعي الحذر لإحداث توازن في العلاقة مع الولايات المتحدة من جهةٍ، وروسيا والصين من جهةٍ أخرى. ولكن هذا التنويع سيَظل محكومًا بحجم الضغوط الأمريكية وسقف التفوق النوعي الإسرائيلي، ما يَعني أن تحديث السلاح المصري سيَظل جزئيًّا ومُقيدًا، ولن يَصِل إلى درجة التحديث النوعي الحاسم. في هذا السياق، يُتوقَّع أن يتزايد الاتجاه إلى التصنيع العسكري المحلي والاعتماد على المُسيَّرات والأنظمة الدفاعية، بوصفها بدائل أقل حساسية.
داخليًّا، يُتوقَّع في عام 2026م استمرار تركيز المؤسسة العسكرية على رفع الجاهزية والانتشار الوقائي، مع تكثيف الأنشطة التدريبية وإعادة تدوير القيادات لضبط هرم القيادة ومَنْع تشكُّل مراكز نفوذ مستقلة. كما يُرجَّح استمرار حالة الاحتواء في علاقتها مع الشرطة.
كذلك من المُرجَّح أن تستمر عسكرة الشأن العام، وأن يواصل الجيش تعميق حضوره في جميع المجالات، عبر توسيع أنشطته الاقتصادية والاجتماعية، مع غياب مؤشرات جدية على التخارج.
خاتمة
يَكشِف التقرير عن أن المؤسسة العسكرية المصرية خلال عام 2025م واصلت أداء دور مركزي في إدارة الأمن القومي، مستندةً إلى مقاربة تقوم على الردع المرن، والانتشار الوقائي، وتوسيع دوائر التحالفات العسكرية، دون الانخراط في مواجهات مباشرة.
ويُظهِر التقرير أن هذا الأداء اتسم بدرجة عالية من التعقيد، في ظِل بيئة إقليمية مضطربة وتشابك غير مسبوق في مصادر التهديد.
عكست المقاربة العسكرية سعيًا واضحًا لحماية الحدود والعمق الاستراتيجي، وتثبيت خطوط حمراء في الملفات الحيوية المرتبطة بالمصالح المصرية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهات مباشرة عالية الكلفة. وفي الوقت ذاته، كشفت تطورات التسليح والعلاقات العسكرية الخارجية عن استمرار معضلة التفوق النوعي المفروض، وضغوط الشركاء الدوليّين، مقابل محاولات تنويع البدائل وتعزيز التصنيع المحلي.
أمَّا على الصعيد الداخلي، فقد برز تركيز متزايد على الجاهزية والانضباط وإدارة التوازنات داخل المؤسسة العسكرية، عبر تكثيف التدريب وإعادة تدوير القيادات، بما يَهدِف إلى منع تشكُّل مراكز قوى مستقلة، إلى جانب استمرار التدخل في الشأن العام.
([1]) الانتشار، الحشود العسكرية المصرية في سيناء تقلق اسرائيل، 20 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1gW8l
([2]) CNN بالعربية، مصر ترد على تقارير حول انتشار الجيش في سيناء، 21 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1gW8n
([3]) ألترا فلسطين، تقرير إسرائيلي: مصر تقلص وجودها العسكري في سيناء، 18 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1lQVK
([4]) الشرق الأوسط، هل قلصت مصر وجودها العسكري في سيناء إثر ضغوط إسرائيلية؟، 22 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1lQWa
([5]) الجزيرة، حميدتي يتهم مجددا مصر بدعم الجيش السوداني، 3 يونيو 2025م، https://2cm.es/1gV5F
([6]) Middle East Eye, Exclusive: Egypt and Turkey boost support for Sudan’s army, 6-11-2025, https://2cm.es/1lPBX
([7]) الشرق، مصر تعلن “خطوطها الحمراء” في السودان، 18 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1gUOp
([8]) الشرق الأوسط، الجيش السوداني يتهم قوات حفتر بمساندة قوات الدعم السريع، 10 يونيو 2025م، https://2cm.es/1lPWh
([9]) النهار، زيارة استراتيجية تُعيد الدفء إلى علاقة القاهرة وحفتر: الأمن أولاً، 2 يوليو 2025م، https://2cm.es/1lPZv
([10]) الجزيرة نت، لهذه الأسباب لم تشارك مصر والسعودية بتحالف “حارس الازدهار”، 24 ديسمبر 2023م، https://2cm.es/1gVtl
([11]) الشروق، مصدر مسئول ينفي قيام مصر باستعدادات للتدخل العسكري في اليمن، 5 يناير 2025م، https://2cm.es/1lQor
([12]) العربية، الموج الأحمر.. مناورات سعودية مصرية لمواجهة التهديدات، 11 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1lDH0
([13]) الدفاع العربي، تحالف سعودي مصري.. القاهرة والرياض تؤسسان قوة بحرية مشتركة، 11 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1gJn7
([14]) The National, Egypt increases pressure on Ethiopia through port deals with Eritrea and Djibouti, 24-12-2025, https://2cm.es/1lUf0
([15]) الدفاع العربي، الجيش المصري يستعد لنشر ألف جندي في الصومال، 1 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1lUc8
([16]) الدفاع العربي، رئيس أركان الجيش الإثيوبي يحذر من تهديد أمني ناجم عن الوجود العسكري المصري في الصومال، 16 يونيو 2025م، https://2cm.es/1gZdK
([17]) مصر 360، ماذا يعني الوجود العسكري المصري في الصومال؟، 15 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1gZsy
([18]) RT عربي، تحذير مصري صريح… هل تلجأ القاهرة للحل العسكري ضد سد النهضة؟، 7 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1lUyb
([19]) أخبار اليوم، الهيئة العربية للتصنيع توقع مذكرة للتفاهم مع كبري الشركات الباكستانية ، 2 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1nCPH
([20]) موقع الدفاع العربي، مصر وفرنسا تتفاوضان على صفقة مقاتلات رافال جديدة، 2 يناير 2025م، https://2cm.es/1iCEF
([21]) ترك برس، شراكة دفاعية جديدة بين تركيا ومصر، 27 أغسطس 2025م، https://2cm.es/1iCF2
([22]) الجزيرة نت، مصر تقترب من الانضمام لمشروع المقاتلة التركية “قآن”، 10 أغسطس 2025م، https://2cm.es/1iCHk
([23]) ترك برس، عودة التنسيق العسكري بين أنقرة والقاهرة تثير مخاوف تل أبيب، 23 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1mKj9
([24]) RT عربي، هل انخرطت مصر في تدريبات عسكرية مع إسرائيل؟، 27 مايو 2025م، https://2cm.es/1mKdR
([25]) صوت المغرب، مصر ترفض المشاركة في مناورات عسكرية بالجزائر، 5 مايو 2025م، https://2cm.es/1mKeN
([26]) الشرق الأوسط، عقبات «سياسية وحقوقية» تعرقل صفقة «إف – 15» الأميركية إلى مصر، 12 نوفمبر 2025، https://2cm.es/1iCmv
([27]) العربي الجديد، إشارات أميركية لمصر بخفض المعونة العسكرية، 12 مارس 2025م، https://2cm.es/1nCym
([28]) The National, Arab states consider revival of plan to create Nato-style military force, 14-9-2025, https://2cm.es/1hFVC
([29]) الدفاع العربي، مصر محرومة من الحصول على صواريخ جو-جو بعيدة المدى، 1 مارس 2025م، https://2cm.es/1m4eu
([30]) الدفاع العربي، ظهور رسمي نادر لمنظومة S-300VM الروسية في مصر، 7 يوليو 2025م، https://2cm.es/1h4sH
([31]) BBC عربي، مصر تكشف عن أول مسيّرة انتحارية محلية الصنع،، 5 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1m0BN
([32]) الجزيرة، مصر تقدم جديد أسلحتها في “إيديكس 2025″، 3 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1m3x9
([33]) إندبندنت عربية، أين تقف مصر في مجال تصنيع السلاح بالشرق الأوسط؟، 8 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1h7fx
([34]) الاستقلال، لماذا تراجعت مصر وإندونيسيا عن صفقة المقاتلات الصينية؟، 12-8-2025م، https://2cm.es/1m4dv
([35]) SSB Crack News, Egypt Cancels Su-35 Deal, 3-7-2025, https://2cm.es/1h7Z1
([36]) المؤشر، من وراء التراجع المصري عن سوخوي 36″؟، 4 يوليو 2025م، https://2cm.es/1h803
([37]) المعهد المصري للدراسات، المرصد العسكري يونو 2025م، 1 يوليو 2025م، https://2cm.es/1muqN
([38]) وزارة الدفاع، القوات المسلحة تنظم احتفالية بعنوان “معًا نحمي الوطن”، 2 يناير 2025م، https://2cm.es/1mucR
([39]) عربي 21، السيسي يكرم متورطًا في إعدامات ميدانية بسيناء، 11 مارس 2025م، https://2cm.es/1mueC
([40]) القدس العربي، تقرير حقوقي: مقبرة جماعية تضم رفات 300 شخص قتلوا في سيناء، 23 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1hxgM
([41]) عربي 21، رشوة “جنسية” لضابط بالجيش في قضية محطات “شيل”، 8 أكتبر 2025م، https://2cm.es/1m9g7
([42]) العربي الجديد، السيسي يشترط إلحاق موظفي الدولة الجدد بالأكاديمية العسكرية، 8 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1mcTT
([43]) عربي 21، السيسي “يبرئ نفسه” من أزمات المصريين ويضع معايير عسكرية لـ”منع الثورات”، 9 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1mcXU
([44]) مدى مصر، “الدفع شرط للتعيين”: الأكاديمية العسكرية تفرض رسومًا على القضاة، 22 أكتوبر 2025م، https://2cm.es/1md2T
([45]) بلين نيوز، “أشباح مدرسة السيدز” المصرية.. لماذا تولت “العسكرية” قضيتهم؟، 1 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1mi5C




