مقدمة
شهد الاقتصاد المصري خلال عام 2025م عددًا من التطورات المهمة، كان من أبرزها وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر من العام نفسه، وما ترتب على ذلك من تراجع نسبي في الآثار السلبية التي كانت قد لحقت بإيرادات قناة السويس، فضلًا عن إمكانية تحسُّن إيرادات السياحة. كما سَجَّلت بعض المؤشرات الاقتصادية تحسُّنًا نسبيًّا، وإن كان هذا التحسُّن بحاجة إلى قراءة دقيقة ومتأنية، يسعى هذا التقرير إلى تقديمها، للوقوف على أسبابه وحدوده وانعكاساته الفعلية. وفي السياق ذاته، توصَّلت مصر إلى إنهاء الخلاف مع صندوق النقد الدولي بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة المتأخرتين لبرنامج الإصلاح المتفق عليه.
في المقابل، لوحظ أن الخطاب الاقتصادي للسلطة لم يشهد تغيُّرًا جوهريًّا، إذ استمر في تقديم وعود متكررة بتحسُّن الأوضاع دون اقترانها بالتزام واضح أو آليَّات للمحاسبة. كما اتسم هذا الخطاب بتبرئة السلطة التنفيذية لنفسها من المسؤولية المباشرة عن الأوضاع الاقتصادية التي يُعانِي منها المواطنون، زاعمة أنها بذلت ما في وسعها، مع إرجاع أسباب الأزمة إلى عوامل خارجية، إقليمية ودولية، بوصفها السبب الرئيس في عدم تحقق النتائج المرجوَّة من محاولات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
هذا الخطاب اتسم أيضًا بتحميل المواطنين جانبًا من مسؤولية التداعيات السلبية للأزمة الاقتصادية، سواء من خلال التركيز على استمرار الزيادة السكانية، أو الإشارة إلى ما يُوصَف بالممارسات الخاطئة للأفراد. وفي الوقت نفسه، لم يُبرهِن القائمون على أمر السلطة على التزامهم بمقتضيات ما يُعرَف بالعقد الاجتماعي، الذي يَفترِض أن تتحمَّل فيه الدولة مسؤولية تشخيص المشكلات واقتراح الحلول واختيار البدائل المناسبة، بل جَرَى توجيه الخطاب نحو مطالبة المواطنين بالمشاركة في إيجاد الحلول، مع التأكيد على أن الحكومة ورئيس الجمهورية لا يمكنهما حل مشكلات البلاد بمفردهما، وأن على الشعب أن يشاركهما في إيجاد الحلول.
غير أن هذا الطرح يتناقض مع واقع تقييد حرية الرأي والتعبير، إذ لا يُتاح للمواطنين، ولا حتى للمتخصصين الذين يُقدِّمون نقدًا للأداء الاقتصادي الحكومي أو يطرحون بدائل إصلاحية، مساحة آمنة للتعبير، بل تَعرَّض بعضهم للاعتقال. كما لا تزال المجالس الشعبية المحلية مُغيَّبة، بما يَحرِم قطاعات واسعة من المجتمع من المشاركة في مناقشة الخطط العامة والموازنات، ويَحدُّ من الرقابة الشعبية على السياسات الاقتصادية. ويُضاف إلى ذلك افتقار الحكومة إلى الشفافية في ما يتعلق باتفاقيات القروض الخارجية أو الشراكات مع المستثمرين الأجانب، حيث تُبرَم هذه الترتيبات في دوائر مغلقة، ثم يُطلَب من المواطنين تحمُّل تبعاتها والمساهمة في معالجة آثارها.
وفي ظِل هذا الوضع، كان من الطبيعي أن تتراجع ثقة المواطنين في الطرح الحكومي، وأن تتسع حالة العزوف عن المشاركة السياسية، وهو ما تجلَّى بوضوح في الانخفاض الملحوظ لنسب المشاركة في انتخابات مجلس النواب التي أُجريت في نهاية عام 2025م، في ظِل غياب آليَّات فعَّالة للمحاسبة والرقابة، سواء الشعبية أو المؤسسية.
ونظرًا لاتساع القضايا الاقتصادية التي شهدها عام 2025م، قد لا يتسع نطاق هذا التقرير لتناولها جميعًا، لذلك يُركِّز الباحث على أبرز الملفات التي تمسُّ حياة المواطنين بشكل مباشر، وفي مقدمتها الموازنة العامة للدولة، وأزمة الطاقة، ومفاوضات صندوق النقد الدولي، إضافة إلى مناقشة المؤشرات الاقتصادية التي تعلنها الحكومة بوصفها دليلًا على تحسُّن الأداء. وسوف يَعتمد التقرير في ذلك على منهج الرصد والتحليل، مستندًا إلى البيانات والإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية، فضلًا عن تقارير المؤسسات الدولية ذات الصلة.
أولًا: الموازنة العامة للدولة العام المالي 2025/2026م
تعكس الموازنة العامة للدولة الدور الاقتصادي والاجتماعي، وتُبيّن طبيعة الإنفاق العام ومخصصات البنود المدرجة بها، ومدى انعكاسها على المجتمع. وتحتوي الموازنة كذلك على الإيرادات العامة. ويَظهَر من تحليل تلك الإيرادات حجم الضرائب التي يتحملها أفراد المجتمع، وكذلك الإيرادات غير الضريبية التي تعود للدولة نظير دورها السيادي أو الاقتصادي.
وبشكل عام، تُعَد الموازنة العامة للدولة عماد السياسة المالية؛ فمِن خلالها يتم تحديد طبيعة النفقات والإيرادات، وكذلك طبيعة النظام الضريبي، ومدى توسُّعه أو تحجيمه. كما تُبيِّن مراحل إعداد واعتماد ومراجعة الموازنة العامة للدولة طبيعة الدور الرقابي والتشريعي في البلاد، وإلى أيّ حد تتم مراقبة ومحاسبة الحكومة خلال هذه المراحل عبر البرلمان، باعتباره السلطة التشريعية والرقابية على السلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومة.
وعادة ما تستهدف الموازنة بشقيها، من مصروفات وإيرادات، عدة أهداف اقتصادية واجتماعية، منها: تحقيق العدالة الاجتماعية عبر نظام ضريبي عادل، أو إعادة تخصيص الإنفاق لصالح الفقراء، أو حماية الصناعة، أو رفع معدلات التنمية البشرية عبر الإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية، أو حماية الأجيال القادمة عبر مشروعات أو استثمارات طويلة المدى.
ومن الأمور الشائعة، والتي تعكس الصورة الخاطئة التي تُعرَض بها الموازنة، ويتم مناقشتها، أنه يتم عرض الموازنة دون الإشارة إلى الخطة العامة للدولة، أو أن تحرص الحكومة وجهازها الإعلامي على عدم الربط بين الخطة الاجتماعية والاقتصادية العامة للدولة والموازنة، في حين أن الأصل هو الخطة، وما الموازنة إلَّا البرنامج المالي لهذه الخطة. فالأجدى أن يَتعرَّف المجتمع على الخطة المستهدفة خلال العام، وكيف تمَّ تدبير الإيرادات الخاصَّة لتنفيذها، وماذا سيترتب على تنفيذ كل من الخطة والموازنة على المجتمع.
ومن المؤسف أن خطأ عرض الموازنة على المجتمع دون ربطها بالخطة، أو إهمال الإشارة إلى الخطة، يحدث منذ سنوات في مصر، حتى إن مناقشة الخطة في البرلمان لا تستغرق نفس الوقت الذي تستغرقه الموازنة، وهو أمر تحرص عليه الحكومة، لتظل عملية التقييم مجرد رصد ومراقبة للأرقام، في حين أن المطلوب هو العائد من هذه النفقات على المجتمع في المجالات المختلفة.
وقد تكون مسايرة الحكومة في طرحها للموازنة أمرًا مفهومًا في ضوء الأزمة التمويلية الممتدة التي تمر بها مصر منذ سنوات، والتي تُعَد الموازنة العامة أحد أبرز تجلياتها؛ إذ تعاني الدولة من عجز مزمن في الموازنة العامة يمتد لعقود، فضلًا عن وجود عجز مستمر في الميزان التجاري للسلع والخدمات، وكلا العجزين يؤثران بشكل كبير على طبيعة النشاط الاقتصادي في البلاد.
وبناءً عليه، فإن أي حديث عن تطورات إيجابية في الاقتصاد المصري، لا ينعكس في خفض ملموس لهذين العجزين، يَظل حديثًا منقوصًا، ويقود إلى استنتاجات لا تعبر بدقة عن واقع الأداء الاقتصادي.
ملامح الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026م
تبلغ القيمة الإجمالية التقديرية للموازنة من مصروفات وإيرادات 7.6 تريليون جنيه مصري تقريبًا، حيث قدرت المصروفات بنحو 4.57 تريليون جنيه، والإيرادات بنحو 3.11 تريليون جنيه. وقدر العجز الكلي بالموازنة بنحو 1.49 تريليون جنيه.
وبحسب التقسيم الاقتصادي للموازنة العامة للدولة، فإن بنود المصروفات والإيرادات العامة قد استحوذت على المخصصات الآتية:
أولًا: المصروفات: الأجور 679 مليار جنيه، بما يُمثل 14.8%، ثم شراء السلع والخدمات 217 مليار جنيه، بما يُمثل 4.8%، ثم الفوائد 2.29 تريليون جنيه، بما يُمثل 50.2%، ثم الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 742 مليار جنيه، بما يُمثل نسبة 16.2%، ثم المصروفات الأخرى 201 مليار جنيه، بما يُمثل 4.4%، ثم الاستثمارات العامة 434 مليار جنيه، بما يُمثل 9.5%. وإذا وسعنا الحديث من المصروفات إلى الاستخدامات، فإننا سوف نُضِيف بندين مهمين، وهما حيازة الأصول المحلية والعالمية، والتي قدرت بـ 102 مليار جنيه، وكذلك سداد أقساط القروض بنحو 2.08 تريليون جنيه([1]).
ثانيًا: الإيرادات: وتضم ثلاثة بنود فقط، وهي: الإيرادات الضريبية 2.6 تريليون جنيه، والمنح 9.4 مليار جنيه، والإيرادات الأخرى 455 مليار جنيه([2]). وإذا وسعنا الحديث من الإيرادات إلى الموارد العامة فإننا سوف نُضِيف قيمة الاقتراض المقدر للعام المالي 2025/2026م عند نحو 3.5 تريليون جنيه تقريبًا.
ومن المهم هنا تناول بعض بنود الموازنة، وفق التقسيم الوظيفي، لما لها من أهمية في معرفة مخصصات مهمة في حياة المواطنين، ومنها التعليم، حيث خُصِّص له 315 مليار جنيه، بما يُمثل 6.9% من إجمالي المصروفات العامة، والصحة التي خُصِّص لها 246 مليار جنيه، بما يُمثل 5.4%، والحماية الاجتماعية 636 مليار جنيه، بما يُمثل 13.9%، والإسكان والمرافق 142 مليار جنيه، بما يُمثل 3.1%، وحماية البيئة 5.6 مليار جنيه، بما يُمثل 0.1%، والخدمات العامة 2.7 تريليون جنيه([3])، بما يمثل 59.4%.
ويُلاحَظ أن بند الخدمات العامة هو صاحب أكبر مخصصات حسب التصنيف الوظيفي، بينما فوائد الديون تمثل البند صاحب النصيب الأكبر من النفقات وفق التقسيم الاقتصادي.
ملاحظات عامة على الموازنة
- يَزداد العجز الكلي بالموازنة من حيث القيمة بشكل ملحوظ، ويَعكس أحد أهم مظاهر الأزمة التمويلية التي تُعاني منها الموازنة العامة في مصر. وبالرجوع لبيانات البيان المالي للموازنة نجد أن العجز الكلي في عام 2021/2022م قد بلغ 484 مليار جنيه، وقفز إلى قرابة خمسة أضعاف في عام 2025/2026م، بنحو 1.49 تريليون جنيه. وهو الأمر الذي يُكرِّس لاستمرار أزمة المديونية؛ فالعجز يتطلب تغطية، ولم يظهر للحكومة المصرية على مدى السنوات الماضية بابٌ لتغطية عجز الموازنة سوى الديون، سواء كانت محلية أو خارجية.
- ويُسلمنا هذا الأمر لأهم قضايا الموازنة العامة، بل والاقتصاد المصري كله، ألا وهو قضية الدين العام. ومن خلال بيانات الموازنة، نجد أن المخصصات الأكبر هي تلك التي تخصُّ الدين العام، من حيث فوائد أقساط الديون، وهو ما يَشل يد صانع السياسة الاقتصادية في تمويل متطلبات التعليم والصحة والبنية الأساسية.. فالبيانات تشير إلى أن فوائد الديون بالموازنة تُقدَّر بـ 2.29 تريليون جنيه، وسداد أقساط الديون يبلغ 2.08 تريليون جنيه. وبحسب آخر تقديرات منشورة، فإن الدين الخارجي لمصر قد بلغ بنهاية الربع الثالث من عام 2025م نحو 163.7 مليار دولار([4])، في حين بلغ الدين المحلي لمصر بنهاية يونيو 2025م نحو 11.08 تريليون جنيه([5])، وكان الدين المحلي يبلغ 4.7 تريليون في يونيو 2020م.
- ومما يؤخذ على الحكومة في إدارتها لقضية الدين العام، أنها ماضية في اعتماده كأهم مصدر لتمويل مشروعاتها وإدارتها للدولة، وأن ما تقدمه من سياسات لمعالجة قضية الدين العام لا يَزيد عن استهلاك الديون الجديدة بالديون القديمة، أو عملية تدوير الديون. وبهذا فإن الحكومة لا تُقدِّم سياسات من شأنها تخفيض قيمة الدين العام. وبحسب مؤشر وَرَد في البيان المالي للموازنة، فإن خدمة الفوائد فقط تمثل 73% من إجمالي الإيرادات العامة، وهو أمر شديد الإزعاج، ويَكشف عن اعتماد الحكومة على الديون بشكل شبه كامل، ليُصبح حديث الحكومة عن بعض المؤشرات، مثل التحسُّن في نسبة الدين الحكومي للناتج المحلي، أو وجود فائض أولي، غير ذي جدوى في مواجهة المشكلة التمويلية التي تعانيها الموازنة العامة للدولة.
- ومما يُظهِر عجز صانع السياسة الاقتصادية في مصر في تطوير الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية الأساسية بسبب أعباء الديون من فوائد وأقساط، أن مخصصات الفوائد البالغة 2.29 تريليون جنيه في الموازنة تزيد عما يُنفَق على التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية والإسكان والمرافق، وحماية البيئة، لأن مجموع مخصصات الإنفاق على هذه البنود الخمسة 1.34 تريليون جنيه، وهو ما يَعني أن الموازنة مرهقة بأعباء الديون.
- وعلى الرغم من تضخم مخصصات الأجور بالموازنة العامة في عام 2025/2026م ووصولها إلى 679 مليار جنيه، إلَّا أنه لم تحدث أي معالجة لهيكل الأجور في مصر، وكذلك للتفاوت في الدخول بين موظفي الدولة في الحكومة والقطاع العام، حيث نجد الوظيفة الواحدة يَختلف الدخل العائد منها بالنسبة لشاغلها من مكان لآخر؛ فقطاعات مثل البنوك والكهرباء والبترول والقضاء والشرطة تحصل على رواتب كبيرة، في الوقت الذي لا يحصل فيه موظفو المحليات على نفس الرواتب، رغم أنهم يشغلون نفس الوظائف.. وذلك بسبب نظام المكافآت الذي يتفاوت بشكل كبير من مكان لآخر، ويُحدِث خللًا كبيرًا في دخول العاملين في الحكومة والقطاع العام. وعلى سبيل المثال، نجد أن مخصصات الأجور الأساسية 126 مليار جنيه، في حين أن المكافآت 247 مليار جنيه، أي أن المكافآت ضعف الأجور الأساسية تقريبًا، وهو ما يَفتح الباب للمجاملات الشخصية، ويَجعل الداخلين الجدد لسوق العمل يبحثون عن وظائف في القطاعات المميزة من حيث الأجور، أملًا في الدخول الأفضل. ولذلك نجد أصحاب الأجور الأقل في وظائف المحليات مثلًا، ينتشر بينهم الفساد، بسبب ضعف الأجور. ومما يُلاحَظ كذلك فيما يَخص بند الأجور، أن مصر بشكل عام تُعاني من وجود فجوة بين الأجور والأسعار، تجعل أصحاب الدخول الثابتة عبر الوظائف يعانون بشكل كبير من زيادة أعباء المعيشة، وبخاصَّة موظفي الحكومة في القطاعات غير المميزة، من أصحاب الكوادر الخاصَّة، أو المؤسسات التي لديها قوانين خاصَّة.
- وثمَّة حديث مهم بشأن الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، وهو البند الذي خُصِّص له 742 مليار جنيه، فقطاع الدعم يعاني بشكل عام من انعدام العدالة، سواء في الدعم السلعي وما يَعتريه من فساد، أو في الدعم الخاص بالحماية الاجتماعية، والمتمثلة في معاش الضمان الاجتماعي أو مشروعي “تكافل” و”كرامة”. فالمخصصات لبند الحماية الاجتماعية يَصِل إلى 55.6 مليار جنيه، ويَضم نحو 5.2 مليون أسرة. وبحسب البيانات المنشورة بالبيان المالي لمخصص الأسر، نجد في مشروع “تكافل” أن أعلى مخصص شهري للأسرة هو 648 جنيه، وأقل مخصص هو 584 جنيه، بينما في “كرامة” ومعاش الضمان الاجتماعي فإن أعلى معاش شهري للأسرة هو 884 جنيه وأقل معاش هو 705 جنيه. وعلى الرغم من استمرار هذه المشروعات للحماية الاجتماعية منذ سنوات، إلَّا أن الأسر التي تستحق هذه الحماية في تزايد، مما يَدل على ارتفاع مستويات الفقر. فبينما تغطي مشروعات الحماية الاجتماعية بالموازنة 5.2 مليون أسرة، نجد أن مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي تُصرِّح بأن عدد الأسر الفقيرة في مصر يَصِل إلى 12 مليون أسرة([6])، ومِن ثمَّ فإن حجم التغطية للحماية الاجتماعية (رغم المبالغ شديدة الضآلة) لا يغطي 50% من الأسر الفقيرة.
- في ضوء ما تعانيه مصر من أزمات اقتصادية تنعكس آثارها على الموازنة العامة للدولة، يَنبغي أن تتبنَّى الحكومة خطة لإصلاح الهيئات الاقتصادية، وليس التخلُّص منها بالبيع؛ لأن هذه الهيئات يَربطها بالموازنة ما يُعرَف بالعجز والفائض، بمعنى أن ما تحققه من فائض يُحوَّل إلى الموازنة، في حين أن ما تحققه من عجز تقوم الخزانة العامة بتمويله. وبحسب أرقام البيان المالية، فإن الموازنة سوف تمول هذه الهيئات بنحو 170.2 مليار جنيه في عام 2025/2026م، علمًا بأن حال هذه الهيئات في علاقاتها بالموازنة على مدى عقود هي العجز.
- وفي ختام الملاحظات الخاصَّة بالموانة، نجد أن مخصصات الاستثمارات العامة، تبلغ 434 مليار جنيه، بما يُمثل 9.5% من إجمالي المصروفات العامة. وبالنظر إلى بنود هذه الاستثمارات نجد أن غالبيتها يأتي في إطار قطاع البناء والتشييد، وبعض العُدَد والآلات ووسائل النقل، ولا توجَّه إلى الاستثمار الزراعي أو الصناعي، بسبب المسار الذي سلكته مصر منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وهو خروج الدولة من النشاط الاقتصادي. ومِن ثمَّ فإن القيمة المضافة ضعيفة لما أدرج في الموازنة للاستثمارات العامة، وتُعوِّل الحكومة على القطاع الخاص، وإن كان الجيش عبر مؤسساته الاقتصادية المدنية يسيطر على غالبية النشاط الاقتصادي في مصر.
ثانيًا: أزمة الطاقة
يمكن تناول واقع الطاقة في مصر من خلال مؤشرين مهمين؛ وهما الإمكانيات التي تملكها البلاد في هذا المجال ومؤشرات الإنتاج والاستهلاك من الطاقة، وكذلك الميزان التجاري للبترول والغاز، الذي يَظهَر بوضوح من خلال بيانات ميزان المدفوعات، مع الإشارة إلى ما مَرَّ من أحداث بارزة خلال العام المنقضي في مجال الطاقة، وبخاصَّة الصفقة التي عقدتها القاهرة مع الكيان الصهيوني لزيادة حصة وارداتها من الغاز، أو رفع أسعار الوقود.
الإنتاج والاستهلاك
من خلال البيانات المتاحة عن الفترة من أكتوبر 2024 إلى أكتوبر 2025م، تَبيَّن أن ثمَّة فجوة ملحوظة بين الإنتاج والاستهلاك للنفط والغاز في مصر، حيث يَزيد الاستهلاك عن الإنتاج.
فالبيانات تُشِير إلى أن الاستهلاك في أكتوبر 2024م كان بحدود 6.89 مليون طن، ولكنه ارتفع في يوليو 2025م إلى 7.87 مليون طن. وهذه الزيادة ترتبط بطبيعة الاستهلاك في أشهر الصيف، حيث يَرتفع استهلاك الطاقة نظرًا لارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يظهر في استمرار معدل الاستهلاك خلال شهور الصيف. وقد ظلَّ الاستهلاك مرتفعًا حتى أكتوبر 2025م، حيث وَصَل إلى 7.06 مليون طن.
أمَّا عن الإنتاج، فمن الواضح أن ثمَّة مشكلات تتعلق به، إمَّا لنضوب وتراجع المتاح من خام النفط والغاز في الحقول المصرية، أو لأسباب فنية تتعلق بالشركات الأجنبية التي لها مستحقات متأخرة. ولكن ما كشفت عنه البيانات هو أن إنتاج مصر من النفط والغاز كان بحدود 5.17 مليون طن في أكتوبر 2025م، وبدأ في التراجع في فبراير 2025م إلى 4.54 مليون طن، وظلَّ الإنتاج دون سقف الخمسة مليون طن حتى أكتوبر 2025م، حيث بلغ 4.91 مليون طن([7]).
الميزان التجاري البترولي
على الرغم من إعلان الحكومة غير مرة عن اكتشافات تخصُّ البترول والغاز، ومشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، إلَّا أن الميزان التجاري البترولي يُظهِر عجزًا خلال الفترة الماضية. ويُلاحَظ أن هذا العجز في تزايد مستمر. فبيانات ميزان المدفوعات للعام المالي 2024/2025م تُبيِّن أن الصادرات البترولية كانت 5.59 مليار دولار، في حين كانت الواردات البترولية 19.4 مليار دولار، أي أن العجز خلال هذه الفترة بلغ 13.9 مليار دولار([8]).
وإذا انتقلنا إلى فترة مكملة لعام 2025م، من خلال بيانات ميزان المدفوعات عن الربع الأول من عام 2025/2026م، أي الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2025م، نجد أن العجز البترولي يزداد مع الوقت؛ فبيانات ميزان المدفوعات لهذه الفترة تُظهِر أن الصادرات البترولية بلغت 1.2 مليار دولار، في حين بلغت الواردات البترولية 6.4 مليار دولار، وهو ما يَعني وجود عجز خلال الفترة يُقدَّر بنحو 5.2 مليار دولار([9]).
ويُلاحَظ أنه على مدار عامي 2024 و2025م كانت أسعار النفط منخفضة، مقارنة بما قبل هذين العامين، أي أن العجز مرشح للزيادة إذا ما شهدت أسواق النفط ارتفاعًا في الأسعار خلال الفترات القادمة.
ومن المهم – حتى يكون القارئ على بينة بشأن ما يتعلق ببيانات الصادرات المصرية من البترول والغاز – إن نشير إلى أن هذه الأرقام تتضمَّن حصة الشريك الأجنبي، وهي أموال لا تعود إلى الخزينة المصرية، وهو ما يَعني أن حصة مصر من الصادرات البترولية أقل مما هو مُعلَن في الأرقام الرسمية.
تمديد وزيادة صفقة الغاز مع إسرائيل
في فبراير 2018م، تمَّ الإعلان عن صفقة يتم بموجبها استيراد مصر للغاز الطبيعي من “إسرائيل”، عبر خط الأنابيب الممتد بين البلدين. وقدرت الصفقة – التي تستمر لنحو 10 سنوات – بنحو 15 مليار دولار([10]). غير أن هذا الاتفاق تعرَّض في منتصف عام 2025م إلى مشكلات أدَّت إلى خفض كميات الغاز التي يتم ضخها إلى مصر، وأُعلِن أن السبب هو أعمال الصيانة التي تتم في الكيان الصهيوني لحقول الغاز، وهو ما دفع مصر إلى استيراد الغاز من مصادر أخرى، بالإضافة إلى اللجوء لاستئجار خمسة سفن للتغويز، من أجل التعامل مع الغاز المسال الذي يتم استيراده عبر وسائل النقل بخلاف خطوط الأنابيب.
إلَّا أنه في يوليو 2025م، أُعلِن عن إبرام اتفاق بين مصر والكيان الصهيوني لمد فترة اتفاق الغاز إلى عام 2040م، بالإضافة إلى زيادة كميات الغاز المُصدَّر إلى مصر. وقُدِّرت الصفقة بعد التعديل بنحو 35 مليار دولار([11])، لتصبح أكبر صفقة تصديرية في تاريخ الكيان الصهيوني، إلَّا أن حكومة إسرائيل أخرت التصديق على الاتفاق إلى نوفمبر 2025م، ليدخل بعد التعديل إلى حيز التنفيذ في يناير 2026م.
تُقدَّر واردات مصر من الغاز بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًّا من إسرائيل، ومن المفترض أن تزيد إلى 1.2 مليار قدم مكعب مع بداية يناير 2026م. وقد أضاف التعديل – الذي تمَّ التصديق عليه في نوفمبر 2025م – 4.6 تريليون قدم مكعب إلى الاتفاق الأصلي، ويتم الوفاء بهذه الزيادة على مرحلتين: الأولى تشمل تصدير 706 مليار قدم مكعب فور دخول التعديل حيز التنفيذ، والثانية تصدير ما يَصِل إلى 3.9 تريليون قدم مكعب، ولكنها مشروطة باستيفاء متطلبات استثمارية وتوسعة في البنية التحتية لنقل الغاز.
وقد كشفت صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل عن كون مصر أصبحت في إطار تبعية لإسرائيل في سلعة استراتيجية، وهي الغاز الطبيعي، ومع ظهور أول مشكلة في توريد الغاز لمصر، تكلفت البلاد أموالًا كثيرة للبحث عن مصادر أخرى للغاز، من أجل الوفاء بمتطلبات الصناعة وغيرها من مجالات الاستخدام، فضلًا عن أن الأزمة كشفت كذلك عن غياب التخطيط اللازم لإدارة التنمية فيما يتعلق بإقامة محطات التغويز في مصر، وأن مثل هذه المشروعات أولى بالإنفاق من مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، أو إنشاء الكباري والطرق التي قد لا تحتاجها البلاد خلال السنوات القادمة.
وبشكل عام، كشف أداء مصر في ملف الطاقة خلال عام 2025م عن وجود ضعف وسوء إدارة، كما أظهر أن ما أُعلِن عنه في عام 2018م، عقب توقيع اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل، بشأن تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، أو استيراد الغاز بغرض إعادة تصديره إلى أوروبا، لم يتحقق على أرض الواقع. إذ تشير المؤشرات إلى وجود عجز في الإنتاج المحلي من الوقود مقارنة بالاستهلاك، فضلًا عن استمرار العجز في الميزان التجاري، بما يفيد أن الحديث عن تحقيق عوائد إيجابية أو تدفقات من النقد الأجنبي عبر تصدير الغاز لا يعدو كونه طرحًا غير واقعي.
الشركات الأجنبية ومديونية مستمرة
غير مرة توقفت شركات النفط الأجنبية العاملة في مصر عن ممارسة بعض أعمالها، أو عطلت الإنتاج بسبب تأخر الحكومة في سداد المستحقات الدورية لهذه الشركات. ومؤخرًا، أعلن مصطفى مدبولي رئيس الوزراء أنه تمَّ سداد 5 مليارات دولار لهذه الشركات من مديونية مستحقة قدرت بنحو 6.1 مليار دولار في يونيو 2024م([12])، في حين أن السداد تمَّ في مطلع 2026م، وفي ظِل غياب للشفافية. فلا شك أن التأخر في سداد مستحقات هذه الشركات قد كلَّف الاقتصاد المصري فوائد تأخير. وكما نعلم فإن الفترة التي تحدث عنها رئيس الوزراء، وهي يونيو 2024م، كانت مصر تعاني فيها من أزمة توفير النقد الأجنبي، وخروج الأموال الساخنة.
كان رئيس الوزراء قد أعلن أن هذه المديونية ستصل إلى 1.2 مليار دولار فقط في يونيو 2026م، وأن حكومته ستلتزم بسداد المستحقات الشهرية بشكل دوري خلال المرحلة المقبلة.
ومن الغريب في قضية متأخرات الشركات الأجنبية، أن الحكومة حرصت على تقديم الوقود للمستهلك في السوق المصري بالأسعار العالمية، مما يَعني انتفاء المبرر لوجود متأخرات أو ديون مستحقة لهذه الشركات. كما أنه، وفي الوقت الذي شهدت فيه أسعار النفط تراجعًا في الأسواق الدولية، أقدمت الحكومة المصرية خلال عام 2025م على رفع أسعار الوقود محليًّا، وذلك رغم إعلان صندوق النقد الدولي أنه لم يطالب الحكومة باتخاذ هذا الإجراء.
ثالثًا: مفاوضات صندوق النقد الدولي
شهد عام 2025م حالة من التعثر في المفاوضات بين مصر وصندوق النقد الدولي فيما يتعلق بالمراجعتين الخامسة والسادسة، إلَّا أنه بنهاية العام تمَّ التوصُّل إلى اتفاق على مستوى الخبراء لإنهاء المراجعتين الخامسة والسادسة، وتمكين مصر من الوصول إلى تسهيلات ائتمانية بنحو 2.5 مليار دولار، وذلك بعد اعتماد هذا الاتفاق من جانب المجلس التنفيذي للصندوق.
وكان صندوق النقد قد طالب الحكومة المصرية بضرورة تنفيذ إصلاحات هيكلية، من أبرزها عمليات التخارج من المشروعات العامة لصالح القطاع الخاص. ولكن مطالب الصندوق بتخارج الحكومة من المشروعات العامة لصالح القطاع الخاص مستمرة منذ سنوات، وفي كل مرة تعلن الحكومة المصرية المضي في ترتيب الأوضاع لطرح العديد من المشروعات، وبخاصَّة المشروعات التي تمتلكها المؤسسة العسكرية، إلَّا أن ذلك لم يتم حتى الآن، ولم تتخذ الخطوات العملية لخصخصة شركتي “الوطنية للبترول” و”صافي” للمياه المعدنية التابعتين للجيش، على الرغم من أنهما سيُطرحان للقطاع الخاص.
كانت الحكومة قد عقدت في أبريل 2025م([13]) اتفاقًا مع بعض الشركات والبنوك لتنظيم طرح الشركتين للخصخصة، إلَّا أن الأمر لم يتم بعد. وفي الوقت الذي يُعلَن فيه عن عزم الحكومة تنفيذ برامج لخصخصة بعض المؤسسات والشركات العامة، نجد أن الجيش يتمدد في السيطرة على العديد من الأنشطة الاقتصادية، وأصبح مَن هم أوفر حظًا من القطاع الخاص يحصلون على أعمالهم كمقاولي باطن من شركات ومؤسسات الجيش.
أما المشروعات التي تدخل حيز التنفيذ بسرعة غير معهودة في إطار الخصخصة فهي تلك المشروعات الخاصَّة بمجالي السياحة والعقارات مع دول الخليج، كما في صفقة “رأس الحكمة” مع دولة الإمارات. وفي هذا السياق، تأتي أيضًا صفقة “علم الروم”، التي عُقِدت مع دولة قطر، حيث قدرت قيمة هذه الصفقة بين الحكومة وشركة الديار القطرية بنحو 3.5 مليار دولار ثمنًا لأرض المشروع، على أن تقوم قطر بضخ استثمارات تصل إلى 26 مليار دولار لتنفيذ المشروع على عدة سنوات([14]).. وتميل الحكومة المصرية لهذه المشروعات لما تحصل عليه من سيولة نقدية، أو تخفيض ديونها المستحقة لبعض دول الخليج، كما حدث في صفقة “رأس الحكمة”.
وإذا كان الاصلاح الهيكلي، من منظور صندوق النقد الدولي، يتمثل فقط في تخارج الدولة من المشروعات العامة، فإن هذا المسار يفترض أن القطاع الخاص سوف يُطوِّر هذه المشروعات ويُضِيف إليها، حتى تكون القيمة المضافة للقاعدة الإنتاجية عالية، ويمكن من خلال هذه الخطوة توفير فرص عمل مستقرة، وزيادة الاستثمارات، وتعزيز الصادرات. غير أن التجربة المصرية مع صندوق النقد الدولي تُظهِر أن ما يتحقق فعليًّا هو تحسُّن بعض المؤشرات النقدية، دون أن يمتد الإصلاح إلى مراحله اللاحقة، وغالبًا ما يأتي هذا التحسُّن الحاصل في المؤشرات النقدية على حساب باقي المكونات الاقتصادية، التي يتحمل المواطن العبء الأكبر لتكلفتها.
فمثلًا، لا تزال المشكلات الهيكلية للاقتصاد المصري على حالها بعد 10 سنوات قضتها البلاد في اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، فمصر تعاني من عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتعاني أيضًا من عجز في الموازنة العامة للدولة، ولديها خلل كبير في جانب التمويل، لم يسعفها فيه إلَّا اللجوء للاقتراض.. فمديونية مصر العامة في عام 2016م كانت بحدود 326 مليار دولار([15])، في حين تقترب هذه المديونية في عام 2025م من نحو 400 مليار دولار.
وبالنظر إلى النتيجة التي تحققت بعد 10 سنوات من الاقتراض من صندوق النقد الدولي ومن آخرين على الصعيد الإقليمي والدولي، نجد أن الأمر أفضى إلى إيجاد مخرج للحكومة في بعض المشكلات المتعلقة بالنقد الأجنبي، أو الخروج من بعض المشكلات الأخرى، ولكن في النهاية كان على حساب المواطن بشكل كبير، حيث عانى هذا المواطن من الآثار السلبية المترتبة على الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة من خلال توصيات صندوق النقد، من تحرير سعر الصرف، وتقليص الدعم السلعي والخدمي، وكذلك ما تَعرَّض له المواطن من معدلات عالية للتضخم، أو ارتفاع سعر الفائدة، وفقدان كبير في القيمة الشرائية للنقود، وما تعرضت له مدخرات القطاع العائلي من تبديد بسبب انخفاض قيمة الجنيه.
وكانت مصر قد عادت لإبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي في نهاية عام 2016م، وحصلت بموجبه على 12 مليار دولار، ثم توالت برامج الاقتراض من الصندوق في عامي 2022 و2024م، حتى أصبحت مصر ثاني أكبر مقترض من الصندوق على مستوى العالم.
ولعل الاتفاق الأخير الذي أبرم بين مصر وصندوق النقد في عام 2024م، وأدَّى إلى زيادة القرض الممنوح لمصر من 3 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار، قد شهد عمليات أخذ ورد بين الطرفين، بسبب عدم التزام مصر بما جاء في الاتفاق، وبخاصَّة في ما يتعلق بطرح الشركات العامة للخصخصة. ويُلاحَظ أن نسبة كبيرة مما تمَّ طرحه من الشركات الإنتاجية في قطاعات الأسمدة والطاقة وشركات التعدين قد استحوذت عليها دول الخليج، وبخاصَّة السعودية والإمارات.
ويبقى سؤال مهم، يتعلق بمدى إمكانية استغناء مصر عن برامج صندوق النقد الدولي، بعد أن ينتهي البرنامج الحالي، والذي يُقدَّر له أن ينتهي في نوفمبر 2026م. فعادةً ما يُصرِّح الإعلام المصري وبعض المسؤولين بأنهم غير مضطرين للجوء لصندوق النقد الدولي، وذلك خلال الفترات التي يتشدد فيها خبراء الصندوق في إلزام الحكومة بإجراءات معينة.. ثم ينتهي المطاف بتوقيع اتفاق وقبول مصر بشروط الصندوق. ومؤخرًا تمَّ طرح نفس السؤال عبر ما أعلنته مصر عن “السردية الوطنية”.
حينما تمَّ تخفيض الدين العام الخارجي لمصر من 163 مليار دولار لنحو 156.7 مليار دولار في مارس 2025م، كان ذلك بسبب ما تمَّ تخفيضه من مديونية البنك المركزي المصري نتيجة إسقاط الودائع الخاصَّة بالإمارات نتيجة صفقة “رأس الحكمة”. ولكن مع نهاية الربع الثالث من عام 2025م ارتفع الدين الخارجي مرة أخرى إلى 163 مليار دولار، وهو ما يَعني أن مصر من الصعب أن تستغني عن الاقتراض، سواء المحلي أو الدولي.
ومما يؤكد تجذر الأزمة التمويلية لمصر، تلك الأرقام التي نشرت على قاعدة بيانات البنك الدولي حول ميزان تجارة السلع والخدمات، ففي عام 2024م بلغ إجمالي صادرات مصر من السلع والخدمات 63.7 مليار دولار، بينما وارداتها من السلع والخدمات كانت نحو 90 مليار دولار، أي أن هناك فجوة بنحو 27 مليار دولار. وفي بعض السنوات، كما هو الحال في عام 2023م، تقلصت الفجوة إلى نحو 9 مليارات دولار. ولكن تراجع الفجوة في عام 2023م يعود إلى عجز الموارد الأجنبية، لتغطية الواردات. ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه، أن الفجوة في الأعوام من 2020 إلى 2022م كانت كبيرة، وعلى النحو التالي: 28 مليار دولار، و37 مليار دولار، و33 مليار دولار([16]) على التوالي. وهو ما يَعني أن العجز في ميزان المدفوعات يدفع مصر باستمرار إلى صندوق النقد الدولي والمقرضين الآخرين، أو أن تنجح في ردم الفجوة بين الصادرات والواردات السلعية والخدمية من خلال تحسُّن أدائها في المجالات الإنتاجية، والبُعد عن الأنشطة الريعية، وعدم الاعتماد على الخارج بهذه الصورة المتزايدة. وبغير ذلك يَظل الحديث عن الاستغناء عن صندوق النقد الدولي مجرد خطاب إعلامي يفتقد إلى المصداقية.
يُذكَر أن وزير المالية الأسبق، د. محمد معيط، كان قد ذكر في عام 2019م، أنه العلاقة مع صندوق النقد الدولي سوف تستمر من خلال برنامج فني، وليس من خلال برنامج للتسهيلات الائتمانية، ولكن جاءت جائحة كورونا لتكشف هشاشة أداء الاقتصاد المصري، وأنه لم ينجح في حماية نفسه ضد تقلبات الأزمات الخارجية.
رابعًا: تحسُّن بعض المؤشرات الاقتصادية
التناول الصحيح للمؤشرات الاقتصادية، يستلزم أن نقرأ ما وراء الأرقام وما تعكسه من دلالات على حياة الناس. وحتى لا يُتهَم الباحث بالتحيُّز، لا بد من عرض الأرقام التي أدَّت لظهور بعض المؤشرات بشكل إيجابي. والقاعدة تقول أن “الأرقام تصف الواقع ولا تعكس الحقائق”.. ويَظهَر ذلك بوضوح في العديد من المؤشرات الاقتصادية الخاصَّة بمصر.
فعلى سبيل المثال، حينما نجد في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدل البطالة السنوي بمصر، في عام 2024م، بلغ 6.6%، يجعلنا هذا الرقم نسأل أنفسَنا عن سبب رغبة شريحة كبيرة من الشباب المصري في الهجرة للخارج إذا ما كانت فرص العمل متاحة ومعدل البطالة عند هذه الحدود المقبولة إلى حَدٍّ ما. والإجابة على هذا التساؤل هي أن الوظائف المتاحة لا توفر الحدود المقبولة لمستوى معيشة كريمة، بحيث يتمكن العامل من الوفاء بالتزاماته أو تحقيق رغباته في الزواج وتكوين أسرة جديدة. فضلًا عن الحقيقة التي تعكسها جُلُّ الدراسات المعنية بسوق العمل المصري، وهي أن القطاع غير المنظم هو الذي يوفر النسبة الأكبر من الوظائف، وهذه الوظائف عادةً ما تتسم بظروف عمل غير ملائمة وأجور متدنية، كما أنها تفتقد إلى الحماية الاجتماعية للعاملين، حيث لا توفر لهم التأمين الصحي أو الاجتماعي، لذلك يفر الأفراد من القطاع غير المنظم، حيثما أتيحت لهم الفرص.
إن تدني معدلات البطالة في السوق المصري يعود إلى كون غالبية الوظائف تأتي من القطاع غير المنظم، بنسبة 44.8% من إجمالي المشتغلين، في حين أن القطاع الخاص المنظم يأتي في المرتبة الثانية، بنسبة 37.3% من إجمالي المشتغلين، ثم القطاع الحكومي في المرتبة الثالثة، بنسبة 17.6% من إجمالي المشتغلين([17]).
أما سعر الصرف، فيبلغ – بحسب موقع البنك المركزي – سعر صرف الدولار 47.09 جنيه، وهو سعر يتميز بالاستقرار على مدار الشهور الماضية. وكان السعر الرسمي منذ عدة شهور بحدود 50 جنيهًا للدولار، وإلى حد ما تراجع نشاط السوق السوداء، وإن كان لا يزال موجودًا.
وفي ضوء ما هو منشور من بيانات، فإن موارد مصر من النقد الأجنبي خلال الفترة الماضية شهدت تحسنًا ملموسًا. ومن هذه الموارد عوائد العاملين بالخارج، والتي بلغت 36.4 مليار دولار بنهاية عام 2024/2025م. وكذلك إيرادات السياحة التي ارتفعت في نفس العام إلى 16.7 مليار جنيه.. إلَّا أن العجز في الميزان التجاري على الجانب الآخر بلغ 51 مليار دولار، مقارنة بـ 39.5 مليار دولار في عام 2023/2024م، وأيضًا بلغت تحويلات المستثمرين الأجانب لأرباحهم 18.7 مليار دولار([18])، وهو ما يَعني أن الزيادة المتحققة في عوائد العاملين بالخارج وقطاع السياحة لها ما يقابلها من عجز في الميزان التجاري.. ويَرى الباحث أن من أهم أسباب استقرار سعر صرف الدولار خلال الشهور الماضية وكذلك ارتفاع احتياطيات النقد الأجنبي التي بلغت 51.4 مليار دولار، هو الأموال الساخنة، والتي بلغت في آخر التقديرات 42 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق، ويَعكِس تهديدات كبيرة للاقتصاد المصري؛ بسبب سرعة التقلبات الاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد سبق لمصر غير مرة خلال السنوات الخمس الماضية أن خرجت منها تلك الأموال بنسبة كبيرة، وسرعان ما أحدثت أزمة في سعر الصرف، بل وفي الاقتصاد المصري بشكل عام؛ حيث ارتفع سعر الدولار حتى بلغ نحو 70 جنيهًا في السوق السوداء، وانتعشت السوق السوداء بشكل ملحوظ لتوفير احتياجات المستوردين وشراء السلع الأساسية، وأدَّت ندرة الدولار إلى سلبيات متعددة، منها العجز عن شراء مستلزمات الإنتاج، وشراء الأدوية الأساسية.
وفيما يتعلق بمعدلات التضخم في ديسمبر 2025م، على أساس سنوي، والتي تبلغ 12.3%، فلا يزال المأمول أن يكون معدل التضخم من رقم واحد. وعلى الرغم من انخفاض معدلات التضخم وفق البيانات الخاصَّة بالبنك المركزي المصري، إلَّا أن الأعباء المعيشية لا تزال تمثل أبرز المشكلات للأسر المصرية، وهو ما يجعلنا نشعر بأن الأرقام – التي تحسب عليها حزمة السلع والخدمات التي يقاس من خلالها معدل التضخم – لا تُعبّر عن حقيقة واقع الأسر المصرية. كما أن أمر معدلات التضخم يرتبط بمؤشر آخر مهم، وهو سعر الفائدة، الذي يبلغ 20% للإيداع و21% للاقتراض.. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سعر الفائدة الحقيقي يبلغ 7.7%، وهو معدل إيجابي، نظرًا لانخفاض معدل التضخم عن سعر الفائدة.. ولكن المدخرين المصريّين يعانون بشدة خلال السنوات الماضية من عدم استقرار سعر الفائدة، ولا ينعمون بعوائد سعر الفائدة المرتفعة، حيث تسارع الحكومة بعد فترة قليلة إلى تخفيض سعر الفائدة، ويُخيَّرون بين الانتقال إلى أوعية ادخارية أقل، أو وضع أموالهم في الحسابات الجارية.. لتصبح الحكومة هي المستفيد الأكبر من انخفاض سعر الفائدة؛ نظرًا لأنها أكبر مُقترِض من البنوك ومن غيرها من الأوعية الادخارية، مثل التأمينات وصناديق التوفير وشهادات الاستثمار.. ويأمل شركاء النشاط الاقتصادي في مصر أن يستقر سعر الفائدة وينخفض التضخم وكذلك يستقر سعر الصرف؛ حتى تتحقق نتائج إيجابية على صعيد الاستثمار والتشغيل، والإفادة بشكل كبير من المدخرات، والبُعد عن المضاربات التي شغلت المصريين بشكل كبير خلال الفترة الماضية، عبر المضاربة في الذهب والعملات الأجنبية والعقارات، وكذلك العملات المشفرة، فانخفاض سعر الفائدة يؤدي إلى زيادة الاستثمار بسبب انخفاض تكلفة التمويل، مما يَعني انخفاض أسعار السلع في السوق المحلي، ويُعطي المستثمر المصري ميزة تنافسية في السوقين المحلي والأجنبي.
أمَّا معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي فقد بلغ 4.2% في العام المالي 2024/2025م، وتستهدف الحكومة الوصول به إلى معدل 5% في العام المالي 2025/2026م.
وإذا نظرنا للناتج المحلي الإجمالي في مصر ومدى مساهمة كل من الاستثمار والاستهلاك وصافي التجارة الدولية، نجد أن الناتج المحلي لا يزال يعاني من مشكلة هيكلية، تحتاج إلى معالجة جذرية، لتُغيّر من طبيعة هذا الأداء.
أرقام التقرير المالي لوزارة المالية، تعطي بيانات تفصيلية لهشاشة الناتج المحلي في مصر، حيث بلغت الاستثمارات نسبة 13% فقط من إجمالي الناتج المحلي لعام 2023/2024م، في حين بلغت المدخرات نسبة 6.1% من الناتج في نفس العام([19])، وهو ما يَعني أن الناتج يفتقر إلى أهم مقوماته وهو التمويل الداخلي، حيث تعاني المدخرات من قصور شديد، بسبب سوء مستوى المعيشة، وقلة الدخول.
وتعطينا القراءة الأولية أن الفجوة بين المدخرات والاستثمارات المنفذة يتم ردمها من خلال الاقتراض، وحتى بعد هذا الاقتراض، فإن نسبة الاستثمار المنفذة بحوالي 13% من الناتج غير كافية لتحقيق معدل نمو 5%. ولهذا، لا بد من زيادة معدلات الاستثمار إلى 25%، لكي تحقق الحكومة معدل النمو المستهدف، وهذا تحد آخر، على الحكومة أن تعمل للوصول إليه، سواء من خلال تشجيع المدخرات والسيطرة على المضاربات، أو بجلب استثمارات أجنبية مباشرة حقيقية، وليس مجرد استحواذات على الأصول القائمة.
ومن جانب آخر، فإن الاستهلاك – وحسبما يفيد نفس التقرير – يُشكِّل نسبة 93.9% من إجمالي الناتج. وما يتبادر إلى الذهن هو أن ارتفاع معدلات الاستهلاك يُعدُّ شيئًا إيجابيًّا؛ لأن ارتفاع الاستهلاك يَعني زيادة معدلات التشغيل، وإتاحة فرص عمل، وتوفير دخول لعدد أكبر من العاملين.. وهذا الافتراض صحيح لو كان صافي الصادرات إيجابيًّا، بمعنى أن الصادرات تزيد عن الواردات، وهو ما يَعني أن الناتج يَعتمد على موارد محلية. ولكن ما يحدث في الحالة المصرية عكس ذلك؛ لأن صافي الصادرات السلعية والخدمية سلبي، بنحو 952.1 مليار جنيه. ولذلك فالاستهلاك يكون في مصر وارتفاع المعدلات في خدمة المنتجين يكون في الدول الأخرى التي تستورد منها. وهنا تتضح الصورة لصالح صانع السياسة الاقتصادية، بضرورة العمل على تغيير هذه المعادلة، من خلال بناء قاعدة إنتاجية حقيقية في القطاعات المهمة، الزراعة والصناعية والتكنولوجية.
وإذا انتقلنا من الحديث عن مكونات الناتج، وكيف أنه لا يتسم بالإيجابية، إلى نقطة أخرى، فإن النقطة التي يجب أن نشير إليها هي أن معدل النمو قد يكون إيجابيًّا كما هو الحال في الواقع المصري، ولكن العبرة هنا، على مَن يعود هذا النمو ومعدلاته الإيجابية؟
الواضح من خلال البيانات الرسمية المنشورة أن عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر يصل إلى 12 مليون أسرة، أي أن حوالي 48% من الأسر المصرية تعيش تحت خط الفقر. وإذا كان هذا العدد من الأسر يعيش تحت خط الفقر في ظِل عائد من معدلات نمو تقترب من 5%، فعلى صانع السياسة الاقتصادية أن يُغيّر من طبيعة تلك السياسات، ويتبنَّى سياسات منحازة للطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
خامسًا: مستقبل الاقتصاد المصري في 2026م
المقدمات تدل على النتائج، ولهذا سوف يَظل الاقتصاد المصري يُعاني من أزمة هيكلية، أبرز ملامحها الاعتماد على الخارج، وكذلك عدم وجود حلول جذرية لأزمة التمويل، والاكتفاء بالاعتماد على القروض، وهو ما يزيد من عمق المشكلة وامتدادها زمانيًّا، وتحميل الأجيال القادمة المزيد من الأعباء، سواء فيما يَخصُّ قضية الديون، أو عدم قدرة الاقتصاد المصري على توفير فرص عمل للداخلين الجدد إلى السوق، والذين يُقدَّر عددهم بنحو مليون فرد سنويًّا، أو القصور في توفير السكن للأسر الحديثة، فالمطلوب توفير نحو مليون وحدة سكانية سنويًّا، ولا يتم تنفيذ سوى نحو ربع المطلوب أو أزيد بقليل، سواء من قبل الحكومة أو القطاع الخاص.
ومن غير الواضح أن الحكومة يمكن أن تمتلك برنامجًا لحل الأزمة التمويلية للموازنة العامة للدولة، أو الوصول لأداء أفضل في ميزان المدفوعات، بعيدًا عن الموارد الريعية؛ فلا زالت الموارد الرئيسة للنقد الأجنبي في مصر تعتمد على مصادر ريعية (تحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، وإيرادات السياحة، وصادرات النفط والغاز)، وهي مصادر تتأثر بشكل كبير بالتقلبات الاقتصادية الناتجة عن المتغيرات الإقليمية أو الدولية.
ولا يلوح في الأفق إمكانية استغناء مصر عن صندوق النقد الدولي، فالعجز في ميزان المدفوعات أو في الموازنة العامة للدولة، سيجعلان مصر تعاني من فجوة تمويلية، تضطرها إلى الاقتراض من الخارج، وهو ما يَجعل اللجوء للمؤسسات المالية الدولية أمرًا ضروريًّا. ويأتي هذا السيناريو في ضوء استمرار تدفق المساعدات والقروض من الدول الغربية لمصر، وهو أمر يفرض على الحكومة المصرية المزيد من التحديات، ويجعلها مطالبة بتبني استراتيجية تمكنها من الاعتماد على الذات لإقامة نشاطها الاقتصادي. ومما يزيد الأمر صعوبة أن بعض أشكال الدعم الإقليمي لمصر قد تغيرت صورتها خلال الفترة الماضية. فمن حالة الدفع النقدي أو المواد النفطية، إلى استبدال الأراضي والمشروعات العامة بالديون والودائع، حيث تحرص الدول الخليجية على امتلاك أصول في مصر خلال السنوات الماضية. ويُلاحَظ أن المشروعات التي أعلن عنها للمشاركة مع دول الخليج، مثل صفقة “علم الروم” وصفقة “رأس الحكمة”، هي مشروعات سياحية عقارية، وإنْ كانت مفيدة إلَّا أنها لا تمثل احتياجًا استراتيجيًّا لمصر في المديين المتوسط والطويل، فليس من شأن هذه المشروعات أن تطور قطاعات الزراعة والصناعة والتكنولوجيا في مصر.
ومن المهم أن نشير في استشرافنا لأداء الاقتصاد المصري في عام 2026م، إلى حضور مصر في التجمعات الإقليمية والدولية، وبخاصَّة في تجمع “البريكس” الذي اكتسبت عضويته منذ عامين، حيث لم يظهر بعد لهذه العضوية أثر إيجابي ملموس على الاقتصاد المصري، سواء على صعيد الاستثمار أو الصادرات أو التوظيف.
وثمَّة تحد سيكون ماثلًا أمام الاقتصاد المصري في عام 2026م، وهو إعداد استراتيجية لمواجهة الأزمات الناشئة عن التقلبات الاقتصادية الإقليمية والدولية، الناشئة عن عدم الاستقرار في السياسة الدولية والإقليمية.. لقد كان لجائحة كورونا تداعياتها التي وضعت الحكومة المصرية في أزمة واضطرتها للجوء إلى صندوق النقد الدولي، وكذلك حرب الإبادة الإسرائلية على قطاع غزة، والحرب الإسرائيلية على لبنان واليمن، وما نتج عنها من تأثيرات سلبية على إيرادات قناة السويس، وكذلك قطاع السياحة، وبخاصَّة في الشهور الأولى للحرب الإسرائيلية على غزة.. ومن أكبر ما يجب أن تتحسب له الحكومة المصرية في ظِل سيناريو التقلبات الخارجية هو أن تتأثر عوائد العاملين بالخارج سلبيًّا. وأيضًا من الممكن أن تدفع التقلبات الخارجية الناتجة عن أزمات سياسية إقليمية أو دولية الأموال الساخنة إلى ممارسة سلوكها السلبي بالخروج من مصر، مما يضع الاقتصاد المصري تحت ضغط أزمة نقد أجنبي مرة أخرى، وهو ما يتطلب وجود استراتيجية للتخلص من هذه الأموال، وإتاحة بديل أكثر استقرارًا.
خاتمة
أظهر تحليل الأداء الاقتصادي المصري خلال عام 2025م أن التحسُّن المُعلَن في بعض المؤشرات الكلية لا يعكس بالضرورة تحوُّلًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد أو معالجة جذرية لاختلالاته المزمنة. فرغم التطورات الإيجابية الجزئية، مثل تسوية الخلاف مع صندوق النقد الدولي أو تحسُّن بعض المؤشرات النقدية، لا تزال المشكلات الهيكلية الأساسية قائمة، وفي مقدمتها العجز في الموازنة العامة، واختلال الميزانين التجاري والجاري، والاعتماد المتزايد على الاقتراض الخارجي والداخلي كمصدر رئيس للتمويل.
كما كشف التقرير أن السياسات الاقتصادية المتبعة تركز بدرجة كبيرة على تحقيق استقرار مالي ونقدي قصير الأجل، غالبًا ما يأتي على حساب الاستقرار الاجتماعي ومستويات المعيشة، في ظِل تحميل المواطن العبء الأكبر لتكلفة الإصلاح، دون توسُّع موازٍ في شبكات الحماية الاجتماعية أو تعزيز المشاركة المجتمعية في صياغة السياسات العامة. ويزداد هذا الخلل وضوحًا في ظِل غياب الشفافية، وتهميش دور المؤسسات الرقابية والتشريعية، واستمرار تغييب النقاش العام حول أولويات الإنفاق والعائد التنموي منه.
وعليه، فإن أي حديث عن تحسُّن مستدام في الأداء الاقتصادي يَظل منقوصًا ما لم يقترن بإصلاحات هيكلية حقيقية، تعيد الاعتبار للإنتاج، وتُعزِّز دور القطاع الخاص المُنتِج، وتربط بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية، بما يضمن نموًّا متوازنًا وقابلًا للاستمرار على المدى الطويل.
([1]) وزارة المالية، البيان المالي للموازنة للعام المالي 2025/2026م، ص 82.
([3]) يشمل بند الخدمات العامة في التقسيم الوظيفي عدة جهات، هي: الأجهزة التنفيذية، والأجهزة التشريعية، وأجهزة الشؤون الخارجية، ومعاملات الدين العام.
([4]) الشرق بلومبرج، انفوجراف: دين مصر الخارجي يسجل أعلى مستوى في 7 فصول، 22 يناير 2026م، https://2cm.es/1iBxD
([5]) CNN الاقتصادية، الدين المحلي لمصر يرتفع إلى 11.5 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، 21 سبتمبر 2025م، https://2cm.es/1nBHh
([6]) العربي الجديد، 12 مليون أسرة مصرية تحت خط الفقر، 3 ديسمبر 2025م، https://2cm.es/1iBxZ
([7]) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة المعلوماتية، عدد ديسمبر 2025م، ص 5.
([8]) البنك المركزي المصري، بيانات ميزان المدفوعات عن العام المالي 2024/2025م.
([9]) البنك المركزي المصري، بيانات ميزان المدفوعات عن الربع الأول من عام 2025/2026م.
([10]) الشرق الأوسط، اتفاقية تاريخية لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، 20 فبراير 2018م، https://2cm.es/1iByb
([11]) الشرق بلومبرج، مصر تعدل اتفاق الغاز مع اسرائيل في أضخم صفقة طاقة بين البلدين، 7 أغسطس 2025م، https://2cm.es/1iByp
([12]) العربية، مصر تسدد 5 مليارات دولار من مستحقات الشركات الأجنبية في قطاع البترول، 21 يناير 2026م، https://2cm.es/1nBIj
([13]) العربية، مصر توقع اتفاقيات طرح مجموعة من الشركات التابعة للقوات المسلحة بينها “الوطنية للطرق”، 9 أبريل 2025م، https://2cm.es/1iBz0
([14]) الشرق بلومبرج، قطر تستثمر 29.7 مليار دولار في مشروع سياحي على الساحل الشمالي في مصر، 5 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1nBIG
([15]) التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2017م، ص 116.
([16]) قاعدة بيانات البنك الدولي، مؤشرا صادرات وواردات السلع والخدمات.
([17]) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بحث القوى العاملة، تقرير تحليلي لعام 2024م، ص 30.
([18]) البنك المركزي المصري، بيانات ميزان المدفوعات للعام المالي 2024/2025م.
([19]) وزارة المالية المصرية، التقرير المالي الشهري، عدد ديسمبر 2025م، ص 1 و11.




