مقدمة
تُشكِّل الحالة القضائية في مصر خلال عام 2025م أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة التحولات السياسية والقانونية والمؤسسية التي تمر بها الدولة، في ظِل تداخل مُعقَّد بين الخطاب الرسمي حول ترسيخ دولة القانون، والواقع العملي الذي يثير تساؤلات متزايدة بشأن استقلال القضاء ووظيفته المجتمعية.
فالقضاء، بوصفه ركيزة العدالة وضمان الحقوق والحريات، لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تتحرك فيه مؤسسات الدولة، ولا عن طبيعة العلاقة بين السلطات، ولا عن مسار الإصلاحات السياسية والاقتصادية المعلنة.
وقد شهد عام 2025م جملة من التطورات اللافتة في بنية المنظومة القضائية، شملت تغييرات في القيادات، وإصدار تشريعات جديدة، وتصاعدًا في التوترات بين القضاة والمحامين، فضلًا عن تزايد الانتقادات الحقوقية المحلية والدولية لأداء العدالة الجنائية وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا الإطار، يسعى هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة للمشهد القضائي المصري في عام 2025م، من خلال تتبع ملامحه العامة، وتقييم أداء المؤسسة القضائية، وتحليل علاقاتها بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، ورصد تفاعل القضاء مع مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي، وصولًا إلى استعراض المواقف الحقوقية وفرص التطوير المستقبلية، بما يتيح فهمًا أعمق للتحديات البنيوية التي تواجه العدالة في مصر.
أولًا: الملامح العامة للمشهد القضائي في مصر
ثمَّة مظاهر عديدة يمكن رصدها في المشهد القضائي المصري في عام 2025م، في مقدمتها تغيير قيادات الهيئات القضائية، حيث قام عبد الفتاح السيسي بإصدار قرارات جمهورية بتعيين أربعة من كبار القضاة لتولي رئاسة الجهات والهيئات القضائية الرئيسة في البلاد. فتمَّ تعيين المستشار عاصم عبد اللطيف الغايش رئيسًا لمحكمة النقض، ليشغل بذلك أيضًا منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو أرفع منصب قضائي في البلاد. كما شمل القرار تعيين المستشار أسامة يوسف شلبي رئيسًا لمجلس الدولة، وتعيين المستشار محمد الشناوي رئيسًا لهيئة النيابة الإدارية، وتعيين المستشار حسين مدكور رئيسًا لهيئة قضايا الدولة([1]).
تمَّت التعيينات وفقًا لتعديلات قانون تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية في مصر لعام 2017م، والتي جعلت من رئيس الدولة طرفًا في اختيار قيادة السلطة القضائية([2])، بما يُقوِّض استقلالها، ويَفتح الباب أمام تعيينات “مكافِئة” للقضاة الموالين أو المَرضِي عنهم من السلطة التنفيذية، وفي غياب واضح لمعايير الاختيار أو التفضيل، مما جعل هذا الاختيار “سياسيًّا أكثر منه مؤسسيًّا”، وينعكس سلبًا على مبدأ حيادية القضاء، ويؤدي إلى تآكل ثقة المواطنين في المؤسسة القضائية كجهة مستقلة عن السلطة التنفيذية. كما أن ذلك قد يدفع بعض القضاة إلى مسايرة السلطة التنفيذية لضمان فرصتهم في التعيين.
كذلك أضعفت التعديلات، بل ألغت حقيقة دور الجمعيات العمومية للهيئات القضائية في اختيار قياداتها، وهو ما يُعد إخلالًا بالتقاليد الراسخة في اختيارها، بعد أن أصبح القرار النهائي بيد رئيس الدولة.
وبَدَا واضحًا أن هناك جهودًا تبذل من جانب المؤسسة القضائية لتحديث المحاكم والتحوُّل الرقمي، بهدف تسريع الإجراءات.
إضافة إلى ذلك، لوحظت حالات من التوتر بين المحامين والقضاة بسبب رسوم التقاضي وإجراءات المحاكمات.
كما شهد العام المنقضي صدور قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025م، ونُشِر في الجريدة الرسمية في 12 نوفمبر 2025م، ليَحل محل القانون القديم رقم 150 لسنة 1950م، بشأن قواعد المحاكمة .
ثانيًا: أداء مؤسسة القضاء
تعرَّض أداء مؤسسة القضاء للعديد من الانتقادات في العام 2025م، ولم تتوقف الانتقادات الموجهة إلى أداء المؤسسة على تلك التي تصدر عن المتعاملين معها، وإنما تجاوزتها إلى انتقادات صدرت بشأنها تقارير محلية ودولية. ومن أهم المسائل التي أثارت جدلًا ما يلي:
1 – ارتفاع رسوم التقاضي:
شهد عام 2025م احتجاجات واسعة من نقابة المحامين بسبب زيادة الرسوم القضائية والخدمات المرتبطة بالمحاكم، ما دفع أكثر من 21 ألف محامٍ إلى التصويت على مقاطعة حضور الجلسات كإجراء تصعيدي، احتجاجًا على هذه الزيادة التي اعتبروها تعيق الحق في الوصول إلى العدالة وتخالف الدستور المصري([3]). كما أبدت نقابات ومنظمات حقوقية تضامنًا مع المحامين، مُعتبرةً أن هذه الزيادات تفرض حواجز مالية أمام المواطنين، خاصَّة ذوي الدخل المحدود، ما يمنعهم من الوصول إلى النظام القضائي.
2 – تدخل السلطة التنفيذية في أعمال القضاء:
أدَّى التغيير في آليَّات اختيار رؤساء الهيئات القضائية والإعلان من خلال وسائل الإعلام عن توجُّه الدولة بشأن بعض القضايا، وضعف الضمانات القانونية لاستقلال القضاء، وعدم كفاية آليَّات المساءلة إلى التأثير على استقلال القضاء وفقدان الثقة في عدالة الأحكام الصادرة، وتراجع استقلال المؤسسة القضائية أمام السلطة التنفيذية.
3 – تقييد عمل المحامين والدفاع:
أشار العديد من التقارير الحقوقية الدولية إلى وجود قيود، منها حَجْب المحامين عن اللقاء المباشر مع موكليهم، وعدم الاستجابة لمطالبهم بشأن تحقيق أوجه دفاعهم، فضلًا عن اعتقال العديد أثناء قيامهم بمباشرة الدفاع عن موكليهم، خاصَّة في القضايا السياسية للمعارضين للنظام. هذه الممارسات أدَّت إلى فقدان الثقة في الضمانات المطلوبة لاستقلال مهنة المحاماة، مما أثر على قدرة المحامين على الدفاع عن موكليهم بحرية، وهو ما يُضعِف في المقابل ضمان المحاكمة العادلة.
3 – التشريعات المتعلقة بالإجراءات الجنائية:
واجهت نصوص مشروع قانون الإجراءات الجنائية نقدًا من النقابات المهنية والمنظمات الدولية، لأنها تُضعِف من حماية الحق في الدفاع وتقلل من ضمانات المحاكمة العادلة.
4 – الأزمة الداخلية بسبب الأوضاع المالية للقضاة:
على الرغم من أن الاحتجاج على الظروف المالية يعود إلى ما قبل عام 2025م، إلَّا أن أجواء الاحتجاج الداخلي لدى بعض القضاة على ظروفهم المالية وتفاوت المعاشات والامتيازات بَدَت واضحة في العام المنقضي، مما أثر على معنويات واستقرار المؤسسة القضائية، خاصَّة في ظِل حديث عن إحالات وتحقيقات بحق قضاة انتقدوا الوضع المالي.
ثالثًا: العلاقة بين السلطة القضائية والسلطات الأخرى
تعاني مصر من أزمة شديدة في منظومة العدالة تعود في أغلبها إلى تسلط نظام الحكم وتغوُّل السلطة التنفيذية على مؤسسات الدولة حتى تضمن ولاء تلك المؤسسات بشتى الطرق مما أدَّى إلى إفسادها، وهو ما يُمثِّل أزمة تتمظهر في غياب معايير المحاكمات العادلة، الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى فقدان الثقة في منظومة العدالة، ووَصْم القضاء بأنه موالٍ للسلطة التنفيذية.
1- الإطار الضابط للعلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية:
بحسب الدستور المصري، فإن السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، والهيئات القضائية تدير شؤونها بنفسها، وتعيينات القضاة تتم وفق شروط قانونية لحماية الاستقلال، والتدخل في عمل القضاء يُعتبَر جريمة. كما يَنصُّ الدستور على أن القضاء يَفصِل في النزاعات، وأن القانون يُحدِّد اختصاصاته، وأن استقلال القاضي محمي.
2- واقع العلاقة بين القضاء والسلطات الأخرى:
على الرغم من تصريح القيادة السياسية في مصر، بأن الدولة ملتزمة باستقلال القضاء وترسيخ دولة القانون، والتأكيد المستمر على ذلك في الاجتماعات والفعاليات الرسمية، فضلًا عن تصريحات رؤساء الهيئات القضائية بأن هناك حرصًا من القيادة السياسية على استقلال السلطة القضائية، إلَّا أن الواقع يخالف ذلك؛ فقد شهد العام 2025 م تدخلًا سافرًا من السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية.
على سبيل المثال، تمَّ تسييس التعيينات العليا من خلال تدخل السلطة التنفيذية في تعيين رؤساء الهيئات القضائية العليا بطريقة تمس استقلال القضاء وتجعل القرارات الصادرة من هذه الهيئات مرتبطة بالمواءمات السياسية.
2- السلطة التشريعية واستقلال القضاء:
ثمَّة علاقة وثيقة بين انصياع السلطة التشريعية لتوجيهات السلطة التنفيذية واستقلال القضاء ومفهوم العدالة، فقد أقرَّ البرلمان في عام 2025م تعديلات كبرى على قانون الإجراءات الجنائية وغيرها من التشريعات التي أثارت نقاشًا واسعًا بين السلطتين القضائية والتشريعية حول مدى تأثير تلك القوانين على ضمانات المحاكمة العادلة، وهو جانب يُظهِر أن تغوُّل السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية يؤثر بالتبعية على استقلال السلطة القضائية.
3- وضع ضوابط جديدة للتعيينات بالقضاء:
كان لتوجُّه النظام في مصر نحو وضع شروط لاجتياز القبول للتعيين بالقضاء ترتبط بالولاء للنظام الحاكم أثر بالغ في النظرة العامة لاستقلال المؤسسة القضائية. وقد شهد العام 2025م مظاهر عدة لهذا الأمر، كان أبرزها اشتراط اجتياز المرشح للعمل بالقضاء لدورة عسكرية، فضلًا عمَّا أثير مؤخرًا من أن التعيينات سوف تتم من خلال مكتب تابع لجهة سيادية، مما أدَّى إلى اضطراب بين صفوف القضاة ومخاوف من تأثير ذلك على استقلال القضاء الذي سوف تتحول تبعيته للسلطة التنفيذية، مما دفع البعض إلى طلب عقد جمعية عمومية طارئة لنادي القضاة لمناقشة الأمر([4]). كما دفع ذلك التوجُّه بعضَ منظمات حقوق الإنسان إلى الإعلان عن أن الضمانات الدستورية لا تُترجَم دائمًا إلى ممارسة عملية تحمي القضاء من الضغوط السياسية أو من تأثيرات السلطة التنفيذية.
رابعًا: التقاطع بين القضاء والإصلاحات السياسية والاقتصادية
في عام 2025م، شهدت مصر تقاطعًا بين الإصلاحات السياسية والاقتصادية المفترضة، والتي وُجِّهت لها انتقادات عديدة، والمؤسسة القضائية، حيث كان القضاء والعدالة جزءًا مهمًا من هذا المسار، سواء من حيث الدور الذي يُفترَض أن يؤديه القضاء في ضمان دولة القانون، أو عبر المشاريع والمبادرات التي تسعى الدولة إلى تنفيذها لتعزيز فعالية المنظومة القضائية في سياق التحولات والتحديات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.
1- السياق السياسي والإصلاحات المتوقعة:
سياسيًّا، انقضى عام 2025م في مصر في ظِل استمرار تركيز الدولة على الاستقرار السياسي وتثبيت قواعد الحكم، وتحصين النظام المؤسسي الذي اتسم بالتداخل مع المؤسسة العسكرية في كافة القطاعات. وقد تمَّ استخدام القضاء كواجهة في محاولةٍ لإضفاء المشروعية على الأنشطة السياسية للسلطة التنفيذية، وهو توجُّه ينعكس في عدد من الملفات، مثل ملف انتخابات مجلس النواب، التي تمَّ تنظيمها تحت إشراف مُعلَن للهيئات القضائية وترويج عبر وسائل الإعلام أن الاستحقاقات الانتخابية تتم بضمانات قانونية واضحة حسب الإعلانات الرسمية([5])، ما يعكس محاولة الدولة إشراك القضاء في إثبات نزاهة الإجراءات القانونية في العملية الانتخابية.
إن وجود إشراف قضائي على الانتخابات يُعزِّز من الشرعية القانونية للعملية السياسية، ما يساعد في بناء ثقة شعبية في المؤسسات، إلَّا أن هذا السياق السياسي يتعارض مع تقييمات حقوقية وسياسية نقدية تشير إلى انحيازات في النظام العام وضعفًا في استقلالية المؤسسات، بما فيها القضاء، وهو عامل يؤثر على قدرة هذه المؤسسات على لعب دور فاعل في الإصلاح. وبينما تدعو السلطات إلى استقلال القضاء رسميًّا، إلَّا أن المراقبين يُشيرون إلى تحديات في استقلالية المنظومة، ما يجعل هذا التقاطع مع الإصلاحات السياسية موضوع نقاش عام ومستمر.
2- الإصلاحات الاقتصادية وبنية الحكم:
لا شك أن التعديلات القانونية المتعلقة بالسوق، والعقود، وإجراءات الإفلاس، تتطلب حوكمة قوية ونظام قضائي قادر على الفصل بسرعة وكفاءة في القضايا المرتبطة بهذه الموضوعات، وهو ما تحاول الدولة تطويره. وقد ركز النظام المصري قي العام 2025م على الإعلان عن إصلاحات هيكلية ضمن برنامج مدعوم من مؤسسات دولية، كصندوق النقد الدولي، بهدف تقوية مرونة الاقتصاد، وتعزيز الشفافية، وتحسين مناخ الأعمال.
هذه الإصلاحات الاقتصادية المُعلَنة تتطلب إطارًا قانونيًّا قويًّا ومنظومة قضائية فعَّالة وقادرة على حماية العقود، وضمان تنفيذ القوانين الاقتصادية، وحماية حقوق المستثمرين، وهو ما يجعل دور القضاء جوهريًّا في تعزيز الثقة في الاقتصاد، مما يتطلب بيئة قانونية مستقرةً وشفافةً لضمان نزاهة التنفيذ القضائي للعقود والقوانين التجارية.
3 – المشاريع والمبادرات القضائية:
خلال عام 2025م، أعلنت وزارة العدل عن تنفيذ استراتيجية شاملة لتطوير منظومة العدالة، تهدف إلى تقديم “عدالة ناجزة بقدرات متطورة لتلبية احتياجات المواطن والعصر”([6])، ما يُظهِر اهتمامًا بمشاريع تكنولوجية وتنظيمية لتحسين أداء النظام القضائي وقد تضمنت جهود تطوير العدالة الإعلان عن إدخال التكنولوجيا في الإجراءات القضائية، ما يُسهِم في تسريع الفصل في القضايا وتقليل الازدحام وتحقيق عدالة أسرع وأكثر شفافية.
وفي سياق متصل، تحدثت تصريحات رسمية عن حرص الدولة على استقلال القضاء وترسيخ دولة القانون، وذلك عبر دعم التحول الرقمي في الإجراءات القضائية والتعامل مع الطعون الانتخابية، ما يَعكِس رغبة معلنة في تحديث أداء المحاكم والهيئات القضائية.
الإصلاحات تشمل أيضًا الإعلان عن التحوُّل الرقمي في قطاعات الدولة، ومنها القضاء، ما يُعزِّز كفاءة الأداء وسرعة الإنجاز، ويَحُد من التعقيدات الإجرائية والتأخير في الفصل في القضايا، وهو أمر جوهري لبيئة قانونية جاذبة للاستثمار والالتزام بالمعايير الدولية([7]).
وإجمالًا، في عام 2025م، كان القضاء في مصر جزءًا لا يتجزأ من الأجندة الإصلاحية المعلنة، سواء عبر دوره في الانتخابات، أو في دعم الإطار القانوني للإصلاحات الاقتصادية، أو من خلال مشاريع تطوير العدالة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق استقلال قضائي حقيقي يضمن فصل القضاء عن الضغوط السياسية ويُعزِّز دوره في دعم الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية بشكل فعَّال ومستدام.
خامسًا: المؤسسة القضائية بين الاستقلال والتدخلات الحكومية
1 – مفهوم استقلال القضاء وأهميته:
يقصد باستقلال القضاء قدرة القضاة على الفصل في القضايا طبقًا للقانون فقط، دون الخضوع لضغوط سياسية أو حكومية أو مصالح خارجية؛ وهو ركيزة أساسية لضمان العدالة وسيادة القانون وحماية حقوق المواطنين. فالقضاء المستقل يحمي الحقوق الأساسية، يضمن محاكمات عادلة، ويشكل أساسًا لمساءلة السلطة التنفيذية والتشريعية عن أفعالهم.
في الدستور المصري، يُعد استقلال السلطة القضائية مبدأً دستوريًا، لكن التطبيق الواقعي لهذا المبدأ يتداخل في كثير من الأحيان مع معطيات السياسة واستمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم، ما يجعل الحديث عن استقلال القضاء في 2025 موضوعًا مركّزًا للنقاش.
2 – التدخلات الحكومية في المؤسسة القضائية:
أ. الخطاب الرسمي
في 2025م، كررت القيادة المصرية التأكيد على احترام استقلال القضاء وعدم التدخل في شؤونه، بما في ذلك تصريحات رئيس السلطة التنفيذية بالتأكيد على احترام الدولة لمبدأ استقلال القضاء ودوره في ترسيخ سيادة القانون.
كما تكرر في المناسبات الرسمية الحديث عن حرص الدولة على تطوير منظومة التقاضي ودعم القضاء بالكوادر والتقنيات الحديثة، وإشراف القضاء على الانتخابات لضمان نزاهتها.
هذه التصريحات الرسمية تأتي في سياق رغبة في إظهار التزام السلطة السلطة الحاكمة بالدستور، إلَّا أن ذلك لم يمنع وجود نقد وتحفظات من جهات حقوقية ومراقبين للشأن المصري حول الوضع الحقيقي للاستقلال القضائي في الممارسة العملية. فضلًا عما كشفت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي جرت في نهاية العام 2025م، من مخالفات وخروقات جسيمة تنال من نزاهتها وتؤثر في سلامة نتائجها، مما اضطر القيادة السياسية إلى إلغاء الانتخابات لاختيار أعضاء مجلس النواب في العديد من الدوائر. كما أظهرت الممارسة الفعلية هشاشة النظام الانتخابي وضَعْف الرقابة القضائية، والتي تكاد تنعدم في معظم الدوائر، ووُصِفت بأنها شكلية في عموم الانتخابات. الأمر الذي جعل البعض يرى أن الانتخابات الأخيرة شبيهة إلى حد كبير بانتخابات برلمان 2010م، والتي سبقت ثورة يناير 2011م، من حيث الإشراف القضائي الشكلي على الانتخابات لمحاولة إضفاء نوع من المشروعية على أعمال السلطة التنفيذية والتزوير الممنهج للنتائج، وهو ما أثار مخاوف لدى النظام وتوقعات بحراك شعبي على غرار ثورة يناير 2011م.
ب. الوضع الواقعي
في مقابل الخطاب الرسمي الذي يؤكد احترام استقلال القضاء، تبرز جملة من الملاحظات النقدية التي تناولتها تقارير حقوقية ومراكز بحثية، وركّزت على البنية المؤسسية والتشريعية المنظمة للعمل القضائي. وتتمحور هذه الانتقادات بصورة أساسية حول آليَّات التعيين في المناصب القضائية العليا، وطبيعة التشريعات الإجرائية الجديدة وتأثيرها على ضمانات العدالة.
الهيكلة المؤسسية والتعيينات: تُثير بعض التعديلات القانونية المتعلقة بكيفية تعيين رؤساء الهيئات القضائية جدلًا حول درجة استقلالية المؤسسة القضائية، خاصَّة عندما تمنح صلاحيات للسلطة التنفيذية في اختيار بعض القيادات القضائية.
التشريعات والإجراءات الجنائية: أبدى المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة والعديد من المراكز البحثية والمنظمات الحقوقية قلقهم من تعديلات قانون الإجراءات الجنائية التي تهدد ضمانات المحاكمة العادلة، معتبرًا أن بعض التعديلات تهدد ضمانات حقوق الدفاع وتؤثر سلبًا على نزاهة الإجراءات القضائية.
3 – التحديات التي تواجه المؤسسة القضائية:
ضبابية استقلالية القضاء في الواقع: على الرغم من الخطاب الرسمي الداعم لاستقلال القضاء، هناك تقارير حقوقية تشير إلى تراجع فعلي في قدرته على العمل بحرية تامة، ومِن ضمنها تقارير عن تآكل استقلالية القضاء وتأثيرات ذلك على الانتهاكات الممنهجة لحقوق المتقاضين والمحامين.
الضغوط السياسية والقانونية: وجود صلاحيات تنفيذية أو تشريعية تستطيع التأثير غير المباشر على عمل القضاء، وتغيير معايير التعيين في المناصب العليا، أو إثراء أدوات تشريعية تُضعِف الضمانات القانونية، هو أمر يؤثر في صورة الاستقلال القضائي على أرض الواقع، فضلًا عما أثير مؤخرًا من اشتراط اجتياز المُعيَّن عضو نيابة دورة عسكرية والقرارات الصادرة مؤخرًا بإسناد تعيين أعضاء النيابة العامة إلى الأكاديمية العسكرية، مما أثار حفيظة القضاة ودفعهم إلى الدعوة إلى اجتماع عاجل للجمعية العمومية للقضاة، في محاولة لكبح جماح تغول السلطة التنفيذية في شؤون القضاء.
تآكل ثقة المجتمع في نزاهة القضاء: ثمَّة تحدٍ آخر يتعلق بثقة المواطنين في المؤسسة القضائية، حيث إن تعرُّض القضايا الحساسة للانتقاد العام أو التعامل معها بطريقة يراها البعض غير عادلة يمكن أن يُضعِف ثقة الجمهور في نزاهة القضاء، وهو ما ينعكس في التقارير الحقوقية المحلية والدولية.
4 – أثر التدخلات والتحديات على العدالة:
لا تقف التدخلات الحكومية والتحديات البنيوية التي تواجه المؤسسة القضائية عند حدود الإطار المؤسسي أو التشريعي، بل تمتد آثارها المباشرة إلى جوهر العدالة ووظائفها الأساسية، وذلك من خلال تأثرها على ما يلي:
المحاكمات ونزاهة الأحكام: ضعف استقلال القضاء ينعكس مباشرة على ضمانات المحاكمة العادلة، مثل حماية حقوق الدفاع وعدم التعرُّض لتوجيهات سياسية، وهو ما يُشكِّك في قدرة القضاء على الفصل بين المتقاضين بمنتهى الحياد.
الحقوق الأساسية: انعدام استقلال القضاء قد يؤدي إلى تآكل الحريات الأساسية، مثل حرية التعبير والمحاكمة العادلة، خاصَّة في القضايا ذات الطابع السياسي أو الأمني، حيث القانون والإجراءات يمكن أن يخضعا لضغوط غير قضائية.
الثقة العامة: التحديات التي تواجه استقلال القضاء تؤثر على ثقة المجتمع في النظام القضائي كمؤسسة منصفة، ما قد يَجعل الأفراد أقل ميلًا للجوء إلى العدالة كمنفذ لحماية حقوقهم، ويَزيد من مظاهر عدم الرضا العام.
وبشكل عام فإن الملاحظ في المشهد القضائي لعام 2025م هو أنه شهد تداخلًا بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد استقلال القضاء، والتحديات الواقعية التي تواجهها المؤسسة القضائية في ممارستها الفعلية. وعلى الرغم من التأكيدات الحكومية، لا تزال هناك تدخلات مباشرة وغير مباشرة، وقيود تشريعية تؤثر على استقلالية القضاء، الأمر الذي له آثار مهمة على مبدأ العدالة، وحماية الحقوق الأساسية، وثقة المواطنين في النظام القضائي.
سادسًا: المواقف الحقوقية المحلية والدولية من القضاء المصري
لم يقتصر الجدل حول أداء القضاء المصري في عام 2025م على الساحة الداخلية، بل امتد إلى دوائر الرقابة والآليَّات الحقوقية الإقليمية والدولية، التي أولت اهتمامًا خاصًا بوضع العدالة واستقلال القضاء في مصر.
1 – المراجعة الدولية لملف حقوق الإنسان:
شكّلت المراجعة الدولية لملف حقوق الإنسان محطة رئيسة لتقييم السياسات والممارسات القضائية في ضوء الالتزامات الدولية للدولة.
ففي 28 يناير 2025م، خضعت مصر للمراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهي آليَّة يُراجَع من خلالها أداء الدول فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ويُقدَّم خلالها تقرير رسمي من الدولة، وتوصيات من دول العالم ومنظمات حقوقية.
التقرير النهائي للمراجعة كشف عن أكثر من 370 توصية من 137 دولة، تناولت العديد من الملفات الحقوقية، من بينها قضايا العدالة، والحريات، ودور القضاء في حماية الحقوق([8]).
2 – المواقف الدولية من القضاء المصري:
نشرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” (HRW) تقارير تظهر أن الفضاء المدني في مصر ظلَّ مقيدًا بشدة طوال عام 2025م، وأن المنظمات الحقوقية المستقلة تواجه تحرشًا قضائيًّا وأمنيًّا مستمرًا([9]).
وفي “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان”، لاحظت منظمات حقوقية خلال جلسات 2025م أن التقرير الرسمي المصري إلى اللجنة يحتوي على تصوير متفائل للأوضاع الحقوقية ويتجاهل ما توثقه المنظمات من انتهاكات، ما أثار انتقادات لضعف الرقابة وإمكانية تضليل التقييم([10]).
كذلك أظهرت تقارير منظمات دولية أخرى، منها “منظمة العفو الدولية” المشاركة في استعراض ملف مصر أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف 2025م، أن هناك أزمة حقوق إنسان تمتد لسنوات، تشمل التعذيب والاحتجاز التعسفي وتقييد الحريات الأساسية، وهو ما يرتبط باستقلالية القضاء وضمانات العدالة في المحاكمات.
3 – المواقف المحلية من قضايا العدالة والقضاء:
وَثَّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) استمرار مد الحبس الاحتياطي لمدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيّين بتهم أمنية، وهو مؤشر حقوقي على تدخلات غير قضائية في إجراءات العدالة.
وأعدت منظمات حقوقية مصرية تقارير محلية، أو “تقارير الظل” الموازية لتقرير الحكومة المصرية، تمهيدًا لعرضها في جنيف، ناقشت فيها التشريعات المتعلقة بالحريات ومواءمة النصوص القانونية للمعايير الدولية، ما يعكس رفضًا نقديًّا لآليَّات القضاء في التعامل مع القضايا الحقوقية.
كذلك أوردت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في بياناتها لشهر سبتمبر 2025م، بيانات عن إخلاء سبيل محبوسين سياسيًّا واحتجاجات حول قضايا الإخفاء القسري، مشددة على أن القضاء غالبًا ما يُستخدَم ضد المدافعين عن الحقوق بدلًا من حمايتهم.
4 – قضايا رمزية وأثرها على الرأي الحقوقي:
لم تشهد الساحة قضايا رمزية لمعارضين للنظام تمَّ التفاعل معها بإيجابية سوى قضية الناشط المصري علاء عبد الفتاح، التي كانت من القضايا البارزة خلال 2025م، إذ تعرض للاحتجاز فترة طويلة بتهم تتعلق بنشر معلومات، دون ضمانات عادلة، مما أثار انتقادات دولية حول غياب المحاكمات العادلة واستقلال القضاء في مصر، خاصَّة بعد إعلان والدته الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام ومناشدة الحكومات الغربية التدخل لإطلاق سراحه.
لقد اضطر النظام إلى إصدار عفو رئاسي عنه وإطلاق سراحه في سبتمبر 2025م، حفظًا لماء الوجه، بعد ضغط حقوقي ودبلوماسي دولي شديد، وهو ما استُقبل بترحاب معتبر من جانب المنظمات الحقوقية، مع استمرار المخاوف بشأن آلاف من السجناء الآخرين وعدم التفاعل من قبل النظام مع قضاياهم وما يعانونه من إخفاء قسري واعتقالات دون مبرر، ودخول العديد منهم في إضراب مفتوح عن الطعام.
5 – القضايا الحقوقية المرتبطة بالقضاء:
أبرزت منظمات حقوقية دولية وأهلية في تقارير عديدة أن آلاف الأشخاص تمَّت إحالتهم إلى محاكم الإرهاب خلال 2025م، في إجراءات تفتقر لضمانات المحاكمة العادلة، مما يؤشر إلى أزمة في استقلال القضاء والعملية القضائية.
وفي نهاية 2025م، انتشرت تقارير حقوقية محلية تتناول أحكامًا قضائية مثيرة للجدل، منها انتقادات واسعة لحكم في قضاء الأحداث لما اعتُبر انتهاكًا لقانون الطفل والمعايير القضائية الأساسية، وهو ما استُخدِم لتسليط الضوء على ما يُعتَبَر ضعفًا في تطبيق العدالة.
٦ – خلاصة المواقف الحقوقية وتوصيفها:
يَرى المجتمع الدولي من خلال آليَّات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الكبرى أن نظام القضاء في مصر لا يزال ضمن بيئة حقوقية مضطربة، تتضمن قضايا احتجاز تعسفي، وملاحقات سياسية، وإجراءات قضائية تفتقر لضمانات العدالة.
ويُشدِّد المراقبون الحقوقيون المحليون على أن القضاء يتم استخدامه في كثير من الأحيان كأداة تقييد للحريات بدلًا من حمايتها، ويطالبون بإصلاحات قانونية مؤسسية عميقة لتقوية استقلال القضاء وضمان المحاكمات العادلة.
وفي ضوء هذا التباين بين التقييمات الدولية والملاحظات الحقوقية المحلية من جهةٍ، والخطاب الرسمي للدولة من جهةٍ أخرى، يَبرز تعارض واضح بين ما تعلنه السلطات من التزام بالمعايير القانونية، وبين استحقاقات المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومتطلبات استقلال القضاء في التطبيق العملي.
وإجمالًا، يمكننا القول إنه في عام 2025م، شكَّلت المواقف الحقوقية المحلية والدولية من القضاء المصري صورة مختلطة: من جهةٍ تصدر الدولة تقاريرها الرسمية وتؤكد احترام القانون، ومن جهةٍ أخرى توثّق منظمات حقوق الإنسان تحديات جسيمة تتعلق باستقلال القضاء، وضمانات العدالة، وإجراءات محاكمات تتطلَّب إصلاحات مؤثرة لضمان مصداقية أعلى للعدالة في مصر.
سابعًا: فرص التطوير والإصلاح والآفاق المستقبلية
تأتي جهود تطوير القضاء المصري في سياق تحوُّل أوسع يشمل تحديث التشريعات، ومحاولة تحسين الأداء المؤسسي، وتعزيز الكفاءة، وذلك ضمن الأهداف المعلنة للحكومة، حول تعزيز دولة القانون وتلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد. وتمثل هذه الجهود – إذا وجدت رغبة صادقة من السلطة الحاكمة – فرصة جيدة لرفع جودة العدالة، وضمان استقلال القضاء، وتقوية الثقة في المنظومة القضائية.
1 – محاور الإصلاح الجارية في القضاء المصري:
- فضلًا عن إصدار بعض التشريعات، والتي أعلن أن مِن شأنها تطوير وإصلاح القضاء، والتي لاقت انتقادات واسعة، فإنه وفي مسعى لتحسين أداء القضاء وتسريع الفصل في القضايا، أصدرت وزارة العدل قرارات بإنشاء دوائر متخصصة لتسريع الفصل في القضايا. على سبيل المثال، تمَّ إنشاء 38 محكمة عمالية متخصصة في مختلف أنحاء البلاد، بالتوازي مع القانون الجديد للعمل الذي دخل حيز التنفيذ في 2025م([11]). هذه المحاكم العمالية تشكل جزءًا مهمًا من التحوُّل المؤسساتي. ويمكن للمحاكم المتخصصة أن تُحسِّن دقة الفصل في القضايا الفنية والمُعقَّدة، وتُخفِّف الضغط عن المحاكم العامة، ما يزيد من الكفاءة والعدالة في البتِّ القضائي.
- تطوير الموارد البشرية وبناء القدرات القضائية، حيث يُركِّز المجلس الأعلى للقضاء المصري – وفق بيانات الأمانة العامة للمجلس – على تحسين الموارد البشرية في المحاكم من خلال تنظيم تدريبات مهنية، وتحديث مدونة أخلاقيات جديدة للقضاة تتماشى مع المعايير المعاصرة. قد تُسهِم هذه الجهود في نشر كوادر قضاء مدرَّبة على المعايير المهنية الحديثة، ما يَرفع من جودة الأحكام ويُقوِّي ثقة المواطنين في النظام القضائي.
- إدخال التكنولوجيا والعدالة الرقمية، حيث أُشِير في عدة بيانات حكومية إلى حرص الدولة على تحديث العمل القضائي عبر التحوُّل الرقمي في الإجراءات، بما في ذلك توفير أدوات للتعامل مع القضايا والسجلات القضائية بشكل إلكتروني، وذلك ضمن توجهات أوسع لتحسين الخدمات العامة الرقمية. ويُعد التطور التكنولوجي عاملًا مركزيًّا في تسريع العدالة وتسهيل الوصول إليها عبر المحاكم الإلكترونية ونظم المعلومات القضائية.
2 – التحديات المقترنة بالإصلاح:
رغم التطورات التشريعية والمؤسسية، تظل هناك تحديات حقيقية تواجه المؤسسة القضائية ومنظومة العدالة في المستقبل، منها:
- الفصل بين التشريع والتنفيذ: تطبيق التشريعات الجديدة بشكل موضوعي دون تأثيرات خارجية (سياسية أو غيرها) يبقى تحديًا دائمًا لتعزيز الاستقلال القضائي.
- رفع مستوى الثقة العامة: تحتاج الإجراءات الإصلاحية لزيادة مشاركة المجتمع المدني في متابعة تطبيقها، من أجل تعزيز الثقة في القضاء.
- الحاجة إلى التدريب المستمر: على الرغم من المبادرات التدريبية، إلَّا أن تحسين الأداء القضائي يرتبط بتأسيس برامج تعليم مستمر وتحديث مناهج التدريب بما يتناسب مع المعايير الدولية.
3 – فرص وآفاق مستقبلية للقضاء المصري:
على الرغم من التحديات البنيوية التي تواجه المنظومة القضائية، إلَّا أنه ما زالت هناك فرص محتملة للإصلاح إذا ما تمَّت الاستفادة منها وأُحسِن توظيفها. وتكمن هذه الفرص في جملة من المسارات، أهمها ما يلي:
- تعزيز استقلال القضاء وشفافية العمل القضائي: لا شك أن تطبيق قوانين وإجراءات جديدة مع آليَّات مراقبة فعَّالة، سوف يُسهِم في تعزيز استقلال القضاء ويزيد من نزاهة الأحكام القضائية، ما ينعكس إيجابًا على ثقة المواطنين في النظام القضائي.
- الربط بين العدالة والتنمية الاقتصادية: التحسينات في منظومة القضاء – خاصَّة في المحاكم المتخصصة – يمكن أن تُعزِّز مناخ الاستثمار عبر ضمان تنفيذ العقود وحماية الحقوق القانونية للأفراد والمؤسسات. هذه العلاقة بين العدالة ومناخ الأعمال تعد واحدة من محركات الإصلاح المؤسسي والاقتصادي.
- استدامة الإصلاح عبر الاستراتيجيات الوطنية: تسهم المبادرات التشريعية والمؤسسية الحقيقية في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية، التي تضع الإصلاح الإداري والقضاء الفعَّال في تحقيق التنمية الشاملة.
لقد امتلك القضاء المصري في عام 2025م عددًا من الفرص الحقيقية للتطوير والإصلاح، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إرساء محاكم متخصصة، وبناء القدرات البشرية، واستخدام التقنية الرقمية. ومع ذلك، يبقى تطبيق هذه الإصلاحات بشكل فعلي وشفاف هو العامل الحاسم في تحقيق آفاق مستقبلية تُعزِّز العدالة والمساواة وسيادة القانون في مصر على المدى الطويل وهو ما غاب واقعًا عن حال القضاء.
خاتمة
تكشف قراءة المشهد القضائي في مصر خلال عام 2025م عن مفارقة واضحة بين التأكيدات الرسمية المتكررة على استقلال القضاء ودعمه، وبين واقع عملي يتسم بتدخلات مباشرة وغير مباشرة، وتحديات تشريعية ومؤسسية تؤثر في حياد العدالة وثقة المجتمع بها.
لقد بات القضاء جزءًا من توازنات السلطة العامة، سواء من خلال آليَّات التعيين في المناصب العليا، أو عبر تشريعات إجرائية أثارت جدلًا واسعًا حول مدى توافقها مع المعايير الدستورية والدولية للمحاكمة العادلة.
كما عكست الاحتجاجات المهنية، والانتقادات الحقوقية، وحالات التوتر داخل المؤسسة القضائية نفسها، عمق الأزمة التي تواجه منظومة العدالة، ليس فقط على مستوى الاستقلال، بل أيضًا على مستوى الفاعلية والإنصاف.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال وجود فرص حقيقية للإصلاح، سواء عبر تحديث البنية التشريعية، أو إدخال التحوُّل الرقمي، أو إنشاء محاكم متخصصة وبناء القدرات البشرية، وهي مسارات قد تُسهِم في تحسين الأداء القضائي إذا ما اقترنت بإرادة سياسية حقيقية لاحترام مبدأ الفصل بين السلطات.
وعليه، فإن مستقبل القضاء المصري يَظل مرهونًا بمدى القدرة على تحويل النصوص الدستورية والخطاب الرسمي إلى ممارسة عملية تحمي استقلال القاضي، وتضمن عدالة منصفة، وتعيد بناء الثقة العامة في مؤسسة يفترض أن تكون الملاذ الأخير لحماية الحقوق وسيادة القانون.
([1]) العربي الجديد، تغييرات في قمة الهيئات القضائية في مصر، 25 يونيو 2025م، https://2cm.es/1ix0l
([2]) اليوم السابع، النص الكامل لتعديلات قانون السلطة القضائية، 28 أبريل 2017م، https://2cm.es/1nx1M
([3]) الجزيرة نت، لماذا يرفض محامو مصر زيادة الرسوم القضائية، 30 أبريل 2025م، https://2cm.es/1ix1x
([4]) فيتو، جمعية عمومية غير عادية لنادي القضاة لحل أزمة التعيينات، 21 يناير 2025م، https://2cm.es/1ix2f
([5]) الوطن، الإشراف القضائي الكامل يضمن نزاهة وشفافية امنتخابات مجلس النواب 2025م، 10 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1nx3D
([6]) النيل للأخبار، عدالة ناجزة بقدرات متطورة لتلبية احتباجات المواطن، 3 يناير 2025م، https://2cm.es/1ix3m
([7]) جمهورية مصر العربية، وزارة العدل، وزيرا العدل والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يطلقان منظومة التقاضي عن بُعد ، 11 أغسطس 2025م، https://2cm.es/1nx5e
([8]) المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الحكومة المصرية مصرة على سياسات إنكار أزمة حقوق الإنسان، 1 يوليو 2025م، https://2cm.es/1ix4R
([9]) هيومان رايتس ووتش، التقرير الدولي 2025، الحالة المصرية، https://2cm.es/1ix57
([10]) المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، على اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان حماية الحقوق، 22 نوفمبر 2025م، https://2cm.es/1nx7k
([11]) الشروق، وزير العدل يُصدر قرارين بتعيين مقار 38 محكمة عمالية متخصصة، 28 يوليو 2025م، https://2cm.es/1ix7N




