مقدمة
في الثامن والعشرين من فبراير 2026م، بدأ العالم يشهد منعطفًا حادًا في تاريخ الشرق الأوسط، حين شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات عسكرية واسعة النطاق على الأراضي الإيرانية، استهدفت البنية العسكرية ومراكز قيادة الحرس الثوري في إيران، ورأس الهرم في نظامها الحاكم.
وهكذا انتقلت المواجهة بين محورين متصادمين من محاور الحرب بالوكالة، والمعارك الجزئية والقصيرة، إلى ميادين الحرب المباشرة، لتبدأ معها مرحلة مفصلية في تشكيل خريطة الشرق الأوسط الجديد.
ردت إيران على الفور بشن هجمات على إسرائيل والقواعد الأمريكية في دول الخليج، وما إن بدأت خيوط فجر الأول من مارس في الظهور، حتى أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية نبأ مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، في تحول مزلزل أعاد تشكيل بنية الأزمة، ونقلها من مواجهات تقليدية إلى صراع وجودي مفتوح على مستقبل بقاء إيران ووحدتها.
في خضم هذه الأحداث الكبرى، وجدت مصر نفسها أمام اختبار استراتيجي حقيقي، فهي الدولة العربية الأكبر حجمًا والأثقل وزنًا، التي تجمعها بأمريكا علاقات تحالف وثيقة الجذور، وتربطها بإسرائيل معاهدة سلام، وتتشابك مصالحها الاقتصادية مع استقرار الممرات المائية ومسارات الطاقة العالمية. وبين هذه المتناقضات وتلك الضغوط، صاغت القاهرة موقفًا يجمع بين الإدانة والتحفظ، والتفاعل والحيطة، في مشهدٍ يعكس في حقيقته ثقل الرهانات المصرية في لحظة إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
تهدف هذه الورقة إلى قراءة الموقف المصري في أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية، وتحليل تقاطعاته مع الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والخليجية، واستشراف دور مصر في رسم ملامح النظام الإقليمي المتوقع أن ينشأ من رحم الحرب.
أولًا: قراءة في الموقف المصري من الحرب واتساع جبهات القتال
منذ الساعات الأولى للحرب، تبنَّت القاهرة ما يمكن وصفه بـ”التوازن المحسوب”، وكان الموقف مصاغًا بحيث تضع مصر نفسها في موقع الداعم للدول العربية المعرضة للهجوم، دون أن تربط نفسها مباشرة بالعملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، وإدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن. واعتبرت وزارة الخارجية المصرية أن القاهرة تعتبر تصرفات طهران تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي.
وفي خطابه الموجَّه لقيادات القوات المسلحة، مطلع مارس 2026م، أكد السيسي أن إيران “أخطأت في حساباتها” وأنه لا ينبغي لها أن تستهدف الخليج “مهما كانت المبررات”، مشددًا على الدفاع عن سيادة الدول العربية وردع أي تصعيد إيراني إضافي.
غير أن ما يُلفِت في الموقف المصري هو ما غاب عنه لا ما تضمنه، فرغم الإدانات المتكررة للهجمات الإيرانية على دول الخليج، غاب عن الموقف المصري إدانة واضحة وصريحة للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي، كما أن القاهرة لم تُبلَّغ مسبقًا بتلك الضربات وفق ما ورد في عدة تقارير، وهذا الصمت المحسوب إنما يعكس المعادلة الصعبة التي تواجهها مصر: فهي لا تريد أن تبدو متواطئة مع مشروع تصفه بعض أطيافها السياسية والشعبية بأنه تهديد إقليمي حقيقي، ولا تريد في الوقت ذاته أن تتصادم مع شريكها الأمريكي وشريكها الخليجي في مرحلة تواجه مصر فيها ضغوطًا اقتصادية حادة.
ولم يخل المشهد الداخلي المصري من توترات، إذ برز بوضوح التضامن الشعبي المصري مع إيران بوصفه تضامنًا مع قضية عادلة، على اعتبار أن إسرائيل هي العدو الحقيقي لا إيران.
خلال أيام الحرب، أجرى السيسي اتصالًا بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أعرب فيه عن “الإدانة القاطعة والرفض المطلق” لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق، وأكد استعداد مصر للقيام بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية.
وتكشف هذه المواقف المتشعبة عن إدراك مصري عميق بأن الحرب ليست مجرد معركة عسكرية بين دولتين، بل هي بداية إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، وأن الصمت أو التحيُّز الكامل أي منهما ثمنه باهظ على المصالح الاستراتيجية المصرية.
ثانيًا: الحرب والمشروع التوسعي الإسرائيلي وتغيير موازين القوى الإقليمية
يصعب قراءة الحرب الراهنة معزولةً عن سياقها الإستراتيجي الأشمل للمنطقة، إذ أنها في جوهرها محاولة لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية بما يُفضِي إلى شرق أوسط جديد تتربع فيه إسرائيل على قمة الهرم الأمني، وتبسط فيه واشنطن نفوذها دون تحديات جدية من قوى محورية كإيران وحلفائها.
طلبت الولايات المتحدة من إيران قبيل اندلاع المواجهة المسلحة: نقل ما تبقى لديها من يورانيوم مخصب، ووقف البرنامج النووي والالتزام بعدم إنتاج أسلحة نووية، وتقليص برنامج صواريخها الباليستية، فضلًا عن إنهاء دعمها لجماعات من بينها حزب الله اللبناني وحركة حماس والحوثيون في اليمن، وهذه المطالب في مجملها تُشير إلى هدف أعمق من مجرد الحدِّ من التسلح، لإنها تستهدف تجريد إيران من أدوات نفوذها الإقليمي الممتدة من اليمن إلى لبنان مرورًا بالعراق وقطاع غزة، وهو ما يُغير بشكل جذري موازين القوى لصالح إسرائيل.
من المنظور المصري الاستراتيجي، يبدو هذا المشهد مقلقًا بشكل مزدوج، فمن جهةٍ، كانت إيران وامتداداتها في “محور المقاومة” ترسل رسائل تهدد استقرار الدول العربية، فالهجمات الإيرانية استهدفت صراحةً الكويت والبحرين والإمارات والأردن والعراق وقطر والسعودية، وهي دول تربطها بمصر شراكات اقتصادية وسياسية وثيقة، ومن جهةٍ أخرى، فإن انتصارًا إسرائيليًّا ساحقًا على إيران لن يؤدي بالضرورة إلى منطقة أكثر أمانًا لمصر، بل ربما إلى هيمنة إسرائيلية أكثر جرأة على المنطقة وثرواتها واستقرارها.
حيث أن الأمر لو انتهى بهزيمة إيران وتغيير نظامها أو تفككها، فإن ذلك سوف يتيح لإسرائيل السيطرة على المنطقة ومواردها تحت مظلة التطبيع والازدهار، مما يُشكّل تهديدًا أعمق وأشد خطورة على الأمن القومي المصري الذي يواجه أصلًا ضغوطًا متصاعدة على أكثر من محور.
لذلك فإن إفشال ما يسمى بمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تقوده واشنطن وتل أبيب يمثل أولوية استراتيجية قصوى، فالقاهرة تدرك أن هذا المشروع يعيد توزيع الأدوار الإقليمية بما يهمش الثقل المصري، ويحول دول الخليج إلى شركاء فاعلين لإسرائيل في غياب أي توازن عربي إسرائيلي حقيقي.
وتزيد من حدة القلق المصري قراءة الأهداف الإسرائيلية في قطاع غزة وسيناء، فهي مناطق تتقاطع مع الأمن القومي المصري بشكل مباشر، وقد حرصت مصر على حشد عشرات الآلاف من القوات والآليات المدرعة وطائرات الهليكوبتر في شمال سيناء، وذلك خلال الحرب الإسرائيلية على غزة وقبل اندلاع الحرب على إيران، حرصًا على منع أي امتداد ميداني للصراع إلى أراضيها.
وعليه، فإن الموقف المصري من الحرب لا ينبثق فقط من حسابات دبلوماسية مرحلية، بل من رؤية استراتيجية راسخة تخشى أن يُفضِي تدمير إيران إلى بناء هيمنة إسرائيلية شاملة لا تسمح لأي قوة إقليمية أخرى بما فيها مصر، بالتأثير الفعلي في رسم مستقبل المنطقة.
ثالثًا: الموقف المصري بين الضغوط الأمريكية ومتطلبات التوازن الإقليمي
وجدت مصر نفسها في قلب مثلث ضغوط بالغ التعقيد: ضغط أمريكي يطلب منها التوافق مع الأهداف الاستراتيجية لواشنطن، وضغط خليجي يريدها في موقع الداعم الصريح لها في مواجهة إعتداءات طهران، وضغط شعبي كبير وشريحة واسعة من النخب السياسية والإعلامية التي ترفض المشاركة في ما تُسميه حربًا أمريكية ــ إسرائيلية تستهدف إيران وشعبها كدولة مسلمة يجري الإعتداء عليها لأهداف إسرائيل العقائدية التوسعية.
وجدت مصر نفسها مضطرة للموازنة بين توجهها الدبلوماسي التقليدي القائم على الحذر، ومتطلبات الوقوف إلى جانب شركائها الخليجيين الأكثر أهمية لاقتصادها، إذ أن هؤلاء شركاء محوريون يُقدمون الدعم المالي والاستثمار والغطاء السياسي في أوقات الأزمات.
مع الجانب الأمريكي، تحتفظ القاهرة بمكانة واشنطن الشريك الاستراتيجي الرئيسي وركيزة من ركائز الهندسة الأمنية الإقليمية، فأي اضطراب في هذه العلاقة يضيق هامش المناورة أمام السيسي ويقلص فاعلية القاهرة في الملفات الإقليمية الكبرى.
وفي السياق ذاته، يَرى المحللون الأمريكيون أن على مصر أن تُظهِر بوضوح التوافق مع واشنطن في مسائل الردع الإيراني وأمن الملاحة والحد من التسلح النووي، وأن تبرز موقفًا يضع القاهرة شريكًا موثوقًا لأمريكا في لحظة حاسمة من لحظات إعادة تشكيل المنطقة.
بيد أن مصر أبدت نزوعًا واضحًا نحو الوساطة على حساب الانحياز المباشر، حيث توجهات دور الوساطة المصري تشترط وقف الاستهداف الإيراني للدول الخليجية باعتباره خطأً استراتيجيًّا يجب أن يتوقف فورًا.
وقد رجحت هيئة البث الإسرائيلية خلال الأيام الأولى للحرب أن تتولى مصر دور الوساطة لوقف الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهةٍ، وإيران من جهةٍ أخرى، وهذه القراءة الإسرائيلية ذاتها تشير إلى أن القاهرة نجحت في الحفاظ على قدر من المصداقية الدبلوماسية لدى الأطراف المتحاربة، وهو أثمن ما يمكن أن تمتلكه الدولة الوسيطة.
أما على صعيد الضغط الشعبي المصري، فهناك فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والمزاج الشعبي، إذ يرفض قطاع واسع من المجتمع المصري الحرب على إيران، ويرى في الهيمنة الإسرائيلية-الأمريكية الخطر الأكبر على المستقبل المصري والعربي، وهذه الفجوة الواضحة تفرض على النظام المصري قيودًا صارمة تمنعه من الانحياز العلني في الاتجاه الأمريكي – الإسرائيلي.
رابعًا: انعكاسات الحرب على الأمن القومي المصري
الحرب الراهنة تعد مصدر ضغط مركب ومتعدد المستويات على الأمن القومي المصري، حيث تتداخل تأثيراتها الاقتصادية والجغرافية والسياسية بصورة متزامنة، بما يفرضه ذلك من تحديات مؤثرة على قدرة الدولة في إدارة التوازنات الداخلية والخارجية.
(1) تزايد الضغوط الاقتصادية:
خسرت قناة السويس ما يقرب من 61% من إيراداتها في عام 2024م وحده جراء الأزمة الإقليمية المتصاعدة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023م، وكانت التوقعات تشير إلى استعادتها قرابة 10 مليارات دولار في عام 2026م إثر اتفاق وقف النار في قطاع غزة، غير أن اندلاع الحرب على إيران جاء ليقوض هذه التقديرات.
كذلك علَّقت كبرى شركات الشحن العالمية عمليات العبور عبر قناة السويس، إذ أعلنت شركات “ميرسك” الدنماركية و”سي إم إيه سي جي إم” الفرنسية و”هاباغ لويد” الألمانية تعليق عبور بعض سفنها عبر القناة مؤقتًا نتيجة تصاعد المخاطر الإقليمية.
وتجاوز سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري عتبة 50 جنيهًا للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، ووَصَل الى أعلى من 52 جنيهًا، في حين يحذر المحللون من موجة تضخمية جديدة قد تقوض مكاسب الاستقرار النسبي الذي حققته مصر مؤخرًا في إطار برنامجها مع صندوق النقد الدولي.
يبلغ الدين الخارجي المصري 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025م، وتواجه مصر بالتزامن تراجعًا في عائدات القناة وارتفاعًا في أسعار الطاقة وتراجعًا في حركة السياحة وخروجًا لأموال ساخنة، وهو ما قد يدفع شرائح إضافية من المجتمع إلى ما تحت خط الفقر بالإضافة لتآكل واضح للطبقة الوسطى.
ويرى المحللون الاقتصاديون أن التهديد الحقيقي لا يكمن في تحدٍ واحد بعينه، بل في التزامن الكثيف لصدمات متعددة تشمل اضطراب أسواق الطاقة وتراجع إيرادات القناة وتآكل مستويات الثقة الاقتصادية، بما يضيق هامش المناورة أمام صانع القرار.
(2) أزمة الطاقة:
علَّقت إسرائيل صادراتها من الغاز الطبيعي عبر حقلَي “تامار” و”ليفياثان” بعد اندلاع الحرب، مما أربك خطط الإمداد المصرية واضطرها إلى إعادة ترتيب أولويات التوزيع الداخلي، بما في ذلك تعليق تدفق الغاز إلى لبنان وسوريا عبر خط الغاز العربي لإعطاء الأولوية للاستهلاك المحلي.
(3) أمن البحر الأحمر ومخاوف توسع الصراع:
يتصاعد القلق من احتمال تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع غير مباشر بين واشنطن وطهران، بما يؤدي إلى اقتراب دوائر التوتر من المجال الحيوي المصري في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب.
وقد انعكس ذلك في اتجاه مصري نحو تعزيز الحضور العسكري في هذه المنطقة، من خلال توسيع اتفاقيات التعاون الأمني مع الصومال، كذلك تفاهمات حول نشر قوات عسكرية والمساهمة في تأمين مضيق باب المندب.
(4) استقرار المصريين في الخليج:
يقيم نحو 11 مليون مصري في الخارج، غالبيتهم في دول الخليج، وقد تضرر عدد من المصريين المقيمين في دول الخليج، خاصَّة في دولة الإمارات، جراء الهجمات الإيرانية، مما دفع الحكومة المصرية إلى تشكيل آلية متابعة طارئة لمراقبة أوضاع المواطنين وتقديم الدعم اللازم عند الحاجة.
(5) إنخفاض تحويلات المصريين بالخارج:
في حال اتساع نطاق التوترات داخل منطقة الخليج أو تأثرت اقتصادات دولها نتيجة الحرب، قد تنخفض تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وهي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، ما يزيد من الضغط على ميزان المدفوعات.
(6) ضغوط محتملة على الاستقرار الداخلي:
تنعكس التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب بشكل غير مباشر على الداخل المصري، حيث قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول وإلى زيادة مستويات الاحتقان المجتمعي، بما يتطلب تعزيز أدوات الاحتواء الاقتصادي والسياسي للحفاظ على الاستقرار الداخلي.
(7) تهديد سلاسل الإمداد والتجارة:
تؤثر اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب على حركة التجارة العالمية، وهو ما ينعكس على تكلفة الواردات وسلاسل الإمداد إلى مصر، خاصَّة في ما يتعلق بالسلع الاستراتيجية والطاقة، بما يضيف شرائح جديدة من الضغوط على الاقتصاد المصري.
خامسًا: مصر والتحالفات المستقبلية الناشئة في الشرق الأوسط
تمثل الحرب الراهنة لحظة مفصلية في إعادة تشكيل بنية التحالفات في الشرق الأوسط، إذ لا تقتصر تداعياتها على إعادة توزيع موازين القوى، بل تمتد إلى إعادة تعريف أنماط الاصطفاف الإقليمي وطبيعة الشراكات الأمنية والسياسية التي ستحكم الإقليم في المستقبل.
(1) إحياء مشروع القوة العربية المشتركة:
تجدد الطرح المصري الداعي إلى بناء إطار أمني عربي جماعي، حيث أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أهمية بلورة ترتيبات أمنية إقليمية لما بعد الحرب، والدفع نحو استحداث آليات فاعلة، في مقدمتها القوة العربية المشتركة.
ولا يُعد هذا التوجه طارئًا، بل يعكس امتدادًا لرؤية استراتيجية مصرية منذ عام 2015م، حين تمَّ اقرار مبدأ إنشاء قوة عربية مشتركة في قمة شرم الشيخ، غير أن غياب الإرادة السياسية الموحدة حال دون تفعيلها.
وتمنح الحرب الراهنة القاهرة فرصة لإعادة طرح المشروع في سياق أكثر إلحاحًا، خاصَّة مع تصاعد التهديدات العابرة للحدود وتراجع الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الخارجية.
(2) التوازن بين الشراكة الاستراتيجية والانفتاح على القوى الصاعدة:
تتحرك مصر ضمن معادلة دقيقة تقوم على الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع توسيع هامش المناورة عبر الانفتاح على قوى دولية صاعدة، وعلى رأسها الصين.
ويتجلى هذا التوجُّه في تنامي التنسيق السياسي والاقتصادي بين القاهرة وبكين، خاصَّة في ظل تقاطع المواقف تجاه رفض التصعيد العسكري للحرب الحالية، وحرص الطرفين على استقرار مسارات التجارة العالمية وممرات الطاقة.
ويمنح هذا التوازن مصر قدرة نسبية على تنويع خياراتها الاستراتيجية المستقبلية دون الانخراط في استقطاب أحادي فقط، مع التأكيد على صعوبة الخروج من الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن.
(3) التقاطع مع المحور السعودي–التركي الناشئ:
تشير مؤشرات متزايدة إلى تقارب دفاعي تدريجي بين السعودية وتركيا، مدفوعًا باعتبارات اقتصادية وأمنية مشتركة ورغبة متبادلة في احتواء التهديدات الإقليمية.
ويمثل هذا التقارب متغيرًا مهمًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر، إذ يفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية جديدة تتقاطع فيها مصالح دول المنطقة.
ومن ثم، يتعين على القاهرة إدارة علاقتها بهذا المحور الناشئ بقدر من الاهتمام وفتح أبواب التقارب، بما يحقق الاستفادة من فرص التنسيق والتعاون الدفاعي دون الإخلال بإتفاقاتها وتوازناتها التقليدية.
(4) مؤشرات التوتر حول التحالفات المستقبلية:
تواجه مصر استراتيجيًا إشكالية بين خيارين: الاندماج في منظومة أمنية إقليمية تقودها واشنطن وتُهيمن عليها إسرائيل بوصفها القوة الأولى، أو السعي نحو بناء نظام أمن إقليمي يحافظ على استقلالية القرار الوطني للدول الرئيسية في المنطقة، ويمنع هيمنة أي قوة خارجية أو إقليمية منفردة.
القدرة على المناورة خلال هذه المعطيات وتحت الضغوط الأمريكية، هو ما سيحكم حركة القاهرة ويُشكل ملامح سياستها مستقبلًا في مرحلة ما بعد الحرب.
خاتمة
في خضم هذه الحرب يتجلى الموقف المصري بوصفه أداءً محسوبًا للواقعية السياسية التي تجمع بين الحذر الاستراتيجي والقدرة على المناورة، إذ تدرك القاهرة أن الانحياز الحاد لأحد الأطراف أو الانخراط المباشر سوف تكون تكلفته اختلال توازنات القوى وتقويض مصالحها، ومن ثم تحاول القاهرة توظيف أدواتها السياسية للحفاظ على موقعها كفاعل قادر على التأثير دون الانزلاق إلى دوائر الاستنزاف في الحرب الحالية.
وتنطلق الرؤية المصرية من تقدير أعمق لبنية الصراع، حيث لا تنظر إلى إضعاف إيران كضمان إستقرار بل كاحتمال تصاعد هيمنة إسرائيلية أوسع برؤية أمريكية – إسرائيلية مشتركة للمنطقة فيما بعد نهاية الحرب، وهو ما يفرض تبني نهج احتواء مرن، يحفظ للقاهرة مستقبلًا موقعها كركيزة للاستقرار الإقليمي.
تسعى مصر إلى إعادة تموضع استراتيجي يليق بثقلها التاريخي والجيوسياسي، من خلال التواجد الفاعل في محاور التحالفات الإقليمية الناشئة، والدفع نحو بناء منظومة أمن عربي وإقليمي، بما يعزز حضورها على الساحة الدولية ويرسخ دورها كدولة مركزية في صياغة مستقبل الشرق الأوسط.
المصادر
الشرق الأوسط، مصر تتحسب من تداعيات حرب إيرانية طويلة الأمد، 2 مارس 2026م.
الشرق الأوسط، هل تتحرك مصر لوساطة في حرب إيران؟، 5 مارس 2026م.
سي إن إن عربي، السيسي يُدين لبزشكيان هجمات إيران على دول الخليج والأردن والعراق، 13 مارس 2026م.
سكاي نيوز عربية، مصر تدعو إلى تشكيل قوة عربية مشتركة، 15 مارس 2026م.
وكالة ستيب نيوز، مصر تُعيد طرح القوة العربية المشتركة: تحركات لإحياء مفهوم الأمن القومي العربي، 10 مارس 2026م.
المصري اليوم، دروس تتعلمها مصر من الحرب على إيران، 15 مارس 2026م.
Foreign Policy – Sisi Faces Modest Fury Over Iran War, 9 March 2026.
Middle East Monitor – Pressing Challenges Facing Egypt as a Result of the Iran War, 9 March 2026.
ISPI – Italian Institute for International Political Studies – The Gulf Crisis Through Egypt’s Eyes, 5 March 2026.
Foundation for Defense of Democracies — Egypt Offers a Mix of Messages About the U.S.-Israel War in Iran, 2 March 2026.
Asharq Al-Awsat (English) – Iran War Raises Concerns Over Impact on Suez Canal Traffic, 13 March 2026.
Al Arabiya English – Iran War Spells Trouble for Suez Canal, Warns Egypt’s al-Sisi. 2 March 2026.
IPS Journal – A Spark in Tehran, Tremors Everywhere, 4 March 2026.
Modern Diplomacy – El-Sisi’s Views on the U.S.-Israeli War with Iran, 1 March 2026
International Crisis Group – Finding an Off-ramp in the Middle East War, 16 March 2026.
CNN – What We Know on Day 17 of the US and Israel’s War with Iran, 17 March 2026.
Alma Research and Education Center – Daily Report: Second Iran War, 17 March 2026.




