تقدير موقف

التعاون العسكري المصري–السعودي–الصومالي.. إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر

للتحميل والقراءة بصيغة PDF

مقدمة

تشهد منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي في السنوات الأخيرة تحولات عميقة في أساليب التفاعل الإقليمي والدولي، مدفوعة بتصاعد التنافس على الممرات البحرية الحيوية، وتزايد التهديدات الأمنية ومحاولات التدخل والتقسيم غير التقليدية.

في هذه البيئة المضطربة، برز التوجُّه نحو التعاون العسكري بين مصر والسعودية والصومال كخطوة تعكس رغبة هذه الدول في تطوير تعاونها الأمني، وبناء ترتيبات أكثر استقرارًا واستمرارية في منطقة القرن الإفريقي.

هذا التعاون وإن كان لا يزال في مراحله الأولى، فإنه يؤكد إدراك الدول الثلاث بأن أمن البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي هو مسألة مترابطة لا يمكن التعامل معها من خلال سياسات منفردة، بل عبر تحالفات قادرة على مواجهة تعقيدات المشهد الإقليمي.

أولًا: السياق الجيوسياسي والإقليمي للتقارب الثلاثي

يأتي التقارب الدفاعي بين الدول الثلاث، مصر والسعودية والصومال، في مرحلة إقليمية تتسم بإعادة ترتيب الأولويات الأمنية، وتراجع مركزية بعض القوى العالمية، مقابل صعود أدوار لدول إقليمية تسعى نحو النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة.

(1) التحولات في بنية النظام الإقليمي للبحر الأحمر: لم يعد البحر الأحمر ممرًا ملاحيًّا دوليًّا هادئًا كما كان في العقود الماضية، بل تحول إلى مسرح تنافس جيوسياسي تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية. وقد أدَّت محاولة عسكرة السواحل، وتنامي الوجود الأجنبي، وإختلاف الأهداف للدول الفاعلة، إلى إضعاف فكرة “الأمن الإقليمي المستقر”.

(2) تصاعد التنافس الدولي في القرن الإفريقي: يمثل القرن الإفريقي إحدى أكثر مناطق العالم جذبًا للقوى الدولية، نظرًا لقربه من مضيق باب المندب وارتباطه بخطوط التجارة والطاقة. هذا التنافس أسهم في هشاشة البيئة الأمنية، وفتح المجال أمام فاعلين إقليميين ودوليين لتكريس نفوذهم عبر تدخلات عسكرية واقتصادية وأمنية.

(3) تأثير الأزمات الإقليمية: تتداخل الأزمات في المنطقة، من تهديدات أمن الملاحة، إلى النزاعات الداخلية والمحاولات الإنفصالية، وصولًا إلى الإرهاب والقرصنة والهجرة غير الشرعية. هذه التهديدات المركبة دفعت القاهرة والرياض إلى تبني توجهات أمنية أوسع نطاقًا، ترى في استقرار الصومال عنصرًا محوريًّا لأمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

(4) موقع الصومال في معادلات الأمن الإقليمي: يحتل الصومال موقعًا جيوسياسيًّا مميزًا، حيث يطل على خليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد إحدى نقاط الارتكاز لأي منظومة أمنية في القرن الإفريقي. ومِن ثمَّ فإن تعزيز القدرات الدفاعية للدولة الصومالية بات ضرورة إقليمية ملحة.

ثانيًا: الدوافع والمصالح الاستراتيجية للأطراف الثلاثة

ينطلق التعاون بين الدول الثلاثة من تلاقي مصالحها الاستراتيجية، وإن اختلفت دوافع كل طرف، إلا أنها تجتمع عند هدف مشترك يتمثل في ضبط التوازنات الإقليمية ومنع انزلاق المنطقة نحو فوضى أمنية مفتوحة.

ترى مصر أن أمن البحر الأحمر وباب المندب امتداد مباشر لأمنها القومي، خاصَّة في ظِل ارتباطه الوثيق بحركة الملاحة في قناة السويس.

كما تسعى القاهرة إلى تثبيت دورها كفاعل أمني رئيسي في الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، مستندة إلى خبرتها العسكرية ومشاركتها في بعثات حفظ السلام، وعلى رأسها قوات الاتحاد الإفريقي، حيث تُعد مصر من أكبر الدول الداعمة للصومال.

كذلك تسعى السعودية إلى تأمين محيطها البحري الجنوبي، وحماية خطوط التجارة والطاقة، إضافة إلى إعادة صياغة حضورها في القرن الإفريقي عبر أدوات دفاعية مباشرة، بدلًا من الاعتماد على الشراكات والمساعدات الاقتصادية غير المباشرة. ويُظهِر هذا التوجُّه رغبة الرياض في بناء توازن إقليمي يقلص من تأثير الفاعلين المنافسين.

بالنسبة للصومال، يمثل التعاون مع مصر والسعودية فرصة لإعادة بناء قدراتها الدفاعية ومؤسساتها الأمنية، وتعزيز سيادتها، وموازنة الضغوط الخارجية.

كما يمنحها دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا في مواجهة التحديات الداخلية، وعلى رأسها الجماعات المسلحة والمحاولات الانفصالية.

ثالثًا: الأبعاد العسكرية والأمنية للتعاون

يُمثل البُعد العسكري والأمني جوهر هذا التعاون، حيث تسعى الأطراف الثلاثة إلى الانتقال من الدعم التقليدي إلى تعاون دفاعي ثلاثي وتنسيق متعدد المستويات.

(1) الاتفاقيات الدفاعية والتدريب المشترك: شهدت الفترة الأخيرة توقيع مذكرات تفاهم وبرامج تدريب تستهدف رفع كفاءة القوات الصومالية، بمشاركة مصرية وسعودية، مع التركيز على بناء هياكل عسكرية نظامية.

(2) بناء القدرات ونقل الخبرات: تقوم مصر بدور محوري في تدريب القوات الصومالية، مستفيدة من خبراتها العسكرية الكبيرة في بناء الجيوش النظامية، بينما توفر السعودية دعمًا لوجستيًّا وماليًّا.

(3) التنسيق الاستخباراتي ومكافحة الإرهاب: يشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز قدرات الرصد المبكر، بما يسهم في تقليص نشاط التنظيمات المسلحة في الصومال ومحيطه الإقليمي.

(4) أمن الممرات البحرية وباب المندب: يُعد تأمين خليج عدن وباب المندب هدفًا استراتيجيًّا مشتركًا، في ظل ارتباطه الوثيق بأمن الطاقة والتجارة العالمية وحركة الملاحة نحو قناة السويس، وهو ما يمنح هذا التعاون بُعدًا دوليًّا.

(5) إمكانات التحوُّل نحو شراكة أمنية مؤسسية دائمة: رغم غياب إطار مؤسسي رسمي حتى الآن، فإن طبيعة التعاون المتنامي والأهداف المرجوة تفتح المجال أمام تطوره إلى شراكة أمنية واتفاقات دفاعية مؤسسية مستدامة.

رابعًا: انعكاسات التعاون على توازنات القرن الإفريقي والبحر الأحمر

لا تقتصر انعكاسات التعاون العسكري المصري–السعودي–الصومالي على أطرافه المباشرين، بل تمتد لتطال بنية التوازنات في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهي منطقة تعد حاليًا إحدى أكثر الساحات حساسية في النظام الإقليمي الممتد بين الشرق الأوسط وإفريقيا.

فالتقارب الثلاثي يُقرأ على أنه جزء من عملية إعادة تشكيل النفوذ، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين، والقوى المتنافسة للسيطرة على الممرات البحرية.

(1) تأثير التعاون على موازين القوى الإقليمية: يُسهِم التعاون الثلاثي في إعادة توزيع مراكز الثقل داخل القرن الإفريقي عبر زيادة الحضور العربي المنسق في مواجهة محاولات النفوذ والسيطرة المتعددة التي ترسخت خلال السنوات الماضية.

هذا التحوُّل يحمل دلالة مهمة وهي انتقال دول عربية رئيسة من موقع “الداعم السياسي الخارجي” إلى “الفاعل المنخرط” في هندسة الأمن الإقليمي. وهو ما يحد من قدرة القوى الأخرى على العمل في فراغ استراتيجي، ويؤسس لتوازن إقليمي، حيث يصبح الصومال نقطة ارتكاز لشبكة تعاون عربي/إفريقي بدلًا من كونه ساحة تنافس مفتوحة.

كما أن هذا المسار يُعزز مفهوم “الأمن الممتد”، حيث يُنظَر إلى استقرار القرن الإفريقي على أنه يمتلك تأثيرًا مباشرًا على أمن البحر الأحمر وقناة السويس وسلاسل الإمداد العالمية، مما يرفع من الوزن الجيوسياسي للتعاون الثلاثي.

(2) انعكاسات التعاون الدفاعي على الفاعلين الإقليميين والدوليين: يؤثر هذا التعاون على حسابات عدد من القوى الإقليمية والدولية التي تمتلك مصالح راسخة في القرن الإفريقي:

  • الإمارات العربية المتحدة ترى في المنطقة مجالًا استراتيجيًّا لاستثمارات الموانئ وبناء الشراكات الأمنية. أي إن محاولة إعادة ترتيب التنسيق العسكري قد تعني إعادة تفاوض على النفوذ اللوجستي والاقتصادي الإماراتي، خاصَّة في ظل حساسية ملف الموانئ الصومالية ومحاولات الشرعنة الدولية لانفصال إقليم أرض الصومال.
  • إثيوبيا تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره منفذًا حيويًّا لأمنها الاقتصادي، لذلك فإن الشروع في تعاون دفاعي قوي في الصومال سوف يُفسَّر في أديس أبابا كتحوُّل في توازن الوصول للمنفذ البحري، ما يدفعها إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية لضمان عدم تهميش دورها الإقليمي.
  • إسرائيل تتعامل مع البحر الأحمر كجزء من عمقها الاستراتيجي البحري، لذلك فإن أي اصطفاف أمني جديد قد يعيد تشكيل حساباتها المتعلقة بالممرات البحرية والتعاون الاستخباراتي في المنطقة.
  • تركيا تمتلك حضورًا تدريبيًّا واقتصاديًّا في الصومال، وتراقب تطور أي شراكات جديدة قد تؤثر على توازن علاقاتها الدفاعية القائمة بالفعل مع الصومال أو قد تمهد لتقارب مع المحور الجديد، خاصَّة في ظل التقارب الدفاعي التركي الحالي مع كل من مصر والسعودية.
  • الولايات المتحدة والصين تنظران إلى أي ترتيبات أمنية جديدة من زاوية تأثيرها على حرية الملاحة وتوازن النفوذ الدولي على الممرات البحرية الدولية.

(3) فرص الاستقرار واحتمالات التصعيد: يحمل هذا التعاون العسكري الثلاثي فرص حقيقية لتعزيز الاستقرار الإقليمي، حيث يمكن أن يشكل عامل دعم لمؤسسات الأمن الصومالية ورفع جاهزيتها، بما يَحد من هشاشة البيئة الأمنية الداخلية لدولة الصومال، كما يمكن أن يُسهِم في تحسين أمن الممرات البحرية الحيوية، وتقليص المساحات التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة.

فإذا جرى تعريف هذا التعاون باعتباره مسارًا يهدف إلى دعم الاستقرار وحماية المصالح المشتركة، فمِن المرجح أن يتحوَّل إلى عنصر تهدئة يخفف من حدة التوترات ويُعزز الثقة بين الفاعلين في القرن الإفريقي.

أما إذا تمَّ تفسيره كتحالف إقصائي أو كأداة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي على حساب أطراف أخرى، فقد يدفع ذلك بعض القوى الإقليمية إلى الدخول في منافسات أو تبني سياسات مغايرة بما قد يزيد من إنتاج الاستقطاب والتوتر.

لذلك يكمن التحدي الأساسي في إدارة هذا التعاون بطريقة تحافظ على التوازن بين زيادة النفوذ المشروع للدول الثلاث، وبين تجنب تحويل المنطقة إلى ساحة اصطفافات حادة.

خامسًا: السيناريوهات المستقبلية

استنادًا إلى الاتجاهات السياسية الراهنة في القرن الإفريقي، يمكن تصور أربعة سيناريوهات مستقبلية لمسار التعاون الثلاثي بين مصر والسعودية والصومال:

السيناريو الأول:

(التطور المؤسسي للتعاون الدفاعي)

يتحول التعاون إلى إطار مؤسسي دائم يضم لجان تخطيط وتطوير، ويشتمل على تدريبات متعددة الجنسيات، مع التوجُّه نحو توسع مشاركة شركاء أفارقة وعرب إضافيين.

السيناريو الثاني:

(التعاون الوظيفي المحدود)

يبقى التعاون في نطاق التنسيق العملي في بعض القطاعات مثل الامداد، والتدريب، والدعم اللوجستي، والأمن البحري، دون انتقاله إلى تحالف رسمي مع هيكل مؤسسي واضح، بسبب ضغوط دولية تحافظ على توازنات القوى الإقليمية الأخرى.

السيناريو الثالث:

(التطور نحو محور ردع إقليمي)

يتحول التحالف إلى محور دفاعي أكثر حزمًا في مواجهة النفوذ المنافس، خصوصًا من جانب الإمارات وإسرائيل، مع تنسيق دوريات بحرية بأسلوب موسع، واستجابة مشتركة لأي هجمات تهدد الملاحة أو الاستقرار في المنطقة.

السيناريو الرابع:

(تباطؤ مسار التعاون الدفاعي المشترك)

قد يواجه التحالف تباطؤًا نسبيًّا إذا تفاقمت التحديات الداخلية في الصومال أو تغيَّرت أولويات الدول الثلاث في ملفات أخرى، مثل متغيرات سياسية وضغوط دولية أو تطورات داخلية في مصر أو السعودية.

خاتمة

التعاون العسكري المصري–السعودي–الصومالي يُعد خطوة عملية إيجابية تُظهِر تحوُّلًا تدريجيًّا في طريقة إدارة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

فبدل الاعتماد على تحالفات تقليدية جامدة وقوات الاتحاد الإفريقي فقط لدعم الصومال، تتجه الدول الثلاث نحو بناء شراكات دفاعية تقوم على التنسيق المشترك وبناء القدرات.

هذا التوجُّه يعكس إدراكًا إقليميًّا متزايدًا بأن أمن الممرات البحرية، واستقرار الصومال، ومواجهة التهديدات الانفصالية يحتاج إلى شبكة تعاون قوية تحمي المصالح المشتركة وتقلل الفراغ الأمني.

في المقابل، لا يتحرك هذا التعاون في بيئة خالية من المنافسة وإختلاف الأهداف، فالإمارات العربية المتحدة عززت خلال السنوات الماضية من حضورها في أرض الصومال عبر استثمارات واتفاقيات لوجستية، وهو ما منحها نفوذًا اقتصاديًّا وأمنيًّا مؤثرًا في تلك المنطقة.

 كما تسعى إثيوبيا إلى ضمان منفذ بحري مستقر عبر ترتيبات مع إقليم أرض الصومال (صومالي‌لاند)، باعتبار ذلك أولوية استراتيجية لأمنها القومي.

أما إسرائيل، فتنظر إلى البحر الأحمر كعمق بحري استراتيجي مرتبط بأمنها القومي وحرية ملاحتها نحو المحيط الهندي، وتسعى من أجل ذلك إلى فرض حضورها الإقليمي، مع إدراكها لحساسية الدور المصري في تأمين الممرات الدولية، وعلى رأسها قناة السويس، بوصفها ركيزة أساسية من الركائز الاستراتيجية والاقتصادية المصرية.

هذا التدخل المتعدد في الصومال يُضِيف بُعدًا حساسًا إلى معادلة التوازن، ويجعل أي تحرك عسكري أو أمني جديد خاضعًا لحسابات دقيقة تتعلق بردود الفعل الإقليمية والدولية.

ورغم هذه التعقيدات، فإن التعاون الدفاعي المصري–السعودي–الصومالي يحمل إمكانية حقيقية للإسهام في بناء توازن أكثر استقرارًا في القرن الإفريقي.

قائمة المصادر

  • الجزيرة نت، بعد اعتراف إسرائيل بـ ‘أرض الصومال’..  الرياض تسعى لتحالف عسكري مع القاهرة ومقديشو، 16 يناير 2026م.
  • العربي الجديد، الحضور العسكري الأجنبي في الصومال: تنويع الشراكات لبناء توازن ردعي، 13 فبراير 2026م.
  • الحدث، مصر والصومال: تأمين البحر الأحمر وخليج عدن مسؤولية الدول المشاطئة، فبراير 2026م.
  • Business Insider Africa, “Saudi Arabia to forge military pact with Egypt and Somalia amid UAE rivalry”, 16 January 2026
  • The Middle East Council on Global Affairs (ME Council) – The Red Sea: Divided by Water, United by Opportunities, E-book, February 2026.
  • African Arguments, The Horn and the Gulf: New geopolitical confluence, 21 January 2026.
  • Bloomberg, Saudi Arabia in Talks with Egypt, Somalia on Military Coalition, 16 January 2026.
  • Facility for Talo and Leadership, Egypt Pushes for Red Sea Governance Restricted to Bordering countries, 17 February 2026.
  • TRT World, Somalia, Saudi Arabia sign defence pact to bolster Red Sea security, 9 February 2026.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى