مقالات

كيف تقرأ إسرائيل التمدد التركي في إفريقيا؟

يُشكِّل الحضور التركي المتصاعد في إفريقيا أحد أكثر التحولات الجيوسياسية إثارة للانتباه في العقدين الأخيرين، ليس فقط لأنه يعكس طموح أنقرة لإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي، بل لأنه يضع قوى إقليمية أخرى، وفي مقدمتها إسرائيل، أمام واقع استراتيجي جديد يتطلب إعادة تقييم شاملة للأدوات والمقاربات. لا يُنظَر إلى الانخراط التركي في القارة، حسب القراءة الإسرائيلية، بوصفه نشاطًا دبلوماسيًّا عابرًا أو توسعًا اقتصاديًّا طبيعيًّا لدولة صاعدة، بل باعتباره مشروعًا متكامل الأبعاد، يجمع بين القوة الصلبة والناعمة، ويستند إلى رؤية أيديولوجية وسياسية بعيدة المدى تسعى إلى إعادة تموضع تركيا كقوة مركزية في الفضاءين المتوسطي والإفريقي معًا.

ولطالما كانت القارة الإفريقية ساحة تنافس مكثف بين قوى كبرى وصاعدة، من الصين وروسيا إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتحاول تركيا أن تتموضع كلاعب قادر على المناورة بين هذه القوى، يمتلك هامش حركة أوسع عبر عرض نفسها كشريك غير استعماري، وبديل عن القوى التقليدية، وفي الوقت نفسه كشريك مسلم لدول ذات أغلبية مسلمة. في هذا السياق، ترى بعض التحليلات الإسرائيلية أن نجاح تركيا في بناء صورة “الشريك المتضامن” قد يَحدُّ من قدرة إسرائيل على تسويق نفسها كشريك تكنولوجي وأمني مفضل في بعض البيئات السياسية الحساسة.

والحقيقة أن التحول التركي نحو إفريقيا لم يكن رد فعل ظرفي، بل جاء نتيجة إعادة صياغة عميقة للسياسة الخارجية التركية منذ مطلع الألفية، حين تبنَّت أنقرة مفهوم “الانفتاح على إفريقيا” كجزء من استراتيجية تنويع الشراكات وتقليل الاعتماد على الغرب. غير أن هذا الانفتاح اكتسب مع الوقت زخمًا وأصبح أكثر جرأة، إذ انتقل من مستوى الخطاب إلى بناء بنية تحتية مؤسسية كثيفة: فضاعفت عدد السفارات، حيث كانت لتركيا 12 سفارة فقط في عام 2002م، ثم زادت حتى وصلت إلى 44 سفارة حاليًا، كما توسعت شبكة الخطوط الجوية التركية حتى وصلت إلى 54 عاصمة أو مدينة في 37 دولة إفريقية. يُضاف إلى ذلك ازدياد حضور الشركات التركية في مشاريع البنية التحتية، وترافق هذه الحركة مع نشاط إنساني وتعليمي واسع.

وتكمن أهمية هذه التحولات، وفق المنظور الإسرائيلي، في أنها تعبر عن تصميم طويل الأمد، لا عن مبادرات متفرقة، ما يَعني أن تركيا لا تسعى إلى مكاسب تكتيكية، بل إلى ترسيخ موطئ قدم دائم في مراكز القرار الإفريقية.

ومن المفيد هنا الإشارة إلى محاضرة كانت أُلقيت في جامعة تل أبيب (يوليو 2024م) للباحث الإسرائيلي في الشأن التركي، حاي إيتان ياناروجاك، ركز فيها على أن التحرُّك التركي في إفريقيا ينطلق من منطق مختلف عن أي تحرك غربي في القارة، إذ يتبنى الأتراك نهجًا غيرَ استعماريّ، ويتعاملون مع الأفارقة بوصفهم إخوة. ومِن ثمَّ، فهم مختلفون عن الفرنسيين والقوى الغربية، علاوة على استخدامهم القوة الناعمة المتمثلة في أنشطة المؤسسة الدينية الرسمية، رئاسة الشؤون الدينية، والهلال الأحمر التركي، ووقف المعارف التركي الذي أسسته الدولة في 2016م لتشغيل شبكة مدارس ومراكز دولية تتبنى المعايير التعليمية التركية، ووكالة التعاون والتنسيق التركية (TİKA) التي أنشئت في 1992م، وتعنى بالمساعدات التنموية والمشاريع الإنسانية والثقافية في مناطق مختلفة بالخارج، من بينها إفريقيا. ويُضاف إلى كل ذلك بالطبع الخطوط الجوية التركية التي اتخذت شعار “وَسَّع عالمك” الذي يشير إلى كثرة الوجهات التي تسافر إليها.

حين ننتقل إلى القوة الصلبة، أو قوة العضلات كما يسميها ياناروجاك، فإن الوجود التركي يرتكز في أكثر من موقع؛ إذ يتواجد الأتراك في ليبيا والصومال، كما تعاونوا مع إثيوبيا في أثناء صراع الأخيرة مع سكان إقليم تيجراي بين عامي 2020 و2022م، ووقعت مع رئيس الحكومة الإثيوبية برئاسة “أبي أحمد” اتفاق تعاون عسكري في عام 2021م. وما يجعل هذا التعاون مؤثرًا ما أثبتته المُسيَّرات التركية التي تنتجها شركة “بايكار” من نجاعةٍ في ساحات مختلفة، إضافة إلى انخفاض سعرها مقارنة بأسلحة غربية مشابهة. ومِن ثمَّ كان طبيعيًّا أن تسعى دول إفريقية أخرى مثل المغرب وتوجو إلى شراء المُسيَّرات التركية. وأكثر من ذلك أن المركبات العسكرية التركية أصبحت محط اهتمام دول إفريقية عديدة، بعضها في منطقة الساحل الإفريقي، مثل بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر ونيجيريا، وبعضها خارجها، مثل جنوب إفريقيا، علاوة على امتلاك تركيا نحو 37 مكتبًا عسكريًّا في القارة.

ويَحظى الحضور التركي في إفريقيا وتحديدًا فيما يخص أمن الممرات البحرية باهتمام خاص في إسرائيل. وتمثل مناطق مثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر عُقدًا استراتيجية للتجارة والطاقة، كما أن أي تموضع عسكري أو أمني فاعل فيها ينعكس على توازنات أوسع تشمل الشرق الأوسط. في هذا الإطار، يُنظَر إلى الوجود التركي بوصفه عنصرًا إضافيًّا في معادلة معقدة تضم فاعلين إقليميين ودوليين متعددين. ومِن ثمَّ، فإن التحدي لا يتمثل فقط في منافسة اقتصادية، بل في إعادة تشكيل بيئة أمنية قد تؤثر بصورة غير مباشرة على الحسابات الإسرائيلية في محيطها القريب.

ولأن تركيا تدرك أهمية هذه المنطقة فقد أولتها اهتمامًا خاصًّا، ولذلك، فإنها إلى جانب علاقتها بإثيوبيا، تمتلك أكبر قاعدة تركية عسكرية خارج أراضيها في الصومال، ويقوم الأتراك بتدريب الجيش الصومالي، وتدريب فرقة نخبة صومالية في تركيا، ليس عسكريًّا فحسب، فهي تتلقى تعليمًا تركيًّا كاملًا، يشمل اللغة والثقافة، بمعنى أن تركيا تستثمر في الأجيال القادمة. وفضلًا عن ذلك، فهي تقوم بتطوير قاعدة إطلاق صواريخ في الصومال من أجل استخدامها، جنبًا إلى جنب مع قاعدتها في مدينة “ريزا” على البحر الأسود، في تجارب إطلاق الصواريخ الباليستية التي تطورها.

وتكمن خطورة ذلك، في القراءة الإسرائيلية، في أنه يخلق اعتمادًا متبادلًا طويل الأمد، إذ تصبح العقيدة العسكرية والتدريب والتجهيزات مرتبطة بالشريك التركي، بما يُعزز موقعه التفاوضي ويزيد من قدرته على التأثير في توجهات تلك الدول في المحافل الإقليمية والدولية.

وفي مجال البنية التحتية، اهتم الأتراك أيضًا ببناء مطارات في دول إفريقية. وفي هذا السياق، ثمَّة خمس شركات تركية تعمل في هذا المضمار، مثل شركة “سومّا”، وشركة “بولات يول” وغيرها. وهنا تجدر الإشارة إلى تنفيذ شركات الإنشاءات التركية نحو ألفي مشروع في مناطق إفريقية مختلفة بقيمة تصل إلى 85 مليار دولار، وهي مشاريع فتحت أكثر من مائة ألف وظيفة لمواطني الدول الإفريقية. وإلى جانب ذلك كله، تشير المقارنة بين حجم التبادل التجاري بين تركيا وإفريقيا في 2003م الذي كان حوالي 3 مليارات دولار، وفي عام 2021م حيث وَصَل إلى 26 مليار دولار، إلى مستوى الاهتمام الذي توليه تركيا للقارة السمراء.

هذا التداخل بين توظيف القوة الناعمة والتعاون العسكري والاقتصادي والتجاري والإنشائي، إضافة إلى التكامل بين الأبعاد الجيوسياسية والرمزية يمنح المشروع التركي قوة إضافية وقدرة على النجاح. فأنقرة لا تقدم نفسها فقط شريكًا اقتصاديًّا أو أمنيًّا، بل كقوة ذات امتداد تاريخي وثقافي في أجزاء من إفريقيا، خاصَّة في المناطق ذات الإرث العثماني أو الروابط الإسلامية. هذا البُعد الرمزي، الذي يُستثمَر عبر الخطاب السياسي والمؤسسات الدينية والتعليمية، يُقرَأ في إسرائيل باعتباره أداة لبناء ولاءات طويلة الأمد تتجاوز المصالح المادية المباشرة. فالقوة الناعمة هنا ليست مكملة للقوة الصلبة فحسب، بل هي إطار يضفي شرعية أخلاقية وثقافية على الحضور التركي، ويمنحه عمقًا اجتماعيًّا يصعب منافسته بالأدوات الاقتصادية وحدها.

غير أن النظرة الإسرائيلية للتحركات التركية لا تقتصر فقط على ما تفعله أنقرة في إفريقيا، بل أيضًا في سوريا الملاصقة لإسرائيل، وفي ليبيا حيث التضييق على إسرائيل في قضية غاز شرق المتوسط، وهذا كله يعتبره باحثون إسرائيليون تطويقًا متعدد الطبقات حول دولة الاحتلال، لتجد نفسها مع امتداد النفوذ التركي في الشرق الأوسط وخارجه، عالقة في فخ استراتيجي غير مسبوق؛ حيث لا يبقى أمنها فقط مهددًا، بل أيضًا شرايين اقتصادها. وتصبح إسرائيل أمام معضلة فريدة وهي تواجه ما يسميه المتخصصون الإسرائيليون “الهلال التركي”.

وفي هذا السياق، يُطرَح السؤال المهم: كيف لإسرائيل أن تتعامل مع عضو في حلف الناتو، تسهم رعايته الدبلوماسية في إضعاف استراتيجيات الردع التقليدية التي تمتلكها إسرائيل؟ وعلى هذا الأساس يَعتبر بعضهم أن التحدي الأكبر لعمق إسرائيل الاستراتيجي قد لا يأتي من طهران، بل من أنقرة التي تنتهج سياسة خارجية مستقلة غير مبنية على الولاء للغرب، وتسعى لبناء مجال “عثماني” حديث، حسب لفظ المحللين الإسرائيليين الذين يعتبرون أن عملية البناء هذه بدأت بالفعل في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأسرها.

ما يثير القلق في بعض الأوساط الإسرائيلية ليس فقط حجم التمدد التركي، بل طبيعته الشبكية. فأنقرة تنسج علاقات متوازية مع حكومات، ونخب دينية، ومؤسسات تعليمية، وقطاعات اقتصادية، ما يخلق منظومة نفوذ متعددة الطبقات. هذه المقاربة تختلف عن نماذج نفوذ تقليدية تعتمد على التحالف مع النخب الحاكمة بدرجة أكبر. وبالنسبة لإسرائيل، التي بنت جزءًا مهمًا من علاقاتها الإفريقية على التعاون الأمني والتكنولوجي مع الحكومات، فإن النموذج التركي يمثل منافسة من نوع مختلف؛ لأنه يخاطب المجتمع والدولة في آن واحد.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الفارق بين النموذجين التركي والإسرائيلي يرتكز على أن إسرائيل تعمل في إفريقيا ضمن منظومة تحالفات دولية وإقليمية، وتستفيد من شراكتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، إضافة إلى تعاونها مع قوى إقليمية فاعلة، وتحديدًا الإمارات التي تمتلك حضورًا اقتصاديًّا وبحريًّا واسعًا في القارة. وهو وضع يتيح لتل أبيب توظيف شبكات تمويل وخبرات ومشاريع قائمة سلفًا، وتقاسم الكلفة والمخاطر مع شركائها. في المقابل تتحرك تركيا في سياق شبه فردي؛ إذ تعتمد بدرجة كبيرة على أدواتها الوطنية ومؤسساتها الرسمية وشركاتها الخاصَّة. وبهذا المعنى، يبدو الحضور الإسرائيلي جزءًا من شبكة أوسع متعددة الأطراف، بينما يتخذ الحضور التركي طابعًا أكثر استقلالية، يقوم على بناء نفوذ مباشر ومتدرج، وهو ما يحمله أعباء سياسية ومالية أكبر، حتى وإن كانت له بصمة أوضح.

وتوصي مراكز الدراسات الإسرائيلية بضرورة أن تضع إسرائيل تصورات فعالة ضد النفوذ التركي المتنامي، وهو ما لم تفعله بعد. في هذا السياق ترى دراسات إسرائيلية ضرورةَ اتخاذ تل أبيب إجراءات حاسمة لتعزيز قواتها البحرية بشكل كبير من أجل حماية مصالحها من أي صراعات محتملة في الساحة الخارجية، خصوصًا وأن تركيا تمتلك بالفعل أكبر أسطول بحري في شرق المتوسط، علاوة على شروعها منذ يناير 2025م في بناء 31 سفينة جديدة باستخدام صناعتها المحلية، بما في ذلك حاملة طائرات ومدمرة وسفن إنزال برمائية وغواصات.

ويدرك الإسرائيليون أن إفريقيا ساحة مفتوحة أمام لاعبين متنوعين، وأن الدول الإفريقية تنتهج في الغالب سياسات خارجية براغماتية تقوم على تنويع الشركاء وعدم الارتهان لقوة بعينها. وهو واقع يفتح المجال أمام إسرائيل للحفاظ على حضورها، بل وتوسيعه، إذا ما طوَّرت أدواتها بما يتناسب مع طبيعة المنافسة الجديدة. وهنا تدعو بعض التحليلات إلى التركيز على ميزة إسرائيل النسبية في مجالات التكنولوجيا الزراعية وإدارة المياه والابتكار، وتجنب الدخول في سباق نفوذ أيديولوجي.

في نهاية المطاف، يمكن القول إن النظرة الإسرائيلية للوجود التركي في إفريقيا تتسم بمزيج من المخاطر والفرص. وينبع القلق أساسًا من إدراك تل أبيب أن أنقرة استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًّا بناء شبكة علاقات واسعة ومتعددة المستويات في القارة، وشعورها بأن تحركاتها تضيق هوامش الحركة الإسرائيلية. أما الفرص فناتجة عن فهم أن إفريقيا فضاء مفتوح للتنافس، وأن بمقدورها تلبية كثير من احتياجات إفريقيا خصوصًا في مجالات الأمن والتكنولوجيا والزراعة والمياه، خصوصًا إذا تعاونت مع دول لها وجود قوي في القارة، مثلما هو الحال بالنسبة لدولة الإمارات التي تستثمر أموالًا طائلة فيها، وتسيطر على ما يقرب من نصف الموانئ الإفريقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى