في الثامن من يناير 2025م، نشر موقع “إنفو مايجرانتس“، وهو منصة إعلامية إيطالية تُعنَى بقضايا المهاجرين واللاجئين حول العالم، حيث تمَّ تصميم المنصة لمكافحة المعلومات المضلِّلة التي قد يقع ضحيتها المهاجرون، سواء كانوا في بلدانهم الأصلية أو على طريق رحلتهم أو في البلد الذي يأملون في بناء حياة جديدة به، تقريرًا بعنوان: “لماذا يهاجر الناس من مصر؟” للصحفية والكاتبة “إيما واليس“.
وبحسب التقرير، فقد دخل ما يربو على 16 ألف مواطن مصري إلى دول الاتحاد الأوروبي العام الماضي، مُشَكِّلين بذلك ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين الذين دخلوا إلى القارة العجوز مؤخرًا.
إيما واليس هي كاتبة وصحفية تعمل مع موقع “إنفو مايجرانتس”، وتقوم بتغطية موضوعات تتعلق بتجارب المهاجرين، وتحدياتهم، وقضايا اللجوء والهجرة، مع تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية والاجتماعية لهذه الظواهر.
يقول التقرير إنه في عام 2025م، شكَّل المواطنون المصريون ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، بعد المواطنين البنجلاديشيين، الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي، وأكبر مجموعة وطنية من قارة إفريقيا.
ويضيف التقرير أن العدد الإجمالي للمهاجرين المصريين غير الشرعيين يزيد قليلًا عن 16 ألف شخص، وذلك وفقًا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.
ويذكر التقرير أن هناك عوامل متعددة تدفع الشباب إلى مغادرة مصر، من بينها أنهم في ظل التطورات التكنولوجية الهائلة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، أصبحوا يشاهدون ويتابعون بشكل مباشر جوانب حياتية من المجتمعات الأوروبية تبدو لهم وكأنها الحل الناجع لتحقيق أحلامهم.
ويُضِيف التقرير أيضًا أن ظواهر العنف المنزلي المنتشرة في المجتمع المصري، ومحدودية فرص العمل المتوفرة في البلاد، وعدم كفاية النظام التعليمي المصري، وانعدام الوصول إلى العناصر الأساسية للبقاء على قيد الحياة في مصر، كل ذلك يُعدُّ عوامل دافعة لكثير من المصريين للهجرة إلى خارج البلاد.
وفيما يلي، يقدم “منتدى الدراسات المستقبلية” ترجمة كاملة للتقرير الذي نشره موقع “إنفو مايجرانتس” الإيطالي، لـ “إيما واليس“، الكاتبة والصحفية في الموقع المعنِي بقضايا المهاجرين واللاجئين حول العالم، وذلك على النحو التالي:
لماذا يلجأ المصريون للهجرة من بلادهم؟
سجَّلت وكالة الحدود الأوروبية “Frontex” أن هناك ما يزيد قليلًا عن 16 ألف مواطن مصريي قد عبروا إلى دول الاتحاد الأوروبي في عام 2025م، وأن معظمهم كانوا قادمين من دولة ليبيا في الشمال الإفريقي، باتجاه كل من إيطاليا واليونان تحديدًا. وأن هذا يجعلهم الجنسية الأكثر هجرةً إلى قارة أوروبا قادمين من القارة الإفريقية.
ويستعرض موقع “إنفو ميجرانتس” في هذا التقرير بعض العوامل التي تدفع المصريين – وخاصةً القُصَّر منهم المهاجرين بغير رفقة ذويهم – إلى محاولة الوصول إلى القارة الأوروبية.
فقد شكَّل المواطنون المصريون في عام 2025م ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين، بعد المواطنين البنجلاديشيين، الذين دخلوا إلى دول الاتحاد الأوروبي، وأنهم كانوا أكبر مجموعة من جنسية واحدة قادمة إلى أوروبا من القارة الإفريقية.
حيث سجلت بيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن إجمالي عدد المهاجرين غير الشرعيين من الجنسية المصرية بلغ ما يربو قليلًا عن 16 ألف شخص خلال العام الماضي.
وتشير بيانات للحكومة الإيطالية، صدرت بتاريخ 31 ديسمبر 2025م، إلى وصول أكثر من 9,000 مواطن مصري إلى إيطاليا عن طريق البحر. وقد عَبَر أكثر من 7,000 مواطن مصري من شمال إفريقيا، معظمهم كانوا قادمين من دولة ليبيا، باتجاه اليونان، وذلك خلال عام 2025م فقط.
ومن الواضح أن زيادة عدد المصريين الراغبين في الهجرة إلى قارة أوروبا هي ظاهرة بدأت قبل بضع سنوات فقط. حيث أشار تقرير صادر عن مركز الهجرة المختلطة(MMC)، وهو مركز أبحاث دنماركي مستقل يقوم بجمع البيانات وإجراء البحوث والتحليلات ووضع السياسات والبرامج المتعلقة بالهجرة المختلطة، في شهر إبريل من عام 2024م، إلى أن المصريين شكَّلوا ما يزيد قليلًا عن نسبة 7% من إجمالي القادمين إلى إيطاليا في عام 2023م، ليصبحوا خامس أكثر الجنسيات شيوعًا بين المهاجرين إليها في ذلك العام.

(الصورة أعلاه هي صورة أرشيفية بغرض التوضيح: حيث شكَّل المواطنون المصريون أكبر مجموعة من المهاجرين القادمين من قارة إفريقيا إلى أوروبا عام 2025م. الصورة التقطها: محمود الخواص / نور فوتو / picture alliance)
وقد لاحظ مركز الهجرة المختلطة(MMC) أن المصريين، بحلول عام 2024م، كانوا قد احتلوا المرتبة الرابعة بين أكثر الجنسيات شيوعًا بين القادمين إلى أوروبا. وأشار المركز إلى أن معظم المهاجرين المصريين يبدأون بالسفر أولًا إلى ليبيا، ثم يسعون إلى ركوب قوارب تكون متجهة إلى إيطاليا أو اليونان وذلك عبر البحر المتوسط. وذكرت وكالة الحدود الأوروبية (Frontex) أنه خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025م، استخدم مواطنون مصريون “شبكات تهريب منظَّمة تعمل على طول طرق الهجرة عبر ليبيا”. وأوضحت الوكالة الأوروبية أن هذا الأمر قد حدث “على الرغم من تشديد الرقابة على الحدود المصرية وتفكيك شبكات الهجرة غير الشرعية على طول الساحل المصري”.
الأزمة الاقتصادية
لقد كان للأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر، والتي كانت قد تفاقمت جزئيًّا بسبب ارتفاع أسعار الحبوب المرتبط بغزو روسيا لأوكرانيا الذي وقع عام 2022م، آثار سلبية على البلاد منذ ذلك التاريخ. حيث شهدت البلاد خلال هذه الأزمة ارتفاعًا حادًا في التضخم وشُحًّا في العملات الأجنبية. وبسبب ارتفاع معدلات البطالة، يشعر العديد من المصريين بأنه ليس لديهم مستقبل في وطنهم، ويأملون في الحصول على فرص أفضل في الخارج.

(هذه صورة أرشيفية بغرض التوضيح: المشاكل الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة ليست سوى بعض العوامل التي تدفع المصريين إلى الهجرة، وذلك إلى جانب النمو السكاني السريع وانتشار استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. قام بالتصوير: جون وريفورد / زونار / picture alliance)
ونشر المرصد الإيطالي المعني بالقُصَّر الأجانب غير المصحوبين بذويهم في شهر يناير 2024م تقريرًا عن القُصَّر المصريين غير المصحوبين بذويهم في إيطاليا. حيث أشار التقرير أيضًا إلى أن المشاكل الاقتصادية كانت من أبرز العوامل الدافعة للهجرة من مصر.
وسَلَّط التقرير الضوء على الزيادة السكانية الهائلة في مصر، إلى جانب الأزمة المالية الخانقة، وانخفاض قيمة العملة المحلية المصرية، وارتفاع الأسعار، وندرة المياه، وتفاقم الفقر، وارتفاع معدلات البطالة، فضلًا عن عوامل دولية أخرى كجائحة (كوفيد-19) والحرب في أوكرانيا، حيث ساهمت كل هذه العوامل في دفع مزيدٍ من المصريين إلى التفكير في الهجرة كوسيلة للتغلُّب على مشاكلهم.
البحث عن دخل مادي
كان عمرو مجدي، الباحث في منظمة “هيومن رايتس ووتش” غير الحكومية، قد صرح لصحيفة “لوموند الفرنسية” اليومية في يناير 2026م، بأن غالبية المصريين المهاجرين إلى أوروبا إنما يبحثون عن “دخل مادي يسمح لهم بعيش حياة كريمة، وتكوين أسرة، وإعالة أسرهم الفقيرة في مصر”.

(هذه صورة أرشيفية تُستخدَم هنا بغرض التوضيح: وجد هذان الشابان عملًا في مصر، لكن الكثيرين مثلهما يعتقدون أنهم يستطيعون بالكاد كسب ما يكفي من المال لإعالة أسرهم وبناء مستقبل كريم لهم فقط. تصوير: دعاء عادل / نور فوتو/ picture alliance)
وأضاف الباحث المصري أن الهجرة من مصر لا تقتصر على ذوي الدخل المحدود، بل تشمل أيضًا أصحاب المؤهلات. حيث قال مجدي في حديثه لصحيفة لوموند: “هناك هجرة جماعية للكفاءات في مصر. فالأطباء والصيادلة ومهندسو الحاسب الآلي ومهندسو تكنولوجيا المعلومات يغادرون البلاد أيضًا من خلال حصولهم على تأشيرات”.
ومع ذلك، فإن غالبية من يدخلون أوروبا (بطريقة غير شرعية) وبدون أوراق ثبوتية هم مِن بين ثلث المواطنين المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر. فمِن بين سكان مصر الذين يربو عددهم عن مائة مليون نسمة، فإن أكثر من ثلثهم يعيشون تحت خط الفقر ويجدون صعوبة في توفير الخبز والوقود وتذاكر المواصلات، وذلك بحسب تقديرات البنك الدولي.
وقد ارتفع معدل التضخم في البلاد بشكل حاد، ليصل في بعض الأحيان إلى ما يقارب 40%. إلا أن البنك المركزي المصري كان قد أعلن في شهر نوفمبر أن وتيرة ارتفاع الأسعار تباطأت إلى 12.3%. كما توقع صندوق النقد الدولي انتعاشًا في معدل النمو يتجاوز 4% خلال عام 2026م.
قصص عن الهجرة
بالنسبة لبعض المهاجرين، قد تكون الأرقام أمرًا ذا دلالة. حيث قال مواطنان مصريان يعيشان في فرنسا منذ أربع سنوات ويعملان في مجال تركيب البلاط، في تصريح لصحيفة لوموند، إنهما يكسبان حوالي 1,800 يورو بمعدل شهري، أي ما يقارب سبعة أضعاف متوسط الراتب الذي قد يحصلان عليه في مصر، والذي ربما يبلغ 270 يورو شهريًّا.

(ربما يتطلع مزيدٌ من القُصَّر المصريين، مثل هذا الصغير الذي يبلغ من العمر 15 عامًا، إلى الوصول إلى أوروبا كوسيلة لتحقيق أحلامهم. تصوير: إيما واليس / Info Migrants)
وصَرَّح “أحمد”، وهو شاب يبلغ من العمر 31 عامًا، وابن أخيه “علي”، الذي يبلغ من العمر 23 عامًا، لصحيفة لوموند، بأنهما وصلا إلى أوروبا قبل نحو خمس سنوات، ونزلا في جزيرة “لامبيدوزا” الإيطالية “هربًا من حياتهم البائسة” (في مصر).
وتحدث الشابان المصريان عن الرواتب التي يتحصلان عليها في فرنسا، قائلين إنهما “كانا سيضطران إلى اللجوء للسرقة لكسب هذا القدر من المال في بلدهما الأم مصر”. وأضافا أنهما رغم اشتياقهما لعائلتيهما، ورغم إقامتهما غير القانونية في فرنسا، فإنهما لا يندمان على الهجرة من مصر. واعترف “أحمد” بأنه لم يُقدَّر له أن يَرى ابنته البالغة من العمر خمس سنوات أبدًا. وكانت زوجته قد أخبرته أنها حامل بعد أن كان قد بدأ رحلته بالفعل إلى أوروبا، لكنه شعر أن الأمر يستحق التضحية، من أجل أن يتمكن من إرسال ما يكفي من المال إلى أرض الوطن لإعالتهم.
السياحة والناتج المحلي الإجمالي
وذكر تقرير صادر عن المرصد الإيطالي للقُصَّر الأجانب غير المصحوبين بذويهم، أعدته الباحثة مريم بن علي، أن السياحة في مصر تُعدُّ جزءًا هامًا من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. إلا أنه بسبب جائحة (كوفيد-19) وحالة عدم الاستقرار في المنطقة، فقد انخفضت السياحة بنحو 70% منذ عام 2020م.
وتقارن مُعِدَّة التقرير الأرقام التي سُجِّلت عام 2019م، أي قبل الجائحة، عندما استقبلت مصر نحو 13 مليون سائح، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 13.03 مليار دولار (حوالي 11 مليار يورو) مع الأرقام التي سُجِّلت عام 2020م، أي بعد تفشي الجائحة. حيث تشير بن علي إلى أنه بعد عام واحد فقط، انخفضت هذه الأرقام إلى نحو 3.5 مليون سائح، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 4 مليارات دولار (حوالي 3.4 مليار يورو).

(تُعدُّ السياحة قطاعًا بالغ الأهمية بالنسبة لمصر، وقد تضررت بشدة بعد تفشي جائحة كوفيد-19، ولكن السلطات المصرية أعلنت في عام 2025م عن أنها استقبلت رقمًا قياسيًّا من السياح بلغ 19 مليون سائح. تصوير: أحمد جمعة / شينخوا / picture alliance)
وكان للحرب الأوكرانية أيضًا أثر بالغ على قطاع السياحة في مصر. حيث كان هناك نحو 40% من السياح في مصر من الأوكرانيين والروس قبل عام 2022م، وفقًا لتقرير صدر عن موقع “Arab News” الإخباري الإقليمي. كما أثَّرت الحرب في أوكرانيا أيضًا على واردات مصر من الحبوب، والتي كان 85% منها يأتي في السابق من روسيا أو أوكرانيا.
ومنذ عام 2022م، أدَّت مشاكل استيراد الحبوب إلى ارتفاع أسعار الخبز بنسبة الربع على الأقل. وتشير “بن علي” إلى أن ارتفاع أسعار الخبز ونقص الغذاء غالبًا ما ساهما في الاضطرابات السياسية والانتفاضات التي اندلعت في البلاد. وتستشهد الباحثة بانتفاضات أعوام 1977 و2008 و2011م كأمثلة على ارتباط هذين العاملين ببعضهما البعض.
ومع ذلك، سجلت السلطات المصرية في عام 2025م رقمًا قياسيًّا بلغ وصول 19 مليون سائح إلى البلاد.
العوامل الجيوسياسية
ويؤثر أيضًا الوضع الجيوسياسي في الدول المجاورة والشرق الأوسط على مصر. حيث لجأ مئات الآلاف من المواطنين السودانيين إلى مصر نتيجة للحرب الأهلية الدائرة في بلادهم. كما تستضيف مصر أيضًا نازحين من دول سوريا واليمن وليبيا، فضلًا عن السودان. وقد زادت الحرب الأخيرة في غزة من حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.

(هذه الصورة أرشيفية بغرض التوضيح: تستضيف مصر أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، نتيجة للصراعات والاضطرابات في الدول المجاورة، مثل السودان ودول أخرى في منطقة الشرق الأوسط. تصوير: خالد الفقي / Matrix images / picture alliance)
وقد بلغ عدد اللاجئين السودانيين المسجَّلين في مصر، بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أكثر من 834 ألف لاجئ، في شهر يناير 2026م. وتستضيف مصر إجمالًا نحو مليون لاجئ وطالب لجوء مسجَّلين من حوالي 61 جنسية مختلفة.
وبينما تُشير كل من منظمة هيومن رايتس ووتش والمنظمة الدولية للهجرة ووكالة فرونتكس الأوروبية إلى أن الصعوبات الاقتصادية هي الدافع الرئيسي لهجرة المصريين إلى أوروبا، فإن القمع السياسي لبعض فئات المجتمع أو بعض أنماط التفكير، فضلًا عن انعدام حرية التعبير والرقابة المشددة على المعارضة هناك، تُعدُّ أيضًا من العوامل الدافعة للهجرة.
وكان عمرو مجدي، الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش، قد صرح لصحيفة لوموند، بأنه على الرغم من أن مصر تبدو مستقرة في الظاهر، إلا أنها “في الواقع تعيش وضعًا هشًَّا للغاية”. وأضاف مجدي أن البلاد تُدار من قِبل “إدارة استبدادية وفاسدة” في عهد الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي تولى السلطة عام 2014م، بعد الانقلاب العسكري الذي قاده ضد الرئيس المنتخب آنذاك، محمد مرسي).
وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن في شهر إبريل 2024م عن اتفاقية مع مصر تهدف إلى إدارة الهجرة من البلاد. وقد نَصَّت اتفاقية عام 2024م على تقديم الاتحاد الأوروبي تمويلًا واستثمارات تنموية مقابل تشديد ضوابط الهجرة وإدارتها، وذلك على غرار الاتفاقيات المماثلة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وتونس والسنغال وموريتانيا. ولكن حجم التمويل المخصص لمصر كان أكبر من تلك الدول بكثير.

(الجنرال عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، خلال افتتاح مؤتمر الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي ومصر في القاهرة، وذلك يوم السبت 29 يونيو 2024م. الصورة من: picture alliance)
ورغم أن الاتفاقية بَدَت وكأنها أدَّت إلى وقف مغادرة المهاجرين من السواحل المصرية، إلا أنها لم تمنع الناس من الرغبة في الهجرة. ففي عام 2024م، وبالتزامن مع الإعلان عن الاتفاقية، علَّق مركز الهجرة المختلطة “MMC” الدنماركي في ورقة بحثية عن مخاوفه من أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر لن تحقق هدفها المتمثل في الحد من الهجرة غير النظامية أو الوفاء بالتزاماتها بحماية حقوق المهاجرين.
وأضاف “MMC” أن “هذه الشراكة، هي كغيرها من اتفاقيات الهجرة السابقة، تركز بشكل أساسي على مراقبة الحدود وإدارة الهجرة ومكافحة التهريب، مما يشجع، دون قصد، على رحلات أكثر خطورة وترتيبات استغلالية مع المهربين”.
القُصَّر غير المصحوبين بذويهم
كثير من المهاجرين من مصر هم من القُصَّر غير المصحوبين بذويهم. ففي خريف عام 2025م، التقى موقع “إنفو ميجرانتس” بأحد هؤلاء في مونفالكوني، شمال شرق إيطاليا. وبحلول عام 2023م، حيث شكَّل القُصَّر غير المصحوبين بذويهم من مصر خُمْس إجمالي القُصَّر غير المصحوبين بذويهم هناك.

(قال يوسف، من مصر، والذي يبلغ من العمر 17 عامًا، إنه استغرق ثلاثة أشهر للسفر عبر طريق البلقان إلى إيطاليا، وأنه وَصَل بعد عيد ميلاده السابع عشر مباشرة. وقال إنه يأمل، بعد مغادرته دار الإيواء للقُصَّر غير المصحوبين بذويهم، أن يجد عملًا هناك كميكانيكي سيارات. تصوير: إيما واليس / Info Migrants)
وعندما تحدثنا إلى “يوسف” في شهر أكتوبر 2025م، أخبرنا أنه يبلغ من العمر 17 عامًا. وقد أخبر موقع “InfoMigrants” أنه استغرق ثلاثة أشهر للسفر عبر طريق البلقان باتجاه إيطاليا. وأنه يأمل في إيجاد عمل في إيطاليا كميكانيكي سيارات، كما اعتاد أن يعمل في مصر قبل مغادرته البلاد، على حد قوله.
وأفاد العاملون مع القُصَّر غير المصحوبين بذويهم في شمال شرق إيطاليا لموقع “InfoMigrants” أن العديد من المصريين أمثال يوسف يجدون أعمالًا في قطاع البناء. وأوضحوا أن المهاجرين المصريين في إيطاليا يميلون إلى إيجاد عمل من خلال شبكات معارفهم، وغالبًا ما يتخصصون في أعمال الطلاء والتجصيص.
وضع متطور
وكتبت الباحثة مريم بن علي، في تقريرها لمرصد الهجرة الإيطالي حول القُصَّر غير المصحوبين بذويهم، أن هجرة المصريين إلى إيطاليا بدأت بشكلها الحالي في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. حيث وفرت هذه الهجرة جذورًا عميقة للوافدين الجدد، مع شبكة من أفراد العائلة والأصدقاء الذين قد يتمكنون من تقديم الدعم (لأقاربهم ومعارفهم)، وتوفير فرص العمل، وتقديم المعلومات لهم حول كيفية الاندماج في المجتمع الإيطالي.

(هذه صورة أرشيفية بغرض التوضيح: يهاجر العديد من المصريين من المناطق الريفية، وغالبًا ما تمتلك مجتمعات بأكملها شبكات في دول مثل إيطاليا، وتوفر لهم فرص عمل، لكنها في الوقت نفسه تُصعِّب عليهم مصارحة الواقع المرير الذي يواجهونه عند وصولهم إلى أوروبا. تصوير: محمود الخواص / نور فوتو/picture alliance )
تقول الباحثة “بن علي”، التي تستند في ملاحظاتها إلى بيانات المنظمة الدولية للهجرة، إن أعدادًا متزايدة من القُصَّر غير المصحوبين بذويهم القادمين من مصر تتصاعد منذ عام 2011م، بالتزامن مع بداية الانتفاضات المتعددة التي اندلعت في العالم العربي، والتي أسفرت عن اندلاع الحرب (الأهلية) في سوريا والإطاحة بالنظام السابق في تونس.
وتشير “بن علي” إلى أنه بحلول عام 2015م، كان أكثر من نصف القُصَّر غير المصحوبين بذويهم الوافدين إلى أوروبا قادمين من مصر. ويشير التقرير إلى أن الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، وتحديدًا منذ عام 2015م، قد أدَّى إلى ظهور عوامل دافعة للهجرة بشكل أكبر.
العوامل الديموغرافية
ووفقًا لـ “بن علي”، فإن العوامل الديموغرافية تلعب دورًا في ذلك أيضًا. حيث تجاوز عدد سكان مصر 100 مليون نسمة عام 2021م، حيث سجلت أحد أعلى معدلات المواليد في القارة الإفريقية. ويشكل الشباب دون سِن الثلاثين أكثر من ثلثي السكان. وتستشهد مريم بن علي بأبحاث أجرتها منظمة اليونيسف والمنظمة الدولية للهجرة، في أن هناك عوامل متعددة تدفع الشباب إلى الهجرة من مصر، من بينها إمكانية اطِّلاعهم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة والتطورات التكنولوجية الأخرى، على جوانب من المجتمعات الأوروبية التي تبدو لهم وكأنها الحل الأمثل الذي يراود أحلامهم.

(هذه صورة أرشيفية بغرض التوضيح: عدد سكان مصر يتجاوز 100 مليون نسمة، وأكثر من ثلثيهم دون سِن الثلاثين. تصوير: محمود الخواص / نور فوتو / picture alliance)
ويُعدّ العنف الأسري في مصر أيضًا، بالإضافة إلى محدودية فرص العمل، وضعف النظام التعليمي، وانعدام المقومات الأساسية للحياة، من العوامل الدافعة لهجرة الكثير من المصريين.
وذكرت دراسة أجرتها المنظمة الدولية للهجرة أن غالبية من يهاجرون من مصر بين سن 14 و17 عامًا ينحدرون من مناطق ريفية. وقد أدّى انخفاض عدد سكان الريف، الذي تفاقم أيضًا بسبب الأزمة الاقتصادية، إلى نزوح المزيد من العائلات نحو المدن، وتشجيع الشباب على مغادرة البلاد نهائيًّا.
وأشارت الباحثة “مريم بن علي” إلى أن أجزاءً كبيرة من قرى أو مناطق بأكملها هاجرت بشكل تدريجي نحو إيطاليا، ما يعني وجود شبكات جاهزة لاستقبالهم عند وصولهم. وتستشهد بن علي بقرية “تطون” في محافظة الفيوم، التي باتت تُعرَف باسم “إيطاليا الصغيرة”، حيث هاجر نحو ثلث سكانها إلى إيطاليا. وهذا يعني أن هناك قصصًا تُروى في تلك القرية عن الحياة في إيطاليا، فضلًا عن أنه يتم تشييد أو ترميم المباني في القرية بأموال تمَّ كسبها من هناك. حتى إن هناك مطاعم تحمل أسماءً إيطالية في القرية، وغالبًا ما تُقدَّم فيها قهوة إيطالية فاخرة، وذلك بحسب تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة عام 2017م.
المشاكل النفسية التي تعقُب رحلة الهجرة
وأشار التقرير أيضًا إلى أنه نظرًا لتزايد إلحاح دوافع الهجرة خارج البلاد لدى العديد من الشباب المصريين، فإنهم يصلون إلى إيطاليا وهم يعانون من مشاكل نفسية بشكل أكبر، وبموارد أقل، مقارنةً بمَن هاجروا قبل عام 2016م.
ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى طول الرحلة وصعوبتها، سواء عبر ليبيا والبحر المتوسط، والتي قد تشمل أو لا تشمل قضاء وقت في مراكز الاحتجاز الليبية، أو عبر طريق البلقان، الذي غالبًا ما يستغرق عدة أشهر، وما ينطوي عليه ذلك من احتمال التعرُّض للعنف والتشرُّد على طول الطريق.
وبالإضافة إلى ذلك، تشير “بن علي” إلى أن العديد من الشباب المصريين، وغيرهم من أبناء القارة الإفريقية، قد يترددون في قبول أي نوع من المساعدة النفسية، حتى لو رأوا أنهم قد يستفيدون منها، وذلك بسبب الوصمة الاجتماعية في العديد من بلدانهم المرتبطة بأي نوع من الأمراض النفسية، والخوف من وصفهم بـ “المجانين”.
كما ذكرت “بن علي” أن بعض الخبراء أشاروا إلى أن بعض العائلات المصرية تميل أيضًا إلى إرسال أفرادها الصغار الذين تعتبرهم يتسمون بـ “صعوبة” التعامل وإدارة شؤونهم، كأولئك الذين يعانون من مشاكل عدوانية، على أمل أن يجدوا دعمًا أفضل في الخارج.

(تُتيح منظمة “دونك” العاملة في إيطاليا عياداتٍ يُحاول فيها طاقم طبي متطوع معالجة الجروح الظاهرة والخفية التي قد يُعاني منها المهاجرون، وقد لاحظوا أيضًا أن بعضهم بحاجة إلى دعم نفسي. المصدر: (https://lnx.donkhm.org/)
إرسال رسائل إيجابية إلى الوطن
كان العديد من القُصَّر غير المصحوبين بذويهم بمجرد وصولهم إلى إيطاليا يرغبون في العمل بأي ثمن، وفقًا لمنظمة “سيفيكو زيرو” التي تحدثت معها الباحثة “بن علي”. وبالنسبة للمهاجرين من الشباب، كان العمل رمزًا للكرامة، ووسيلة لرد الجميل لأفراد أسرهم في الوطن الذين ساهموا في إتمام رحلتهم إلى إيطاليا.
وأوضح خبراء منظمة “سيفيكو زيرو” أن هؤلاء الشباب المصريين غالبًا ما ينتهي بهم المطاف بالوقوع ضحايا للاستغلال من قبل شبكات وأفراد آخرين من عائلاتهم في إيطاليا، حيث يعملون بأجور زهيدة تقل بكثير عن الحد الأدنى للأجور.
ومع ذلك، كان الكثيرون منهم يشعرون بالعجز عن مصارحة الخدمات الاجتماعية أو أي شخص مسؤول في إيطاليا، خوفًا من فقدان ماء الوجه بين أبناء وطنهم هناك، وخوفًا من وصول أخبار معاناتهم إلى عائلاتهم في مصر.
وتشير “بن علي” إلى أن الكثير من أقوالهم وسلوكياتهم كانت تهدف إلى إخفاء الواقع لإظهارهم بمظهر أكثر نجاحًا وسعادة مما هم عليه في واقع الأمر.

(يمتلك معظم المهاجرين هواتف ذكية، يستخدمونها للتنقل والتواصل مع أهلهم في الوطن، ويُعد نشر صور لوصولهم بنجاح إلى أوروبا وإخفاء الحقائق الصعبة التي يواجهها الكثيرون أمرًا شائعًا، لا سيما بين المهاجرين الشباب. الصورة من: Reuters/M. Djurica)
وبحسب بن علي، فإنَّ هذه الحاجة إلى إرسال رسائل إيجابية إلى الوطن، غالبًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، تُسهِم في خَلق حلقة من العوامل الدافعة للهجرة. فالصور والرسائل الإيجابية التي تُنشر وتُرسَل إلى الأصدقاء في مصر – على سبيل المثال، الظهور بأبهى حللهم أمام سيارات رياضية فاخرة، ليست سياراتهم بالطبع، أو بجوار معالم شهيرة في إيطاليا – قد تُعطي انطباعًا مُشوَّهًا عن الواقع الذي يعيشه معظم المهاجرين في إيطاليا، وتدفع المزيد منهم إلى خوض غمار هذه الرحلة، على أمل تحقيق أحلامهم.
وذكرت دراسة أجرتها منظمة “أنقذوا الأطفال بإيطاليا” مؤخرًا، نقلًا عن مهاجر مصري يبلغ من العمر 22 عامًا، أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور كبير في دفعه نحو الهجرة لأوروبا، لأنه رأى كيف “تتعامل الدول الأوروبية مع اللاجئين، ومدى تسامحها وإنسانيتها”.
وقال مهاجر آخر، يبلغ من العمر 20 عامًا، إن الصور التي أرسلها إليه أصدقاؤه في أوروبا ونشروها على وسائل التواصل الاجتماعي “فيسبوك” و “واتساب” جعلته يرغب في ترك حياته الريفية والبحث عما اعتبره مستقبلًا أفضل في أوروبا.
وأكدت الدراسة نفسها، التي أجرتها منظمة “أنقذوا الأطفال في إيطاليا”، أن الشباب المصري يتمتع بواحدة من أفضل فرص الوصول إلى الإنترنت في القارة الإفريقية، وهو ما قد يكون أيضًا عاملًا دافعًا أساسيًّا لاتجاههم للهجرة، أو على الأقل يساهم في زيادة معرفتهم بأوروبا وكيفية الوصول إليها.




