مقدمة
منذ عام 2013م، بَدَت القاهرة وأبوظبي في موقع المتقارب استراتيجيًّا، لا سيما في مواجهة موجة “الربيع العربي” وصعود التيارات الإسلامية، إلَّا أن هذا التقارب لم يكن يومًا تطابقًا كاملًا، ومع مرور الوقت بدأت خطوط التباين تظهر بوضوح، وإن ظلَّت تُدار بعيدًا عن الأضواء.
وقد كشف العقد الأخير، بخاصَّة منذ عام 2019م، أن هذه العلاقة على متانتها، ليست بمنأى عن التباينات، وأنها انتقلت تدريجيًّا من مرحلة التنسيق الكامل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا عنوانها “إدارة الخلافات داخل شراكة ضرورية”.
لا تنطلق رؤية القاهرة للعلاقة مع أبو ظبي من فكرة الصدام أو القطيعة، بل من إدراك واقعي بأن التغيرات الإقليمية المتسارعة، وتعدد مسارح النفوذ، واختلاف أولويات الأمن القومي، تفرض إعادة ضبط إيقاع العلاقة، ووَضع حدود واضحة للمصالح المتبادلة، دون التفريط في جوهر الشراكة بين البلدين.
يأتي هذا التقدير في سياق محاولة فهم التحولات التي طرأت على أحد أكثر التحالفات العربية تماسكًا خلال العقد الماضي، في ضوء متغيرات إقليمية كبرى. ويَسعى المقال إلى الإجابة عن سؤال مركزي، هو: كيف تدير القاهرة تبايناتها مع أبو ظبي دون المساس بجوهر الشراكة؟ وما حدود هذا التباين في الملفات الأكثر حساسية للأمن القومي المصري؟
الإطار العام للعلاقة.. اتفاق في الرؤية واختلاف في الأدوات
في السنوات الأولى بعد 2013م، شكَّل الدعم الإماراتي لمصر – سياسيًّا واقتصاديًّا – أحد أعمدة استقرار النظام المصري في مرحلة شديدة الحساسية.
لم يكن ذلك سرًا، ولم تُنكِره القاهرة. غير أن هذا الدعم جاء في سياق إقليمي محدد، يتمثل في مواجهة الإسلام السياسي، ومنع انهيار الدولة الوطنية، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
وبالنظر إلى طبيعة العلاقة بين مصر والإمارات، فإن العلاقة بين الطرفين يحكمها الاتفاق في الرؤية ولكن هناك اختلاف في الأدوات. فرغم الاتفاق في الخطوط العريضة للسياسة الإقليمية، إلَّا أن هذا الاتفاق لا يلغي اختلافًا واضحًا في الأدوات وفي نطاق الحركة.
فبينما تميل مصر إلى مقاربة تقليدية للأمن القومي، ترتكز على مفهوم الدولة وحدودها وسيادتها، تنتهج الإمارات سياسة أكثر مرونة، قائمة على النفوذ غير المباشر، والشبكات الاقتصادية والأمنية، والتموضع في الموانئ والممرات البحرية. هذا الاختلاف في المنهج بات مصدر التباين الأساسي بين القاهرة وأبو ظبي في عدد من الملفات الساخنة.
السودان.. نقطة التباين الرئيسية
يُعَد الملف السوداني المثال الأبرز على اختلاف التقديرات بين القاهرة وأبو ظبي. فمصر تنظر إلى السودان باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي الجنوبي، وترى أن الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش، يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
في المقابل، اتجهت الإمارات خلال السنوات الأخيرة إلى بناء علاقة وثيقة مع ميليشيات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، سواء عبر الدعم السياسي أو الاقتصادي، وهو ما أثار قلقًا مصريًّا متزايدًا.
التقدير المصري يَرى أن تفكيك مركزية الدولة السودانية، أو إطالة أمد الصراع عبر دعم أطراف موازية للمؤسسة العسكرية، يُهدِّد بتحويل السودان إلى ساحة فوضى مزمنة، تنعكس مباشرة على مصر.
هذا التباين لم يصل إلى مواجهة علنية، لكنه دفع القاهرة إلى تكثيف اتصالاتها الإقليمية، والعمل مع الرياض على بلورة موقف مشترك. وقد رصد في الخطاب المصري الرسمي وغير الرسمي استخدام مصطلح رفض عسكرة الميليشيات، وذلك للإشارة إلى أن الحل هو سياسي ومؤسساتي، وأن السلاح يجب أن يكون فقط حكرًا على الجيش السوداني.
ليبيا.. من تقارب ميداني إلى تقييد استراتيجي
تكشف الحالة الليبية بوضوح كيف انتقلت العلاقة المصرية الإماراتية في هذا الملف من مرحلة التقارب الميداني إلى مرحلة أكثر حذرًا اتسمت بتقييد الحسابات. ففي السنوات الأولى للأزمة، دعمت القاهرة وأبو ظبي خليفة حفتر بوصفه ركيزة محتملة لإعادة بناء الدولة الليبية، ومواجهة الفوضى المسلحة، ومنع تمدد التنظيمات المتطرفة، خصوصًا في الشرق الليبي المتاخم للحدود المصرية.
غير أن فشل الهجوم على طرابلس عام 2019م شكَّل نقطة تحول مهمة في التقدير المصري. فقد أعادت القاهرة تقييم جدوى الرهان على المسار العسكري، وبدأت تدريجيًّا في تنويع قنواتها داخل المعسكر الشرقي، مع تعزيز التواصل مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح وقوى سياسية أخرى، في محاولة لبلورة مقاربة أكثر قابلية للاستمرار، تضع في اعتبارها استقرار الحدود وإمكانية التنبؤ بمسار الأزمة.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير دبلوماسية غربية، إلى جانب رصد الأمم المتحدة، إلى تزايد الاستياء المصري من محدودية استعداد حفتر لتقديم تنازلات سياسية، أو الانخراط بجدية في مسارات التسوية.
في المقابل، حافظت الإمارات على دعمها الواسع لحفتر، واستمرت لفترة في تقديم أشكال مختلفة من الإسناد العسكري، بما في ذلك الدعم الجوي والبري، في مرحلة كان فيها الحماس المصري قد بدأ بالفتور.
من منظور القاهرة، تُدار السياسة تجاه ليبيا باعتبارها سياسة دفاعية في المقام الأول، هدفها منع امتداد الصراعات المسلحة إلى الداخل المصري، والحد من تدفق السلاح، وضبط مسارات الهجرة غير النظامية. أما من منظور أبو ظبي، فتمثل ليبيا، إلى حد ما، ساحة لاختبار نموذج الحكم المركزي القوي في مرحلة ما بعد الثورات، بما يحمله ذلك من رهانات سياسية وأمنية.
التقدير المصري يَرى أن استمرار تدفق السلاح، أيًّا كان مصدره، أسهم في إطالة أمد الصراع، وأبقى حالة عدم الاستقرار قائمة، وهي كلفة تتحمل مصر جزءًا كبيرًا من تبعاتها بحكم الجغرافيا. وفي السنوات الأخيرة، بدأت تظهر في الخطاب التحليلي القريب من القاهرة إشارات حذرة إلى هذا القلق، دون توجيه اتهامات مباشرة للإمارات، في إطار الحرص على إدارة التباين دون تحويله إلى خلاف مُعلَن.
اليمن.. القاهرة مع الرياض ووحدة الدولة أولًا
في الملف اليمني، يظهر التباين المصري–الإماراتي بشكل أكثر وضوحًا منذ سنوات، لكنه بلغ ذروته مع التطورات الأخيرة. فمصر، منذ البداية، دعمت الرؤية السعودية القائمة على الحفاظ على وحدة اليمن، ورفض أي مشاريع تفكيك أو كيانات موازية للدولة.
جاءت الانسحابات الإماراتية الأخيرة من بعض مناطق النفوذ، وما تبعها من إعادة تموضع للقوى المحلية المدعومة من أبو ظبي، لتعيد طرح أسئلة جدية حول مستقبل اليمن.
من جانبها، وفق تقديرات قريبة من دوائر القرار، نقلت القاهرة بوضوح، بالتنسيق مع الرياض، عبر الوسطاء العمانيّين، تمسكها بخطوط حمراء تتعلق بالأمن القومي في البحر الأحمر وباب المندب، ورفض أي ترتيبات تهدد وحدة اليمن أو تحول سواحله إلى مناطق نفوذ متصارعة.
لا يمكن النظر إلى الموقف المصري بخصوص اليمن على أنه عدائي تجاه الإمارات، لكنه حاسم في دعم السعودية في الملف اليمني، انطلاقًا من إدراك القاهرة أن أي تفكك في اليمن ستكون له كلفة استراتيجية مباشرة على أمن قناة السويس والملاحة الدولية.
الصومال والقرن الإفريقي واعتبارات الأمن القومي المصري
تثير التحركات الإماراتية في القرن الإفريقي، وخاصَّة في إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، قلقًا مصريًّا متزايدًا. فالإمارات لعبت دورًا بارزًا في دعم كيانات محلية في الصومال، وتطوير موانئ، وبناء شراكات أمنية، في وقتٍ تخشى فيه القاهرة من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الدولة الصومالية المركزية.
من ناحية أخرى، يزداد القلق المصري مع الحديث عن وجود تقاطعات إماراتية إسرائيلية في هذه المنطقة، خاصَّة بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وهو ما يَضع الملف في سياق أوسع يتعلق بأمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، والتوازنات مع إثيوبيا.
من جانبها، ترى القاهرة أن أي تغيير في خرائط النفوذ في القرن الإفريقي يجب أن يتم عبر الدول، وليس عبر كيانات انفصالية، لما لذلك من تداعيات مباشرة على أمن مصر الاستراتيجي.
إثيوبيا وسد النهضة.. حسابات مختلفة
في ملف سد النهضة، تتبنى مصر موقفًا واضحًا قائمًا على رفض الإجراءات الأحادية من الجانب الإثيوبي، والدفاع عن حقوقها التاريخية في مياه النيل. ورغم أن الإمارات لعبت أدوار وساطة بين القاهرة وأديس أبابا في فترات سابقة، إلَّا أن التقارب الإماراتي الإثيوبي، بما في ذلك الاستثمارات والدعم الاقتصادي، يثير تساؤلات مصرية حول حدود هذا الدور.
وفق التقدير المصري، فإن القاهرة لا تتهم أبو ظبي بالانحياز الصريح لأديس أبابا، لكنه يَرى أن المصالح الاقتصادية الإماراتية في إثيوبيا والدعم غير المشروط لأديس أبابا قد تؤثر على درجة الضغط الممكنة، وتؤدي إلى تعزيز موقفها التفاوضي المتصلب، وإلى إطالة أمد الأزمة دون أفق واضح للتسوية، وهو ما يدفع القاهرة إلى التعامل بحذر، والاعتماد بشكل أكبر على مسارات دبلوماسية متعددة.
وعلى الرغم من أن القاهرة لم تواجه أبوظبي علنًا في هذا الملف، فإن التحفظ المصري حاضر بقوة في القنوات المغلقة.
إسرائيل.. شراكة إماراتية وحسابات مصرية
يمثل التقارب الإماراتي الإسرائيلي بعد اتفاقيات أبراهام أحد الملفات الحساسة في العلاقة مع القاهرة. فمصر، رغم كونها أول دولة عربية وقَّعت اتفاق سلام مع إسرائيل، تنظر إلى هذا التقارب من زاوية مختلفة، تتعلق بتوازنات القوة في الإقليم.
لا ينصب القلق المصري على العلاقة الثنائية بين أبو ظبي وتل أبيب بحد ذاتها، بل على امتداداتها الأمنية والاقتصادية في مناطق تمس الأمن القومي المصري، مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرق المتوسط.
تتابع القاهرة بحذر أي تنسيق إماراتي إسرائيلي في هذه الساحات، وتسعى إلى ضمان ألَّا يتحول إلى واقع يفرض معادلات جديدة دون أخذ المصالح المصرية في الاعتبار.
إدارة التباين.. رسائل هادئة وخطوط حمراء واضحة
رغم كل ما سبق، وتعدد نقاط التباين، فإن المؤشرات لا تدلل على أزمة مفتوحة بين القاهرة وأبو ظبي. لكن على العكس، يعتمد الطرفان سياسة إدارة الخلاف، مع إبقاء قنوات التواصل السياسي والأمني مفتوحة.
فمن جانبها، تدرك القاهرة أهمية الإمارات كشريك اقتصادي واستثماري، كما تدرك أبو ظبي ثقل مصر السياسي والعسكري.
تؤكد الرسائل التي نُقِلت مؤخرًا إلى أبو ظبي، بالتنسيق مع الرياض، على استمرار النهج القائم على شراكة مستمرة، لكن مع خطوط حمراء واضحة في السودان واليمن والصومال، وعدم القبول بأي ترتيبات تمس الأمن القومي المصري أو العربي.
في هذا الإطار، تشير التقديرات المصرية للموقف الإماراتي إلى أن أبو ظبي تتعامل مع هذه الرسائل بحذر ومناورة، مع التزام الصمت في المرحلة الحالية، وإعادة تقييم المشهد الإقليمي، واختبار حدود الضغط دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القاهرة أو الرياض. هذا السلوك يعكس إدراكًا إماراتيًّا لحساسية المرحلة، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسومة، قد يستغرق تبلورها بعض الوقت، ويَصعُب التنبؤ بنتائجها النهائية.
خلاصة واستشراف لسيناريوهات العلاقة
وبناءً على ما سبق، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمسار العلاقات المصرية-الإماراتية خلال المرحلة المقبلة:
- السيناريو الأول، وهو الأرجح، استمرار نمط إدارة التباين مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية.
- السيناريو الثاني، إعادة ضبط أوسع للعلاقة إذا ما جَرَى التوصُّل إلى تفاهمات أوضح حول ملفات النزاع.
- أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا، فيتمثل في اتساع دوائر الخلاف إذا ما تمَّ تجاوز الخطوط الحمراء المعلنة.
في المحصلة، يمكن القول إن العلاقات المصرية الإماراتية تمر بمرحلة إعادة ضبط، لا تفكك، حيث انتقلت العلاقة بين الطرفين من تطابق شبه كامل في المواقف إلى شراكة واقعية، تعترف بوجود تباينات، وتسعى إلى إدارتها دون انفجار.




