تقاريرغير مصنف

الأزمة السودانية بعد زيارة البرهان للقاهرة: خيارات الدور المصري في دعم مسار وقف الحرب

مقدمة

في 18 ديسمبر 2025م، قام رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بزيارة رسمية إلى القاهرة، التقى خلالها عبد الفتاح السيسي، في لحظة شديدة الحساسية من عمر الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023م بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع، ولا تزال مستمرة مع تعقد مساراتها السياسية والعسكرية والإنسانية.

تأتي هذه الزيارة في سياق تصعيد ميداني متواصل، حيث انتقل الصراع من مرحلة الاشتباكات المتفرقة إلى نمط حرب واسعة متعددة الجبهات، شملت ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى، مع انهيار شبه كامل لمنظومات الحماية المدنية وتفاقم الكارثة الإنسانية.

هذا الواقع الجديد جعل من الأزمة السودانية ملفًا إقليميًّا خطرًا للغاية، ويُعد الدور المصري أحد أبرز العوامل المؤثرة في معادلة احتواء الحرب أو انزلاقها نحو سيناريوهات التقسيم.

أولًا: دلالات توقيت زيارة البرهان إلى القاهرة

(١) تعاظم التصعيد العسكري وتوسع الحرب على عدة جبهات:

جاءت زيارة البرهان في ظل مرحلة تصعيد غير مسبوقة، حيث شهدت البلاد توسع العمليات العسكرية وسيطرة ميليشيات الدعم السريع على كامل إقليم دارفور وتوسع الاشتباكات في كردفان.

هذا التصعيد يعكس فشل محاولات التهدئة السابقة، ويُشير إلى انتقال الحرب إلى مرحلة استنزاف طويل الأمد، بما يَضع القيادة السودانية أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، ويَجعل البحث عن دعم إقليمي فاعل ضرورة سياسية وعسكرية.

(٢) تنامي الدور الإقليمي والدولي للمراقبين والوسطاء:

تزامنت الزيارة مع تصاعد التحركات الدولية تجاه السودان، سواء عبر بيانات الإدانة أو التهديد بفرض عقوبات، خصوصًا على قيادات ميليشيات الدعم السريع، في ظِل تقارير متزايدة عن انتهاكات جسيمة بحق المدنيّين في السودان.

هذا المناخ الدولي الضاغط دفع الخرطوم إلى تعزيز قنواتها مع دول إقليمية محورية، وفي مقدمتها مصر، بوصفها طرفًا قادرًا على التأثير في مسار الأزمة السودانية.

(٣) رسائل مصرية حاسمة تجاه وحدة السودان:

الزيارة حملت دلالة واضحة على أن القاهرة أرادت تثبيت خطوط حمراء تتعلق بوحدة السودان، ورفض أي سيناريو يؤدي إلى تقسيمه أو تفكيكه.

وجاء التلويح بتفعيل معاهدة الدفاع المشترك بين البلدين ليؤكد أن مصر لا تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها شأنًا داخليًّا معزولًا، بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

ثانيًا: محددات الموقف المصري من الأزمة السودانية

(١) وحدة السودان كخيار إستراتيجي غير قابل للمساومة:

تنطلق القاهرة من قناعة راسخة بأن أي تقسيم للسودان سوف يؤدي إلى فراغ أمني واسع جنوب الحدود المصرية، بما يفتح المجال أمام انتشار السلاح، وتنامي شبكات التهريب، وتصاعد الهجرة غير النظامية، فضلًا عن احتمالات تسلل جماعات مسلحة عابرة للحدود، وهو ما يشكل تهديدًا غير مسبوق للمجال الحيوي المصري.

(٢) رفض شرعنة الكيانات المسلحة الموازية:

تتعامل مصر بحذر شديد مع أي محاولات لتحويل السيطرة العسكرية لميليشيات الدعم السريع إلى واقع سياسي دائم، خاصَّة في دارفور.

فشرعنة كيانات مسلحة موازية خارج سلطة الدولة المركزية تعني عمليًّا تقويض مفهوم الدولة السودانية الموحدة وفتح الباب أمام مشاريع حكم ذاتي أو انفصال فعلي.

(٣) موقف متشدد تجاه تمويل وتسليح الميليشيات:

ترى القاهرة أن السماح لقوى مسلحة غير نظامية بلعب دور سياسي مركزي في مستقبل السودان سوف يؤسس لدولة هشة قائمة على موازين القوة العسكرية، وليس على الشرعية الوطنية، وهو ما يتعارض مع أي تصوُّر للاستقرار طويل الأمد.

ثالثًا: تصريحات القاهرة بعد اللقاء “الرسائل المعلنة والإشارات الضمنية”

الرسائل المعلنة:

  • التأكيد الصريح على وحدة الأراضي السودانية ورفض أي ترتيبات سياسية أو أمنية تنتقص من سيادة الدولة.
  • دعم وقف شامل للحرب باعتبار أن هذا المسار هو المدخل الوحيد لاستعادة الاستقرار.
  • الإعلان عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك كإطار للتنسيق الإستراتيجي في مواجهة التهديدات الإقليمية المحتملة.

الإشارات الضمنية:

  • رفض مصري واضح لتحويل السيطرة الميدانية إلى مكاسب سياسية دائمة.
  • رسالة ردع غير مباشرة بأن المساس بوحدة السودان قد يستدعي أدوات ضغط عسكرية.
  • تنبيه للمجتمع الدولي بأن تقسيم السودان سوف يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة.

رابعًا: الفرص المتاحة للدور المصري في دعم الحكومة السودانية

(١) الضغط نحو وقف الحرب كمدخل أساسي:

يمكن لمصر أن تلعب دورًا محوريًّا في دعم مبادرات وقف إطلاق النار، مع التركيز على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومنع تثبيت خطوط السيطرة العسكرية كأمر واقع ميداني.

(٢) تعزيز توجهات التفاوض السياسي الشامل:

دعم مسارات الوساطة الدولية التي تُفضِي إلى تسوية سياسية تقلص قدرة أي طرف على فرض شروطه بالقوة، مع التأكيد على أولوية ملف دارفور بوصفه ملفًا سياديًّا هامًّا لوحدة السودان لا إنسانيًّا فقط.

(٣) التنسيق السياسي والعسكري:

توظيف معاهدة الدفاع المشترك كأداة ردع إستراتيجية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الدعم السياسي والتدخل العسكري.

خامسًا: قيود وتحديات التدخل المصري في الملف السوداني

يواجه الدور المصري تحديات معقدة، أبرزها تعدد الفاعلين والجماعات المسلحة في الواقع الميداني السوداني، وكذلك تشابك المصالح الإقليمية والدولية، فضلًا عن الكلفة الإنسانية المتصاعدة للحرب، التي تجعل أي تدخل مباشر محفوفًا بالمخاطر السياسية والخسائر البشرية.

سادسًا: سيناريوهات الدور المصري في المرحلة القادمة

يرتبط الدور المصري في السودان بطبيعة التحولات الميدانية المتسارعة، وبإدراك القاهرة أن الأزمة تجاوزت كونها صراعًا داخليًّا لتصبح تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

ومن هذا المنطلق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

(١) احتواء الأزمة عبر تسوية سياسية شاملة:

يقوم هذا السيناريو على نجاح الجهود المصرية في الدفع نحو وقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق مسار سياسي جامع يعيد دمج الأقاليم، وفي مقدمتها دارفور ضمن إطار الدولة السودانية الموحدة. ويركز الدور المصري هنا على منع تثبيت السيطرة العسكرية كأمر واقع، ودعم إعادة بناء مؤسسات الدولة بما يَحد من منطق السلاح خارج السلطة المركزية للدولة السودانية.

(٢) وقف إطلاق النار مع استمرار الاستقطاب بين الأطراف المتنازعة:

يفترض هذا السيناريو التوصُّل إلى وقف طويل للقتال دون معالجة جذرية لأسباب الصراع، ما ينتج عنه حالة استقرار ميداني هش.

ويكمن التحدي المصري في منع تحوُّل مناطق السيطرة الواسعة لميليشيات الدعم السريع إلى مناطق انفصالية دائمة تحت غطاء سياسي، مع إدراك أن إيقاف إطلاق النار قد يؤجل الانفجار بدلًا من إنهائه.

(٣) تقسيم فعلي يبدأ من إقليم دارفور مع احتمالية التوسع:

هذا هو السيناريو الأخطر؛ لأنه برغم التدخل المصري في مسارات الصراع، تتحول السيطرة العسكرية من جانب ميليشيات الدعم السريع على كامل إقليم دارفور إلى واقع انفصالي دائم، بما يهدد وحدة السودان ويخلق بيئة إقليمية مضطربة تتسم بانتشار السلاح وتدفقات لجوء واسعة. في هذه الحالة، تنتقل القاهرة من إدارة الأزمة إلى احتواء تداعيات تقسيم السودان.

الخاتمة

تكشف زيارة البرهان إلى القاهرة عن إدراك متبادل بأن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، بل أزمة بنيوية تهدد وجود الدولة السودانية نفسها. فدارفور، وكردفان، وبقية الأقاليم باتت تمثل خطوط اختبار حقيقية لقدرة السودان على البقاء كيانًا موحدًا.

الدور المصري في هذا السياق لا يقتصر على الدعم السياسي التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة هندسة توازن دقيق بين منع انهيار الدولة، ووقف الحرب، وإفشال مخططات فرض التقسيم كأمر واقع.

إن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك، والدفع نحو تسوية سياسية شاملة، وفرض أولوية وحدة السودان، تمثل مجتمعةً أدوات إستراتيجية لمواجهة أخطر سيناريو يمكن أن يواجه مستقبل السودان. فالسودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي: إما مسار تسوية يُعيد بناء الدولة، أو مسار تقسيمي يبدأ من إقليم دارفور.

وفي هذا المفترق، يظل التطلع نحو الدور المصري في هذه المرحلة الحرجة كأحد العوامل الرئيسة والمؤثرة نحو ترجيح كفة الاستقرار على الفوضى، والحفاظ على وحدة الدولة السودانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى