غير مصنفمقالات

العلاقات الثقافية العربية الإسرائيلية، التاريخ وآفاق المستقبل

تعريف وتوضيح

يعرف بعضهم التطبيع الثقافي بأنه عملية تحويل الأفعال المتعمدة الدائمة من حالة الوعي إلى اللاوعي، بحيث تصبح تلك الأفعال أمرًا عاديًّا يقوم به الشخص، أو ربما المجتمع بطريقة تلقائية، ومن دون أي شعور بالحرج. أو هو تحويل شيء غير عادي، إلى شيء عادي. مع الانتباه إلى ربط أغلب المعاجم مفهوم التطبيع وأنواعه بما يحدث على مستوى العلاقات بين الدول، مثلما يفعل معجم ماكميلان وغيره.

يضعنا هذا التعريف أمام إشكالية واضحة تتعلق بمَن الذي يحدد الطبيعي أو غير الطبيعي، فما يعتبره طرف طبيعيًّا، قد يعتبره الآخر غير طبيعي. وهنا ينبغي توضيح أن المقال ينطلق من اعتبار أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل أمرًا غير طبيعي، بمعنى أن المقال ينطلق مما اتفق عليه العقل الجمعي العربي في هذا الشأن منذ قيام إسرائيل.

يتفرع التطبيع إلى ثلاثة أنواع رئيسة: أولها في المجال العسكري والاستخباري، وهذا قد يسبق أحيانًا وجود علاقات دبلوماسية من الأساس، وقد يتخطى ذلك إلى وجود شكل من العلاقة الدبلوماسية والاقتصادية. والثاني ما يحدث في ظل وجود علاقات دبلوماسية معلنة تفضي إلى التعاون في مجالات حكومية مختلفة. أما الأخير وهو الأخطر فيحدث بين الشعوب، كما يقول أستاذ تاريخ الشعوب الإسلامية في الجامعة العبرية في القدس، إيلي بوده، في مجالات مدنية وثقافية واقتصادية. وهذا على عكس النوعين الآخرين يكون مؤشرًا على قبول الآخر ونتيجة له، بحيث يتلاشى وَصْف الآخر بالعدو، فلا يُنظر إليه بوصفه تهديدًا أو مصدر خطر على الهوية الذاتية. وبهذا المعنى يختلف هذا النوع من التطبيع عن النوعين الآخرين اللذين يقومان على أساس المصالح المشتركة من دون اشتراط قبول للآخر[1].

التطبيع الثقافي

تنبع خطورة بناء علاقات ثقافية بين إسرائيل والعالم العربي من الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في دفع الشعوب لتجاوز حالة العداء مع الاحتلال الإسرائيلي، والتسليم بوجوده الدائم، بدلًا من اختيار مسار التحرير ودعم المقاومة. وهكذا تصبح لدى العدو الصهيوني إمكانية إفساد الثقافة، وتقويض الشخصية، وتشويه التاريخ في مصر والعالم العربي، بل وقد تحل السردية الإسرائيلية للصراع محل السردية المصرية أو العربية، وقد تتسرب أفكار تصنع حالة خضوع وتبعية للثقافة الاستعمارية الصهيونية. والواضح أن ما يقوله الإسرائيليون عن كون الفن والثقافة وسيلة وسيطة للفهم المتبادل والتعايش، وصولًا إلى تكوين التحالفات، وعن أن التعاون العلمي والثقافي يمكن أن يسهم في ذلك إسهامًا كبيرًا، على أساس أن السلام الحقيقي لا يحدث بين الحكومات فحسب، بل بين الشعوب أيضًا[2]، هو في حقيقته ستار للهيمنة الفكرية التي تنطلق من مشاعر عنصرية بالتفوق والتميز.

وإذا كان بعض الإسرائيليين، مثلما كتب شارون توفال في “يديعوت أحرونوت” في أعقاب مشاركة وفد إسرائيلي في مهرجان رأس الخيمة للفنون عام 2022م، يقولون “إن الثقافة تسهم في بناء الجسور لتخطي العداءات السياسية والاجتماعية في المنطقة، وإن العرب والإسرائيليين لديهم مشتركات إنسانية واسعة يمكن أن تمحو ما بينهم من هوة صنعتها السياسة والدين والمعتقدات”[3]، فإن هذا يعني بوضوح إزالة تلك الفروق، ومن ثم تهميش الدين والمعتقدات، أو إدخال تعديلات جوهرية بحيث تتم إزالة العوائق التي تسمح في النهاية بالتطبيع الكامل مع الاحتلال.

ويتسق هذا المعنى مع ما يجري على قدم وساق من تعديلات في مناهج التعليم في العالم العربي بإشراف لجان أمريكية، وبمشاركة إسرائيلية أحيانًا. لكن المفارقة أنه بينما تتخذ الخطوات لتمييع دور الدين والمعتقدات، أو تهميشه في العالم العربي، يزداد المجتمع الإسرائيلي تطرفًا واتجاهًا نحو اليمين والتمسك بالأفكار التوراتية والتلمودية حول إسرائيل الكبرى ونظرته للآخر.

في كتابه “غضن الزيتون: قصة المركز الأكاديمي الإسرائيلي في القاهرة” الصادر في 2016م، يحكي شمعون شامير، أول مدير للمركز الثقافي الإسرائيلي في القاهرة بين عامي 1982 و1984م، عن كثير من التفاصيل ترتبط بالعلاقات الثقافية التي بدأت مبكرًا بعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. ويقول إنه كان من أوائل الكتاب الصهاينة الذين زاروا مصر في مايو 1979م بدعوة من مركز الأهرام لحضور ورشة عمل بحثية بين أكاديميين صهاينة ومصريين. كان أبرز من شارك في هذه الورشة البحثية عن إسرائيل: مؤسس معهد دراسة الصهيونية في جامعة تل أبيب، جبرائيل كوهين، وعضو الكنيست السابق، والعميد السابق لكلية الحقوق في الجامعة نفسها، أمنون روبنشتاين، وأستاذ تاريخ مصر والسودان في جامعة حيفا، جبرائيل فيربرج. وشارك فيها من مصر: محمود خيري عيسى عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والطبيب عصام الدين جلال، والدبلوماسي تحسين بشير وغيرهم. كان هذا اللقاء مقدمة للقاءات مماثلة؛ فبعدها بعام واحد وفي تدشين مركز كابلان لدراسة تاريخ مصر وإسرائيل في جامعة تل أبيب، شارك وفد مصري في حفل التدشين، تكوَّن من د. حسين فوزي عميد جامعة الإسكندرية حينها والذي منحته جامعة تل أبيب الدكتوراه الفخرية، ود. أحمد جمعة وآخرون. وفي نهاية العام نفسه، وبتوجيه من الرئيس السادات، قام وفد مصري برئاسة مصطفى خليل، وبطرس بطرس غالي، وعلي عطية الباحث في الأدب العبري من جامعة عين شمس بزيارة إسرائيل بهدف تطبيع العلاقات الأكاديمية. وفي العام نفسه يحكي شامير عن قيامه بزيارات أو لقاءات فردية لشخصيات فكرية مصرية مشهورة؛ مثل عبد العظيم رمضان، والقاضي سعيد عشماوي، والأخصائي النفسي محمد شعلان، وكذلك قدري حفني من جامعة عين شمس[4].

يضاف إلى ما سبق ما يرويه الكاتب عن حواراته مع سياسيين مصريين؛ كوزير الخارجية إسماعيل فهمي، وسيد مرعي مستشار الرئيسين عبد الناصر ثم السادات، ومنصور حسن مستشار السادات والذي عين لاحقًا وزيرًا للمعلومات، وبطرس بطرس غالي، ويوسف والي وزير الزراعة، وماهر أباظة وزير الطاقة.. وفي العام التالي 1982م جرى تأسيس المركز الأكاديمي بالقاهرة، بعد ضغوط من وزير الخارجية الإسرائيلي إسحاق شامير، ثم موافقة وزير الدولة للشؤون الخارجية في مصر، بطرس بطرس غالي، ونائب رئيس مجلس الوزراء، كمال حسن علي. وجرى شراء الشقة التي تأسس فيها من الفنانة ماجدة الصباحي.

لم يكن غريبًا أن يبدأ المركز نشاطًا مبكرًا وسريعًا، فبعد افتتاحه بشهور قليلة قام بتنظيم مشاركة بعثة من 180 موسيقيًّا مصريًّا في مهرجان الربيع في تل أبيب، ويحكي شامير أن الدكتور يوسف شوقي جمع أعمالًا فنية لـ 120 رسامًا مصريًّا لعرضها في الكنيست وإهدائها لنوابه والوزراء. ثم أشرف المركز كذلك على افتتاح معرض في فندق المريديان في مصر عنوانه “ربيع وسلام”، شاركت فيه فنانتان إسرائيليتان وأخرى مصرية، وعلى هامشه أقيمت مسابقة شطرنج مشتركة.

وإلى جانب ما سبق فإن المركز عمل على تجنيب الباحثين الصهاينة صعوبات البيروقراطية المصرية، فضلًا عن توفير مكتبة كبيرة، واستقدام محاضرين إسرائيليين لمحاضرة الباحثين والطلاب المصريين ومحاولة اجتذابهم.

ما يثير الانتباه هنا أن بعض اللقاءات التي قام بها المثقفون الإسرائيليون مع شخصيات مصرية، كانت تتم على أساس كونهم مستشرقين غربيين، لا إسرائيليين؛ مثل لقاء شمعون شامير مع الشيخ إمام. وفي السياق نفسه فإن تدخل إسرائيل والسماح لها بترميم بعض وثائق الجنيزا أو الكتب التراثية اليهودية التي وجدت في المعابد اليهودية في مصر كان يتم عبر أكاديميين يهود غربيين، لتجنب تهمة التطبيع، رغم أن هذه الوثائق مصرية، بحكم انتمائها لثقافتها، وليهود تمتعوا بالمواطنة الكاملة في مصر قبل وجود إسرائيل أصلًا.

تجدر الإشارة إلى أن علاقات إسرائيل الثقافية مع العالم العربي، وخصوصًا مصر، ظلت محدودة النطاق، رغم مواقف أو لقاءات بين كتاب مصريين وعرب وإسرائيليين مثلت تطبيعًا ثقافيًّا: مثل نجيب محفوظ، ولطفي الخولي، وأمين المهدي، والشاعر السوري أدونيس، والشاعر اللبناني سعيد عقل، الذي كان مؤيدًا للعدوان الإسرائيلي ضد لبنان عام 1982م، أو رغم إقامة بعضهم علاقات وثيقة مع سياسيين أو كتاب إسرائيليين؛ كالكاتب المصري أنيس منصور، أو رغم قيام آخرين بزيارة إسرائيل مثلما فعل الكاتب المصري علي سالم عام 1994م، والذي مُنِح درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بن جوريون في 2005م قبل أن تمنعه السلطات المصرية من الخروج من مصر، والجزائري بوعلام صنصال الذي زارها في 2012م ودَعَا الكُتَّاب العرب لزيارتها والتطبيع معها[5]، فهذه المواقف أو غيرها تبقى استثناءً، ولا يمكن اعتبارها حالة عامة. بل إن المصادر الإسرائيلية التي تؤكد تنامي التعاون الأمني والاستخباري بين مصر وإسرائيل، ووصوله لمستويات غير مسبوقة منذ وصول السيسي إلى السلطة، تؤكد في الوقت نفسه، حسب إيلي بوده، أن التعاون الثقافي ظل في أدنى مستوياته، ولم يتقدم[6].

ثمَّة أسباب كثيرة بالطبع تعوّق وجود علاقات ثقافية مكثفة ومعلنة بين مصر وإسرائيل، وتجعل أي علاقات من هذا النوع استثناءً، من بينها وجود مؤسسات تعمل ضد كل أشكال التطبيع وخصوصًا الثقافي، أو تبنّي بعض المؤسسات الرسمية الدينية والثقافية لموقف ثابت رافض للتطبيع، ما يجعله شبه مُجرَّم في مصر. علاوة على مزاج شعبي عام رافض للتطبيع، ويُدرك أن أي حرب قادمة يمكن أن تخوضها مصر ستكون على الأغلب في مواجهة إسرائيل، وهو أمر مشابه لطبيعة الوضع في سوريا، التي تحتل إسرائيل أجزاء منها، وكذلك في الأردن الذي ينتمي نصف سكانه لأصول فلسطينية.
من بين الأسباب أيضًا انطلاق الداعين إلى مسار التطبيع الثقافي من فرضيات وهمية[7]، تقول إحداها إنه طالما لن يستطيع طرفا الصراع العربي-الإسرائيلي أن يَقضي أحدهما على الآخر، أو يُحقق نصرًا حاسمًا، فمِن الأفضل الذهاب إلى تسوية. وتقول أخرى إن التيار العام في العالم العربي يريد التسوية مع إسرائيل، وإن الرافضين لها في الجهتين التيارات الدينية الأصولية اليهودية والإسلامية فحسب، وهو أمر مجاف للحقيقة بالطبع.

ما بعد اتفاق أبراهام

تبدو نماذج التطبيع الثقافي السابقة بين مصر أو غيرها من الدول العربية أمرًا استثنائيًّا في مواجهة تيار عام، فكري وثقافي وشعبي، رافض لهذا النوع من العلاقات مع الكيان الصهيوني رغم مرور حوالي نصف قرن على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، حتى إن بعض الفنانين المصريين، ممن لا تعرف لديهم هويات قومية، يسارعون في التبرؤ من أي تصرف يمكن أن يوصف بأنه تطبيع. لكننا حين نقارن هذا النموذج بالنموذج الإماراتي، وبدرجة أقل البحريني والمغربي، نكتشف الخطوات السريعة للتطبيع الكامل بين هذه الدول، وخصوصًا الإمارات، وإسرائيل.

ويشار هنا إلى أن تعبير “التطبيع الكامل” تكرر في اتفاقية أبراهام الموقعة بين البلدين سِت مرات، وقد أضيف بناءً على إصرار إسرائيلي بعد تجربة مخيبة للآمال مع مصر والأردن. علاوة على ملحق تضمن مجالات التعاون الممكنة، بعضها ثقافية. والمثير أن النسخة العربية من الاتفاقية لم تستخدم تعبير “التطبيع الكامل”، واستخدمت بدلًا منه تعبير “العلاقات الكاملة” أو “علاقات دبلوماسية وودية كاملة”، لتجنب دلالاتها السلبية في العالم العربي.

أما الأكثر إثارة فهو أن نسخة الاتفاق التي لم يُعلن منها سوى المبادئ العامة فقط في الإعلام الإماراتي غير متاحة على صفحة وزارة الخارجية الإماراتية[8]، بل إن إسرائيل لا تظهر ضمن قائمة الدول التي تقيم الدولة معها علاقات دبلوماسية[9].

وخلال السنوات القليلة الماضية، منذ توقيع اتفاقية أبراهام، احتلت الإمارات المركز الأول في مؤشر التطبيع مع إسرائيل[10]. وشهد التعاون الثقافي بين البلدين فعاليات كثيرة، بعضها اتفاقيات تعاون أكاديمي، كالاتفاق بين معهد وايزمان وجامعة محمد بن زايد في أبحاث الذكاء الاصطناعي (سبتمبر 2020م، أي بعد شهر واحد من توقيع اتفاقية أبراهام)[11]، وبعضها مَعارض فنية في الإمارات لفنانين إسرائيليين[12]، وبعضها مذكرات تفاهم بين الأرشيف الوطني الإماراتي والمكتبة الوطنية في إسرائيل لتعزيز التعاون الثقافي المتعلق بالإرث المعرفي[13]، يضاف إلى ذلك مشاركات متبادلة في معارض الكتب، والحفلات الغنائية، ومشاركة كُتَّاب إماراتيين بمقالات أسبوعية في الصحافة العبرية، وتبادل التهاني في المناسبات الدينية والسياسية الإسرائيلية، علاوة على تحول دبي لتصبح واحدة من الوجهات المفضلة للسياح الإسرائيليين[14]. وحسب صحيفة “يسرائيل هايوم”، قدرت أعداد السياح الإسرائيليين الذين زاروا الإمارات في الشهور الثلاثة التي تلت توقيع اتفاق أبراهام بنحو 60 ألف شخص، وسجل عام 2022م تسجيل سفر نحو مليون مسافر ذهابًا وإيابًا بين إسرائيل ودبي وأبو ظبي[15].

ثمَّة تحولات مشابهة، وتعاون ثقافي نشط نتيجة هذا الاتفاق بين إسرائيل وكل من البحرين والمغرب، اللتين تأتيان في المركزين الثاني والثالث على مؤشر التطبيع بعد الإمارات، وهي وإن لم تكن بالمستوى نفسه الذي تفعله الإمارات، فهي لا تقل خطورة في المضي قدمًا نحو إنشاء علاقات كاملة يُستهدف من ورائها محو الفروق الثقافية.

وتبدو السعودية الحالة الأغرب في هذا المضمار، فبينما لا تقيم الدولة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتربط ذلك بحل الدولتين موقفًا رسميًّا منها، تقيم علاقات متنوعة مع الكيان الصهيوني. فعلى مستوى العلاقات الثقافية، ثمَّة حالات كثيرة تفاعل فيها كُتَّاب ومثقفون سعوديون مع إسرائيل، بدءًا من زيارة وفد من الكُتَّاب والأكاديميين برئاسة اللواء والكاتب السعودي، أنور ماجد عشقي، لإسرائيل في عام 2016م[16]، مرورًا بتهنئة المدير السابق لمركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية والقانونية، عبد الحميد الحكيم، إسرائيل بذكرى تأسيسها السبعين في 2018م أو ما أسماه “عيد الاستقلال”[17]، ومواقف بعض الكتاب مثل تركي الحمد وعبد الرحمن الراشد، وقيام الكاتب السعودي، عبد الرزاق القوسي، بنشر مقال له في صحيفة “معاريف” في 2020م[18]، وليس ختامًا بكتابات محمد الساعد، وسهام القحطاني[19]. هذا لا يمنع بالطبع وجود كُتَّاب سعوديين رافضين للتطبيع، لكن أصواتهم محدودة مقارنة بكتابات ومواقف الداعين إليه. ولا شك أن سكوت الدولة عن كتابات الآخرين ومواقفهم يُعطي انطباعا ضمنيًّا بتشجيع هذا الاتجاه، وهو ما يؤثر بالطبع على محدودية كتابات الرافضين. علاوة على عدم وجود مؤسسات مناهضة للتطبيع في دول الخليج عمومًا، وخصوصًا في الإمارات والبحرين، والسعودية، لسياساتها التي لا تسمح بوجود مؤسسات تقدم رؤية مغايرة لرؤية الدولة المعلنة أو غير المعلنة، ومن ثم تصبح مقاومة التطبيع الثقافي أقل في هذه الدول.

ومع التحولات التي شهدتها المنطقة، ومع التطور الرقمي، لم يعد التطبيع الثقافي محصورًا في القنوات الرسمية المؤسسية، ولا في المؤثرين والكُتَّاب فحسب، بل انتقل بصورة متسارعة إلى فضاء الإعلام الجديد ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث بات يُمَارس بوصفه نشاطًا يوميًّا غير مُعلَن، لا يحتاج إلى اتفاقيات ولا إلى حضور علني.

ففي هذا الفضاء تُقدَّم العلاقات مع إسرائيل من خلال تجارب فردية، وحوارات رقمية، ومحتوى تفاعلي يتجاوز الأطر التقليدية، ويعمل على تفكيك صورة العدو، من خلال التركيز على تفاصيل حياتية أو إنسانية معزولة عن سياقها الاستعماري. وتكمن خطورة هذا النمط من التطبيع في كونه لا يسعى إلى إقناع المتلقي بطرح فكري محدد، بل يراكم الاعتياد والتطبيع النفسي عبر التفاعل اليومي، بما يحول العلاقة مع إسرائيل من قضية مركزية في الوعي العربي إلى مجرد موضوع عابر ضمن تدفق المحتوى الرقمي. بل إن هذا الشكل من الإعلام قد يُسهِم في إعادة تعريف الصراع ذاته، لا بوصفه صراعًا مع احتلال غاشم، بل باعتباره خلاف روايات، أو سوء تفاهم بين طرفين، وهكذا يتم تفريغ مفهوم الاحتلال والاستعمار من مضمونه، وإعادة إنتاج التطبيع الثقافي في أكثر صوره نفاذًا إلى الوعي الجمعي، وبأقل قدر من المقاومة الظاهرة.

خاتمة

تبدو الإشارة إلى الثقافة بوصفها ضميرًا جمعيًّا أمرًا كاشفًا لدورها في هذه القضية. وسابقًا صاغ نزار قباني في قصيدته الشهيرة “المهرولون” موقفًا شعريًّا مكثفًا من مسار التطبيع، لا بوصفه حدثًا سياسيًّا عابرًا، بل باعتباره محاولة لترويض الوعي الجمعي وكسر مقاومته الرمزية، حين تساءل بمرارة:

ما تفيد الهرولة؟

ما تفيد الهرولة؟

عندما يَبقى ضمير الشعب حيًّا

كفتيل القنبلة..

لن تساوي كل توقيعات أوسلو..

خردلة!!..

وهي أبيات تُظهِر ذلك الفارق الجوهري بين ما يمكن أن تنجزه الاتفاقات الرسمية، وما تعجز عنه حين تصطدم بوعي شعبي وثقافي رافض. فالثقافة على عكس السياسة، تتشكَّل في فضاء طويل الأمد من الذاكرة والهوية والسرديات المتراكمة.

ومن هذا المنطلق، تنبع أهمية ما يُكتَب مِن تقوية الموقف الرافض ذاته، ودعمه، وإبقائه حيًّا وفاعلًا في مواجهة محاولات متكررة لتجاوز حالة المقاطعة الثقافية والفكرية، أو تفريغها من معناها. فإعادة طرح الأسئلة، وتذكير الأجيال الجديدة بسياقات الصراع، وتفكيك الخطابات الساعية إلى “تطبيع الوعي” قبل تطبيع العلاقات، تظل أدوارًا مركزية. وبهذا المعنى لا يمثل النقاش حول العلاقات الثقافية العربية-الإسرائيلية أمرًا هامشيًّا، بل يظل أحد مفاتيح فهم الصراع ذاته: صراع على الذاكرة والمعنى، وتبقى الثقافة ساحة اشتباك مفتوحة، لا تقل أهمية عن أي ساحة أخرى.


[1] – Elie Podeh. The Many Faces of Normalization: Models of Arab-Israeli relations. Strategic Assessment, Vol 25, no. 1. 2022. p. 74.

[2] – Shamir, S. A newly plucked olive leaf: The story of the Israeli academic center in Cairo. Tel Aviv University Press 2012.

[3] – https://tinyurl.com/2df6ejo8

[4] – https://tinyurl.com/29ntdlaq

[5] – https://tinyurl.com/22qo3u68

[6] – Elie Podeh. The Many Faces of Normalization: Models of Arab-Israeli relations. Strategic Assessment, Vol 25, no. 1. 2022. p. 66.

[7] – https://tinyurl.com/2aerebbc

[8] – Elie Podeh. The Many Faces of Normalization: Models of Arab-Israeli relations. Strategic Assessment, Vol 25, no. 1. 2022. p. 66, 78.

[9] – https://www.mofa.gov.ae/ar-ae/the-UAE/UAE-the-achiever/Agreements.

[10] – https://tinyurl.com/28ruyjwe

[11] – https://tinyurl.com/2br3nfyj

[12] – https://tinyurl.com/2aqqpebj

[13] – https://tinyurl.com/22spsg8o

[14] – https://tinyurl.com/26hnfn96

[15] – https://tinyurl.com/24fvjd7a

[16] – https://tinyurl.com/2bs7ss2r

[17] – https://tinyurl.com/2cphtcy3

[18] – https://tinyurl.com/2bg5aqyu

[19] – https://tinyurl.com/2y7conam

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى