توزيع مناطق السيطرة الحالي
اندلعت الحرب الأهلية في السودان في 15 أبريل 2023م، وما تزال مستمرة حتى كتابة هذا التقرير، في 15 نوفمبر 2025م، أي حوالي أكثر من عامين ونصف من القتال.
خلال هذه الفترة، تواصلت المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات الدعم السريع، مع تصاعد حاد في وتيرة العمليات العسكرية، خصوصًا في إقليم دارفور، وتدهور بالغ في الأوضاع الإنسانية والخدمية والأمنية.
تدير القوات المسلحة السودانية السلطة المركزية من العاصمة الخرطوم، وتسيطر على شمال وشرق السودان، بما في ذلك بورتسودان وولايات النيل الأزرق وسنار والقضارف.
أما ميليشيات الدعم السريع فإنها تبسط سيطرتها شبه الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر، إضافة إلى مناطق واسعة في غرب وشمال كردفان، وخطوط حدودية مع ليبيا وتشاد ومصر.
سقوط مدينة الفاشر
كانت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، آخر معقل رئيس للقوات المسلحة السودانية في الإقليم، وبعد حصار دام أكثر من ثمانية عشر شهرًا، أعلنت ميليشيات الدعم السريع سيطرتها على المدينة ودخولها مقر اللواء السادس مشاة، فيما أعلن الجيش انسحابه بدعوى حماية المدنيّين من المذابح والانتهاكات.
هذا التطور يمثل نقطة فاصلة في مسار الحرب، إذ أصبحت السيطرة على دارفور واقعًا فعليًّا لصالح ميليشيات الدعم السريع، مع تزايد التقارير عن انتهاكات جسيمة ضد المدنيّين في المدينة وضواحيها، تشمل الإعدامات الميدانية، واعتقال السكان، واستهداف المنشآت الصحية والخدمية.
الأهمية الإستراتيجية لسقوط الفاشر
لا تعد الفاشر مجرد عاصمة إدارية لإقليم دارفور، بل هي المركز العسكري والسياسي الأهم في الإقليم، وسقوطها يعني:
- إحكام السيطرة على إقليم دارفور بكامله.
- تعزيز خطوط الإمداد عبر الحدود مع ليبيا وتشاد.
- امتلاك مركز رمزي وتاريخي يُسهِّل تأسيس إدارة محلية مستقلة في الإقليم.
- إنهاء وجود الدولة المركزية في معظم غرب السودان.
أصبحت الفاشر اليوم مركزًا فعليًّا للنفوذ العسكري والسياسي لميليشيات الدعم السريع، ما يجعل خيار تكوين سلطة إقليمية مستقلة في دارفور أكثر واقعية من أي وقتٍ مضى.
تطورات ميدانية مصيرية في شمال كردفان
تتجه الأنظار اليوم إلى ولاية شمال كردفان، حيث تتصاعد المواجهات العسكرية على نحو غير مسبوق بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع.
مدينة الأبيض، العاصمة الإدارية للولاية ومركزها الاقتصادي، أصبحت الهدف لهجوم واسع تحضر له ميليشيات الدعم السريع، وسط مخاوف من معركة حاسمة قد تُغيّر مسار الصراع نحو سيطرة أوسع للدعم السريع.
تُعد الأبيض ذات أهمية كبرى في مسرح الصراع؛ فهي عقدة مواصلات تربط دارفور بالعاصمة الخرطوم، وتضم خطوط سكة حديد ومطار، وتمثل مسارًا لوجستيًّا حيويًّا للقوات المسلحة السودانية، لذلك فإن السيطرة عليها تعني قطع جزء مؤثر لخطوط الإمداد وعزل نسبي للعاصمة عن الغرب، وتمكين ميليشيات الدعم السريع من التمدد نحو العمق الإستراتيجي السوداني.
خلال الساعات والأيام الماضية، صعدت ميليشيات الدعم السريع من عملياتها العسكرية حول المدينة، مستخدمة الطائرات المُسيَّرة في قصف مناطق مدنية، مثل خور طقت وقرية اللويب شرق الأبيض، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من المدنيّين، بينهم نساء وأطفال، في مشاهد تذكر بالمآسي الإنسانية التي شهدتها مدينة الفاشر.
أما مدينة بارا في شمال كردفان، فقد عاشت موجة مرعبة من الانتهاكات، شملت عمليات قتل خارج إطار القانون واعتداءات واسعة بحق الأهالي، قبل أن تتمكن القوات المسلحة السودانية – وفق مصادر ميدانية – من استعادة السيطرة على المدينة والقضاء على عدد من عناصر ميليشيات الدعم السريع فيها.
في المقابل، تنفذ القوات المسلحة السودانية ضربات جوية على مواقع انتشار ميليشيات الدعم السريع في مناطق مثل النهود والخوي ولقاوة وغيرها، مستهدفة مخازن السلاح والوقود والتحركات العسكرية، في محاولة لقطع الإمداد عن ميليشيات الدعم السريع وعرقلة الهجوم قبل وصوله لمدينة الأبيض.
العلاقة بين مصر وميليشيات الدعم السريع
شهدت العلاقة بين مصر وميليشيات الدعم السريع تحولًا واضحًا مع تطور الصراع في السودان، ففي البداية اتبعت القاهرة سياسة حذرة تتعامل مع جميع الأطراف دون منح أي شرعية للميليشيات، مع التأكيد على دعم الدولة السودانية ووحدة أراضيها.
لكن منذ توسع نفوذ الدعم السريع في دارفور، بدأ حميدتي يوجه خطابًا عدائيًّا نحو مصر، متهمًا إيَّاها بدعم الجيش جوًّا، ومُطلِقًا تهديدات مباشرة وغير مباشرة تتعلق بمصر ودور القاهرة في الأزمة.
وتزايدت خطورة هذه التهديدات بعد سيطرة ميليشيات الدعم السريع على الفاشر وتمددها في شمال كردفان، ما جعلها تمتلك القدرة على التأثير في مسارات التهريب والتحركات الحدودية، خاصَّة في منطقة المثلث الحدودي.
وتبقى هذه العلاقة واحدة من أعقد ملفات الأمن القومي المصري حاليًا في ظل تشكل واقع تقسيمي جديد في السودان.
مساندة مصر السرية للجيش السوداني
تُقدِّم مصر دعمًا غير مُعلَن للجيش السوداني، انطلاقًا من التزامها التاريخي بدعم الدولة الوطنية في السودان ورفض الاعتراف بالميليشيات، لكن الإعلان الصريح عن هذا الدعم قد يضعها في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ودولية مؤثرة، وفي مقدمتها الإمارات التي تعد الداعم الرئيس لميليشيات الدعم السريع.
لذلك تفضل القاهرة الإبقاء على دعمها للجيش السوداني في إطار التحرك الهادئ غير المُعلَن للأسباب التالية:
- الحفاظ على التحالفات الإقليمية الحساسة: علاقة النظام المصري مع النظام الإماراتي تعد علاقة إستراتيجية ممتدة، وتشمل تعاونًا اقتصاديًّا واستثماريًّا واسعًا. إعلان الدعم المصري الصريح للجيش السوداني ضد قوات تدعمها أبو ظبي قد يخلق توترًا داخل هذا التحالف المهم في وقتٍ تحتاج فيه مصر إلى استقرار علاقاتها الإقليمية.
- الحفاظ على تماسك الموقف الدولي: القوى الغربية تتبنى موقفًا حذرًا من الصراع في السودان، وتعارض الاصطفاف العلني. لذلك تعتمد مصر على دعم غير معلن يمنحها هامش مناورة دوليًّا دون خسارة علاقاتها مع واشنطن والاتحاد الأوروبي.
- تأمين الحدود ومنع استهداف مصر: لو أعلنت القاهرة دعم الجيش السوداني صراحة، فقد تعامل ميليشيات الدعم السريع مصر كخصم مباشر، ما قد يفتح الباب لتحريك شبكات التهريب باتجاه الحدود المصرية.
تدعم مصر الجيش السوداني بحكم منطق الدولة والأمن القومي، لكنها لا تعلن ذلك لتجنب الإضرار بعلاقتها الوثيقة مع الإمارات، وللمحافظة على توازناتها الإقليمية والدولية، ولعدم خلق عداء مباشر مع ميليشيات الدعم السريع التي تتواجد بالقرب من الحدود المصرية.
اقتراب واقع التقسيم من السودان
يتشكل الآن في السودان واقع مزدوج للسلطة:
- سلطة مركزية ضعيفة تديرها القوات المسلحة السودانية من الخرطوم.
- سلطة موازية في دارفور، تديرها ميليشيات الدعم السريع، وتعمل على ترسيخ الانفصال الإداري والسياسي.
هذا الوضع يفتح الباب واسعًا أمام سيناريو تقسيم فعلي يشبه ما جرى عند انفصال جنوب السودان عام 2011م، خصوصًا في ظل غياب أي أفق لتسوية سياسية شاملة.
المخاطر على الأمن القومي المصري
- تهديد مباشر للحدود الجنوبية الغربية لمصر: قيام كيان مسلح على حدود مصر الجنوبية الغربية، تحت قيادة ميليشيات الدعم السريع، يعني فتح مسارات واسعة لتهريب السلاح والمقاتلين والبضائع والثروات والمخدرات والهجرة غير الشرعية، مما يشكل تهديدًا أمنيًّا مباشرًا وعالي المخاطر.
- بيئة خصبة لظهور الجماعات المسلحة والمتطرفة: غياب الدولة المركزية وتفكك السلطة يخلق بيئة يمكن أن تتحوَّل إلى ملاذ لجماعات مسلحة عابرة للحدود، مما يضع في المستقبل ضغطًا أمنيًّا مضاعفًا على مصر ومنظومتها الأمنية.
- نفوذ إقليمي معادٍ داخل المجال الحيوي المصري: استمرار دعم قوى إقليمية معادية لميليشيات الدعم السريع – بما في ذلك الدعم السياسي والتمويلي والعسكري – يعزز وجود قوى أجنبية في العمق الإفريقي لمحيط مصر الإستراتيجي، وهو ما يمثل خطرًا طويل المدى على الدور المصري في الإقليم وعلى أمنها القومي.
- تهديد الأمن المائي المصري: أي تدهور إضافي في استقرار السودان، أو انقسام فعلي للسلطة فيه، قد يهدد التنسيق الخاص بإدارة مياه نهر النيل، ويعزز نفوذ أطراف إقليمية معادية، في وقت تواجه فيه مصر تحديات وجودية كبرى في ملف سد النهضة الإثيوبي.
خاتمة
بعد سقوط مدينة الفاشر أصبح السودان يقف على عتبة تحول إستراتيجي بالغ الخطورة، قد يقود إلى تفكك فعلي للدولة وقيام كيان مسلح يحتمي بشرعية سياسية شكلية، ومدعوم من قوى إقليمية ودولية معادية، ويمتد نفوذه حتى الحدود المصرية الغربية والجنوبية.
هذا السيناريو الخطير لم يعد افتراضًا نظريًّا، بل أصبح مسارًا يتشكل ميدانيًّا وسياسيًّا، خاصَّة مع تزايد احتمالات سقوط مدينة الأبيض، بما تمثله من ثقل جغرافي وعسكري ولوجستي مؤثر في عمق السودان الإستراتيجي.
هذا المشهد الميداني يعني بروز قوة ميليشياوية تحت السيطرة الخارجية تحاول فرض أمر واقع جديد، وإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، بما يهدد الأمن القومي المصري مباشرة، ويضرب المجال الحيوي والجيوسياسي للدولة في عمقها الإفريقي.
لذلك أصبح من الواجب الوطني القيام بتحرك مصري عاجل وشامل، تتكامل فيه أدوات السياسة والردع العسكري المباشر، بهدف منع انهيار جديد للسودان وإحباط محاولات تقسيمه التي تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.




