خبر وتعقيبغير مصنف

تهنئة السيسي لأحمد الشرع برئاسة سوريا.. نقطة تحول أم قبول حذر بالأمر الواقع؟

الخبر:

يوم 29 يناير 2025م، وخلال مؤتمر “إعلان انتصار الثورة السورية”، بحضور العديد من قادة الفصائل المسلحة، أعلنت الإدارة السورية الجديدة تعيين أحمد الشرع رئيسًا للبلاد في المرحلة الانتقالية، بعد حوالي شهرين على الإطاحة بنظام بشار الأسد.

وذلك ضمن سلسلة قرارات واسعة تضمنت حل كل الفصائل المسلحة والجيش والأجهزة الأمنية القائمة في العهد السابق، وإلغاء العمل بالدستور، وحل مجلس الشعب وحزب البعث الذي حكم البلاد على مدى عقود.

هنأ رأس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، أحمد الشرع “لتوليه منصب رئاسة الجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية”، وتمنى له النجاح “في تحقيق تطلعات الشعب السوري نحو مزيد من التقدم والازدهار”.

فهل يمكن أن يكون هذا نقطة تحول في العلاقات المصرية السورية بعد حملة إعلامية مصرية معادية ضد الشرع وفصائل الثورة السورية؟ وهل يُعد تطورًا في العلاقات ونهاية للقطيعة والتردد والحذر المصري أم مجرد مسايرة للأمر الواقع؟

التعقيب:

ظل نظام السيسي يدعم نظام بشار الأسد حتى قبل ثلاثة أيام من الإطاحة به، أملًا في عدم انهيار حكمه وانتصار الثوار الإسلاميّين، وعقب انتصارهم وتولي هيئة تحرير الشام السلطة، التي يقودها أحمد الشرع، أبدت القاهرة شعورها بالقلق من أن يتوسع تأثير هذا التغيير ليصل لمصر ودول عربية.

سارعت دول عربية، أبرزها حلفاء السيسي (السعودية والإمارات) للاتصال بالسلطات الجديدة في دمشق، في حين أبدت القاهرة قدرًا أكبر من الحذر، وانتظر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ثلاثة أسابيع قبل أن يتصل بنظيره السوري الجديد أسعد الشيباني، وتحدث معه بأسلوب عدائي، داعيًا “سلطة الأمر الواقع” إلى تنفيذ عملية انتقال سياسي “تتسم… بالشمولية” وإشراك كافة القوى السياسية”، ما أثار سخرية مصريّين لأن السيسي لا يفعل هذا في مصر ويطالب سوريا أن تفعله.

قبل وبعد سقوط الأسد اتسمت تصريحات السيسي بالحذر، وقال خلال لقاء مع صحفيّين إن “أصحاب البلد” هم مَن يتخذون القرارات في الوقت الحالي في سوريا، و”إما أن يهدموها أو يبنوها”، وهو تصريح عدائي يشير لرفضه انتصار الثوار المسلمين واعتباره أن انتصارهم معناه دمار سوريا.

كانت الأوامر الموجهة للإعلاميّين التابعين للنظام واضحة، وهي وصف أحمد الشرع وكل فصائل سوريا، والتي يغلب عليها الطابع الإسلامي، بـ “الإرهاب”، وإطلاق تحذيرات بأن ما جرى في سوريا “يستهدفون به مصر وهدم نظامها لصالح إسرائيل”، بحجة أن تل أبيب استغلت انهيار النظام وقصف أسلحة سوريا واحتلت جزءًا جديدًا من أراضيها.

وقامت قوات الأمن المصرية بحملة اعتقالات لمَن دعوا لتغييرات في مصر على غرار سوريا، كما اعتقلت 30 لاجئًا سوريًّا يعيشون في القاهرة لأنهم احتفلوا بطريقة عفوية بسقوط النظام السوري، ووضعت قيودًا على سفر السوريّين إلى مصر بعد سقوط الأسد، وطلب من كل شخص الحصول على تصريح أمني أولًا.

وعلى العكس تمامًا، وعقب اتصال وزير خارجية مصر بنظيره السوري، ثم تهنئة السيسي لأحمد الشرع، تحول تناول إعلام السلطة للشأن السوري للإيجابية، واختفي اتهام رئيسها الشرع بالإرهاب، لكن خلافًا لبقية الدول العربية الأخرى، لم تعقد مصر حتى الآن اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين سوريّين.

في نفس يوم تهنئة السيسي للشرع، قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لمراسلتها في القاهرة، فيفيان يي، “إن مصر تخشى من انتشار عدوى الثورة السورية”، مشيرة لانتشار هاشتاج “جاك الدور يا دكتاتور” على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية، الذي يشير لتوقع مصريّين انهيار حكم السيسي بعد بشار الأسد، وقالت إنها “رسالة واضحة لا لبس فيها، موجهة من الشعب المصري إلى السيسي”.

أقلق سقوط الأسد، السيسي، وظل يظهر في سلسلة خطابات وهو متوتر وينفي أن تكون يداه قد تلطختا بدم أحد، أو أنه “آخذ شيئًا ليس ملكًا لي”، كأنه يتوقع أن تطاله ثورة سوريا ويقدم دفاعًا مبكرًا عن نفسه وعن المجازر التي قام بها والنهب والفساد.

كان يحاول رسم تباين بينه وبين الأسد، وتجاهل سجله في قمع الحريات وحقوق الإنسان، بما في ذلك مذبحة رابعة العدوية، التي قتلت فيها قوات الأمن والجيش 817 شخصًا على أقل تقدير، كانوا يحتجون على استيلاء السيسي على السلطة في عام 2013م، وفق “نيويورك تايمز”.

كان من الواضح أن التغير في الموقف المصري من سوريا يعود إلى القبول بالأمر الواقع أولًا، واستجابة السلطات السورية لمخاوف مصرية ثانيًا، مثل إسكات دمشق واخفائها للشاب المصري “أحمد منصور”، الذي كان يقاتل في صفوف ثوار سوريا ثم بدأ يدعو من سوريا لإسقاط السيسي بنفس الطريقة.

لكن هذا لم يمنع نظام السيسي من الحذر والخوف من النظام السوري الجديد، وقد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن دبلوماسيّين أجانب في القاهرة أن “المسؤولين المصريّين حثوا الحكومات الأخرى سِرًا على توخي الحذر من القيادة السورية الجديدة، وعدم رفع العقوبات المفروضة على البلاد بسرعة كبيرة”.

وقالت: “دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الشركاء الإقليميّين والدوليّين إلى ضمان عدم تحول سوريا إلى مصدر لعدم الاستقرار الإقليمي أو ملاذ للجماعات الإرهابية”.

تشير هذه المواقف إلى أن نظام السيسي سيظل متوجسًا من النظام السوري الجديد ويتعامل معه بحذر وربما يدير المؤامرات ضده مع دول خليجية كما حدث من إجهاض للثورات العربية في عدة دول آخرها تونس.

أكدت هذا وكالة الأنباء الفرنسية الي قالت إن وصول إسلاميّين إلى السلطة في سوريا، يثير قلق السيسي الذي انقلب على الرئيس الشرعي محمد مرسي، من أن يمتد تأثير ما حدث في سوريا إلى مصر، ونقلت عن مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز ويلسون البحثي في واشنطن ميريسا خورما أن ما يقلق السيسي هو “جماعة الإخوان المسلمين”، ومَن يحمون سوريا إسلاميون، وهذا بمثابة استفزاز لمصر”.

وارجع الناشط في ثورة يناير 2011، شادي الغزالي، حالة قلق السيسي من سقوط سوريا في أيدي قوى إسلامية لخشية نظام السيسي من نجاح ثوار سوريا ونجاح التجربة الإسلامية هناك، ما قد ينعكس على الحالة المصري. وأكد أن قطاعًا معتبرًا من منتفعي النظام الحالي في مصر يهمه فشل الثورة السورية، ومصادر الهلع الحقيقي عندهم هو نجاح الإسلاميّين في سوريا والتعلم من أخطاء الماضي والتعايش السلمي بدون فرض رؤية طرف على آخر.

وكانت مجلة “فورين بوليسي” حذرت مبكرًا، يوم 10 ديسمبر 2024م، من أن مصر والأردن ودول الخليج العربي يعتبرون انتصار هيئة تحرير الشام في سوريا “بمثابة صدى خطير للربيع العربي، الذي اعتقدت هذه الدول أنها هزمته”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى