الخبر:
يوم 28 فبراير 2025، جرت مواجهة تاريخية ومشادة ربما هي الأولي من نواعها في البيت الأبيض، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، سوف تدخل التاريخ السياسي من زاوية أنها المرة الأولي التي يصطدم فيها زعيم أجنبي بالرئيس الأمريكي في مقر الدولة العظمي التي تقدم نفسها بصفتها قائدة للعالم.
سبب المشادة، وهو مطالبة ترامب لرئيس أوكرانيا بتقديم تنازلات لروسيا من سيادتها وأراضيها بحجة “السلام” ووقف الحرب، وكذا التنازل عن قرابة نصف ثروات أوكرانيا المعدنية (تقدر بـ 26 تريليون دولار) بدعوى أنها مقابل أسلحة قدمتها أمريكا لأوكرانيا، دفع مواطنين عرب لمقارنة طريقة رد الرئيس الأوكراني على الصفاقة الأمريكية مع طريقة رد بعض القادة العرب، الذين يتنافسون لإرضاء ترامب.
مشادة ترامب وزيلينكسي في البيت الابيض فتحت الباب أمام الحديث عن دلالات وانعكاس هذا الحادث على طريقة تعامل القادة العرب مع خطط ترامب التي يسعى لفرضها عليهم في مسألة قطاع غزة، وهل سيظلون يطأطئون رؤوسهم أمامه ويقبلون بإملاءاته؟ أم أنهم سوف يسيرون على طريق زيلينسكي ويرفضون مطالب ترامب؟
التعقيب:
الفارق بين زيلينسكي وبعض القادة العرب، أن الأول، رئيس منتخب من شعبه، ويدافع عنه في مواجهة تهديد خارجي، وشعبه يحارب معه هذا التهديد ويقف في صفه، لذا تصادم مع ترامب ورفض مطالبه بالتنازل لروسيا في الحرب، والتنازل أيضا لأمريكا عن نصف ثروات بلاده، بينما في الحكام العرب من جاء للحكم على ظهر دبابة أو بالتوريث أو عبر انتخابات مزورة.
الفارق بينهم أن زيلينسكي، وهو حليف للغرب، رفض ما يتعارض مع سيادة وكرامة بلاده وتصدي بشجاعة ومن داخل البيت الأبيض لمحاولات الضغط عليه، وتصدى لترامب ونائبه. بينما القادة العرب، وهم أيضًا حلفاء للغرب، يضعون كراسيهم في الحكم كأولوية، ويدركون أن الحفاظ عليها يكون بالتعاون مع أمريكا وتنفيذ رغباتها، لذا يرضخون لإملاءات ترامب.
المشادة بين زيلينسكي وترامب، والتي انتهت بالصدام بين الاثنين في البيت الأبيض، تؤكد أنه لا أمان لأمريكا، حيث باع ترامب حليفة الأوكراني وسلمه لروسيا ويضغط عليه للتنازل بعد أن تغيرت المصالح الأمريكية، من استغلال أوكرانيا كمخلب ضد روسيا لإنهاكها عسكريًّا، إلى مطالبة هذا الحليف بالرضوخ والتضحية بدماء القتلى والجرحى وتدمير أوكرانيا مقابل لا شيء تلبية لمصالح ترامب.
ثمن مقاومة الغطرسة الأمريكية أو الإسرائيلية أرخص بكثير من ثمن الرضوخ لها، فجميع الشعوب التي تصدت وقاومت هذه الغطرسة انتصرت في نهاية المطاف، في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، واليمن مثال حي، فهو يواجه هذه الغطرسة بالرد الصاروخي، وقصف السفن وحاملات الطائرات الأمريكية، بل قصف قلب تل أبيب بالصواريخ والمسيرات دون خوف.
كتب عبدالباري عطوان في صحيفة “رأي اليوم”، يقول إن زيلينسكي أعطي درسًا غير مسبوق لـزعماء العرب، وتحدث عن “ثلاثة دروس مهمة”، يمكن أن يتعلمها “القادة” العرب في مواجهة البيت الأبيض.
الأول: أن الرّكوع تحت أقدام القيادة الأمريكية خوفًا، ورعبًا، ليس نوعًا من أنواع الدبلوماسية وضبط النفس، خاصَّة عندما تكون هذه القيادة “شوارعيّة” متغطرسة، مثلما هو حال الرئيس ترامب، وقبله جورج بوش الابن، وكلاهما “جمهوريان”، وأن المواجهة رغم الفارق في موازين القوى لا تقود إلا إلى المزيد من التطاول والإهانات والابتزاز.
الثاني: من يريد أن يحصل على المساعدات الأمريكية، عسكرية كانت أو مالية، عليه أن يتوقع الخنوع والإذلال ودفعه ثمنًا باهظًا من كرامته وأمنه، وتقديم تنازلات ضخمة في المقابل، أبرزها في الحالة العربية القبول بالاستسلام للعدوّ الإسرائيلي، ومساندة حرب الإبادة التي يخوضها في قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وتهجير مليونيّ مواطن غزاوي، وتحويل القطاع إلى ريفييرا أو سنغافورة، ولكن للمستوطنين الصهاينة لا للشعب الفلسطيني.
الثالث: التعلم من الرد الأوروبي السريع، والموحد دعمًا للرئيس الأوكراني في مواجهة رئيس أمريكي يتزعم العالم الغربي، وكانت بلاده هي المنقذ لهم من النازية في الحرب العالمية الثانية، فلم يذعن جميع القادة الأوروبيّين، وفوقهم أستراليا وبريطانيا وكندا، ويرضخوا ويتغاضوا عن إهانة وإذلال زعيم أوروبي يعتبرونه واحدًا منهم، ويقولون له لن تكون وحدك، حتى لو كان مخطئًا، فلا مجال هنا للأعذار والحسابات، فلا شيء يتقدم على الكرامة الوطنية.