الخبر:
بدأت الولايات المتحدة الأمريكية، منذ 15 مارس 2025، واحدة من أكبر الهجمات الجوية على الحوثيّين في اليمن منذ سنوات، بالتعاون مع بريطانيا وإسرائيل. وأعلن الجيش الأمريكي استمرار هجماته عدة أيام بهدف تدمير عشرات المواقع في 6 محافظات يمنية، من بينها العاصمة صنعاء.
استهدفت الضربات، وفق الجيش الأمريكي، معسكرات ومواقع تخزين وتصنيع أسلحة تابعة للحوثيّين، وتدمير المُسيَّرات والصواريخ الجوالة والباليستية ومنظومات الدفاع الجوي، وأيضًا عددًا من قيادات الحوثيّين في صنعاء، فضلًا عن منشآت بنية تحتية مدنية، مثل محطة توليد الكهرباء بمحافظة صعدة ومنشآت تابعة لشركة النفط اليمنية. ونتج عن العمليات قتل وإصابة 150 حتى الآن.
تمَّ تنفيذ الضربات بشكل رئيسي بواسطة الطائرات الأمريكية المتمركزة على حاملة الطائرات “هاري ترومان”، التي عادت مجددًا إلى البحر الأحمر بعدما غادرت لاستهداف الحوثيّين لها، بالإضافة إلى الصواريخ الجوالة من طراز توماهوك من المدمرات الأمريكية والغواصة “يو إس إس جورجيا” فضلًا عن مشاركة طائرات الاستطلاع والقيادة والسيطرة والتزود بالوقود جوًّا والمسيرات، وجميع هذه الطائرات تقلع من القواعد الأمريكية بالخليج والقرن الإفريقي.
التعقيب:
العدوان الأمريكي على اليمن كان متوقعًا لأسباب عدة، خاصَّة أن الحوثيّين تحدوا أمريكا وأحرجوها بقصف حاملات الطائرات والبوارج الحربية وإسقاط طائرات مُسيَّرة متطورة، آخرها إسقاط طائرة مُسيَّرة أمريكية من طراز MQ-9 ريبر أثناء قيامها بطلعة استطلاعية فوق مدينة الحديّدة اليمنية واستهداف مقاتلة أمريكية من طراز F-16 بصاروخ دفاع جوي.
لكن المخاوف في أمريكا هي من توريط ترامب في حرب موسعة في اليمن واضطراره إلى التدخل البري أيضًا، لصعوبة هزيمة الحوثيّين المتحصنين في الجبال، ما قد يورط أمريكا في فيتنام أو أفغانستان أو عراق أخري تستنزف الجنود والميزانية الأمريكية.
من المتوقع أن تستمر الضربات لعدة أيام أو ربما أسابيع، خاصَّة أنها تأتي بالتزامن مع تهديد الحوثيّين باستئناف استهداف حركة الملاحة الدولية في حال استأنفت إسرائيل الحرب في غزة وواصلت حصارها المفروض على القطاع، وتوقع أمريكا استئناف قصف إسرائيل والأسطول الأمريكي في البحر الأحمر مجددًا.
تستهدف الضربات، من وجهة نظر إدارة ترامب المعنية بالاقتصاد أكثر من السياسة، منع الحوثيّين من عرقلة مرور السفن التجارية، خاصَّة الأمريكية والإسرائيلية لما يسببه ذلك من خسائر.
وقد أشار لهذا وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، الذي أكد أن الولايات المتحدة ستشن ضربات “لا هوادة فيها” على الحوثيّين في اليمن لحين وقف عملياتهم العسكرية “التي تستهدف الأصول الأمريكية وحركة الشحن العالمي”.
فقد قصف الحوثيون أكثر من 100 سفينة تجارية بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى إغراق سفينتين ومقتل أربعة بحارة، خلال حملتهم لإسناد قطاع غزة.
واعترف الرئيس الأمريكي ترامب، وهو يبرر العدوان، أنهم منعوا مرور السفن الأمريكية منذ أن بدأت الحرب في غزة، ما انعكس على انخفاض عدد السفن التي تعبر البحر الأحمر من 25 ألف سفينة سنويًّا، إلى حوالي 10 آلاف سفينة.
وقالت وزارة الدفاع الأمريكية إن جماعة الحوثي استهدفت السفن الأمريكية العسكرية والتجارية أكثر من 300 مرة منذ عام 2023، بمعدل 174 للسفن العسكرية، و145 مرة للسفن التجارية.
من وجهة نظر صهاينة إدارة ترامب والمتشددين دينيًّا (تيار المسيحية الصهيونية)، تستهدف الضربات منع الحوثيّين من إسناد غزة، مثلما فعلت إسرائيل مع حزب الله، وهو الهدف الرئيس للعدوان، بحيث لا تجد غزة أي عون ويَجري قصفها بعنف.
وقد أشار المبعوث الأمريكي للتفاوض مع حماس لهذا ضمنًا، وهو يهدد حماس، ويقول لها إن عليها أن تنظر لما تفعله أمريكا في الحوثيّين، ما يعني أن هناك رابطًا بين العدوان علي اليمن وغزة والضغط علي حماس للقبول بمقترحات أمريكية تخدم الاحتلال، ما يعني أن ما يقوم به ترامب استعراض للقوة بالتنسيق مع إسرائيل.
بسبب خروج طائرات أمريكية (الاستطلاع والقيادة والسيطرة والتزود بالوقود) من القواعد الأمريكية بالخليج والقرن الإفريقي، قد يمتد العدوان لتوريط دول الخليج، ما قد يجعل الحوثيّين يقومون بقصفها، خاصة السعودية.
على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت بعض الحسابات الشهيرة، تتحدث عن أن هذا الصدام بدأ يحدث بالفعل، وأن “السعودية تتكتم على قصف حوثي للسعودية ردًّا على القصف الأمريكي، ما تسبب في مقتل 5 جنود سعوديّين ووقوع عشرات الإصابات.
وأكدت هذه الحسابات أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سارع لإبلاغ الحوثيّين أن الطائرات الأمريكية لم تنطلق من المملكة، بل انطلقت من حاملة طائرات ومن قواعد في الإمارات، لكن ابن سلمان لا يستطيع أن ينفي فتح المجال الجوي للأمريكيّين، سواءً للقاذفات أو لطائرات الأواكس.
أحد أهداف العدوان هو لعب ترامب بورقة استهداف الحوثيّين للضغط على إيران للتفاوض حول برنامجها النووي، والمعني الأول بالضربات الأمريكية في اليمن قد يكون إيران، والعدوان على اليمن جزء من آلية التفاوض مع طهران وفق مبدأ “السلام من خلال القوة”، كما يقول خبراء.
أي أن قصف ترامب لليمن أشبه بإرسال رسالة للتفاوض إلى طهران ليذكرها بالقدرات الأمريكية واحتمالات حرب مدمرة لو لم تقبل التفاوض.
إستراتيجية ترامب القائمة على احتمال ردع الحوثيّين خاطئة، فالحوثيون أثبتوا صمودهم وقدرتهم على استهداف السفن وحاملات الطائرات الأمريكية في البحر الأحمر، واستنزفوا مخزون أمريكا الدفاعي المكلِّف.
وبسبب طبيعة بلاد اليمن الجبلية وتكويناتهم القبلية وتخزين السلاح والصواريخ فيها، فشلت العديد من المحاولات الاستعمارية في البقاء في البلاد وهُزمت الامبراطورية البريطانية، كما تمَّ استنزاف الجيش المصري في اليمن ما تسبب في هزيمته في حرب 1967 أمام إسرائيل.
أيضًا تغلب اليمنيون على السعودية والتحالف العربي حارب الحوثيّين لإنهاء سيطرتهم على اليمن والعاصمة صنعاء على مدار 7 سنوات وانتهي الأمر بتوقيع هدنة سعودية معهم.
هناك مخاوف وردت في مقالات وتقارير بدأت تنشر في الصحف الأمريكية حول مخاطر توريط ترامب لأمريكا في حرب مثل حرب فيتنام، تستنزف البلاد، لأن اليمن بلاد استعصت على إمبراطوريات ودول عديدة حاولت احتلالها وقد تكون مستنقعًا لترامب.
وكان الكاتب الأمريكي البارز، توماس فريدمان، حذر في مقال بصحيفة “نيويورك تايمز” أن مستقبل أمريكا بقيادة ترامب، يحمل في جعبته “الانهيار العظيم” لأمريكا.
نبيل خوري نائب السفير الأمريكي في اليمن سابقًا، قال إن عمليات الحوثيّين مرتبطة بما يحدث في غزة، وترامب ليس لديه عقيدة عسكرية، وسيورط أمريكا في حرب طويلة المدى مع الحوثيّين، والضربات لن تردع الحوثيّين، بل سيصمدوا، وستغذي عندهم روح الانتقام من أمريكا.
العدوان الأمريكي قد يدفع الحوثيّين لتصعيد الضربات ضد الأسطول الأمريكي والقيام بعمليات انتحارية فضلًا عن منع مرور السفن الأمريكية أيضًا في البحر الاحمر مثل الإسرائيلية، وقد ظهر هذا التحدي في استمرار الهجمات على حاملة الطائرات ترومان التي تمَّ قصفها مع البوارج الأمريكية مرتين عقب العدوان الأمريكي وسبق قصف حاملات أخري قبل عدوان أمريكا.