خبر وتعقيبغير مصنف

اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.. الدلالات والمكاسب والخسائر

الخبر:

بعد 15 شهرًا من حرب الإبادة والعدوان الصهيوني الوحشي على قطاع غزة ومقتل ما يقرب من 50 ألفًا من المدنيّين الفلسطينيّين، أعلنت قطر والولايات المتحدة التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ يوم الأحد 19 يناير 2025م، وسط آمال بأن يكون الاتفاق نهاية فصل مظلم من الحرب.

الاتفاق الذي تؤكد صحف إسرائيلية أنه هو نفس الاتفاق الي سبق التوصل إليه قبل ستة أشهر ورفضته الحكومة الصهيونية تضمن ثلاثة مراحل:

تشمل المرحلة الأولى (ستة أسابيع) انسحابًا تدريجيًّا للقوات الإسرائيلية من وسط قطاع غزة، وعودة النازحين الفلسطينيّين لشمال القطاع، وإطلاق سراح 33 أسيرًا إسرائيليًّا (من النساء والأطفال والرجال لمِن هم فوق الخمسين عامًا، بالإضافة إلى رفات القتلى الإسرائيليّين)

في المقابل، تفرج إسرائيل عن 30 معتقلًا فلسطينيًّا مقابل كل أسير مدني إسرائيلي، و50 أسيرًا مقابل كل مجندة إسرائيلية يتم الإفراج عنها، بحيث تفرج إسرائيل عن 990 إلى 1650 معتقلًا فلسطينيًّا بنهاية المرحلة الأولى.

يعقب هذا المرحلة الثانية من الاتفاق التي لم يجر الانتهاء منها بعد، بحلول اليوم 16 من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يشمل إطلاق سراح جميع أسرى الاحتلال المتبقين ووقف دائم لإطلاق النار والانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية.

والمرحلة الثالثة تدور حول تسهيل إعادة إعمار غزة تحت إشراف مصر وقطر والأمم المتحدة.

التعقيب:

بحسب الإعلام الإسرائيلي، الصفقة المعروضة من قبل الأمريكيّين تحتوي على بنود رفضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه مرارًا، مثل الانسحاب من قطاع غزة على مراحل، والسماح لمليون نازح بالعودة إلى الشمال، وكذلك السماح لنحو 300 نازح بالعودة إلى رفح.

هذا بالإضافة للانسحاب تدريجيًّا من معبر رفح ومحور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وإفراج “إسرائيل” عن آلاف المعتقلين من غزة والضفة، منهم أصحاب المؤبدات العالية، وهو ما وصفته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية بأنه “صفقة ممتازة بالنسبة لحركة حماس، تمثل حلمًا سيتم تذكره طويلًا في تاريخ الحركة، باعتباره انتصارًا كاملًا على إسرائيل”.

موافقة نتنياهو أخيرًا على نفس الاتفاق الجاهز منذ 6 أشهر جاء بسبب تدخل الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب وتهديده نتنياهو، قبل حماس، بقبول الصفقة، بهدف تحقيق أهداف ومكاسب شخصية، منها توفير نفقات الحرب، حيث أعطت أمريكا إسرائيل أسلحة بـ 28 مليار دولار منذ عملية “طوفان الأقصى”، وتوسيع اتفاقيات أبراهام للتطبيع بين الكيان الصهيوني والدول العربية والإسلامية.

بحسب كبير المراسلين الدبلوماسيّين في صحيفة “هآرتس”، حاييم ليفنسون، ضغط رجل الأعمال المقرب من ترامب، ومبعوثه لإسرائيل “ستيفن ويتكوف” على نتنياهو وهدده وأهانه وأجبره على لقائه يوم السبت المقدس لدي اليهود ليبلغه ضرورة قبول الصفقة، وبعد 48 ساعة تمَّ إعلان وقف القتال وتبادل الأسري.

قبل هذا، وّجَّه ترامب رسالة إهانة وتهديد أخري لنتنياهو بنشر فيديو لصديقه جيفري ساكس، وهو يشتم نتنياهو بألفاظ نابية، ويقول إنه يريد توريط أمريكا في “حروب لا تنتهي في الشرق الأوسط”.

صحيفة “تايمز أوف اسرائيل” أكدت في 15 يناير 2025م، أن “نتنياهو تراجع عن مواقفه وقبل اتفاق غزة بعد اجتماع صاخب مع ممثل ترامب تعرَّض فيه للإهانة من ترامب بشكل لم يتوقعه”.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “إيهود باراك” إن “الموافقة الإسرائيلية على الصفقة جاءت بسبب ضغط ترامب، وليس انطلاقًا من الالتزام الأخلاقي والإنساني تجاه المختطفين”.

أكد موقع “بلومبيرغ”، في 15 يناير 2025م، أن ترامب أجبر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وأعضاء حكومته من اليمين المتطرف، على مواجهة خيار إمَّا اللعب وقبول الصفقة، أو إغضابه، وهو الزعيم الأكثر استجابة لمطالب إسرائيل. وصحف إسرائيل قالت إن نتنياهو وافق حتى يكسب دعم ترامب له في ضرب إيران.

أهداف ترامب من وقف الحرب قبل توليه السلطة بخمسة أيام عديدة، وبعضها شخصي، لنسبة الفضل لنفسه كبداية قوية لحكمه، ولوقف إهدار أموال الولايات المتحدة في حرب إسرائيل، والالتفات للحرائق المشتعلة في أمريكا، والتي بلغت تقديرات الكلفة الاقتصادية لها ما بين 250 مليار دولار إلى 275 مليار دولار حتى الآن، وفق تقديرات شركة “أكيو ويذ” “AccuWeather” الأمريكية.

وفي 4 يناير 2025م، أعطت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أسلحة جديدة لإسرائيل بقيمة 8 مليارات دولار، بحسب موقع “أكسيوس”، وكانت وافقت في أغسطس 2024م على تقديم أسلحة أخري بـ 20 مليار دولار، أي بإجمالي 28 مليارًا لإبادة غزة، وهي مبالغ أثارت غضب أمريكيّين قارنوا بين أخذ أموالهم لتدمير غزة وحال مبانيهم المدمرة مثل غزة بفعل تقليص أموال إدارة الإطفاء.

ترامب يستهدف من وقف حرب غزة، وسعيه أيضًا لوقف حرب أوكرانيا للفوز بجائرة نوبل، التي ترشح لها عام 2020م، لكنه لم يفز بها.

ترامب يريد توسيع اتفاقيات التطبيع (أبراهام) التي أدت لتطبيع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان عام 2019م، ويستهدف السعودية تحديدًا، التي سبق أن تمَّ ربط التطبيع معها – كجائزة لنتنياهو – بوقف حرب غزة، وأكد هذا عقب إعلان وقف القتال، مؤكدًا: “سوف نستخدم اتفاق وقف إطلاق النار في غزة كقوة دافعة لتوسيع اتفاقيات إبراهيم”.

وأكد هذا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، بقوله يوم 14 يناير 2025م إن توقيع اتفاق وقف القتال في غزة سوف يُسهل التوصل إلى اتفاق تطبيع بين إسرائيل والسعودية.

اتفاقات إبراهام السابقة والجديدة التي يطمح لها ترامب ترتبط غالبًا بصفقات اقتصادية، ويُعتقد أنها ستكون حجة لابتزاز الخليج للتبرع لصندوق إعمار قصور ومنتجعات أغنياء لوس أنجلوس التي احترقت وتعويض خسائر أمريكا عمومًا، التي تقترب من 300 مليار دولار.

ترامب وعد إسرائيل بـ “حقيبة هدايا” مقابل الموافقة على الاتفاق، بحسب محلل الشؤون الاستخباراتية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، رونين بيرغمان، نقلًا عن “مصدر مطلع على التفاصيل”.

الهدايا المعلنة – بجانب توسيع التطبيع مع الدول العربية – هي سماحه لإسرائيل بخرق اتفاق وقف القتال في غزة في المستقبل لو أرادت بحجج مختلفة، وبعدما تكون استعادت أسراها، والسماح لها بتوسيع كبير للاستيطان في الضفة لإرضاء تيار الصهيونية الدينية في حكومة نتنياهو، الرافض للاتفاق.

وأيضًا إلغاء العقوبات على المستوطنين الإرهابيّين ورفع شركة  (NSO)الإسرائيلية، مشغلة برامج التجسس “بيغاسوس”، من القائمة السوداء الأمريكية التي وضعها فيها الرئيس الأمريكي المتهية ولايته جو بايدن؛ لأنها باعت أجهزة تجسس للحكومات العربية لاستخدامها ضد المعارضين ما ينتهك حقوق الإنسان.

ضمن هدايا ترامب وأمريكا لإسرائيل لقبول الصفقة، اعتزام ترامب شن “حرب ضروس” ضد المحكمتين الدوليتين في لاهاي، وضد إصدار مذكرات الاعتقال الدولية بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضد خطوات أخرى قد تتخذ بحق مسؤولين إسرائيليّين آخرين”.

وفي هذا السياق، أصدر مجلس النواب الأمريكي الذي يسيطر عليه نواب الحزب الجمهوري (حزب ترامب) قرارًا بمعاقبة قضاة محكمة العدل الدولية، وينتظر موافقة مجلس الشيوخ وتوقيع ترامب عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى