مقدمة
منذ مطلع ديسمبر 2025م، لم تعد الأزمة اليمنية تتحرك ضمن إطار التوازنات الهشَّة والمتناقضة التي كونت معسكر مناهضي الحوثيّين لسنوات، بل دخلت مرحلة جديدة يمكن توصيفها بمرحلة المواجهات المؤجلة.
ففي هذه المرحلة، لم يَعد الخلاف يدور حول إدارة النفوذ أو توزيع الأدوار، بل حول مَن يمتلك حق تقسيم الجغرافيا السياسية لليمن، ومَن يملك شرعية فرض الوقائع على الأرض بسياسة القوة.
لقد مثَّل التمدد العسكري المفاجئ للمجلس الانتقالي الجنوبي باتجاه محافظتي حضرموت والمهرة نقطة تحول استراتيجية، ليس فقط لأنه نقل الصراع إلى شرق اليمن، بل لأنه استهدف المساس بقلب معادلة الأمن القومي السعودي.
وكذلك أعاد فتح سؤال وحدة اليمن من زاوية التوازنات الأمنية الإقليمية لا من وجهة نظر التوازنات اليمنية الداخلية فقط.
في هذا السياق، جاء التحول السعودي من سياسة الاحتواء الهادئ إلى الردع الصريح كإعلان مباشر عن إنتهاء صلاحية نموذج الوكيل المحلي المنفلت من الضبط الاستراتيجي، وتأكيدًا على أن شرق اليمن لم يَعد ساحة قابلة للتجارب السياسية أو المغامرات التوسعية.
وقد تزامن ذلك مع تراجع الغطاء الإماراتي، وانكشاف القيادة الانفصالية ميدانيًّا وسياسيًّا، وصولًا إلى اللحظة المفصلية في 9 يناير 2026م، حين تمَّ إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي من داخل العاصمة السعودية الرياض.
إن هذا الإعلان يُعد بمثابة إعلان عن انهيار نموذج (سياسي-عسكري) كامل تمَّ اعداده عبر سنوات، وإعادة فتح القضية الجنوبية ضمن شروط جديدة، تفرضها موازين القوى الإقليمية أكثر مما تفرضها الوقائع المحلية.
أولًا: تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن
في 3 ديسمبر 2025م، أقدم المجلس الانتقالي الجنوبي على تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، تمكن خلالها من بسط سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة، في خطوة مثلت تحولًا جذريًّا في طبيعة سلوكه وطموحاته السياسية والعسكرية.
فهذا التمدد لم يكن مجرد توسع جغرافي، بل إعلانًا صريحًا عن الانتقال من دور “الفاعل المحلي ضمن تحالف الشرعية” إلى محاولة لعب دور الكيان السيادي البديل، الذي يستطيع – طبقًا لتقدير قيادته – فرض معادلات جديدة بالقوة. حيث تكتسب حضرموت والمهرة أهمية استثنائية في معادلة الصراع اليمني، ليس فقط لكونهما تمثلان الامتداد الجغرافي الأكبر لليمن، بل لأنهما تشكلان العمق الحدودي المباشر مع المملكة العربية السعودية، وبوابة اليمن على بحر العرب، وممرًا حيويًّا هامًّا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية أو اقتصادية مستقبلية فيما بعد مرحلة الحرب.
ولذلك فإن دخول المجلس الانتقالي إلى محافظات شرق اليمن كان رهانًا استراتيجيًّا عالي المخاطر، هدفه إعادة تعريف المجال الحيوي للمجلس، ونقل مشروعه من قضية جنوبية إلى مشروع يفرض نفسه على كامل المعادلة اليمنية والإقليمية.
أهداف التمدد
يمكن تفكيك أهداف هذا التمدد ضمن ثلاثة مستويات مترابطة:
1- هدف سياسي تفاوضي: سعى المجلس الانتقالي إلى تحسين موقعه التفاوضي مستقبلًا عبر السيطرة على أوراق جغرافية حساسة، بما يسمح له بالدخول في أي تسوية سياسية قادمة بوصفه طرفًا لا يمكن تجاوزه، لا ممثلًا لقضية جزئية فحسب، بل لاعبًا رئيسًا يمتلك مفاتيح الأرض والموارد والمنافذ البحرية.
2- هدف رمزي لزيادة النفوذ والسيادة: أراد المجلس كسر الصورة النمطية التي حصرت نفوذه في عدن ولحج وأبين، وتقديم نفسه كسلطة قادرة على إدارة “دولة جنوبية موسعة”، تمتد من باب المندب إلى بحر العرب، بما يُعزز خطابه الانفصالي ويمنحه مضمونًا جغرافيًّا ملموسًا له قدرة على بسط السيادة عليه.
3- هدف سياسي إقليمي غير معلن: راهن المجلس والقوى الإقليمية المحركة له على استمرار الغموض والجمود في الموقف الإقليمي العام، وافتراض أن التحرك السريع وفرض الأمر الواقع قد يَدفع الأطراف الإقليمية إلى التعامل معه كحقيقة قائمة، لا كخيار قابل للإلغاء.
سوء التقدير الاستراتيجي
غير أن هذا التمدد اصطدم بجملة من الحقائق التي كشفت عن مدى سوء التقدير الاستراتيجي لدى قيادة المجلس الإنتقالي:
1- تجاهل المجلس حقيقة أن شرق اليمن يشكل خطًّا أحمر في العقيدة الأمنية السعودية، وليس ساحة قابلة للمناورة السياسية والمغامرات العسكرية.
2- افتقر التمدد إلى أي غطاء داخلي حقيقي، سواء من النخب المحلية في حضرموت والمهرة، أو من البنية الاجتماعية القبلية التي تنظر بريبة لأي قوة وافدة.
3- تمَّ اتخاذ القرار على افتراض استمرار الغطاء الإماراتي، دون إدراك لتحولات حسابات أبوظبي وتراجع استعدادها لتحمُّل كلفة المواجهة المفتوحة مع الرياض.
وبذلك، تحوَّل التمدد من أداة لفرض الوقائع إلى عامل تسريع لانكشاف المشروع نفسه، وأدخل المجلس في مواجهة مباشرة مع السعودية وهي القوة الإقليمية الأثقل وزنًا في الملف اليمني، دون امتلاك أدوات الصمود أو حتى إدارة مرحلة التصعيد في المواجهة.
من قمة استعراض القوة إلى بداية الانهيار
يمكن القول إن لحظة التمدد إلى حضرموت والمهرة مثلت الذروة القصوى في طموح المجلس الانتقالي، لكنها في الوقت ذاته كانت نقطة بداية الانهيار.
فبدل أن تفرض هذه الخطوة واقعًا جديدًا، كشفت حدود القوة، وأظهرت بوضوح هشاشة المشروع عندما ينتقل من مناطق النفوذ التقليدية إلى مساحات ذات حساسية سيادية إقليمية.
لذلك لم يكن ما تلا ذلك من ضربات جوية سعودية وردود الفعل الإقليمية الصارمة سوى نتيجة منطقية لاختلال ميزان التقدير، وانكشاف الفجوة بين الطموح السياسي والقدرة الفعلية على تحمُّل تبعاته.
ثانيًا: تحوُّل الموقف السعودي من الاحتواء إلى الردع
التمدد العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي داخل محافظتي حضرموت والمهرة كان بمثابة التغيُّر الكبير في رؤية المملكة العربية السعودية نحو مسار الأزمة اليمنية.
فبهذا التمدد انتقل المجلس من كونه طرفًا محليًّا مثيرًا للتوتر داخل معسكر مناهضي الحوثيّين إلى عامل تهديد مباشر لمعادلات الأمن القومي السعودي، لا سيما أن شرق اليمن يمثل عمقًا حدوديًّا وسياديًّا حساسًا للمملكة لا يَحتمل الغموض المستقبلي أو الترتيبات المسلحة غير المنضبطة.
سبق التحرُّك العسكري السعودي جملة من التحذيرات السياسية والأمنية الواضحة التي وُجِّهت إلى أبوظبي، أكدت فيها الرياض رفضها القاطع لأي تمدد غير منسق للمجلس الانتقالي في شرق اليمن، وحَذَّرت من استمرار قنوات الدعم اللوجستي الخارجة عن الإطارات المتفق عليها، وشددت على أن حضرموت والمهرة تمثلان خطًا أحمر لا يقبل المساومة.
لم تطرح هذه الرسائل والتحذيرات بصيغة خلاف داخل التحالف، بل بوصفها خطوطًا حمراء نهائية لا تقبل التفاوض وتهدف إلى منع انزلاق المشهد نحو تفكك غير قابل للسيطرة.
ومع تجاهل المجلس الانتقالي لهذه التحذيرات، انتقلت السعودية في 26 ديسمبر 2025م من سياسة الاحتواء إلى الردع المباشر، ونفذت أولى الضربات الجوية التي استهدفت مواقع تابعة لقوات المجلس في حضرموت.
حملت هذه الضربات دلالة واضحة على انتهاء مرحلة التساهل السعودي مع فرض الوقائع بالقوة، ورسالة بأن شرق اليمن لم يَعد ساحة مفتوحة للمغامرات السياسية أو العسكرية.
ثم جاءت الضربة النوعية في 30 ديسمبر 2025م ضد سفن ومعدات عسكرية في ميناء المكلا، ثبت ارتباطها بخطوط إمداد قادمة من ميناء الفجيرة دون تصاريح رسمية، لتشكل لحظة فارقة في مسار التحول السعودي.
فاستهداف شبكات الإمداد لا المواقع القتالية فقط، عكس استعداد الرياض لكشف وتعطيل أي أدوار مزدوجة لدولة الامارات داخل التحالف، وإنهاء مرحلة إدارة التباينات خلف الكواليس.
في اليوم نفسه، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة سحب ما تبقى من قواتها من اليمن. ورغم تقديم القرار إعلاميًّا بوصفه إعادة تموضع، فإن توقيته المتزامن مع الضربة الجوية في المكلا كشف طبيعته الحقيقية كـانسحاب وقائي من ملف أصبح عالي التكلفة، واختيارًا لتفادي الاصطدام المباشر مع التوجهات الصارمة السعودية الجديدة التي أعادت رسم حدود الدور المسموح به لكل طرف داخل التحالف.
أدَّى هذا الانسحاب إلى تجريد المجلس الانتقالي الجنوبي من غطائه الإقليمي الأساسي، وتركه مكشوفًا أمام الضغط العسكري والسياسي السعودي، مما سرع من عزلته الداخلية، ومهد لانهياره القيادي والسياسي خلال الأيام اللاحقة.
وبذلك، لم يكن التحول في الموقف السعودي ولا الانسحاب الإماراتي حدثين منفصلين، بل حلقتين متكاملتين في مسار واحد أنهى مرحلة إدارة التناقضات داخل التحالف، وفتح مرحلة جديدة أعادت الضبط للأدوار والمهام في اليمن، انطلاقًا من أولوية الأمن القومي السعودي واستقرار شرق البلاد.
ثالثًا: تفكُّك معسكر الشرعية وتعقد الأزمة اليمنية
أظهر التصعيد في شرق اليمن عن مدى تفكُّك بنية معسكر الشرعية اليمني، الذي وَجَد نفسَه أمام تحولات إقليمية متسارعة دون امتلاك أدوات داخلية موحدة لإدارتها.
فمع التحوُّل السعودي الحاسم، والانسحاب الإماراتي من المشهد العسكري، بَرز فراغ واضح في داخل هذا المعسكر، خصوصًا فيما يتعلق بضبط سلوك المجلس الانتقالي أو احتوائه سياسيًّا.
في هذا السياق، انتقلت الإمارات عمليًّا إلى موقع المراقب المنسحب من خطوط الاشتباك المباشر، مكتفية بخفض تدخلها في ملف أصبح عالي التكلفة بالنسبة لها في حال المواجهة المباشرة مع السعودية، وهو ما أضعف التوازنات الداخلية لمعسكر الشرعية، وترك المجلس الانتقالي دون الغطاء الإقليمي الذي مكنه سابقًا من المناورة والتمدد.
أمام هذا الانكشاف المفاجيء، حاول المجلس الانتقالي الجنوبي القفز إلى الأمام عبر تصعيد خطابه الانفصالي، غير أن هذه المحاولة جاءت في لحظة ضعف لا قوة، وساهمت في تعميق عزلته وانكشافه بدلًا من تعزيز موقعه.
وتجلى هذا الأمر بوضوح مع هروب رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، خارج البلاد، في حدث مثل ضربة قاصمة لرمزية القيادة الجنوبية، وكشف هشاشة البنية السياسية الداخلية للمجلس واعتماده المفرط على الخارج.
ثم في 9 يناير 2026، جاء إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي تتويجًا لهذا الانهيار. وقد أضعف هذا التطور بالطبع أحد أبرز مكونات الصراع العسكري في المشهد اليمني، لكنه في الوقت ذاته زاد من تعقيد الأزمة مرحليًّا على الأقل، نظرًا لغياب بديل تمثيلي جاهز للمكون الجنوبي، واستمرار الانقسامات داخل معسكر الشرعية نفسه.
وهكذا، دخلت الأزمة اليمنية مرحلة انتقالية تتسم بسيولة سياسية عالية، فيما تبقى فرص الاستقرار مرهونة بقدرة القوى اليمنية مع توافر دعم إقليمي منضبط، على إعادة بناء إطار سياسي جامع لا يعيد إنتاج التفكك ومحاولات التقسيم بأدوات جديدة.
رابعًا: الانعكاسات الإقليمية للصراع في شرق اليمن
أعاد التصعيد في شرق اليمن نقل الأزمة من إطارها المحلي إلى مستوى إقليمي مباشر، بحكم حساسية المناطق الجغرافية التي شملها الصراع، وارتباطها بأمن الخليج، وبحر العرب، والممرات البحرية الدولية.
فقد بات واضحًا أن أي اختلال في حضرموت والمهرة لا ينعكس على الداخل اليمني فحسب، بل يمتد أثره إلى دول الجوار ومجمل منظومة الاستقرار الإقليمي.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، مثّل الصراع تأكيدًا عمليًّا على أن شرق اليمن يشكل عمقًا استراتيجيًّا وأمنيًّا غير قابل للمساومة، ما يفسر مسار الحسم العسكري والسياسي الذي اتخذته الرياض لمنع تشكل كيانات مسلحة لها أجندة انفصالية قرب حدودها الجنوبية أو على منافذ بحر العرب.
هذا الحسم حمل رسائل ردع إقليمية قوية مفادها أن مرحلة التساهل مع التلاعب عن طريق الوكلاء وفرض الوقائع بالقوة قد انتهت.
في المقابل، اتجهت الإمارات إلى إعادة التموضع عبر الانسحاب من المشهد العسكري، اختيارًا لتفادي التصادم مع التوجهات السعودية الجديدة، دون التخلي الكامل عن أدوات النفوذ غير المباشر.
أما سلطنة عمان بحكم حدودها المباشرة مع محافظة المهرة، فقد وجدت نفسها معنية بشكل مباشر باستقرار شرق اليمن، نظرًا لما يمثله أي انفلات أمني من مخاطر على أمنها الحدودي وسياساتها القائمة على التهدئة وعدم التصعيد.
وظيمنح هذا الواقع مسقط دورًا في دعم مسارات الاحتواء السياسي ومنع تمدد الفوضى إلى مناطق التماس الحدودي.
أيضًا تزامن التصعيد في شرق اليمن مع تصاعد تهديدات الملاحة في خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، مما عزز التقارب بين الرؤيتين السعودية والمصرية حول أولوية تأمين الممرات البحرية الحيوية، وربط استقرار شرق وجنوب اليمن مباشرة بأمن التجارة الدولية وقناة السويس.
بذلك لم يَعد الصراع في شرق اليمن ومحاولات الانفصال الجنوبية ملفًا يمنيًّا داخليًّا، بل تحول إلى قضية إقليمية حساسة، أعادت ترتيب أولويات الأمن الأقليمي، وفرضت توجهات أكثر صرامة لمنع تحول شرق وجنوب اليمن إلى ساحة مفتوحة لتعدد الأجندات والوكلاء.
خامسًا: البحر الأحمر وباب المندب في الحسابات الإقليمية والدولية
جاء التصعيد في شرق اليمن إستمرارًا لتسليط الضوء على أهمية البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما مجالين حيويين يتجاوز تأثيرهما حدود الصراع اليمني ذاته.
فاستقرار هذه المنطقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة الدولية، وبمصالح دول إقليمية رئيسة في مقدمتها مصر والسعودية، إلى جانب أطراف دولية تسعى إلى توسيع حضورها في هذا المنطقة البحرية الاستراتيجية الهامة.
بالنسبة لمصر، يُعد أمن البحر الأحمر وباب المندب جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، نظرًا لارتباطه المباشر بحركة الملاحة في قناة السويس، وما تمثله من أهمية اقتصادية واستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، تنظر القاهرة بقلق إلى أي تطورات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في جنوب البحر الأحمر، سواء نتيجة تصعيد عسكري في اليمن، أو بسبب تحولات سياسية وأمنية في الضفة الإفريقية المقابلة.
وقد ازدادت هذه المخاوف مع التطورات الأخيرة في أرض الصومال، ولا سيما بعد الإعلان عن اعتراف إسرائيلي بها، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية خطيرة تتجاوز الإطار المحلي.
فهذا الاعتراف يعكس سعيًا إسرائيليًّا لتثبيت موطئ قدم في منطقة قريبة من مضيق باب المندب، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين النفوذ في القرن الإفريقي.
في هذا السياق، يَبرز الدور الإماراتي بوصفه عاملًا مؤثرًا في معادلة أرض الصومال، من خلال علاقات سياسية واقتصادية وأمنية ممتدة، تدار ضمن رؤية أوسع لتعزيز الحضور في الموانئ والممرات البحرية.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن التحولات في البحر الأحمر، ومحاولات السيطرة على الموانئ الرئيسة والتي تعد قواعد نفوذ لوجستي، ومؤثرة على أمن الملاحة العالمي، وبالتالي تعد عناصر متداخلة في حسابات القوى الإقليمية.
هذا المشهد المعقد يجعل من البحر الأحمر وباب المندب نقطة التقاء لمصالح متشابكة، تتأثر بما يجري في شرق وجنوب اليمن، وكذلك التطورات في القرن الإفريقي.
هذه التطورات المتسارعة زادت من التقارب بين الرؤيتين المصرية والسعودية حول ضرورة الحفاظ على استقرار بحر العرب وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، ومنع تحول هذه المنطقة الاستراتيجية إلى ساحة مفتوحة للتنافس المحموم المنفلت أو لفرض وقائع جديدة تهدد أمن الملاحة الدولية.
الخاتمة
أظهرت التطورات التي شهدها شرق اليمن منذ بدايات ديسمبر 2025م أن الأزمة اليمنية دخلت مرحلة مختلفة، اتسمت بتداخل العوامل المحلية مع الحسابات الإقليمية بصورة أوضح من السابق.
فقد أدى تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي، ثم الرد السعودي، والانسحاب الإماراتي، وصولًا إلى حل المجلس الجنوبي لنفسه، إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، دون أن يعني ذلك اقتراب الأزمة اليمنية من نهايتها.
لقد كشفت هذه المرحلة عن محدودية وهشاشة المشاريع المسلحة التي تعتمد على فرض الوقائع الانفصالية بالقوة، وأظهرت في المقابل عودة الاعتبارات الأمنية الإقليمية لتلعب دورًا حاسمًا في توجيه مسار الصراع.
على المستوى الدولي والإقليمي، أصبح واضحًا أن استقرار اليمن مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وما يشهده هذا المجال البحري من تحولات في القرن الإفريقي، مما يجعل الصراع اليمني جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز الحدود اليمنية، وتمس بصورة مباشرة أمن الملاحة في البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية.
من هنا يتضح أن أي مسار سياسي قادم سيكون اختبارًا لقدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على إدارة التوازنات الداخلية في اليمن، بما يضمن حماية الممرات البحرية الحيوية، وعدم المساس بالأمن القومي للدول الرئيسية الفاعلة، واستقرار النظام الإقليمي.




